الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين اما بعد
النسخ في كتاب الله هو عبارة عن إلغاء حكم شرعي سابق كان في بداية الامر ثم أصبح ملغياً لا يعمل به وهو اما ان ينسخ الحكم والتلاوة او التلاوة دون الحكم او الحكم مع ابقاء التلاوة
فأنت ترى ان النسخ يدخل فقط في الأحكام الشرعية ولا دخل له في الاخبار الغيبية لأنه لو دخله لصار كذبا كقولك للشخص انا أملك بيتا فيه كذا وكذا ثم تقول ليس عندي شيء مما قلت فهذا هو الكذب
والله جل جلاله نزه كلامه وكتابه عن ذلك سبحانه فلا يقال بأنه يوجد ملائكة وجنة ونار ثم يقال ليس يوجد شيء من ذلك
اما الاحكام الشرعية فهي بعض التكاليف كانت في بداية الامر فمن ثم نسخت اما رحمة بالخلق و اما عقوبة كقول الله " فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا " النساء(160)
فحرم الله عليهم طيبات كثيرة بعد اذ كانت حلالا لهم بسبب الظلم والفسق الذي تلبسوا فيه , ويجدر التنبيه الى ان النسخ لا يغير من أصل المنسوخ لا فلا ينقلب محرما في ذاته
إذ هي محرمة عليهم وهي حلال طيبة عقوبة لهم
وكذا قوله تعالى " وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" الانعام (146)
فبسبب بغيهم حرم الله عليهم هذه الطبيات
اما النسخ الذي يكون في نفسه خبيثا ولكن يتأخر الحكم في إلغائه تدرجا في الدعوة وحكمة من الله في ادخال اصل الايمان الى القلوب من أقربها الخمر
وهو رجس في نفسه ولكن لمّا كان شدة تعلقهم به رحمهم الله وتدرج الله في تحريمها فقال " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.." البقرة 219
قال السعدي 98" أمر الله تعالى نبيه، أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما، وتحتيم تركهما.
فأخبر أن إثمهما ومضارهما، وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، والعداوة، والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر، وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس، عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة، قدم هذه الآية.."
ثم أنزل بعد ذلك النهي عن شربها قبيل الصلوات لأجل ان يعرفوا ما يقولون في صلاتهم ويعون ما يتلى عليهم فاذا صلحت القلوب صلحت الابدان واذا صحت صلاة الرجل كانت زاجرة له عن الفحشاء والمنكر
ققال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" 43 النساء
ثم جاء الحكم النهائي فيها تحريمها مطلقا
قال الله " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)" المائدة
فأشار جل في علاه الى انها من عمل الشيطان أي انها محرمة في ذاتها واشار الى اجتنابها وهو ابلغ في النهي بمعنى ان لا يقربها حتى ولا اهلها الذي يزاولونها وكذا وعلق على ترك ذلك الفلاح وهو الدنيوي والاخروي
ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر" النسائي
عن أنس بن مالك قال : لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخمر عشرة عاصرها ومتعصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له" الترمذي
فهذا الاجتناب
ثم ذكر الله جل جلاله ان الخمر من مداخل الشيطان بين الناس بإيقاع العداوة والمشاحنات وتحكم الشيطان فيمن فقد عقله فيسوقه الى الدواهي ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم لما نهى وفد عبد قيس عن الخمر "حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال وكنت أخبأها حياء من رسول الله صلى الله عليه و سلم"
اما النسخ الذي فيه رحمة وان كان في نفسه خبيثا ولكنه ثقيلا على النفس
فقوله تعالى" للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" البقرة (284)
ففي هذه الاية يخبر الله انه يحاسب الانسان على ما يظهر وما يخفي في نفسه ولله الامر من قبل ومن بعد
وقد روى الامام احمد في المسند 9344 عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ
فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَلَمَّا أَقَرَّ بِهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِثْرِهَا { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } قَالَ عَفَّانُ قَرَأَهَا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ يُفَرِّقُ { وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا"
قال شعيب الارناؤوط اسناده حسن
فبحسن استجابتهم لربهم خفف عنهم ونسخ حكمه
وقال " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"(286)
قال ابن كثير " أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: نعم".
وعن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: قد فعلت". وجاء الحديث من طرق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بالحَنيفيَّة السمحة" .
وقوله: { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به."
فعلم ان حديث النفس قد نسخ وانه من الامر الذي لا يطاق وشرط التكليف الوسع والقدرة
فعن أبيه عن أبي هريرة قال جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فسألوه
: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه ؟ قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان"
فالوسوسة علامة محض الإيمان ووجوده في القلب
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تعمل به أو تكلم به ) ابن ماجه وصححه الالباني
فرحمة الله واسعة
وعن أبى هريرة قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « قال الله عز وجل إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا ». مسلم 349
الحكمة من النسخ في القرآن :
1. مراعاة مصالح الناس
2. تدرج التشريع و وصوله إلى مرحلة الكمال
3. ابتلاء المكلف و اختباره
4. إرادة الخير لأبناء المجتمع (بواسطة موقع صوت الاسلام)
وقال د عبد الغفار سليمان في مقدمة الناسخ والمنسوخ لابن حزم"الحكمة منه أن البشر بطبائعهم وخاصة كلما تقارب الزمان ودنت الساعة ضعفاء لهم طاقة محدودة وأن الله تعلى أراد أن يرحم أمة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل شريعة خالدة متكيفة مع طاقات البشر على اختلاف قدراتهم فشرع سبحانه ثم ابتلى وخصص أو قيد أو نسخ جزئيا أو كليا حتى تبقى لنا شريعة محكمة تامة قال تعالى (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا) المائدة 5"
يقول الشوكاني في ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
2-53-54"
فإن قلت: ما الحكمة في النسخ؟
قلت: قال الفخر الرازي في "المطالب العالية": إن الشرائع قسمان: منها ما يعرف نفعها بالعقل في المعاش والمعاد.
ومنها: سمعية لا يعرف الانتفاع بها إلا من السمع.
فالأول: يمتنع طروء النسخ عليه، كمعرفة الله، وطاعته أبدا. ومجامع هذه الشرائع العقلية أمران: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }.
والثاني:
ما يمكن طريان النسخ والتبديل عليه، وهو أمور تحصل في كيفية إقامة الطاعات الفعلية، والعبادات الحقيقية.
وفائدة نسخها: أن الأعمال البدنية إذا تواطئوا عليها خلفا عن سلف، صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها، ومنعهم ذلك عن الوصول إلى المقصود، وعن معرفة الله وتمجيده، فإذا غير ذلك الطريق إلى نوع من الأنواع وتبين أن المقصود من هذه "الأعمال رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة، انقطعت الأوهام من الاشتغال بتلك "الصور و الظواهر إلى علَّام السرائر.
وقيل: الحكمة أن هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها.
وقيل: بيان شرف نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها.
وقيل: الحكمة حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم، وشريعة بشريعة، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة.
وقيل: الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، ورفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة.
وذكر الشافعي في "الرسالة" أن فائدة النسخ رحمة الله بعباده، والتخفيف عنهم.
وأورد عليه أنه قد يكون بأثقل.
ويجاب عنه: بأن الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف، لما يستلزمه من تكثير الثواب، والله لا يضيع عمل عامل، فتكثير الثواب في الأثقل يصيره خفيفا على العامل، يسيرا عليه، لما يتصوره من جزالة الجزاء."ا.ه
لماذا كان هذا في العهد الاول
وذلك لأنه اذا صلح السلف صلح الخلف ولهذا ذكر الله تعالى انهم قالوا لمريم " يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا" مريم 28
قال ابن كثير " أي يا شبيهة هارون في العبادة { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة فكيف صدر هذا منك ؟"
والفرع يرد الى الأصل فاذا صلح الاباء صلح الابناء
قال الكرمي في الناسخ والمنسوخ 43"
فائدة في جواز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف يجوز أن ينسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف فالأثقل بمضاعفة الأجر ورفع الدرجات بالصبر وامتثال الأمر
والأخف للرأفة والرحمة مع جزيل الأجر تعالى الله الكريم الجواد فالنسخ حينئذ تحول العباد من حلال إلى حرام أو حرام إلى حلال ومن مباح إلى محظور ومن محظور إلى مباح ومن خفيف إلى ثقيل ومن ثقيل إلى خفيف كل ذلك لما يعلم الله تعالى من المصلحة لعباده"
ونقل محمد حسين الجيزاني في معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة1-247" أن الناسخ خير من المنسوخ كما قال تعالى: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106].
فالناسخ خير سواء كان هو الأخف أو الأثقل أو كان مساويًا للمنسوخ.
وأن أوامر الله ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن.
فالمنسوخ - وقت العمل به - كانت فيه المصلحة والحكمة، والناسخُ هو المشتمل على الحكمة والمصلحة بعد النسخ"
الحث على تعلم هذا العلم والعناية به..
وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلا يعرف بعبد الرحمن بن داب، وكان صاحبا لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وقد تحلق عليه الناس يسألونه، وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له علي رضي الله: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، أبو من أنت؟ فقال: أبو يحيى، فقال له علي رضي الله عنه: أنت أبو اعرفوني. وأخذ أذنه ففتلها، فقال: لا تقصن في مسجدنا بعد.
وروي في معنى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس - رض الله عنهم - أنهما قالا لرجل آخر مثل قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، أو قريبا منه.
وقال حذيفة بن اليمان: لا يقصن على الناس إلا ثلاثة: أمير، أو: مأمور، ورجل عرف الناسخ والمنسوخ. والرابع: متكلف أحمق.
وقال أبو القاسم رحمه الله: وهذا هو الصحيح، لأنه يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر."
النسخ في كتاب الله هو عبارة عن إلغاء حكم شرعي سابق كان في بداية الامر ثم أصبح ملغياً لا يعمل به وهو اما ان ينسخ الحكم والتلاوة او التلاوة دون الحكم او الحكم مع ابقاء التلاوة
فأنت ترى ان النسخ يدخل فقط في الأحكام الشرعية ولا دخل له في الاخبار الغيبية لأنه لو دخله لصار كذبا كقولك للشخص انا أملك بيتا فيه كذا وكذا ثم تقول ليس عندي شيء مما قلت فهذا هو الكذب
والله جل جلاله نزه كلامه وكتابه عن ذلك سبحانه فلا يقال بأنه يوجد ملائكة وجنة ونار ثم يقال ليس يوجد شيء من ذلك
اما الاحكام الشرعية فهي بعض التكاليف كانت في بداية الامر فمن ثم نسخت اما رحمة بالخلق و اما عقوبة كقول الله " فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا " النساء(160)
فحرم الله عليهم طيبات كثيرة بعد اذ كانت حلالا لهم بسبب الظلم والفسق الذي تلبسوا فيه , ويجدر التنبيه الى ان النسخ لا يغير من أصل المنسوخ لا فلا ينقلب محرما في ذاته
إذ هي محرمة عليهم وهي حلال طيبة عقوبة لهم
وكذا قوله تعالى " وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" الانعام (146)
فبسبب بغيهم حرم الله عليهم هذه الطبيات
اما النسخ الذي يكون في نفسه خبيثا ولكن يتأخر الحكم في إلغائه تدرجا في الدعوة وحكمة من الله في ادخال اصل الايمان الى القلوب من أقربها الخمر
وهو رجس في نفسه ولكن لمّا كان شدة تعلقهم به رحمهم الله وتدرج الله في تحريمها فقال " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.." البقرة 219
قال السعدي 98" أمر الله تعالى نبيه، أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما، وتحتيم تركهما.
فأخبر أن إثمهما ومضارهما، وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، والعداوة، والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر، وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس، عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة، قدم هذه الآية.."
ثم أنزل بعد ذلك النهي عن شربها قبيل الصلوات لأجل ان يعرفوا ما يقولون في صلاتهم ويعون ما يتلى عليهم فاذا صلحت القلوب صلحت الابدان واذا صحت صلاة الرجل كانت زاجرة له عن الفحشاء والمنكر
ققال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" 43 النساء
ثم جاء الحكم النهائي فيها تحريمها مطلقا
قال الله " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)" المائدة
فأشار جل في علاه الى انها من عمل الشيطان أي انها محرمة في ذاتها واشار الى اجتنابها وهو ابلغ في النهي بمعنى ان لا يقربها حتى ولا اهلها الذي يزاولونها وكذا وعلق على ترك ذلك الفلاح وهو الدنيوي والاخروي
ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر" النسائي
عن أنس بن مالك قال : لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخمر عشرة عاصرها ومتعصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له" الترمذي
فهذا الاجتناب
ثم ذكر الله جل جلاله ان الخمر من مداخل الشيطان بين الناس بإيقاع العداوة والمشاحنات وتحكم الشيطان فيمن فقد عقله فيسوقه الى الدواهي ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم لما نهى وفد عبد قيس عن الخمر "حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال وكنت أخبأها حياء من رسول الله صلى الله عليه و سلم"
اما النسخ الذي فيه رحمة وان كان في نفسه خبيثا ولكنه ثقيلا على النفس
فقوله تعالى" للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" البقرة (284)
ففي هذه الاية يخبر الله انه يحاسب الانسان على ما يظهر وما يخفي في نفسه ولله الامر من قبل ومن بعد
وقد روى الامام احمد في المسند 9344 عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ
فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَلَمَّا أَقَرَّ بِهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِثْرِهَا { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } قَالَ عَفَّانُ قَرَأَهَا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ يُفَرِّقُ { وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا"
قال شعيب الارناؤوط اسناده حسن
فبحسن استجابتهم لربهم خفف عنهم ونسخ حكمه
وقال " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"(286)
قال ابن كثير " أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: نعم".
وعن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: قد فعلت". وجاء الحديث من طرق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بالحَنيفيَّة السمحة" .
وقوله: { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به."
فعلم ان حديث النفس قد نسخ وانه من الامر الذي لا يطاق وشرط التكليف الوسع والقدرة
فعن أبيه عن أبي هريرة قال جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فسألوه
: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه ؟ قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان"
فالوسوسة علامة محض الإيمان ووجوده في القلب
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تعمل به أو تكلم به ) ابن ماجه وصححه الالباني
فرحمة الله واسعة
وعن أبى هريرة قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « قال الله عز وجل إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا ». مسلم 349
الحكمة من النسخ في القرآن :
1. مراعاة مصالح الناس
2. تدرج التشريع و وصوله إلى مرحلة الكمال
3. ابتلاء المكلف و اختباره
4. إرادة الخير لأبناء المجتمع (بواسطة موقع صوت الاسلام)
وقال د عبد الغفار سليمان في مقدمة الناسخ والمنسوخ لابن حزم"الحكمة منه أن البشر بطبائعهم وخاصة كلما تقارب الزمان ودنت الساعة ضعفاء لهم طاقة محدودة وأن الله تعلى أراد أن يرحم أمة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل شريعة خالدة متكيفة مع طاقات البشر على اختلاف قدراتهم فشرع سبحانه ثم ابتلى وخصص أو قيد أو نسخ جزئيا أو كليا حتى تبقى لنا شريعة محكمة تامة قال تعالى (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا) المائدة 5"
يقول الشوكاني في ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
2-53-54"
فإن قلت: ما الحكمة في النسخ؟
قلت: قال الفخر الرازي في "المطالب العالية": إن الشرائع قسمان: منها ما يعرف نفعها بالعقل في المعاش والمعاد.
ومنها: سمعية لا يعرف الانتفاع بها إلا من السمع.
فالأول: يمتنع طروء النسخ عليه، كمعرفة الله، وطاعته أبدا. ومجامع هذه الشرائع العقلية أمران: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }.
والثاني:
ما يمكن طريان النسخ والتبديل عليه، وهو أمور تحصل في كيفية إقامة الطاعات الفعلية، والعبادات الحقيقية.
وفائدة نسخها: أن الأعمال البدنية إذا تواطئوا عليها خلفا عن سلف، صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها، ومنعهم ذلك عن الوصول إلى المقصود، وعن معرفة الله وتمجيده، فإذا غير ذلك الطريق إلى نوع من الأنواع وتبين أن المقصود من هذه "الأعمال رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة، انقطعت الأوهام من الاشتغال بتلك "الصور و الظواهر إلى علَّام السرائر.
وقيل: الحكمة أن هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها.
وقيل: بيان شرف نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها.
وقيل: الحكمة حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم، وشريعة بشريعة، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة.
وقيل: الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، ورفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة.
وذكر الشافعي في "الرسالة" أن فائدة النسخ رحمة الله بعباده، والتخفيف عنهم.
وأورد عليه أنه قد يكون بأثقل.
ويجاب عنه: بأن الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف، لما يستلزمه من تكثير الثواب، والله لا يضيع عمل عامل، فتكثير الثواب في الأثقل يصيره خفيفا على العامل، يسيرا عليه، لما يتصوره من جزالة الجزاء."ا.ه
لماذا كان هذا في العهد الاول
وذلك لأنه اذا صلح السلف صلح الخلف ولهذا ذكر الله تعالى انهم قالوا لمريم " يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا" مريم 28
قال ابن كثير " أي يا شبيهة هارون في العبادة { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة فكيف صدر هذا منك ؟"
والفرع يرد الى الأصل فاذا صلح الاباء صلح الابناء
قال الكرمي في الناسخ والمنسوخ 43"
فائدة في جواز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف يجوز أن ينسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف فالأثقل بمضاعفة الأجر ورفع الدرجات بالصبر وامتثال الأمر
والأخف للرأفة والرحمة مع جزيل الأجر تعالى الله الكريم الجواد فالنسخ حينئذ تحول العباد من حلال إلى حرام أو حرام إلى حلال ومن مباح إلى محظور ومن محظور إلى مباح ومن خفيف إلى ثقيل ومن ثقيل إلى خفيف كل ذلك لما يعلم الله تعالى من المصلحة لعباده"
ونقل محمد حسين الجيزاني في معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة1-247" أن الناسخ خير من المنسوخ كما قال تعالى: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106].
فالناسخ خير سواء كان هو الأخف أو الأثقل أو كان مساويًا للمنسوخ.
وأن أوامر الله ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن.
فالمنسوخ - وقت العمل به - كانت فيه المصلحة والحكمة، والناسخُ هو المشتمل على الحكمة والمصلحة بعد النسخ"
الحث على تعلم هذا العلم والعناية به..
وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلا يعرف بعبد الرحمن بن داب، وكان صاحبا لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وقد تحلق عليه الناس يسألونه، وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له علي رضي الله: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، أبو من أنت؟ فقال: أبو يحيى، فقال له علي رضي الله عنه: أنت أبو اعرفوني. وأخذ أذنه ففتلها، فقال: لا تقصن في مسجدنا بعد.
وروي في معنى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس - رض الله عنهم - أنهما قالا لرجل آخر مثل قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، أو قريبا منه.
وقال حذيفة بن اليمان: لا يقصن على الناس إلا ثلاثة: أمير، أو: مأمور، ورجل عرف الناسخ والمنسوخ. والرابع: متكلف أحمق.
وقال أبو القاسم رحمه الله: وهذا هو الصحيح، لأنه يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر."

Comment