إثبات المشيئة والإرادة لله سبحانه
النص من كتاب العقيدة الواسطية:وقوله : { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ } .
وقوله :{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } .
وقوله : { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .
الشرح :
قوله : { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ } أي : هلا إذ دخلت بستانك .
{ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ } أي : إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها اعترافًا بالعجز وأن القدرة لله سبحانه .
قال بعض السلف : من أعجبه شيء فليقل : ما شاء الله لا قوة إلا بالله .
وقوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } أي : لو شاء سبحانه عدم اقتتالهم لم يقتتلوا، لأنه لا يجري في ملكه إلا ما يريد، لا راد لحكمه ولا مبدل لقضائه .
وقوله تعالى : { أُحِلَّتْ لَكُم } أي : أبيحت والخطاب للمؤمنين .
{ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ } أي : والمراد به المذكور في قوله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } الآية التي بعدها بقليل .
وقوله : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } استثناء آخر من بهيمة الأنعام .
والمعنى : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيًا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام،
فقوله : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } في محل نصب على الحال، والمراد بالحرم من هو محرم بحج أو عمرة أو بهما .
{ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من التحليل والتحريم لا اعتراض عليه .
الشاهد من الآيات
أن فيها إثبات المشيئة والقوة والحكم والإرادة صفات لله تعالى على ما يليق بجلاله .
وقوله : { فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } .
الشرح :
{ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ } أي : من شاء الله سبحانه أن يوقه وجعل قلبه قابلًا للخير . و { من } : اسم شرط جازم، ويرد : مجزوم على أنه فعل الشرط . { يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } مجزوم بجواب الشرط .
والشرح : الشق، وأصله التوسعة، وشرحت الأمر : بينته ووضحته . والمعنى : يوسع الله صدره للحق الذي هو الإسلام حتى يقبله بصدر منشرح .
{ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } أي : ومن شاء سبحانه أن يصرفه عن قبول الحق .
{ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا } أي : لا يتسع لقبول الحق . { حَرَجًا } أي : شديد الضيق فلا يبقى فيه منفذ للخير، وهو تأكيد لمعنى { ضَيِّقًا } .
{ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } أصله يتصعد، أي كأنما تكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء . شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء .
الشاهد من الآية الكريمة : أن فيها إثبات الإرادة لله سبحانه وأنها شاملة للهداية والإضلال، أي : يريد الهداية ويريد الإضلال كونًا وقدرًا لحكمة بالغة .
فالإرادة الربانية نوعان :
النوع الأول : إرادة كونية قدرية،
وهذه مرادفة للمشيئة،
ومعنى (الإرادة الكونية القدرية) أن الإرادة متعَلَّقها ما يكون في ملكوت الله من التكوين ومن القَدَر
و(الإرادة الكونية القدرية) هذه قد يكون منها ، لا تقوم الأشياء إلا بها ، وقد تكون الأشياء من محبوبات الله وقد لا تكون من محبوبات الله ، فالله جل وعلا أراد الإيمان كونا من المؤمن وحصل العبد عليه ، وأراد الكفر كونا من الكافر وكان العبد كافرا .
ومن أمثلتها قوله تعالى : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا }
وقوله تعالى : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ }
وقوله : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا } .
النوع الثاني : إرادة دينية شرعية،
فـ (الإرادة الشرعية) قد يمتثلها العبد وقد لا يمتثلها ، يعني قد يأتي بفعل يوافق مراد الله الشرعي ، وقد يكون فعله غير موافق لمراد الله الشرعي
وأما (الإرادة الشرعية الدينية) فهي محبوبة لله جل وعلا ، كما أراد الإيمان يعني طلبه مريدا له من العباد فحققه المؤمن .
ومن أمثلتها قوله تعالى : { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } الآية ( 27 ) النساء
وقوله : { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ } الآية ( 6 ) المائدة .
وقوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ } الآية ( 33 ) الأحزاب .
فإذن يجتمع في المؤمن الطائع (الإرادة الكونية القدرية) و (الإرادة الشرعية الدينية) وأما الكافر أو العاصي فيكون في حقه (الإرادة الكونية القدرية) وهو يكون غير ممتثل لـ (الإرادة الشرعية) .
الفرق بين الإرادتين :
1 ـ الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها والإرادة الشرعية لابد أنه يحبها ويرضاها . فالله أراد المعصية كونًا ولا يرضاها شرعًا .
2 ـ والإرادة الكونية مقصودة لغيرها، كخلق إبليس وسائر الشرور لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار وغير ذلك من المحاب . والإرادة الشرعية مقصودة لذاتها، فالله أراد الطاعة كونًا وشرعًا وأحبها ورضيها .
3 ـ الإرادة الكونية لابد من وقوعها، والإرادة الشرعية لا يلزم وقوعها فقد تقع وقد لا تقع .
تنبيه : تجتمع الإرادتان الكونية والشرعية في حق المخلص المطيع وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي .
تنبيه آخر : من لم يثبت الإرادتين ويفرق بينهما فقد ضل كالجبرية والقدرية . فالجبرية أثبتوا الإرادة الكونية فقط، والقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية فقط . وأهل السنة أثبتوا الإرادتين وفرقوا بينهما .
المصدر:شرح العقيدة الواسطية للشيخ الفوزان
شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (الكهف : 57 ))
Comment