بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فإن مما يميز أهل العلم والإنصاف أنهم يكتبون مالهم وما عليهم، عمدتهم في ذلك الإخلاص في طلب الحق ونصرة العدل، أما أهل الضلال والجور فإن من منهجم أنهم لا يكتبون إلا ما يعتقدونه مساندا لباطلهم، وداعما لضلالهم، وقد ادعى خصومنا فيما ادعوه أنهم ينتقدون الديانات السماوية - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا - ، وهذا لو سلمنا بصحته مع أنه من المحال عقلا، فإن منهج النقد العلمي القويم يقتضي ممن ادعاه أن يلتزم به وأن يبدي من محاسن خصومه ما يستلزمه مقام النقد وأمانة العلم.
إلا أنا حين ننظر فيما سوده الخصوم من الصفحات، لا نرى سوى حملةٍ مسعورةٍ قد بدت البغضاء من أفواه أصحابها وأقلامهم وما تخفي صدورهم أكبر، حملة تتقزم فيها كل دعاوى العلمية والمنهجية والعقلانية، وههنا جملة قضايا ألخصها فيما يلي:
1- إن القدح في فروع الشريعة بهدف نقدها مسلك غير سوي، ولا علمية فيه، فإن الأصل في النقد العلمي أن يكون منصباً على الأسس التي بنيت عليها الفروع، ومن المقرر عقلا أن صحة الأصل يستلزم بالضرورة صحة الفرع الذي بني عليه.
ومعنى ذلك أن الكلام في دين الله تعالى فرع عن الكلام في الأصول التي بني عليها هذا الدين، كالرسالة والوحدانية والنبوة، فإذا ثبتت صحة هذه المقدمات سلمنا حينئذ بما نتج عنها وتفرع منها، وإذا بطلت هذه المقدمات بطل ما بني عليها.
أما ما جرى عليه الخصوم من الخوض في الفروع والجزئيات قبل الحكم على أصولها وكلياتها، فأراه منهجا متهالكاً لا يدل على نظر صحيحٍ، لأجل ذلك وصف من سلك هذا المسلك بالسفاهة في قوله تعالى" سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها"، ولأجله أيضا رد القرآن على الكثير من الشبهات التي أثارها المغرضون لئلا ينجر المسلمون إلى معركة لا طائل من ورائها.
أما ماكان من مناظرتنا للخصوم في بعض الدعاوى التي أوردوها على بعض الفروع والتي بينا من خلالها خطأ الخصوم في تصورها وفهمها، فنحن إنما فعلنا ذلك من باب مجاراتهم وكشف عوار شبهاتهم، وإلا فإن الكلام في الأصول هو الأليق؛ لأنه كلام محدود، والأولى بطالب الحق – أو الناقد – أن ينظر في الأصول التي اتفقت عليها أمة الإسلام وأن يتكلم فيها إن كان عنده ما يقول، أما الفروع فسيظل المتحيرون يتكلمون فيها حتى يأتيهم اليقين، ولك بعد هذا عزيزي القارئ أن تحكم على الخصوم هل هم أصحاب عقل وبصيرة وطلابُ يقين أم لا؟.
وتنبيه أحببت ألا يفوت القراء الكرام، وهو أن كل من أراد الخوض في نقد الأصول لزمه أمران اثنان:
الأول: أن يثبت أن المسألة التي يتكلم فيها مما يمكن أن يوصف بأنه أصل، وذلك لأن الأمة اتفقت على مجموعة من القضايا الكلية وعدتها أصولاً: كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ حيث إن الخروج عليها يعد خروجاً من الدين، وبهذا الاعتبار كانت أصولاً، وحق لنا أن نصف خصومنا الخارجين على هذه الأصول بأنهم كفار لانماري في ذلك و لانداري، وفي الوقت نفسه فإن علماءنا رحمهم الله تعالى تنازعوا في بعض المسائل، هل هي من الاصول أم لا؟ كترك الصلاة مثلاً وغيرها من المسائل، فمن دلت الأدلة عنده على أنها شبيهة بالأصول ألحقها بها، ومن رأى بها شبهاً بالفروع قال بفرعيتها، والذي يبدو لي أن التنازع في كونها أصولا أم لا يخرجها عن مسمى الأصول، والحاصل أننا أردنا التنبيه على هذا حتى لا تتحول الفروع إلى أصول أو العكس.
والثاني: أن يقيم لنا الدليل على بطلان هذا الأصل مستنداً إلى ذات المنهج الذي دل على أنه أصل معتبر عند من يخالفه، وحينئذ لا يكفي إدعاء أن أصلاً ما مخالف لمقتضى العقول، حتى يقيم عليه الحجة بمقتضى نظر الخصم، وأرجو أن تكون العبارة واضحة غير مشكلة.
2- حين نتكلم عن النقد العلمي لأي مسألة من المسائل فلا مناص من بيان المنهجية التي سيعتمدها الناقد في بحثه الحثيث نحو الوصول إلى نتيجة كلية تفيد تناقض أدلة الخصوم أو تعارضها دون أن يكون هناك وجه- عقلي أو شرعي- ممكن للجمع بينها ، ولابد كذلك من بيانٍ واف لسبب اختيار تلك المنهجية، لأننا نحاكم الناقد من خلال منهجيته التي من المفترض أن يسير عليها حتى نستطيع أن نحكم إما له أو عليه،خاصة حين يطلب منا خصومنا أن نتخلى عن عقيدة نعتقد أنها أسمى عقيدة وأصحها، ونعتقد كذلك أنها لا تتعارض مع العقول الصحيحة الصريحة في شئ من الأشياء، ويطلب منا خصومنا مقابل ذلك أيضاً أن نتبع زبالات أفكارهم وتخيلات عقولهم واضطرابات نفوسهم التي لا تستقر على فكر ولا ترتاح لأمر، فكلما أثبتت عقولهم لهم شيئاً، رأيتهم يناقضونه في الصفحة ذاتها أو المقال ذاته بناء على نتاج عقولهم كذلك دون خجل أو وجل.
فعلى سبيل المثال نرى الخصوم يتذبذبون في دعاواهم ويناقضون أنفسهم حين يختارون من أحداث التاريخ ما يوافق أهواءهم، ثم بعد ذلك يردونها إذا صدرت من خصومهم، وقد بينا شيئاً من ذلك فيما كتبنا، وحينئذ لا يمكن أن توصف منهجيتهم – إن كان لديهم منهجية أصلا- بالعلمية أو الواقعية التي يعرفها كل تلميذ درس في مدارسنا الابتدائية فضلا عمن يريد أن ينتقد الأديان السماوية.
أما قولهم إنهم يتحاكمون إلى العقل فهذه عبارة مجملة تحتاج إلى تفصيل، ومن أيسر ما يرد على ذلك سؤال يقول: إذا اختلف عقلي وعقلك في مسألة ما، فعقل من سيكون الفيصل بيننا؟ فإن قال الخصوم: عقل زيد هو الفيصل، قلنا ولم لا يكون عقل عمرو؟ فإن وافقونا قلبنا الصورة وأعدنا عليهم السؤال ذاته، ولن يكون في إمكانهم أن يجيبوا إجابة مقنعة لعقولهم هم، فكيف يجعل الخصوم تقرير الحق والباطل إلى ميزان جائر غير دقيق.
وأمر آخر وهو أن العقول تختلف اختلافاً كثيرا فيما بينها لأسباب كثيرة أيضاً: فالهوى من أكبر دعاة الخلاف بين العقول، وكذلك ضعف الإدراك وقوته من عقل لآخر، وثقافة المخالف التي شكلت عقله وفكره، والعقل مسبوق بالعدم وسيصير إلى العدم فهو لا يفكر إلا محكوماً بهذه الحدود الضيقة.
حينئذ يتقرر عند العاقل أن العقل وحده لا يمكن أن يكون على صواب مطلقاً ولا على خطأ مطلقاً، والمعضلة التي يواجهها الخصم هي: من يبين لهم خطأ العقل من صوابه إذا استغنوا عن الوحي الإلهي المعصوم؟
3- لابد حين المحاجة من تصور المسألة التي يراد نقدها تصوراً صحيحاً، وربطها بجميع جزئياتها التي تتصل بها من قريب أو بعيد، وهذا معناه ضرورةً الإلمام بالدين وفقهه فقها يمكن صاحبه من فهم المسألة التي يتكلم فيها، أو على أقل تقدير الإلمام بها إلماماً يتفق مع شرع الله تعالى وقواعد الدين العامة،وقد شهد خصومنا على أنفسهم بأنهم لم يدرسوا الإسلام حق الدراسة، وأنهم إنما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، وكفى بهذا الاعتراف شهادة على أنفسهم بالجهل في دين الله تعالى، وحينئذ يقال للخصوم – هذا إذا أحسنا الظن بهم- ، إن هذا التعارض أو التناقض الذي زعمتموه بعد اعترافكم بالجهل بدين الله تعالى راجع إلى جملة أمور منها:
أ- ضعف عقولكم في تصور المسائل التي تخاصمون فيها وتجادلون وتعتقدون تناقضها أو عدم موافقتها للعقل، وقد قررنا آنفاً أن العقل المجرد لا يمكن الاعتماد عليه مطلقاً في رد ما يتوهم فيه التناقض، لأن الحجج العقلية الصرفة غير معصومة عن الخطأ، وكثيراً ما أوقعت أصحابها في ضلال الشك وانتهت بهم إلى الحيرة، فمنهم من زاده ذلك ضلالاً وحيرة، ومنهم - وهم المنصفون من العقلاء- من اعترف بقصور عقله، ولنا شواهد كثيرة على هذا من تراثنا الإسلامي ممن انتهت إليهم الرياسة في العلوم العقلية والشرعية.
ومن الأدلة التي ترجح هذا المعنى وتقرره أن خصومنا أخطأوا في تصورهم مرات عديدة بسبب ضعف عقولهم، وأنا أذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر أنهم تصوروا خطأ وجهلاً أن القرآن يطلق حكمين يناقض أحدهما الآخر، فقالوا إن القرآن قرر أن اليهود هم شعب الرب المختار، وكذلك جعل القرآن الأمة المسلمة خير أمة أخرجت للناس،فقالوا: هذان حكمان يناقض أحدهما الآخر ويبطله، وهذا أخي القاري المتابع لهذه المساجلات بيننا وبين خصومنا من الأدلة البينة على ما يعانيه الخصوم من جهل مميت بدين الله تعالى ، وليس هذا محل إقامة الحجة عليهم، إلا أني أرجو أن يذكر القارئ هذه المسألة إلى أن نأتي عليها من أصلها فنبينها بإذن الله تعالى.
ومن الأدلة الأخرى التي تدل على ضعف عقول الخصوم في الإدراك والتصور أنهم صوروا لنا الصراع بين المسلمين أصحاب الأرض في فلسطين واليهود الغاصبين، صوروه صراعاً بين طائفتين متكافئتين يدعي كلٌ منهما ما ليس له بحق، ولست أدري هل خصومنا جادون في ذلك أم مازحون؟
أما تصوير المسألة من الناحية الواقعية، فأقرب شئ لذلك أن يقال: إن مثل المسلمين في فلسطين ومثل اليهود الغاصبين كمثل عائلة شريفة تنتسب إلى أحسن أمم الأرض سكنت بيتاً، فدخلت عليها عائلة أخرى من أخبث أمم الأرض مشهورة بين الناس بظلمها ومكرها وحقدها، وهي أكثر أموالاً و نفيرا من الأسرة الأولى، إلا أن الأولى رغم ضعفها وتآمر العالم كله عليها،لم تألُ جهداً في الدفاع عن بيتها فقدمت لأجل ذلك الغالي والرخيص ولا تزال تقدم، وحين طال على الناس الأمد التبس على بعضهم الأمر وظنوا أن العائلة الغاصبة هي صاحبة البيت!.
ب- ومما يؤدي إلى التعارض في الظاهر أن يتصور الخصوم المسألة صحيحة كما هي لكن يلجأ الخصم بدافع من هواه إلى تصوير المسألة للناس تصويراً يظهر فيه تناقض دين الله تعالى، وغرضه من ذلك التلبيس على أصحاب الحق، أو أن الخصم يحمل فكرة يؤمن بصوابها إلا أنه لا يملك من الأدلة ما يؤيد بها دعوته.
وهنا لابد من التوكيد على أن طالب الحق لابد له من أمارات وقرائن تبين حاله وهل هو طالب حق أم لا، وأنا في غنى عن أن أذكر للقاري من الأمارات والقرائن ما يبين أن خصومنا إنما يطلبون التشويش على الخلق، والتنفير من دين الله تعالى، وهيهات!
4- لنفرض جدلاً أن بعض الناس اقتنع بدعاوى الخصوم فما هو البديل الذي يعتقد خصومنا أنه أولى بالاتباع؟ وإن كان ديناً فأي دين هو؟فخصومنا إلى الآن لم يقدموا لنا شيئاً يمكننا أن نصفه بالبديل الصحيح لمن يتخلى عن الإسلام والعياذ بالله، وهذا على أي حال من مقتضيات المنهج العلمي العقلاني الذي يعبده الخصوم.
5- النقد العلمي معناه بيان الصالح في دين ما من عدمه، و لاأرى هذا منهجاً معتمداً عند الخصوم، فعلم من ذلك أن قصد الخصوم ليس مجرد النقد، وإنما التشكيك والتضليل.
وقبل أن أختم مسجالتي هذه أرغب في أن أرسل رسالة لأولئك الكتاب الذين ادعوا أن أحداً من الخلق لم يرد على دعاوى الخصوم، وطلبوا منا أن نحسن الظن بهم، دون أن يكلفوا أنفسهم إقامة الدليل على دعواهم، فهل أجرى أولئك الكتاب دراسة ميدانية خلصوا من خلالها إلى هذه النتيجة أم أنه مجرد التجني وعدم الإنصاف؟ وعلى أي حال فإن الكم الهائل الذي استقبلته من القراء الكرام الذين يثنون على سلسلة المقالات هذه يكفي في إبطال هذه الدعوى، وكم كنت أتمنى ألا يكون الصراع داخل البيت الذي يضم العائلة الواحدة التي اتفقت في الكثير واختلفت في القليل، وأن نركز جهودنا ونوحدها لدحض محاولات التشويه والتضليل التي تأتي من خصومنا في ولاية كالفورنيا الأمريكية.
كما أني أريد أن اشير إلى أنني هنا في هذا المقام لا أدافع عن فكر جماعة التبليغ أو حزب التحرير، إنما أدافع عن الإسلام العظيم الذي آمنت به ورضيته لي دينا، فأرجو أن يفهم أولئك الكتاب ذلك ويكفوا عن هجومهم الذي لم أجد له مبررا واضحا، وإن كانوا يريدون التجديد فأنصحهم بأن يؤهلوا أنفسهم حتى يكونوا من أهل التجديد وأصحابه، وليس التجديد بتنميق العبارات أو تمطيط الجمل وتعذيب اللغة العربية وقتلها، فمن ادعى أن هذا هو التجديد فقد أبعد النجعة، وتحجر عليه ما اتسع على غيره.
وإلى لقاء قريب أستودع الله تعالى دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم.
والسلام على من اتبع الهدى
والسلام على من اتبع الهدى
خالد على الورشفاني
Comment