وطن عربي إيه؟
هاني نقشبندي
سقط مصاب، تبعه مصاب ثان، ثم ثالث، ولا يعرف عدد القتلى بعد.
ليس هذا تعليقا على نزال عسكري أو عملية حربية، بل على نتائج مباراة الجزائر ومصر الأخيرة وما قبل الأخيرة.
من كثر ما أصبحنا أمة رياضية تحولت مبارياتنا إلى عمليات عسكرية، يسقط فيها قتلى وجرحى، وقريبا ستدخل طائرات الأباتشي إلى الملعب.
سأكتفى بملاحظتين أعلق بهما على ما حدث:
الملاحظة الأولى، لست أرى أن العنف والعنف المضاد بين جماهير الجزائر ومصر هو بسبب كرة قدم، بل هو رد فعل على حالة إحباط وضجر وعنف داخلي يعيشه الشارع العربي. إنه رد فعل على البطالة، وتدني المعيشة، وفقدان الأمل.
كلي ثقة أن الوضع كان ليتكرر، ربما بصورة أكثر أو أقل حدة، بين جماهير أي منتخبين عربيين؛ لأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي يكاد يكون واحدا. الجماهير الغاضبة والعاجزة عن حل مشاكلها تلجأ إلى القوة، إلى العنف؛ لكن يبقى العنف ساكنا في النفوس كبركان خامد إلى أن يأتي سبب يطلقه، سبب يتفق عليه معظم الشارع، وهل هناك أكثر من هذه الكرة الصغيرة المجنونة ما يمكن أن يتفق عليه معظم الناس؟
الملاحظة الثانية، هي رغبتنا غير المعلنة في تحقيق إنجاز منفرد نتباهى به أمام العالم. ما أهمية إن فازت مصر أو الجزائر في المونديال؟ أليس كلاهما فرقا عربية؟ نعم، ولا. نعم، لأنها بالفعل فرق عربية، ولا، لأن ما حدث على مستوى إعلامي وجماهيري أكد أنه ليس هناك شيء في الدنيا اسمه وطن عربي واحد. هو في الأساس لم يكن ذات يوم، والشعارات التي تربينا عليها في المدرسة لم تكن أكثر من وهم لم ولن يتحقق.
كل دولة عربية تريد أن تنجح منفردة، هي لا تريد أن يشاركها أحد النجاح. هنا لا يجب أن نلوم الجماهير الغاضبة من الطرفين. فإن قلنا إن هذه الجماهير هم مجرد جماعات همجية لا تمثل النخب المثقفة، فإن لهذه النخب سقطاتها؛ لأنها هي أيضا تريد أن تحقق نجاحا منفردا، هي تريد أن تحظى بهذا المنصب الدولي، أو ذاك، أو هذا التقدير العالمي، أو ذاك بعيدا عن أية دولة عربية ولو كانت لصيقة بها. ما عاد هناك من يقول إن نجاح مصر هو نجاح للعرب، أو أن نجاح الجزائر هو نجاح لنا كلنا.
الجماهير البسيطة قد لا تعرف ذلك لكنها تمارسه، والنخب المثقفة تعرفه، وتخفي ممارستها له.
بقيت لي ملاحظة تذكرتها مع نهاية المقال: الحمد لله الذي خلق الصحراء الليبية بين مصر والجزائر.
الفتنة نائمة لعن الله موقدها.









Comment