مسائل في التكفير

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو مهند النجدي
    عضو
    • May 2005
    • 30

    #1

    مسائل في التكفير

    عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف
    الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام
    على خاتم النبيين والمرسلين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وبعد :
    من المعلوم أن مسألة التكفير من المسائل الكبار ، والقضايا الخطيرة ، وقد
    خاض فيها الكثير من بين غالٍ وجاف .. وهدى الله تعالى أهل السنة لما اختلفوا فيه
    من الحق بإذنه ، فقرروا هذه المسألة بعلم وعدل ، وتوسطوا بين أهل الغلو
    والإرجاء . وسأعرض في الصفحات التالية طرفاً من مباحث هذا الموضوع على
    النحو الآتي :
    1- أهمية هذه المسألة وخطورتها :
    نبّه علماؤنا إلى خطورة هذه المسألة وعظم شأنها ، وما يترتب عليها من نتائج
    وتبعات سواء في الدنيا أو الآخرة ، وإليك جملة من كلامهم في ذلك :
    قال ابن تيمية - رحمه الله - : » اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق « هي من
    مسائل » الأسماء والأحكام « التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة ،
    وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا ، فإن الله
    سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين ، وحرم الجنة على الكافرين ، وهذا من الأحكام الكلية
    في كل وقت ومكان « [1] .
    وقال ابن الوزير : ( وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين ، وجماهير
    العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية ، وتكثير العدد بهم ، وبين إدخالهم
    في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهـله ، وتقوية أمره ، فلا يحل الجهد في التفرق
    بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة ،
    ويقوي الإسلام ، ويحقن الدماء ، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح
    الحق الصادق ، وتجتمع عليه الكلمة ) [2] .
    إلى أن قال : ( وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة ، وذمت أقبح الذم على
    تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله ، وتعظيمهم لله تعالى
    بتكفير عاصيه ، فلا يأمن المكفّر أن يقع في مثل ذنبهم ، وهذا خطر في الدين جليل ، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل ) [3] .
    وقال الشوكاني : » اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين
    الإسلام ، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا
    ببرهان أوضح من شمس النهار ، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من
    طريق جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- ، أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء
    بها أحدهما .. « [4] .
    وعندما يقرر هؤلاء الأعلام وغيرهم خطورة هذه المسألة ، فلا يعني تمييعها
    وإغلاق باب الردة بالحكم بإيمان من ظهر كفره بالدليل والبرهان ، فهذا لا يقل
    انحرافاً وخطراً عن تكفير مسلم وإخراجه من الملة ، ولذا قال الشيخ عبد الله بن
    محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :
    ( وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم
    وبرهان من الله ، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله ، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله من أعظم أمور الدين « وقد استزل
    الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة ، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت
    نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره ، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم
    الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم ..) [5]
    - 2 -
    يتعين التنبيه على أن الحديث عن موضوع الكفر أو التكفير لا ينفك عن فهم
    مقابله وهو الإيمان ، ولذا فإن الانحراف في تعريف الإيمان ، يورث انحرافاً في
    تعريف الكفر ، وقد أشار الشيخ العلامة عبد الليف بن عبد الرحمن بن حسن بن
    محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله إلى قاعدة في ذلك فقال : » اعلم أن من تصوّر
    حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج ، وعرَف ماهيته بأوصافها الخاصة ،
    عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده ، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين ، أو
    بجهل كلا الماهيتين ، ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما ، لا يخفى ولا
    يلتبس أحدهما بالآخر ، وكم هلك بسبب قصور العلم ، وعدم معرفة الحدود والحقائق
    من أمة ، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة « [6] .
    ومثال ذلك أن المرجئة لما أخطئوا وانحرفوا في فهم الإيمان ، فحصروه في
    مجرد التصديق ، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان ، أورثهم ذلك انحرافاً في فهم
    الكفر ، حيث حصروه في دائرة التكذيب فقط ، وانكروا كفر العناد والاستكبار ،
    وكفر الإعراض ونحوهما من أنواع الكفر الأكبر [7] .
    - 3 -
    يجب أن يُعلم أن الكفر حكم شرعي ، وأن الكافر هو من كفّره الله تعالى
    ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فليس الكفر حقاً لأحد من الناس بل هو حق الله
    تعالى . يقول ابن تيمية : » فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم ، وإن
    كان ذلك المخالف يكفرهم ؛ لأن الكفر حكم شرعي ، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله ، كمن كذب عليك ، وزنى بأهلك ، ليس لك أن تكذب عليه ، ولا تزني بأهله ؛ لأن
    الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى ، وكذلك التكفير حق الله فلا يكفر إلا من كفره الله
    ورسوله « [8] .
    ويقول القرافي : » كون أمر ما كفراً ، أي أمر كان ، ليس من الأمور العقلية
    بل هو من الأمور الشرعية ، فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك ، سواءً
    كان ذلك القول إنشاء أم إخباراً « [9] .
    4- تعريف الكفر لغة واصطلاحاً :
    الكفر لغة : التغطية ، قال تعالى : ] كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ [ فسمي
    الفلاح كافراً لتغطيته الحب ، وسمي الليل كافراً لتغطيته كل شيء [10] .
    وأما معناه اصطلاحاً ، فنورد جملة من كلام أهل العلم في ذلك . يقول ابن
    تيمية : » إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به ،
    أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه ، مثل كفر فرعون واليهود
    ونحوهم « [11] .
    ويقول ابن حزم في تعريف الكفر : » وهو في الدين : صفة من جحد شيئاً
    مما افترض الله تعالى الإيمان : بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون
    لسانه ، أو بلسانه دون قلبه ، أو بهما معاً ، أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج
    بذلك عن اسم الإيمان « [12] .
    ويقول ابن القيم في بيان معنى الكفر : » الكفر جحد [13] ما علم أن الرسول
    جاء به ، سواءً كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية ، فمن جحد ما جاء
    به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافر في دق الدين
    وصلبه « [14] .
    ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي : » وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه ،
    وأنواعه ، وأفراده هو جحد ما جاء به الرسول ، أو جحد بعضه ، كما أن الإيمان
    اعتقاده ما جاء به الرسول والتزامه جملة وتفصيلاً ، فالإيمان والكفر ضدان متى
    ثبت أحدهما ثبوتاً كاملاً انتفى الآخر « [15] .
    من خلال النصوص السابقة نوجز معنى الكفر - الذي لا يجامع الإيمان -
    بأنه اعتقادات ، وأقوال ، وأفعال سماها الشارع كفراً منافياً للإيمان بالكلية- فإذا كان
    الإيمان قولاً وعملاً ، فكذا الكفر يكون قولاً وعملاً ، فقد يكون الكفر قولاً قلبياً
    كالتكذيب ، وقد يكون عملاً قلبياً كالبغض لما جاء به الرسول ، وربما كان الكفر
    قولاً باللسان كالاستهزاء بالله تعالى وآياته أو رسوله .. وتارة يكون عملاً بالجوارح
    كالسجود لصنم ونحوه ..
    - 4 -
    وإذا كان الإيمان ليس شعبة واحدة فحسب بل هو بضع وسبعون شعبة كما
    أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- -في حديث شعب الإيمان- ، فكذا
    مقابله الكفر . يقول ابن القيم مقرراً ذلك : » الكفر ذو أصل وشعب ، فكما أن شعب
    الإيمان إيمان ، فشعب الكفر كفر ، والحياء شعبة من الإيمان ، وقلة الحياء شعبة من
    شعب الكفر ، والصدق شعبة من شعب الإيمان ، والكذب شعبة من شعب الكفر ،
    والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان ، وتركها من شعب الكفر ،
    والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان ، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر ،
    والمعاصي كلها من شعب الكفر ، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان « [16] .
    وإذا ثبت أن الكفر شعب متعددة ، وأن له مراتب ، فمنه ما يخرج من الملة ،
    ومنه ما لا يخرج من الملة ، فإنه يمكن أن يجتمع في الرجل كفر- غير ناقل من
    الملة - وإيمان ، وهذا أصل عظيم عند أهل السنة ، قد دلّ عليه الكتاب والسنة
    والإجماع ، ولقد أخطأ المبتدعة - عموماً - في دعواهم أن الكفر خصلة واحدة ،
    بناء على ظنهم الفاسد أن الإيمان شيء واحد يزول كله بزوال بعضه ، فلم يقولوا
    بذهاب بعضه ، وبقاء بعضه ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : » يخرج
    من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان « [17] .
    6- تكفير المطلق وتكفير المعين :
    يفرِّق أهل السنة بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن ، ففي الأول يطلق القول
    بتكفير صاحبه - الذي تلبس بالكفر - فيقال : من قال كذا ، أو فعل كذا ، فهو كافر ، ولكن الشخص المعيّن الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره بإطلاق ، بل لا بد من
    اجتماع الشروط وانتفاء الموانع ، فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها .
    يقول ابن تيمية : » وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط ،
    حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين ، لم يزل ذلك
    عنه بالشك ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة [18] .
    ويقول أيضاً : » إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وإن
    تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن ، إلا إذا وجدت الشروط ، وانتفت الموانع ،
    يعين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر
    من تكلم بهذا الكلام بعينه [19] .
    ويسوق ابن تيمية بعضاً من الأعذار الواردة على المعين فيقول : » الأقوال
    التي يكفر قائلها ، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد
    تكون عنده ، ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون قد عرضت له
    شبهات يعذره الله بها ، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ ؛ فإن
    الله يغفر له خطأه كائناً ما كان ، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية ، هذا
    الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وجماهير أئمة الإسلام « [20] .
    ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : » ومسألة تكفير المعيّن مسألة معروفة
    إذا قال قولاً يكون القول به كفراً ، فيقال : من قال بهذا القول فهو كافر ، لكن
    الشخص المعيّن إذا قال ذلك لا يحكم بكفره ، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر
    تاركها « [21] .
    وإذا ظهر لنا الفرق بين التكفير المطلق ، وتكفير المعيّن ، فسندرك خطأ
    فريقين من الناس ، فهناك فريق قد غلا وتجاوز فادعى تكفير المعيّن بإطلاق ، دون
    الالتفات إلى مدى توافر الشروط وانتفاء الموانع عن ذلك المعيّن ، وفي المقابل نرى
    فريقاً من الناس قد امتنع عن تكفير المعين بإطلاق ، وأوصد باب الارتداد .
    7- قيام الحجة :
    من بَلَغه هذا الدين فقد قامت عليه الحجة ، وحكم الوعيد على الكفر لا يثبت
    في حق المعيّن حتى تقوم عليه حجة الله تعالى التي بعث بها رسله ، قال تعالى :
    ] لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ [ ، وقال سبحانه : ] ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [ .
    وأما شرط قيام الحجة على المكلفين : » فالحجة على العباد إنما تقوم بشيئين :
    بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله ، والقدرة على العمل به ، فأما العاجز عن العلم
    كالمجنون ، أو العاجز عن العمل ، فلا أمر عليه ولا نهي .. « [22] .
    ومما يجدر ذكره أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمان والأماكن
    والأشخاص ، كما قال ابن القيم : » إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة
    والأمكنة والأشخاص ، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان ، وفي بقعة وناحية دون أخرى ، كما أنها تقوم على شخص دون آخر ، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون ، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ، ولم يحضر ترجمان يترجم له « [23] .
    هذا ما تيسر عرضه لهذه المسألة ، راجياً من الله تعالى حسن البيان ، وسلامة
    القصد ، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
    ________________________
    (1) الفتاوى 12/ 468 .
    (2) إيثار الحق على الخلق ص 455 .
    (3) المصدر السابق ص 447 .
    (4) السيل الجرار 4 /578 .
    (5) الدرر السنية 8/217 .
    (6) منهاج التأسيس ص 12 .
    (7) انظر تفصيل ذلك : الفتاوى لابن تيمية ، ومفتاح دار السعادة لابن القيم 1 /94 .
    (8) الرد على البكري ص 257 .
    (9) تهذيب الفروق 4/158-159 .
    (10) انظر لسان العرب 5/144 - 145 مادة كفر .
    (11) الدرء 1/242 .
    (12) الإحكام 1/45 .
    (13) يطلق بعض السلف الصالح معنى الجحود ويراد به التكذيب المنافي للتصديق ، كما يراد به الامتناع والرد والإباء ، فليس الجحود محصوراً في تكذيب كما ظن المرجئة ، انظر بيان ذلك في الفتاوى لابن تيمية 20/98 ، منهاج السنة النبوية 5/130 ، والصارم المسلول ص 521-522 .
    (14) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 421 .
    (15) الإرشاد إلى معرفة الأحكام ص 203 .
    (16) كتاب الصلاة ص 53 .
    (17) انظر تفصيل هذه المسألة في الفتاوى لابن تيمية 7/510-223 .
    (18) الفتاوى 12/ 466 (الكيلانية) .
    (19) المصدر السابق 12/487 -488 .
    (20) الفتاوى 23/346 ، 348-349 ، والرد على البكري ص 259 .
    (21) الدرر السنية 8/244 .
    (22) الفتاوى لابن تيمية 20/59 .
    (23) طريق الهجرتين ص 414 .
    كل باك فسيبكي وكل ناع فسينعى
    وكل فخور سيفنى وكل مذكور سينسى
    ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى
Working...