و نسي خلقه !! .. عندما تتكلم أعضاء الإنسان ..

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • _aMiNe_
    طالب علم
    • Jul 2007
    • 1528

    #16
    و فيك بارك، أختنا ابنة الكندي ..
    جزاك الله خيرا على المتابعة.

    أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
    و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
    تغيُّب ..

    Comment

    • _aMiNe_
      طالب علم
      • Jul 2007
      • 1528

      #17
      أنا أنف عبد الله
      أ.د. عرفان يلماز (*)


      عزيزي عبد الله... لا تنس أن الله تعالى الذي خلق الكون وكل ما فيه قد أعطى صفات مختلفة لجميع الأشياء كاللون والشكل والصوت والصلابة والنعومة والحرارة والبرودة والرائحة والطعم لكي يمكن تمييز الأشياء بعضها عن بعض. ولكي تستطيع معرفة هذه الصفات فقد وضع في جسدك حواس تدرك بها الأشياء. فأنت تميز وتعرف الضوء بعينيك، والموجات الصوتية بأذنيك. وهذه الحواس بدقتها وفنها الراقي تفصح عن تجليات الأسماء الحسنى عليها وتكون ترجمانا للخالق. واليوم أقول لك بأنني عضو مخلوق لحاسة شم روائح المواد. ويتجلى فيّ فن متميز وخارق من الصنعة والخلق. وأنا أُعرّفك بنفسي لكي يتجلى لك من زاوية أخرى علمُ ربنا تعالى وقدرتُه.
      لقد وضعني الله تعالى في أنسب مكان في وجهك إلى درجة أنه لو تغير مكاني قليلا أو جرحت أو تعرضت لأي ضرر، تشوّه منظر وجهك وقبُح. فكأنه تعالى خلقني بعد أن خلق وجهك وجسدك، وجعلني في أفضل وضع متلائم معهما، بل حتى مع روحك.

      أشكال الأنوف
      ومع أن لي مظاهر جانبية بأعداد لا تحصى إلا أن شكلي في الغالب هو إما دقيق وطويل أو ضيق أو واسع ومفلطح أو مقوس، بطرف مدبب أو غير مدبب، والعلماء القدامى الذين عملوا في ساحة "علم السيما" أي الذين كانوا يحكمون على خُلق الشخص وطبيعته ومزاجه وذكائه من دراسة تقاطيع وجهه، كانوا يهتمون بشكلي كثيرا ويعقدون الصلة بينه وبين مزاجه وطبيعة روحه. ولكني أرى أنه من الخطأ إصدار حكم على أي شخص بالتفرس في شكلي، لأن هناك أشكال أعضاء أخرى، كما أن للتربية والتعليم أثرا مهمّا في تشكيل شخصية ومواصفات الإنسان. لذا أرى ألا تبدي رأيك حول أي شخص انطلاقا من شكل أنفه فقط.

      فن الخَلق البديع
      والحقيقة أن ما أريد ذكره هنا يتعلق بالفن الراقي لخلقي وحكمة وجودي. فسأتكلم عن أشياء موضوعية وليست عن أشياء ذاتية وغير موضوعية. ولم يضعني الخالق في القسم الأمامي من وجهك فقط، بل وضعني في القسم الأمامي لوجوه جميع الحيوانات الفقرية ولاسيما الحيوانات الثديية. لأنها تستخدمني من أجل الحصول على غذائها وإشباع بطنها وفي العثور على صغارها أو زوجها. فأنا أكثر الأعضاء استعمالا من قِبَلها. لذا فقد وُضعتُ أمام الوجه لأعمل كآلة كاشفة وحساسة في تعقب الروائح. والحيوانات عندما تعثر على شيء تقوم أوّلا بدسي في ذلك الشيء أو بالقرب منه لفهم ماهيته. لذا شاع في الناس استعمال تعبيرِ "يدس أنفه في كل شيء". وحاسة الشم لدى معظم الحيوانات أقوى مما هي موجودة عند الإنسان. ونظرا لقلة العقل والشعور لديها فهي تحصل بواسطة أنوفها على الكثير من المعلومات التي تحتاج إليها. ولما كان الإنسان يملك عقلا وشعورا فلا يضطر إلى أن "يدس أنفه في كل شيء". ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يحتاج إليّ، أو أنني عضو زائد لا ضرورة ولا حاجة إليّ. على العكس، فأنا عضو مهم ولي العديد من المهام، ولي بنية خُلقتْ بحكمة بالغة.
      البروز اللحمي الذي أشكّله في وسط الوجه يسهُل تغيير شكله بالضغط عليه، لأن مسنده غضروفي. وقسمي النهائي مدبب، ويوجد جناحان في جانبيّ. أما نهايتي من الطرف الثاني فتقع بين العينين تماما ويرتبط قسمي الغضروفي هنا بالعظم الأنفي الذي هو جزء من عظم القحف حيث يشكل سندا قويا لي. يقوم الغضروف الموجود في وسطي بتقسيم تجويفي إلى قناتين تنتهيان بثقبين إلى الخارج. والحنك الصلب الموجود في أسفلي أي في قاعدتي يشكل في الوقت نفسه سقف تجويف الفم. أما الجسم اللين من الحنك الموجود وراءه فيمتد حتى أقرب منطقة للبلعوم مني أي إلى البلعوم الأنفي والذي يرتفع إلى فوق عند البلع ليسد القسم العلوي من البلعوم لمنع الطعام واللعاب من التجمع في قسمي الخلفي. وعندما تأكل تغص أحيانا بالطعام فتسعل فلا ينسد هذا الغطاء فأمتلئ بالطعام الذي أكلته ويخرج من ثُقبَيّ. والفائدة الأخرى من هذه المنظومة هي أنه في بعض حالات العمليات التي تُجرى على المرضى وعندما يكون طريق الفم مسدودا يتم إدخال الهواء والغذاء بأنبوب مطاطي عن طريقي إلى المريض.

      الأنف وعملية التنفس
      يتم عن طريقي وصول الهواء إلى رئتيك أي في عملية التنفس التي هي عملية ضرورية لإدامة حياتك. فالهواء الذي يدخل من ثقبيّ لا يكون على الدوام نظيفا وملائما لرئتيك. فإن وصل إليهما هواء غير ملائم فسرعان ما يصيبهما البرد فالالتهاب، فتمرض. ولكي لا تواجه مثل هذه الأمور السيئة فقد وضع الخالق الرحيم العالم بكل شيء والمدبر له شعيراتٍ في مقدمتي لتصفية الهواء، وغشاءا مخاطيا رطبا يغطي سطح قسمي الخلفي.
      والحقيقة أن بنية التجويف الداخلي لي معقدة، إذ توجد ثلاثة بروزات على جداريّ الخارجيين تمتد بطولهما من الأمام إلى الخلف. وهذه البروزات يطلق على كل منها اسم "القُرَين" (القُرين السفلي، القرين المتوسط، والقُرين العلوي). والبنية المتعرجة لكل قُرين تساعد على توسيع مساحة سطحي الداخلي فيسهل بذلك ترطيب وتدفئة الهواء الداخل إلى الرئتين، ولا يذهب الهواء إلى رئتيك مباشرة في أثناء التنفس. فبواسطة الشعيرات الموجودة في قسمي الأمامي يتصفى الهواء من ذرات الغبار الكبيرة، وعندما يمر من الدهليز ذي التعاريج التي تُشكلها البروزات القُرينية تصفى ذرات التراب الدقيقة وذرات الفحم والبكتريا وغبار طلع الأزهار من قِبل الأغشية المخاطية وإفرازاتِ هذه الأغشية التي تلتصق عليها هذه الذرات والبكتريا، ومن قبَل بروزاتها التي تشبه الأهداب. ونظرا لأن مقدار الضغط الجوي الموجود في داخلي أقل من الخارج يسهل تدفئة وترطيب الهواء الذي يمر فيها.

      خلايا الشم ومزاياها
      هناك نسيج خاص حساس للروائح يغطي القُرين الأعلى. فخلايا هذا النسيج ذات أهداب وهي حساسة وتعد بمثابة مستقبِلات للروائح. وهذه الخلايا مع الخلايا المساعدة لها تشكل هذا النسيج. فكل مادة تنشر جزيئاتها في الهواء لها روائح. وعملية الشم عملية معقدة تحتوي على سلسلة من التفاعلات التي تنتهي بهذا الإحساس في الدماغ. وأنا لا أدري في الحقيقة كيف يتم هذا الأمر ولكن هناك عدة نظريات حوله. فاهتزازات الجزيئات التي تصلني مع تيارات الهواء تكون مختلفة تبعا لاختلافات بنيتها، لذا تؤدي إلى اختلاف في طبيعة التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا المستقبلة للروائح، وإلى حدوث تنبيهات كهربائية مختلفة. فالجزئيات التي تأتي مع الهواء تذوب في الرطوبة الموجودة في نسيج شم الروائح وتنبه خلايا أعصاب الشم تنبيها كيمياويا. في الأجواء الجافة يجف غشائي المخاطي، لذا لا تذوب الجزيئات فيصعب عليّ شم الروائح. كما أن النقص في معدن الزنك -الذي يوجد في جسمك بنسبة قليلة- يؤدي إلى ضعف في قابلية الشم أو إلى انعدامها كليا.
      ويعود السبب في اختلاف رائحة وطعم ولون الثوم عن رائحة ولون الورد أو الياسمين إلى أن كل شيء وكل حي يتركب من عناصر ومن مركبات مختلفة. فالجزيئات التي تنتشر في الهواء من هذه المركبات تكون مختلفة وتقوم بتنبيهات مختلفة. ولكن الملفت للنظر هنا هو عمل هذه المنظومة الرائعة التي تستطيع تمييز هذه الروائح المختلفة وحفظها في ذاكرتها.
      وعندما تتلقى رائحة جديدة لم يسبق لك أن تلقيتها من قبلُ تستطيع منظومةُ الرائحة عندك معرفة أن هذه رائحة جديدة، وذلك من بنيتها ومن اهتزازاتها، وتسجل هذه الرائحة في ذاكرتها، فإن صادفتْها مرة أخرى عرفتها، وهذا الأمر المعقد الذي لا يُعرف لحد الآن جميعُ ما يتعلق بماهيتها يدخل في فيزيولوجية الشم. ومن المميزات الجميلة للخلايا المستقبلة للروائح هي أنها تكون حساسة للروائح التي تشمها للمرة الأولى، ولكن بعد فترة تقل هذه الحساسية حتى تدخل في مرحلة تعدم فيها قابلية شم تلك الرائحة. وهذا من رحمة الله تعالى، لأنه لولا هذه الميزة لما استطاع عمال تنظيف المجاري، ولا عمال المذبحة والمسلخة العملَ في تلك الأجواء من الروائح.

      الغشاء المخاطي وأعراضها
      من السهل انتفاخ الغشاء المخاطي الذي يبطنني بالدم أو بسوائل الأنسجة. وقد ينسد فراغي الداخلي تماما، فيصعب عليك التنفس عندما يلتهب بفعل البرد أو بسبب التهاب مثل التهاب حمى القش. والحقيقة أنه عند التهاب مجاري التنفس في القسم العلوي، تكون البداية بظهور سيلان، ثم يبدأ الانسداد عندي. فكما يتعفن الماء الراكد ويفسد ويتحول إلى مستنقع، كذلك الأمر عندي، إذ ما إن ينسد فراغي حتى يتسارع تكاثر الجراثيم وتبدأ بالسريان إلى أعضاء التنفس الأخرى. فإذا أصبت بالبرد فعليك أن تحاول جاهدا منع انسدادي. ولا شك أن الشاي الحار ولاسيما شاي بعض النباتات مفيد، ولكن الأفضل هو الماء المالح الذي تبلغ نسبة الملوحة فيه تسعة بالألْف، فإذا استنشقت هذا الماء المالح فسرعان ما يزول الانسداد. أما قطرة الأنف -بأنواعها المختلفة- فلا أوصيك باستعمالها إلا عند الضرورة القصوى، لأن استعمالها يؤدي إلى الاعتياد عليها أوّلا، ولأن لها تأثيرات جانبية سلبية أخرى ثانيا. في حالة التهاب تجويفي في الجانبين والتهاب الفراغ الموجود بين عظام القحف فوقي، وكذلك في حالة التهاب اللوزتين وظهور الزوائد وانتفاخها، يأخذ الرشح عندي حالة دائمة، ويؤدي إلى التهاب مزمن. وهناك أمراض عديدة تكون الإشارة إليها عن طريق النـزف الذي يصيبني، مثل ارتفاع ضغط الدم والعديد من أمراض الحمى. والحقيقة أن نزفي نتيجة ارتفاع ضغط الدم يعد تحذيراً ويلعب دور صمام أمان، لأنه إذا لم تنفجر إحدى الشعيرات الدموية عندي نتيجة ارتفاع ضغط الدم ولم يحصلْ نزيف دموي يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم، انفجر أحد الشرايين في الدماغ وأدى إلى نتائج وخيمة جدا.

      الشم نعمة إلهية كبرى
      عزيزي عبد الله... إن قمت بعد الآن بشم زهرة أو رائحة جميلة أخرى فلا تنس أن تحمد الله تعالى على ما أحدثَتْه تلك الرائحة العطرة من مشاعر جميلة في روحك. فلو لم يجعلني الله تعالى آلة لتصفية الهواء الذي تتنفسه وتنْقيته من المواد الضارة لامتلأت رئتاك بالأوساخ والغبار والسُخام، ولمَـَا تمتعتَ تماما بما تتناوله من أطعمة، لأن الإحساس بلذة الطعام لا يقتصر على الطعم فقط، بل هو إحساس يشترك في تكوينه الطعم والرائحة. فمثلا نرى أن الشخص الذي انعدمت عنده قابلية الشم لا يعرف عما إذا كان يأكل تفاحة أم فجلا. فلو لم تشم رائحة ما تأكله لما اكتملت لديك لذة الأطعمة.
      عزيزي عبد الله... لا أرى ضرورة لتقديم نفسي إليك أكثر، فحتى النظارة التي تلبسها تستند إليّ. وقد قدمت لك نفسي بصورة موجزة دون الدخول في تفاصيل ميكروسكوبية وتشريحية دقيقة. فبينما يستحيل ظهور شعرة واحدة عندي في مكانها الصحيح مصادفة كيف يمكن أن يظهر بالمصادفة عضو مثلي يحوي حِكما لا تعد ولا تحصى؟! أيّ نحات يستطيع القيام بنحت أنفِ تمثال وبيده مطرقته وإزميله دون أن يكون في ذهنه مثال وموديل معين وإرادة معينة؟! فهل هناك أيّ احتمال أن أظهر -وأنا العضو الأعقد والأدق بالآف المرات من أنف تمثال- دون أن يخلقني رب العالمين؟! إذن عندما تغسل وجهك في المرة القادمة وتتطلع إليه في المرآة دقق النظر فيّ ولا تنس أن تحمد الله تعالى وتشكره.
      _______________
      (*) الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.
      ــــــــــــــــــــــ
      (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

      المصدر

      يتبع إن شاء الله ..

      أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
      و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
      تغيُّب ..

      Comment

      • _aMiNe_
        طالب علم
        • Jul 2007
        • 1528

        #18
        أنا رئة عبد الله
        أ.د. عرفان يلماز (*)

        عزيزي عبد الله... أسند ظهرك للخلف ودعني أمط جسمي قليلاً لأتسع وأملأ جوفي بالهواء. فكلما امتلأتُ بالهواء فإن دماغك سيعمل أحسن، ومن ثم ستعي كلامي بشكل أفضل. وإن سألتني عن العلاقة بينهما أقول، بأن كل عضو في جسمك له علاقة بكل شيء، بل بكل الكائنات. فلكي يعمل دماغك ستحتاج إلى السكر، ولكي تؤمّن الطاقة للخلايا العصبية تحتاج إلى حرق السكر، ولحرق السكر تحتاج إلى أوكسجين، والعضو الذي يؤمّن دخول الأوكسجين هو أنا (الرئة) وسأتحدث لك عن نفسي في هذا العدد.
        في الحقيقة إن الحديث عن النفس أمر ليس محموداً، ولكن ما أفعله لا يعد حديثاً عن النفس. فكل ما أبغيه هو الحديث عنه سبحانه وتعالى وبيان جمال قدرته في إبداعي على أكمل وجه. لذا لا يوجد في جنباتي أي موضع للتكبر أو الاغترار، فكل شيء له سبحانه وتعالى؛ كل ما أملكه وكل ما أقوم به وكل ما عليّ من التفاصيل والدقائق والصنعة البديعة التي لا تحيطونها علماً، كلها له جلّت قدرته. ولكي تواصل حياتك فإن الله عز وجل قد وظفني في أعمال ووضعني في بدنك العجيب.
        لقد أودعني الله في قفص صدرك الذي أحيط بأضلاعك وعضلات صدرك على شكل كيسين هوائيين أيمن وأيسر، أو بعبارة أدق، على شكل منفاخ. كما أني أرتبط من الأعلى بالقصبة الهوائية والبلعوم، وأنفصل عن الأعضاء الداخلية للبطن الموضوعة في الأسفل بالحجاب الحاجز العضلي.

        التنفّس الأول للرئة
        إن أول نفس استنشقتُه كان مع اللحظات الأولى لميلادك. ومنذ تلك اللحظة ما زلتُ أتنفّس دون توقف، حتى أثناء نومك فإني أزودك بالأكسجين الذي تحتاج إليه، وذلك بتلقي الأوامر آلياً من "البصلة السيسائية" أي، المركز المحرك الوعائي والمركز التنفسي.
        إن قريني في العمل هو القلب الذي بدأ نشاطه قبلي بكثير حين كنتَ في الشهر الأول في رحم أمك. في تلك الفترة كنتُ أستريح ولم يكن تكويني قد اكتمل بعد، أي لم تبرز الحاجة إليّ بعد. إذ كانت أمك -التي تجرح قلبها أحياناً- تزودك بدمها، بكل احتياجاتك من الغذاء والأوكسجين. ولو قمتُ أنا بشيء من هذا القبيل، لَاختنقتُ على الفور، لأنك كنتَ تسبح في مادة سائلة في رحم أمك، ولو حاولتَ التنفس لامتلأتُ بهذا السائل واختنقنا سوية.
        إن أول نفس أستنشقه عند الولادة مهم جداً وإنه صعب للغاية، لأن القصبة الهوائية عندك تكون أضيق بكثير من حالتها الاعتيادية، إلا أن عدد الحويصلات الرئوية التي يتم خلالهَا تبادلُ الأكسجين مع شعيراتك الدموية كثيرة جداً بالنسبة إلى حجمي، وهذا ما يعوّض ضيق القصبة الهوائية عندي. عند أول حركة لي، وبعد أن يمتلئ جوفي بالهواء، أقوم بالضغط على الشرايين والأوردة القادمة إلي من القلب، في حين يبقى شرياني المرتبط مباشرة بالشريان الأبهر خارج نطاق العمل، كما ينغلق الصمام بين الأذينين وينفصل عن دورة الأم. وإذا ما بقي الصمام مفتوحاً دون انغلاق، فإن الدم المؤكسج يختلط بالدم الفقير بالأكسجين ويسبب "المرض الأزرق" أو الزرقة القلبية، حيث يرجع لون الطفل الأزرق إلى أن الدم الأزرق لا يجد مفراً من أن يتجه إلى البطين الأيسر، والشريان الأورطي (الأبهر) ويختلط بدمهما الأحمر، ويوزع هذا الدم الممزوج إلى الجسم فيعطيه اللون الأزرق.
        وتظهر الزرقة الناتجة عن نقصان الأوكسجين في الأنسجة على المدخنين أيضاً. ولا شك أن أكبر عدو لي هو التبغ الذي يحتوي على مئات المواد السامة والضارة. ومن إحدى هذه المواد، "مونوكسيد الكربون" أو استنشاق منتوجات غازية تتحد مع مادة الهيموغلوبين (خضاب الدم) وتعيق انتشار الأوكسجين في الجسم. ولهذا فإن شفتي المدخنين تبدو مائلة إلى الزرقة. والحق يقال عجزنا -رغم محاولاتنا الكثيفة- عن مقاومة تلوث الهواء الذي بدأ يزداد بسرعة في عصرنا هذا، فإذا بنا نراهم (المدخنين) قد زادوا الطين بلة بتدخينهم، الأمر الذي يجعلني أجن. كيف يمكن لإنسان أن يكون جاهلا لهذه الدرجة!

        آليات حماية الرئة
        لقد خلقني ربي عز وجل بطريقة مميزة وفريدة لاستنشاق الهواء وإدخاله إلى الدم بواسطة الضغط العالي، ثم طرحِ فضلات غازِ ثاني أكسيد الكربون الموجود في الدم إلى الخارج قبل أن يرتفع إلى مستوى يؤدي إلى اختناق الجسم. ولأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الهواء سيتلوث إلى هذه الدرجة، فقد زودني ببعض الآليات لحماية نفسي. ونتيجة لذلك فإني أمارس عملي دون أي عطل لمدة طويلة. إلا أن ازدياد المواد الصناعية السامة والغازات بشكل كبير، جعلني لا أقدر على مقاومة الأخطار بسهولة. ثم إنهم ينفثون في وجهي دخان التبغ الذي قيل: إن فيه أكثر من أربعة آلاف مادة سامة ومختلفة.
        إنهم أدرى بأنفسهم.. فلو أني فقدتُ المقاومة وضعفتُ عنها، لا أدري كم سأفتح عليهم من أبواب المشاكل. كثيراً ما كنت أصاب في الماضي بمرض السل، أما اليوم فإنني أفضّل الإصابة بمرض السرطان تماشياً مع الموضة!.. وكأن في الأمر دعابة أليس كذلك؟ ماذا أفعل؟ وهل يمكن أن أصاب بالسرطان بإرادتي؟ فكما أن هذا المرض المسمى بالسرطان يمكن أن يصيب أي عضو في أي لحظة، فإنه يمكن أن يصيبني أنا أيضاً أكثر من غيري، لأني على تماس مباشر بالهواء دائماً. فلو أني توقفت عن استنشاق الهواء لَلفظتَ أنفاسك الأخيرة على الفور. ولهذا ينبغي عليك أن تنتبه إلى نظافة الهواء في محيطك.
        في الحقيقة أن باطن المجاري الهوائية التي تنقل الهواء إلى داخلي والتي تسمونها القصبة الهوائية والشعيبات الهوائية، بُطِّنَ بشعيرات تلتقط وتدفع ذرات الغبار والمفرزات المخاطية نحو الحلق لكي يخرج بعد ذلك بواسطة السعال، حيث تعمل هذه الشعيرات طوال الليل أثناء نومك، وتَدفع الأغشيةَ المخاطية التي التصقت بها ذراتُ الغبار والتي استنشقتها نهاراً نحو حلقك، وتقوم في الصباح بطرح كتلة الغشاء المخاطي الموجودة في حنجرتك وتتخلص من البلغم. أما المدخّنون فيَقتلون ما بين 800-1000 خلية من شعيراتي الرئوية في كل مرة يسحبون فيها الدخان إلى جوفي. وبعد مدة أعجز عن تكنيس جزيئات المواد السامة الواردة مع الهواء، كـذرات الكربون، والكبريت، والرصاص... ذلك لأن خلايا الأهداب أو شعيراتي الرئوية داخل القصبة الهوائية، تموت مع مرور الأيام وتصل إلى حالة لا تُحتَمل فتغير هيكلها وتكوينها. ومن ثم فإن ذرات الغبار الموجودة داخل الهواء المتلوث، تَسُدّ مجرى الهواء كما تُسَد مجاري المدافئ ووصلات المداخن في منازلنا. ولعلي أُصاب نتيجة ذلك بمرض الانسداد الرئوي المزمن أو السرطان.
        عزيزي عبد الله... أعرف أنك لا تدخّن، ولكنني أردتُ أن ألمس جوانب الموضوع لتقوم بشرحه لبعض أصدقائك، فأرجو ألاّ تملّ مني.

        التكوين المتكامل البديع
        وفي هذا الصدد أودّ أن أشرح لك بعض البدائع الفنية في تكويني المتكامل البديع. كما تعرف أنه إذا اجتمعت العناصر الفنية والجمالية والوظيفية في أثر ما، فإنها تعطيه ميزة ذات معنى. وإن تكويني المتكامل -ككل أصدقائي العاملين في بدنك- يهدف إلى التلاؤم مع الوظيفة المهمة التي سأقوم بها. بتعبير آخر، فإنه يستحيل اجتماع الخلايا والجزيئات فيّ عن طريق الصدفة، فإنه يستحيل إيجاد جزيئة واحدة من جزيئات البروتينات المختلفة الداخلة في تركيبتي من تلقاء نفسها ودون إدراك. إن الاحتفاظ بالضغط العالي لأوكسجين الهواء الداخل إلى جوفي، ونفاذ الأكسجين من غشائي أثناء الانتشار، ثم النفاذ من أغشية الشعيرات الدموية العالقة والامتزاج مع جزيئات خضاب الدم، ونفاذ ثاني أوكسيد الكربون ذي الضغط العالي إلى جوفي من نفس الأغشية، وقيامي بطرحه إلى الخارج مع كل زفير وشهيق لك أمر لا يمكن أن يتحقق بسهولة. إنك تتنفس 13-14 مرة في الدقيقة، وفي كل مرة تتحقق هذه العملية. يجب عليّ عند الانتفاخ والانكماش أثناء الشهيق الذي تجريه غالباً دون إدراك، أن أكون في حالة مرنة جداً. وإن أهم خاصية أمتلكها -بالإضافة إلى هذه المرونة- هي إظهار أوسع سطح في أصغر حجم. إن الله عز وجل وضع في صدرك الضيق أغشية تقارب مساحتها 100 متر مربع، أو يقارب خمسين ضعفاً من جلدك الذي يلف جسمك، وبفضل هذا منحك مساحة واسعة تتيح انتشار الغازات. في حين ينبغي على الغازات هذه، من أجل النفاذ من أغشية الجهاز التنفسي، أن تبقى رطبة على الدوام ولا تجف أبداً. إن سطوح أغشية الجهاز النتفسي الرطبة، ممتازة جداً لانتشار الغازات؛ ولكي لا تلتصق الأغشية الرقيقة ببعضها، ولكي لا يتعرض الجهاز التنفسي للخطر بسبب التوتر السطحي والخاصية الشعرية، يفرز إلى داخلي مادة سائلة تحتوي على مواد سطحية. ولو لم تكن هذه المادة السائلة لالتصقت الأغشية الرقيقة ببعضها ولَفشلت عملية الانتشار.

        القصبة الهوائية
        إن الهواء الداخل إلى جوفي مثل الطرق الثانوية المتفرعة عن الطريق السريع، فهي تضيق وتتفرع وتنتهي بحجيرات مغلقة -تسمى الحويصلات- فتكوّن بذلك شبكة. وإن الهواء الداخل من الفم والأنف يلتقي في الطريق السريع المسمى القصبة الهوائية، حيث يبلغ طول القصبة الهوائية في الشخص العادي حوالي 15 سم. وأودّ ها هنا أن أقول لك شيئاً مهماً بخصوص عمل خاطئ تقوم به في كثير من الأحيان، وكان الأولى أن يتكلم عنه العضو الذي تسمونه الأنف. إلا أني سأتطرق للموضوع بشكل طفيف لعلاقته بي.
        إنك يا عبد الله كثيراً ما تخطئ في طريقة التنفس، إذ عليك أن تستنشق الهواء من الأنف وتطرحه من الفم، عندها سيسخن الهواء الوارد من أنفك مباشرة ويترطب، ومن ثم ستتخلص من ذرات الغبار فيه. إذا فعلتَ هذا فإنك لا تعرّضني للضيق ولا تصاب بالزكام أو بالتهابات الجهاز التنفسي العلوي. أما إذا استنشقتَ الهواء البارد والجاف من فمك، فإن ذرات الغبار والجراثيم ستدخل جوفي وستسبب الحساسية، بل قد يصل الأمر إلى الالتهاب الرئوي.
        كان أبوك وأمك حين كنت صغيراً يحافظان على بقاء مجرى تنفس أنفك سالكاً، فيقطران فيه المصْل الفيزيولوجي لئلا ينسد. وأعتقد الآن أنك عرفتَ سبب سهولة مرض الأطفال الذين ينامون وفمهم مفتوح بسبب وجود الزوائد اللحمية في أنفهم.
        عمّ كنا نتحدث وكيف خضنا هذه المواضيع؟ نعم.. نعم تذكرتُ، كنت أتحدث عن طرق الهواء الوارد إليّ.

        الإنذار المبكر
        إن أطراف القصبة الهوائية التي تُوصِل الهواء إلي -كما هو الحال تماماً في المِدخنة- تتكوّن من 16-20 حلقة غضروفية على شكل أنبوب أسطواني. ولئلا تظهر مشكلة بسبب وجود البلعوم والقصبة الهوائية جنباً إلى جنب، فإن آخر حلقة من الحلقات الغضروفية المبنية على بعضها البعض، أكملت بحلقة نسيجية مرنة بدل الغضروف القاسي. ومن ثم فإن غضاريف القصبة الهوائية لن تعيق ابتلاع اللقيمات أثناء الطعام، إذ توجد فوق وبجوار الحلقات الغضروفية ألياف عضلية، حيث توسع أثناء شهيقي القصبات الهوائية بتمدد الحلقات الغضروفية وتضيِّقها.
        مرت عليك أوقاتٌ نبّهتك فيها عن طريق السعال. ربما أزعجتك بذلك، ولكن لو أنني لم أضيق قُطر القصبة الهوائية وأقلص أحزمتي العضلية حتى تصل إلى ما تحت السدُس، ولم أتسرع بالتنفس من خلال القصبة الهوائية الضيقة هذه، لما استطعت لا أستطيع طرح بعض الأجسام الغريبة التي تدخل جوفي فجأة (كذرات الغبار وبعض القطع الصغيرة)، عندها ينسد جوفي ويؤدي ذلك إلى انعدام الهواء وبالتالي إلى موتك في آن واحد. ولهذا السبب فإن الانفجار السريع الذي تسمونه السعال، يعني التخلص من ذرات الغبار الضارة في داخلي. وقد وضع ربي عز وجل جهازاً صوتيا في الطرف الأمامي لقصبتي الهوائية العريضة جداً والتي تشبه الطريق السريع، وهو جهاز رائع مذهل! ولو قمتُ بالحديث عنه لما كفتني الصفحات. فالهواء الوارد إلي والهواء الفاسد الصادر عني، يحرك الحبال الصوتية عندما يمر من خلال هذا الصندوق الصوتي، ويصدر النغمات الجميلة والأناشيد الرائعة والأحاديث التي تبهج الحياة.

        الشعبة الهوائية
        إن الهواء الوارد من القصبة الهوائية ينقسم إلى فرعين هما الشعبتان الهوائيتان التوأمتان يمنى ويسرى. وفي الأصل لا نُعتبر توأماً، لأن التي تقيم في الطرف الأيمن تتكون من ثلاث قطع، أما التي تقيم في الطرف الأيسر فتتكون من قطعتين. وكأني أسمع سؤالك، وما الحكمة من ذلك؟ أستطيع أن نقول لك: إن شقيقتي الشعبة اليسرى خلقت لتتيح مجالاً للقلب وليتخذ مكاناً أوسع ويعمل براحة أكثر، بالإضافة إلى أنه عندما يبدأ السرطان في أي قسم، فيمكن إزالة القسم المصاب فقط بعملية جراحية وبالتالي أستطيع أن أواصل حياتي. وربما هناك حكم كثيرة لا يعلمها إلا ربي سبحانه. وتنقسم الشعبتان الهوائيتان اللتان تدخلان إلى جوفنا إلى 8-10 طرق فرعية دقيقة -كما هو الحال في الطرق السريعة- وكل واحدة من هذه تنقسم إلى فروع أكثر دقة بقطر واحد سم. إن نظام التفرع هذا يشبه منظر شجرة رأسها نحو الأسفل. أما في نهاية هذه الفروع الدقيقة فتوجد شعيبات النظام التنفسي التي تشبه عنقود العنب.

        الشعيرات الدموية
        وإن آخر نقطة في الطريق هي الكريات التي تشبه الحبات التي تكوّن العناقيد، إذ هي الأجزاء الحياتية الأساسية. كما أن هذه الكريات الصغيرة التي تسمى الحويصلات صنعت من أغشية رقيقة جداً أحيطت بشبكة الشعيرات الدموية. قسمِي الوظيفي الأساسي الذي يتم فيه تبادل الغازات موجود هنا. وإن شبكة الشعيرات الدموية التي تلف الحويصلات الرئوية، هي أقسام متفرعة عن شرياني الحامل الدم الفاسد والقادم من القلب (فقير الأوكسجين) وشرياني الذي يجمع الدم النظيف مني (غني الأوكسجين) ويوصله إلى القلب.
        توجد طبقتان غشائيتان رقيقتان تحيطان بي وتحميانني؛ إحدى هاتين الطبقتين ملتصقة بي تماماً، والأخرى ملتصقة بالأضلاع الصدرية، وبينهما في الكيس الفراغي مادة سائلة لزجة رقيقة جداً. وأثناء انتفاخي وانكماشي تمنع هذه المادة السائلة اللزجة احتمال كشطي عند احتكاكي بفراغ جدران القفص الصدري. ولولا هذه المادة السائلة لكشط سطحي وانفتح فيَّ ثقب بعد مدة قصيرة جداً. ينبغي على فراغ القفص الصدري أن يتوسع ليفسح لي مجالاً أثناء انتفاخي عند التنفس. فلو لم أجد مكاناً أتسع فيه لما استطعتُ التنفس، ولمتَّ أنت بسرعة. فالشكر للخالق عز وجل الذي صنع قفصاً من الأضلاع لحمايتي، والذي صنع مفاصل مرنة جزئياً تلتوي على الأضلاع، وبالتالي يتوسع فراغ القفص جزئياً ويفسح لي مكاناً. إضافة إلى أن الحجاب الحاجز العضلي الذي يفصلني عن المعدة والأمعاء، يقلل انحناءه ويضغط على الأعضاء الموجودة في البطن نحو الأسفل، مما ينفخ جدار البطن نحو الخارج ويفسح لي مكاناً لأنزل فيه. وبفضل حركة الأضلاع والحجاب الحاجز أتوسع في المكان الذي فسح لي من خلال انتفاخي بملء جوفي بالهواء. إن وجودي معلق في الفراغ الصدري ويتحقق من خلال القصبة الهوائية التابعة لي والشرايين والأوردة.
        إن احتمال إصابتي بالأمراض عال جداً نظراً لارتباطي بالعالم الخارجي. ويأتي السعال على رأس القائمة التي أرسل فيها إشارة تحذيرية لإصابتي بالمرض. فأحياناً أُخرج بلغماً مختلطاً بالدم، إضافة إلى أنني أجد صعوبة في التنفس، وأُشعرك بألم في صدرك. عندما ترى هذه الإشارات التحذيرية، ينبغي عليك أن تكون يقظاً جداً، لأن البكتريات والجراثيم إذا ثبتت أقدامها في داخلي، فإنها تتكاثر في الحويصلات الهوائية وتتصلب وتسبب التهابات.
        إنني حساسة جداً تجاه الإضرابات التحسسية، فعندما تتلامس جدران العضلات المستوية المتوضعة على جدار الشعبة الهوائية بالمواد الغريبة كغبار الطلع فإنها تتقلص بتأثير إفرازات الهيستامين. إضافة إلى أن الأمراض التحسسية التي تصيب العروق الدموية، تؤثر عليّ جداً لكوني عضواً من أكثر الأعضاء الحاملة للدم. كما تظهر حالة القوة التنفسية عند تقلص عضلات الشعبة الرئوية وعدم إخراج الإفرازات المخاطية التي أفرزها ضد الحساسية، وإنكم تسمونها بمرض الربو. فعندما يمتلئ داخلي بهذه الإفرازات المخاطية التي أُصدرها لحماية نفسي ولا أستطيع إخراجها، أعاني صعوبة في التنفس.
        وبمعزل عن هذا، فإنني كثيراً ما أصاب بالأمراض الحادة المزمنة والتهاب الشعب الهوائية وانتفاخ الرئة، حتى إن عصبيتك وانفعالك يؤثر عليّ، إذ أعاني صعوبة في التنفس مباشرة.
        لا تؤاخذني يا عبد الله! فمساحتي ضيقة جداً، إذ لا يمكن أن أختصر الحديث عن عمل فني مذهل مثلي في أربع صفحات أو خمس. ولهذا أحيل الباقي إليك، ففي فهمك كفاية. لكن يا قرة عيني، ابتعد عن أماكن التدخين والغازات السامة وأدخنة السيارات. استنشق الهواء بعمق في الأماكن النظيفة وأرسل إليّ أوكسيجيناً كثيفاً، ثم فكر بتمعّن في كل شهقة بصوت "هو" الذي أُصدره وأذكر به خالقنا، وتذكر أنني يمكن أن أتوقف في أي لحظة، فاشكر ربنا العظيم الذي لا نهاية لقدرته.
        ــــــــــــــ
        (*) الترجمة عن التركية: محمد ماهر قفص.
        ــــــــــــــــــــــ
        (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

        المصدر

        يتبع إن شاء الله ..

        أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
        و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
        تغيُّب ..

        Comment

        • _aMiNe_
          طالب علم
          • Jul 2007
          • 1528

          #19
          أنا معدة عبد الله
          أ.د. عرفان يلماز (*)

          حبيبي عبد الله!..
          عندما كلمك جاري، القلبُ الموجود فوقي، وعرّفك بنفسه سمعت ما قاله لك، وربما ساورك بعض الغضب بسبب حديثه، لكن أعتقد أن كل كلامه لصالحك أنت. فهو من جانبٍ قدّم لك نصائح تهمّ صحتك، ومن جانب آخر وجّه نظرك إلى الخالق عز وجل الذي وهب لك القلب ففتح بذلك آفاق تفكيرك. وقد أعجبني كلامه جدًّا، وسررت منه، لذا ساورتني الرغبة -أنا المعدة- للتحدث إليك والتسامر معك. وأعتقد أنك إن أصخت السمع فستستفيد من الناحيتين المادية والمعنوية.

          أين مكاني؟
          أنا أشغل مكانًا في القسم العلويّ من تجويف البطن وتحت التجويف الصدري. ولكي لا يتولد أي ضرر بيني وبين جارَيّ الموجودَين فوقي، القلب والرئة، فقد وضع خالقنا ستاراً داخل القفص الصدري، أي وضعهما داخل قفص عظميّ. ولكن لا تتصور أنني غير مصانة، فقد صان ربنا كل واحد منا بالشكل المناسب. فلو كان هناك سقف من العظام فوقي لوجدتَ صعوبة في الأكل والشرب. ثم نظرًا لعجزي آنذاك من خزن ما تأكله، كنتَ تضطر آنذاك لتناول وجبات طعام بكمّيات قليلة ولكن بشكل دائم. ولكن نظراً لوجودي في تجويف ذي جدران مرنة جدّاً -مثل التجويف البطني- فإنني أستطيع الاحتفاظ بما تأكله وتشربه حتى إتمام عملية الهضم. وهكذا تستطيع تناول الطعام في وجبات معينة للتفرغ بعدها لمشاغلك الأخرى.
          قد يبدو شكلي العام بسيطًا جدًّا في نظرك. لذا ترى بعض من يتكلم عني يقول مهونًا من شأني بأنني عضو يشبه الكيس. وإذا أردت أن تعرف قدري ومقدار أهميتي، فاسأل من أصيب بالقرحة أو بسرطان المعدة. ذلك لأنني إن تعطلتُ أو أصابني الخلل أو المرض ضاقت أمامك الدنيا، فكل شربة ماء أو لقمة طعام ستكون عذابًا لك، فلا تجد طعمًا لحياتك ولا لذة.

          دماغ ثانٍ
          تتألف جدراني التي تشبه الكيس ظاهريا من أربع طبقات من أنسجة خاصة. تتكون الطبقة الخارجية من نسيج قوي، وتليها طبقات من العضلات العرضية والطولية، تليها طبقة رخوة تحتوي على الغدد، والطبقةُ الأخيرة طبقة داخلية رقيقة من نسيج "ظهاري" (Epithelium). طبعاً لا يجوز أن ننسى شبكة الشرايين الدمَوية التي تغذي جدران هذه الطبقات العضلية، وكذلك شبكة الألياف العصبية التي تنتشر في كل أجزائها.
          وشبكة الألياف العصبية هذه التي أمتلكها معقّدة إلى درجةٍ مذهلة. فأنا أملك شبكة كبيرة من الأعصاب بحيث أكون مطلعة على ما يجري في جميع أنحاء الجسم وكأنني دماغ ثانٍ. فلو أصيبتْ قدمُك بشوكة، أو لو حزنتَ لأمرٍ ما، أو فرحت كثيراً وضحكت تأثّرتُ بكل هذه الأمور. وهذه الشبكة من الأعصاب حساسة جدّاً بحيث يمكن أن تؤثر على حركتي وعلى إفرازات غددي، وقد تعطلها أو تخرّبها.

          عمل الشبكة العصبية
          بفضل هذه الشبكة العصبية أبدأ بالسيطرة على حركتِي وعلى إفرازات غددي بدءً من قيامك بشم رائحة الطعام والتهيّؤ للأكل، وهكذا أُنقذك من أي ضيق بعد تناول الطعام.
          كذلك فأنا سهلة القياد، إذ تستطيع -إن أردتَ وعقدتَ العزم- أن تروّضني لطراز جديد من الحياة. فهناك من تعوّد على تناول ثلاث وجَبات من الطعام يوميّاً، وبعضهم على وجبتَين، وآخرون على وجبةٍ واحدة فقط. أمّا نصيحتي لك فهي الاعتياد على وجبتين في اليوم.
          ولكي تتجزأ الأغذية التي تتناولها ويتمّ امتصاصها من قِبل أمعائك وتكون جزءً من جسدك لا بد أن تمر بي. لأنه لا تتم تجزئةٌ كيميائيّة كبيرة في الفم: كلّ ما يحصل هو تفتّت الطعام إلى قطع صغيرة بطريقة ميكانيكية وتحوّلها إلى قِوام لين يمكن قبوله من قِبلي. فإن استعجلت في الأكل وبلعت الطعام دون مضغٍ ودون تليين كافيَين أتْعبتَني جدّاً. كما أن اللُّقَم الآتية إليّ بهذا الشكل قد تقوم بخدش جدران قناة المريء، وقد تُدميها. والأفضل هو مضْغ كل لقمة ثلاثين مرة. ولكن معظم الناس لا يفعلون هذا مع الأسف، فبعد مضغٍ لمرتين أو ثلاث يرسلون الطعام لي. وهم لا يُحسون بأنهم شبعوا، لذا يأكلون كثيراً فيُخلّون بتوازني.
          وأما إذا أكلتَ ببطء فإني فورَ أخذك حاجتك من الطعام سأقوم بإخبار المركز المختصّ في الدماغ بذلك ليقوم بقطع شهيتك.
          وهكذا تكون قد وفّرت عليّ التعب من جهة، وتجنبتَ الإسراف من جهة أخرى. وعندما تأكل بسرعة أكون قد امتلأتُ قبل أن أجد الفرصة لإرسال الجزئيات التي تبعث إشارات الشبع، فلا يبقى عندي مكان لا للماء ولا للهواء.

          أنواع الخلايا
          هناك ثلاثة أنواع من الخلايا في الغشاء المخاطي الذي يبطنني، أي في الغشاء الذي يكون على تماس مع الأغذية. النوع الأول منها يقوم بإفراز حامض الهيدركلوريد "HCI" القوي جدّاً.
          يقوم هذا الحامض الذي يستطيع إذابة حتّى الحجر بتجزئة جميع البروتينات ومنها اللحم، وبقَتل الجراثيم الداخلة مع الأغذية والسوائل. ولو لم يوجد هذا الحامض لَما نشطت غدد إفراز أنزيم مادة البَبْسين "Pepsinogen". وهذا الأنزيم لا يعمل وحده، لذا لا يُفرز عندما لا يوجد طعام في جوفي. وعندما يبدأ الطعام بالدخول إليّ يبدأ بإفراز هذه المادة مع إفراز حامض الهيدوكلوريد معًا.
          وقد تتساءل: ألا تتضرّر جُدراني بمثل هذا الحامض القوي وهذا الأنزيم الهاضم للبروتينات؟ الجواب: لا يقع مثل هذا الضرر لأن الخالق الرحيم يغطي -بآلية دقيقة- جدراني بشكل مؤقت بمادة واقية. والخلايا التي تفرز السائل المخاطي الواقي تقوم بعملها هذا قبل إفراز الحامض وقبل إفراز الأنزيم المفتِّت للبروتينات، أي يعمل هذا السائل المخاطي عمل طبقة الجص أو الإسمنت التي تَصون الجدران المبنية من الطابوق من التأثيرات الخارجية. ومع هذا فبتأثير الحامض والأنزيم أضحّي كل يوم بـ(1.5) مليون خلية. وهذا يعني ضياع طبقتي الداخلية كل ثلاثة أيام. ولكن أحمد الله الذي أعطاني قدرة كبيرة على تجديد خلاياي حيث أستطيع تجديد طبقتي الداخلية بخلايا جديدة.

          متى يحصل العطب
          أحيانا يحصل عطب أو خلل في إفراز هذه المادة الواقية مما يؤدي إلى تآكل خلايا الجدران بتأثير الحامض والأنزيم، ويبدأ نضْح الدم من الشرايين الدموية الموجودة في الطبقة الداخلية. وهذا يشير إلى إصابتي بـ"القرحة"، أي ظهور الجروح وبدء النـزيف في جدراني.
          ولا تظهر هذه القرحة عند الأشخاص غير الحسّاسين، لذا فلا تتأثر المنظومة العصبية عندهم. أما الأشخاص الحساسون فنظرًا لكونهم يتأثرون كثيرًا فإن منظومة الإفراز تتأثر عندهم بسرعة، لذا يتعرض هؤلاء للإصابة بالقرحة بسهولة.
          لذا فإن من الأصوب العيش باعتدال وتعقل دون الانحراف إلى القلق والخوف والحزن الشديد أو الفرح الشديد، أي مواجهة الأحداث بصبر. فإن راعيتَ العيش بتوازن فلن تتسبب في تخريب نظام الإفراز عندي.
          أنت لا تستطيع تحريك العضلات التي تشكل نسبة كبيرة من سمك جدراني مثلما تحرك مثلا عضلات يديك أو رجليك. تعمل هذه العضلات اللاَّإرادية في هذه المنظومة العصبية دون أن تشعر أنت بها، فهي تتلقى أوامرها وتعمل دون إرادة أو شعور منك.
          ومن أهم خواص هذه العضلات أنها تعمل ببطء، ولكنها لا تتعب بسرعة. ونظرًا لأنها قابلة للتمدد بسهولة، فإنك إن لم تكن متوازنا في الأكل تمددتْ وبرزت إلى الخارج مثلما تبرز شُرفة البناية.
          إن نفسك المائلة إلى الإسراف والجشع تضرّني كثيرًا، وتجعلني أداة ضارة لك. إذن فعليك ألاّ تستجيب لألاعيب النفس، وتكون متوازنًا في طعامك وشرابك، وإلا حوّلتَني إلى مخزن نُفايات وجلبتَ الضرر والبلاء على نفسك.

          الأمور التي أكرهها
          أودّ أن أعلمك ببعض الأمور التي أكرهها، وعلى رأسها المأكولات والمشروبات الحارة جدّاً والباردة جداً. فكلٌّ منهما يخرّب عمل أنزيماتي ويعرقل عملها.
          وأفضل درجة حرارة تعمل فيها هذه الأنزيمات هي درجة الحرارة القريبة من حرارة الجسم، أي بدرجة حرارة 36-37 مئوية.
          إن هناك الآن شبهات قوية من أن الأطعمة الحارة جدّاً تسبب في إصابة خلاياي بالسرطان. أما الأشياء الباردة جدّاً فإن تلُكْها أو تُبقِها فترة في فمك لتدفئتها قليلا ثم تبلعها تكون قد حفظتني من الإصابة بالبرد، لأنني إن أصبتُ بالبرد تقلصتْ عضلاتي وفقدتُ توازني فلا أستطيع أداء مهمتي.
          أقوم بمخْض وتحريك الأطعمة التي تأتيني من البلعوم وأعالجها بالأنزيمات حتى تتحول إلى حالة سائلة، ثم أدفعها -بعد أن تتحول إلى القوام المطلوب- تدريجيًّا نحو الأمعاء الموجودة تحتي والمسماة بـ"الإثنَي عشر".
          فأنا أشبه الدنيا التي توصف بأنها دار ذات بابَين، لأنني لا أحتفظ بشيء في جَوفي، بل آخذ الأغذية من جهة، ثم أرسلها من جهة أخرى. لم يوضع بيني وبين قناة الطعام (البلعوم) أيّ باب، لذا أستطيع إن لزم الأمر أن أُرجع بعضَ ما يدخل إلى جوفي إلى الخارج بعملية التقيؤ.
          وقد يبدو التقيّؤ في الوهلة الأولى شيئًا غير مستحسن، لذا فقد تتساءل: لماذا لم يوضع باب أو حاجز هنا؟ ولو كان ما تقوله صحيحًا فأنا أسألك: ماذا ستكون حالك إن تناولت عن طريق الخطأ سُمًّا أو غذاءً فاسدًا أو متعفنًا؟ كان من الضروري آنذاك إما تنظيف معدتك أو إجراء عملية لك حياتك. وقد تموت قبل إجراء تلك العملية. بينما أستطيع بقابلية التقيؤ هذه إخراج ما أشعر بضرره، ويمكن كذلك مدّ خرطوم إلى جوفي لتنظيفه.
          فهل فهمت الآن لماذا لم يوضع باب أو حاجز بيني وبين القسم العلوي فيّ؟ وعلى العكس من هذا فقد وضع باب بيني و بين الأمعاء لكي لا ترجع الأطعمة الموجودة في الأمعاء إليّ مرة أخرى، ولكي لا يختلّ الجوّ الحامضيّ الموجود عندي. لأن الأنزيمات التي تعمل في الأمعاء ذات طبيعة قاعدية أو حيادية وتعمل في وسط قاعدي. والجو الحامضي الموجود عندي يخرب عمل أنزيمات الأمعاء ويخل به. فلو تدفقت إليّ أملاح كيس الصفراء المفرزة من الكبد أو أنزيمات البنكرياس، لاختلت الأمور عندي تمامًا، وقد تم تهيئة جو مناسب في الأمعاء لظروف عمل تلك الأنزيمات والإفرازات.

          اسمعْ نصيحتي
          عندي لك توصية أخرى يا عبد الله!.. إياك أن تمارس الرياضة وجوفي مملوء. ذلك لأن طبقة العضلات السميكة لجدراني تحتاج إلى كمية كبيرة من الدم، لذا يتم سحب مقدار كبير من الدماء من الأجزاء الأخرى من الجسم ويُرسل إليّ. فإن مارست الرياضة في هذا الوقت فلن تتم تغذية الأجزاء الأخرى من جسمك بالدم بشكل كافٍ، وهكذا سيتعب قلبك.
          سأفشي لك سرّاً آخر: أنت تقترف خطأ كبيرًا كلما تَزيد من إرسال الطعام إليّ دون مبالاة بأي شيء ودون الاهتمام بالحلال والحرام؛ لأن صحتك الجسدية وصحة حياتك الروحية تتناسب عكسيًّا مع حجمي. فإن زدتَ من حجمي زاد حجم الدهون المتراكمة في قلبك وفي شرايينك، وتَعرقَل عملُه وعملها. ويقول العديد من أهل العرفان بأن الأكل الكثير يؤدي إلى صدأ الأحاسيس الروحية وضعفها. والحقيقة أن الإنسان يكفيه ما يقيم به صُلبه. لذا فإن لم تصبح أسيرًا للذة الأكل، وتذكّرت صاحب النعم والأفضال سبحانه وتعالى وبقيت في دائرة الحلال، وأكلتَ ما يكفيك مع أداء الشكر... كنتُ أنا مرتاحة هنا وأنت مرتاحًا في الدار الآخرة. بالنسبة لي لا فرق بين قطعة حلوى تجتاز فمك إليّ وقطعة خبز، لذا فكن مراقبًا لما يدخل في فمك لكي تتجنب الإسراف وتراكم الشحم والسمنة.

          المعدة بيت الداء
          قد يضحك بعضهم من هذه النصائح الأخيرة ويقولون: "لذّة الأكل من نعيم الحياة.. كما يجب أن نتغذى جيداً"، لذا فلا يهتمّون ولا يلتفتون إليها. ولكن الطبّ الحديث والمختصّين بعلم الأغذية وصلوا ومنذ سنوات عديدة إلى النتيجة نفسها التي ذكرتُها لك، حيث يقولون الآن: "أجل!.. أنتِ محقّة!.. حَسْبُ ابن آدم لُقَيمات يقمن صُلبه".
          إن ملء المعدة سبب مهم للعديد من الأمراض. إذن فإن كان الأكل طريقاً للذة فهو طريق إلى الأمراض أيضًا.. إذن فالمهم والضروري هو التوازن في التغذية. فهذا هو ما يوصي به العلم الحديث.
          وبفضل التغيير الذي تقوم به في السَّنَة شهرًا واحداً (رمضان المبارك) في نظام الأكل فأنا وجميعُ مساعديّ نقوم بتجديد أنفسنا، وكأننا دخلنا في مخيّم أو في دورة تدريب. وهذه حاجة ضرورية لنا لندخل موسماً جديداً بعد نيل الراحة اللازمة لنا. وقريبًا سيحلّ موعد المخيم من جديد، لذا فأنا أنتظر حلول هذا الموعد لآخذ قسطا من الراحة.
          عزيزي عبد الله!
          أنت في حاجة إليّ للحصول على الغذاء وعلى الطاقة اللازمة، لأنني إن لم أكن موجودة لا يعمل حتى قلبُك، كما يجب أخذ الغذاء الكافي لتأمين الطاقة لكل عملية بيولوجية. فأنا سَيف ذو حدَّين. يجب ألا تهملني كثيراً، وألا تدلّلني أيضاً كثيراً. وأنا أنتظر منك مثل هذا التصرف المتوازن.
          ___________________
          (*) الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.
          ___________________
          (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

          المصدر

          يتبع إن شاء الله ..

          أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
          و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
          تغيُّب ..

          Comment

          • ابو يوسف المصرى
            عضو
            • Mar 2009
            • 532

            #20
            جزاك الله خيرا
            مستمر فى المتابعة إن شاء الله

            الاستاذ الفاضل أمين
            هل تأذن لنا فى نقله ونشره ؟

            (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). [الطور: 35].
            (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ). [إبراهيم: 10]
            (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ). [يونس: 101]


            للسؤال عن الغائبين

            Comment

            • _aMiNe_
              طالب علم
              • Jul 2007
              • 1528

              #21
              و أنتم من أهل الجزاء أستاذي أسامة ..
              أعتذر لك عن التأخر في الرد ..

              و بالنسبة لنقل السلسلة، فبالتأكيد يمكنك فعل ذلك .. فأنا أيضا أنقل من أرشيف مجلة حراء ..
              كما أنني لست أستاذا

              و جزاك الله خيرا، على متابعتك و نشرك للسلسلة ..

              أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
              و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
              تغيُّب ..

              Comment

              • _aMiNe_
                طالب علم
                • Jul 2007
                • 1528

                #22
                أنا جلد عبد الله

                أ.د. عرفان يلماز (*)
                عزيزي عبد الله... منذ أشهر وأعضاؤك في بدنك تتكلم عن مدى إعجاز خلقها ومدى أهميتها الحياتية، وتشرح أنفسها لك. وكانت الغاية الأساسية من شرحها الإشارة إلى القدرة اللانهائية للخالق الكريم وإلى حكمته. واليوم ما رأيك أن تفتح نافذة من بدنك إلى العالم الخارجي فتصغي إليّ، أي إلى جلدك؟
                إن جميع مسؤوليات حدود بدنك مع العالم الخارجي قد ألقيت على كاهلي، لأنني أنا الذي أحس بجميع التغيرات الخارجية من حرارة وبرودة ورطوبة وضغط، وبالأنواع العديدة من الإشعاعات وبجميع التأثيرات الكيمياوية والميكانيكية الخادشة، وأقوم بتنبيه الأعضاء الداخلية للقيام بما يجب تجاه هذه الظروف والشروط المتغيرة. لذا يعدّني الجميع عضواً وظيفته الإحساس ويصنفونني كآخر عضو من الحواس الخمس.

                من زاوية الجمال
                والحقيقة أن لي وظائف عديدة أخرى غير وظيفة الإحساس. ولو قمت بتعدادها كلها لما وسعت صفحات المجلة لمثل هذا الشرح والتعداد. فلو نظرت إليّ من زاوية الجمال لعرفت مدى جمالي. وإذا أردت فهم ما أعنيه فادخل مع أحد طلاب كلية الطب إلى مختبر التشريح، وحاول النظر إلى جثة لم تُقطع بعد بل نُزع عنها جلدها فقط، وأمعن النظر فيها إن استطعت وتحملت. فلولا وجودي أنا لَفَقَد الجسد الذي يُعد آية في الفن كلَّ جماله ومنظره البديع، ولأصبح منظره قبيحاً ومرعباً، ولزال جمال كل عضو من الأعضاء التي شرحتْ نفسها لك عن مدى فائدتها وضرورتها وجمالها.
                لقد خلقني الله تعالى لباساً ملائماً يغطي كلَّ مناطق جسدك. وأنا أغطي أخمص قدميك وكذلك راحة يديك بمادة متقرنة لأسهل عليك المشي واستعمال الآلات اليدوية العديدة. وفي مناطق المفاصل أكون قابلاً للطي مثل آلة أكورديون أو مثل المنفاخ لكي أسهل حركة أصابعك ويديك ورجليك.

                أنا والشَّعر
                ولكي أحافظ على رأسك من الشمس والبرد تغيرتْ بعض خلاياي هناك وتحولتْ إلى شعر وأُعطيتْ قابليةَ النمو على الدوام. ومن أجل المحافظة على عينيك وُهبت لك الرموشُ والحواجب مع تحديد لمدى طولهما، ولولا ذلك لاضطررت كل يوم إلى قصهما لكي تستطيع الرؤية. وحتى في مداخل ثقوب أنفك وأذنيك شعرات خاصة وضعت لالتقاط الأتربة ولمنع دخول الحشرات وما شابهها. وقد تقول في نفسك: وهل هذا شيء مهم؟ كل ما في الأمر بضع شعرات. ماذا لو كانت موجودة أو غير موجودة، إذ لا أهمية حيوية لها!؟ أجل، ولكن الحياة ليست البقاء "حيًّا" فقط، بل لها أبعاد جمالية أيضاً. وأنت تستطيع فهم هذا عندما تنظر إلى شخص تساقطت أهدابه وحواجبه. أجل، عندما خلق الله الإنسان خلقه جميلاً وأعطى أهمية لكل شعرة وجعل لها دوراً في الجمال. والله تعالى عندما يخلق شيئاً يخلقه بحكمة من جميع الجوانب.

                نبذة عن مهامي الحيوية
                إنني أحافظ على جسدك من عدة نواحٍ: إن أراد إنسان اعتيادي أن يلف جسده كما ألفه أنا فهو يحتاج إلى 1.8 م2-2 م2 من الغطاء. ومهمتي الحيوية هي قيامي بمنع سوائل الجسم من الانسياب إلى الخارج وضياعها، لأن كثافة سوائل الجسم الداخلية والأملاح المعدنية الموجودة فيها مهمة جداً للجسم، ولولاي لما استطاعت كليتاك وحدهما تنظيم كثافة هذه السوائل. لذا فإن الشخص الذي أصابت الحروقُ 3/2 من جلده بشكل عميق يموت بسبب ضياع سوائل جسده. وعلى الرغم من محاولات المراكز المختصة بعلاج الحروق وباستخدام أجهزة حساسة جداً للمحافظة على كثافة سوائل الجسم وعدم فقدها، إلا أنها لا تكون ناجحة في هذا الأمر عند الحروق الكبيرة.
                ومن مهامي محافظة الجسم من دخول الفيروسات والبكتريات والفطريات وكل ما يضر به ويسبب له الأمراض. وأنت تعلم أنه إن دخلت شوكة صغيرة في يدك دخلت الجراثيم إليها والتهبت، فإن تعرضتُ إلى جروح في مساحة كبيرة تعرضتَ أنت إلى التهابات شديدة، لأنني عندما لا أكون موجوداً في منطقة دخلتْ إلى جسمك الملايين من الأحياء المجهرية ومرضتَ.
                لقد خُلق جسمك حساساً للحر وللبرد، ويجب أن تكون حرارة جسمك في الداخل 36.7 درجة مئوية. ويجب ألا تتغير هذه الدرجة بسبب تغير الحرارة في الخارج، بل يجب أن تبقى ثابتة. فإن تعرضتَ للبرد مدة طويلة وانخفضتْ حرارة جسمك قليلاً تمرض العديد من أعضائك الداخلية وفي مقدمتها الرئتان والمعدة والكليتان، حيث لا تكون قادرة على إيفاء وظائفها على الوجه الصحيح. فإن استمرت درجة حرارة جسمك بالانخفاض توفيتَ. وبالمقابل إن تعرضتَ لحرارة شديدة مدة طويلة وبدأتْ حرارة جسمك بالارتفاع بدأت عوارض خطرة بالظهور في جهازك العصبي الحساس وفي مقدمته دماغك، ثم يبدأ الخلل بالظهور في أعضائك الأخرى وفي مقدمتها القلب، والموت هو المصير المحتوم أيضاً في هذه الحالة. هذا مع العلم أن الناس يعيشون في جميع المناطق في الأرض بدءاً من الصحارى وانتهاء إلى منطقة القطبين، ومع ذلك تضبط حرارة أجسامهم وتثبت في حوالي 37 درجة مئوية. وأنا من أهم أجزاء المنظومة التي تقوم بحفظ توازن حرارة جسم الإنسان في هذه الدرجة. ومع أن مركز السيطرة في هذه المنظومة هو الدماغ، إلا أنه يقوم بعملية التوازن هذه نتيجة للتنبيهات الصادرة مني.

                بنيتي وتركيبتي العجيبة
                وقبل أن أشرح لك مهامي المهمة أود أن أحدثك قليلاً عن بنيتي التي تبدو من الخارج وكأنها بُنية بسيطة؛ والحقيقة أنني لست كما تظن مثل غطاء بسيط من النايلون. فأنا أولاً عضو حيّ مرن ينمو ويتغذى، ويمكن تصليحه وتعميره، وبينما يطرح الأجزاء الميتة منه يعوضها بخلايا جديدة. وهو على اتصال بالعالم الخارجي. وإذا تركنا التفصيل أقول بأنني أبدو كطبقتين، والجزء الخارجي الذي تراه هو طبقة "البشرة" أو الأدمة، التي تكوّن الخلايا
                المتقرنةُ الميتة التي أتمت أعمارها جزأها العلوي. وهذه الخلايا الميتة تتساقط كل يوم وهي التي تتساقط كوسخ عندما تستحم. كما تتخلص آنذاك من العديد من البكتريا والفطريات وغيرها من الطفيليات الملتصقة بي من الخارج. والقسم الأسفل من الطبقة العلوية من الجلد تملك خلايا لها قابلية كبيرة على الانقسام وعلى النمو وهي "الطبقة النامية"، وهي تنشئ على الدوام خلايا جديدة وتدفعها إلى الأعلى. وهذه الخلايا عند تكونها تكون أسطوانية الشكل وكلما ارتفعت إلى فوق أصبح شكلها مكعباً ثم تصبح مسطحة. ونظراً لتكون المواد المتقرنة في داخلها فهي تبدأ بالتصلب شيئاً فشيئاً وتفقد حياتها. وعندما تصل إلى فوق تكون قد ماتت تماماً. وقسم منها لا تتساقط بل تلتحم مع بعضها مكونة طبقة متقرنة مثل الأظافر. وتظهر كذلك في الأماكن المتعرضة للتآكل وذلك للحفاظ عليها. الحياة البيولوجية لهذه الطبقة حياة طويلة إلى درجة محيرة. فبعد موت الإنسان لا تموت طبقتي هذه يومين أوثلاثة أيام بل تستمر في الانقسام. لذا فإن مات شخص كان قد حلق لحيته وقص أظافره قبل الموت نرى أنه في حالة تأخر دفنه عدة أيام قد نبتت لحيته وطالت أظافره. وهذا يعود إلى استمرار نشاط الطبقة السفلى من الجلد.
                تحت طبقة البشرة أو الأدمة توجد طبقة أكثرسمكا. في هذه الطبقة توجد العديد من آثار الصنعة والفن التي تكون وسيلة لحيويتي ولوني ولقوة التوتر عندي. وصلب هذه الطبقة مؤلف من نوع من البروتين يدعى "الكولاجين" يعمل على تكوين نسيج ليفي رابط. وكلما تقدم الإنسان في العمر بدأت هذه الطبقة بالجفاف والتيبس وبفقد بروتين الكولاجين. وكلما قلت الألياف قل توتري وظهرت التجاعيد عليّ. وفي داخل الطبقة السفلى من الجلد توجد الغدد العرقية بشكل خطوط ملتفة، وجذورُ الشعر، والغددُ الدهنية التي تغذي الشعر وتعطيه بريقه ولمعانه، و"الخلايا الصبغية" التي تعطي لون بشرتي، وكذلك العضلات الموجودة حول جذور الشعر والتي تستطيع إيقاف الشعر أو إعادته إلى حالته الطبيعية، وشعيرات الدم التي تغذيني، وأخيراً توجد أنواع عديدة من الخلايا العصبية التي تستقبل المنبهات كالألم والضغط.

                دور الخلايا الصبغية في لوني
                الأوصاف التي تطلقونها على بعضكم مثل: هذا أسمر أو أشقر أو أبيض تنبع من الخلايا الصبغية الموجودة في الطبقة السفلى مني والقريبة والمجاورة لطبقة البشرة. ولهذه الخلايا النجمية الشكل أذرع وامتدادات وتقوم بتحريك
                هذه الامتدادات ببطء؛ فتارة تطولها وأخرى تقصرها وذلك حسب شدة الضوء. وكذلك تستطيع تجميع الجزيئات الصبغية (القتامين) في مركز الخلية أو توزيعها في داخلها. وهكذا يبدو لوني قاتماً أو فاتحاً، وذلك حسب المواسم وحسب طول أو قصر ساعات النهار. أي حسب شدة أشعة الشمس وطول المدة التي أتعرض فيها لهذه الأشعة. فكما تعلم فإن الذين يعيشون في شمالي أوروبا وفي أمريكا الشمالية يكونون شقراً وتكون بشرتهم بيضاء أكثر من الذين يعيشون في الجنوب، لأنهم يتعرضون لأشعة الشمس مدة أقل، فالجو هنا مغيم في أكثر الأحيان، بينما لأشعة الشمس دور مهم في تركيب فيتامين (D). فمادة الهيدروكلسترول التي تدخل إلى جسمك مع الغذاء لا تتحول إلى فيتامين (D) في جسدك إلا بأشعة الشمس. وهذا الفيتامين مهم جداً لعظامك ولتكوين الكالسيوم، ويذوب في الدهن. وبغياب أشعة الشمس لا يمكن صنع هذا الفيتامين. علما بأن نقص هذا الفيتامين يؤدي إلى العديد من أمراض العظام، وإلى تشوه في الهيكل العظمي.
                ولكن أشعة الشمس سيف ذو حدين، لأن نقصها يؤدي إلى المرض، كما أن زيادتها أيضاً تؤدي إلى أمراض من أهمها سرطان الجلد وبعض أمراض العين. ولا شك أن ربنا الذي ملأ جميع أرجاء الأرض بالناس أعطى بحكمته وعلمه اللانهائيين للخلايا التي تحمل مادة القتامين خاصية بحيث يستطيع جميع الناس الاستفادة من أشعة الشمس في جميع أرجاء الأرض سواء أ كانوا يتعرضون لأشعة الشمس كثيراً أم قليلاً. ففي البلدان التي يقل فيها التعرض للشمس تقوم الخلايا الصبغية بصنع مادة القتامين بكمية قليلة. وتنتشر هذه المادة داخل الخلية أو تنـزل هذه الخلايا إلى عمق الجلد، لذا تبدو بشرتي بيضاء. وهكذا تنفذ من خلالي كمية أكبر من أشعة الشمس لاستعمالها في صنع فيتامين (D). أما في الأماكن المشمسة فيتعرض الناس إلى الأشعة فوق البنفسجية بشكل كثيف وإلى إشعاعات أخرى. لذا فهناك خطر تعرض خلاياي لطفرات ضارة ولخطر الإصابة بالسرطان.
                لذا يتم تركيب كمية أكبر من مادة القتامين في جلود الذين يعيشون في هذه المناطق المشمسة وتتجمع في مركز الخلية، ولهذا السبب تبدو بشرتي قاتمة أو سمراء. ويتم امتصاص الكمية الزائدة من أشعة الشمس من قبل التركيب الخاص للمادة الملونة والخضاب الموجودة في الخلايا الصبغية لخلايا البشرة. وهكذا تتم الحيلولة دون إصابة الخلايا الأخرى الحساسة بالسرطان. فهل أدركت الآن الحكمة من خلق الخلايا الصبغية عندي؟
                لكي لا تزداد الحرارة الداخلية للجسم في الأجواء الحارة تتوسع شرايين الدماء الآتية إليّ فأتزود بكمية كبيرة من الدماء. وأقوم بنقل الماء الموجود في الدم إلى الخارج عن طريق غددي العرقية. وينتشر هذا العرق الحار فوقي ويتبخر، وبذلك يتم نقل كمية كبيرة من الحرارة إلى الخارج، وهكذا لا ترتفع حرارة الجسم. كما يتم مع إفراز العرق طرد بعض الفضلات النتروجينية، وهذا يريح كلْيتيك. وعندما يكون الجو بارداً تقل عملية التعرق وتضيق شرايين الدماء الآتية إليّ فيقل الدم الوارد إليّ، إذ يتوجه إلى الأعضاء الداخلية الحيوية لكي لا تبرد. وتتقلص عضلات الشعر عندي فتقف ويزداد سمك الغطاء الشعري، كأنني غطيت ببطانية. فإن قلّت حرارة الجسم أكثر قامت الخلايا المنبهة عندي بتنبيه العضلات الموجودة تحتي فترتجف هذه العضلات مولدة الحرارة. وهذا هو السبب في الارتجاف عند الشعور بالبرد. وقد يخطر على بالك أن النساء مظلومات في هذا الصدد، لأنهن لا يملكن شعراً على أجسادهن كالرجال. كلا، أبداً، لأن أجسادهن تقوم بخزن مقدار كبير من الدهن في طبقتي التحتية. وهذه الطبقة الدهنية المخزونة تحت الجلد لدى النساء تقوم من جهة بحفظهن من البرد، ومن جهة أخرى تعمل كمخزن غذاء احتياطي للمرأة عندما تقوم بإرضاع طفلها. كما تقوم بحفظ عضلات المرأة وعظامها من الضربات أو الصدمات الخارجية أكثر من الرجل، فتقوم هذه الطبقة الدهنية بوظيفة العزل الحراري ووظيفة امتصاص الصدمات.

                علاقتي بالأمراض الداخلية
                النظرة التي تقول بأنني مرآة الجسد نظرة محقة نوعاً ما. لأنني بسبب كوني معروضاً أمام العين فإن الأمراض التي تصيبني تبدو أماراتها واضحة، وأعد أول عضو يتمتع بهذه الميزة. ومظاهر الخلل التي تبدو عندي تكون عادة إشارة إلى خلل في بعض عمليات الأيض في الجسم، وإشارة إلى حدوث أمراض خبيثة، أو أمراض تتعلق بالغدد في الجسم. فمثلاً إن كان الكبد يتعرض للتسمم من قبل مادة سامة ظهرت لطخ حمراء في اليد. كما أن الحالة النفسية والروحية تؤثر عليّ. والعكس صحيح أيضاً، فهناك أمراض خاصة تصيبني وهي تؤثر على أعضاء الجسم الأخرى.
                لقد ذكرت في البداية أنني أملك قابلية كبيرة على ترميم نفسي. فأنا أستطيع بإذن الله ترميم وإصلاح الحروق والجروح التي تحدث عندي في الظروف الطبيعية. ولكن إن كان الجرح عميقاً ونفذ إلى طبقتي السفلى بقي له أثر طفيف. وعند الإصابة بمرض السكري تقل قابليتي على الترميم والتجديد مع الأسف، فلا أستطيع معالجة الجرح بسرعة. وفي هذه الحالة عليك الاعتناء بي وبنظافتي وبعدم إصابتي بأي التهاب.
                لا أريد في الختام أن أحدثك كثيراً عن الأمراض التي تصيبني مثل أمراض الحساسية والحكة ومرض تناثر الجلد والالتهابات وعن مظاهرها وعلاماتها، ولكني أكتفي هنا بالقول بأن بعض هذه الأمراض وراثية، ويحدث بعضها بسبب نقص في المناعة وبعضها بسبب البكتريات أو الفطريات. وأنا أستطيع أن أعد لك مائة من أنواع الأمراض التي تصيبني، ولكني لا أريد أن أقلقك أو أن أسبب لك الوساوس. فكما ترى فإن معظم الناس يعيشون بصحة جيدة على الرغم من كل شيء. فالله تعالى قد خلق آلية المناعة والدفاع.
                لقد أردت أن أشرح لك مدى الدقة والحكمة التي خلقني الله بها. والحقيقة أنك عندما تعيش حسب ما يرضاه الله لك صانك من العديد من الأمراض. وحتى إن مرضت -كنوع من الامتحان- فستتحمل المرض. وعندما تُشفى ستحمد الله أكثر. وإذا كنت واثقاً بأنك لن تفقد شهيتك ولن يضيق صدرك فانظر إلى صور مرضى الجلد في أي كتاب يتحدث عن هذه الأمراض، وعندها ستحمد الله أكثر وتدرك مدى قيمة نعمة الصحة التي تتمتع بها.
                __________________
                * الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.
                ــــــــــــــــــــــ
                (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

                المصدر

                يتبع إن شاء الله ..

                أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                تغيُّب ..

                Comment

                • _aMiNe_
                  طالب علم
                  • Jul 2007
                  • 1528

                  #23
                  أنا بنكرياس عبد الله
                  أ.د. عرفان يلماز (*)

                  عزيزي عبد الله.. لعلك بعد أن تتعرف عليّ اليوم ستكون قد تعرفت على كافة الأعضاء في البطن والقفص الصدري. إن حجمي لا يعد كبيراً ولا ملفتاً للنظر كباقي الأعضاء، كما أني أكاد لا أُرى عند الكبد والقلب والرئتين. ولكن إياك أن تغتر بكلامي المتواضع هذا وتستصغرني بأسلوبي الهادئ الصامت! فلا تظنن أن القلب الذي يصدر أصواتا مخيفة كالمضخة أو الرئة التي تخرج هديراً كالقاطرات، أعلى مني قدراً وأعظم مني شأناً! فنحن الأعضاء جميعنا كالعضو الواحد يكمل بعضنا البعض، وكل واحد فينا يؤدي مهامه المكلَّف بها من قبل خالقه سبحانه ويشكره ليل نهار.
                  لا أحد منا يعمل دون العضو الآخر. ولعلي أبدو كقطعة نسيج دهني صغير جداً باللون الزهري بين المعدة والأمعاء، ولكني مكلَّف بمهمة حياتية كبيرة رغم صغر حجمي الذي يبلغ حوالي الست بوصات. كما أتصل بالأمعاء الدقيقة وأقع قريبا من المعدة وبالعمق في الجزء العلوي الخلفي للبطن مقابل العمود الفقري. إني ضروري جداً لعملية الهضم، إذ أطرح المواد التي أفرزها وفق برنامج إلى جوف الأمعاء قبل امتصاصها من قبَلها.
                  ولدي هويتان مختلفتان إحداهما تكوينية، والأخرى تنفيذية. ولا يوجد عضو آخر في الجسم يعمل مثلي، حيث أجمع في صفتي بين مميزات الغدد ذات الإفراز الداخلي (القنوية) والغدد ذات الإفراز الخارجي (اللاقنوية). ولإنْ أقوم بأداء دوري على أكمل وجه خلقتُ بشكل دقيق جداً، إذ كوَّنني ربي من طبيعة حساسة ومنحني خصائص كيميائية دقيقة تساعدني على القيام بهمتي هذه. إني أستغرب كثيراً من المتمسكين بنظرية التطور -بشكل مفرط- والقائلين بأن كل ما في الطبيعة خلق صدفة أو أن الطبيعة هي التي خلقتها وأوجدتها! فلو أن أولئك نظروا إلى الخصائص التشريحية والنسيجية الدقيقة لجسمي الصغير، ولو تمعّنوا في عظمة خلقتي المذهلة، لوقعوا لله ساجدين وصدقوه قولا وعملاً، ولكنهم لا يبصرون! فمنذ عشرات السنين يقوم العلماء في شتى بقاع الأرض بالبحث والفحوصات المختبرية والدراسات العلمية باستخدام المواد الكيميائية الحيوية وباستعمال المجاهر الضوئية والمجاهر الألكترونية من أجل الحصول على معلومات أكثر عني، ورغم ذلك ما زال هناك البعض من هؤلاء ينكرون وجود خالقي وقدرته سبحانه.
                  إن إحدى وظائفي تتعلق بفيزيولوجيا الجهاز الهضمي، حيث أُعَدّ ضروريا جدا لعملية الهضم، وذلك لإفراز الغدد النسخية الموجودة في الاثني عشري، وقد تحتوي هذه العصارة على الأنزيمات التي تساعد على هضم البروتينات والدهون والكربوهيدرات قبل أن يتسنى امتصاصها من خلال الأمعاء، كما أحتوي أنا البنكرياس على غدد صماء تعرف بـ"جزر لانغرهانس"، وأحتوي على خلايا فئة "بيتا" التي تفرز هرمون الأنسولين الذي ينظم تركّز السكر في الدم، كما أحتوي أيضاً على خلايا فئة "ألفا" التي تفرز هرمون معروف باسم "غليكاغون" وله مفعول معاكس لمفعول الأنسولين. ولكني لا أشعرك بشيء أبداً.
                  عندما ينتقل الطعام من معدتك إلى الاثني عشري، فإن معدلَ تدفّق الأنزيمات لديّ يزداد أيضاً، أي إن الأنزيمات تفرز وفقاً لكمية الطعام الذي تتناوله أنت. بينما تتطلب هذه العملية دقة بالغة، وإلا تضيع الأنزيمات وينشأ تآكل في الجدار الهضمي داخل الأمعاء. ليس لدي المقدرة على التحكم التام في إفراز الأنزيمات وفقاً لكمية الأطعمة الواردة، بل يتم التحكم من قبل هورمون السكْرتين والبنكريوزيمين الذي يقوم بتحفيزي أنا البنكرياس على إفراز إنزيماتي الخاصة، وذلك عن طريق العصب المبهم الناشئ في الدماغ. وعندما تنتقل الأطعمة من المعدة إلى الاثني عشري، يبدأ هرمون السكرتين والبنكريوزيمين يختلط بالدم، وعندما يصل هذا الهرمون إليَّ من خلال الدورة الدموية، يحفزني لأفرز البيكاربونات والإنزيمات الهاضمة في الأمعاء، كما يحفز الكبد في إفراز العصارة الصفراوية والمعدة على إنتاج الببسين.
                  يتم صناعة عصاراتي الهضمية في خلايا آسينوس التي تشبه عنقود العنب، إذ تسمي أنتَ الغدد التي أفرزها بواسطة هذه الخلايا بـ"الغدد القنوية" أو "الغدد الصماء" وغيرها من الأسماء كما تم ذكرها سابقاً.
                  بعد أن تتناول طعامك يتفكك الكربوهيدرات المهضوم إلى جزيئات الغلوكوز وينفذ إلى دمك، وبالتالي ترتفع نسبة السكر فيه. ولكي يعمل بدنك بشكل صحي ينبغي أن يكون مستوى الغلوكوز في دمك حوالي 100 ملغ/مم (ويمكن أن يتراوح ما بين 80 – 120). وعندما يرتفع مستوى السكر في دمك أكثر من ذلك، فإنني أفرز الأنسولين. في حين أمدّك بالطاقة بنقل السكر إلى الخلايا وحرقه فيها، كما أني أوقف ارتفاع السكر في دمك، وأوقف إفراز الأنسلين عند انخفاض السكر في الدم أيضاً. ومنه فإن الأنسولين يسهل عملية تخزين السكر في الأنسجة الدهنية وتحويله إلى الأحماض الدهنية، ويبطئ تدهور الأحماض الدهنية. وبالتالي فإن الأنسلين يساعد في تنشيط الأحماض الأمينية المحتفظ بها ضمن الأنسجة العضلية في عملية إنتاج البروتين، وتخزين الغلوكوز في الكبد وتحويله إلى الغليكوجين.
                  وإن أي خلل في خلايا البيتا لدي، يسبب داء السكري أضراراً لا رجوع عنها، حيث تصاب يا عبد الله بداء السكري أو مرض السكر عند عجزي عن إفراز هرمون الأنسولين أو إفرازي بكميات غير كافية أو غير فعالة، وهذا يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم بحيث يتعدى المستوى الطبيعي. وقد وصِف هذا المرض بين العامة بأنه يذيب لحم الإنسان ويعرض أطرافه للهزال، أو بأنه "مرض الأغنياء"، ولكنه في الحقيقة مرض خطير شائع. إذ أحرمك من الأطعمة الكثيرة من متع الدينا وأجعلك تدقق أكثر في مأكلك ومشربك، وإن لم تعتن بالحمية فإنك ستضطر حتماً إلى حقن الأنسولين كل يوم. ولعل هذه الجوانب ستؤدي إلى تلف النسج والأعصاب وعروق دمك ومن ثم إلى مضاعفات عديدة.. لا أريد في هذا الصدد أن أخوض في أنواع هذا المرض، ولكني أريد أن تعي يا عبد الله عجزك أمام مجموعة من الخلايا الصغيرة جداً، حيث تفقدك توازن جسمك بالكامل وتحرمك من متع الدنيا وملذاتها، فليس أمامك سوى الشكر والمنة على الصحة والعافية التي أنت عليها.
                  أما هرمون الغليكاغون التي تفرزها خلايا الألفا فإنها تعمل عملاً معاكساً تماماً من الأنسولين، حيث تحرر السكر المخزن في الخلايا. فعندما تنخفض نسبة السكر في دمك (بسبب الجوع أو العمل المرهق... إلخ) فإنني أعمل على تفكيك الغليكوجين الموجود في الكبد إلى الغليكوز ورفع نسبة السكر في الدم. وقد يعمل الغليكاغون ضمن منظومة متكاملة مع الأدرينالين الذي هو هرمون تفرزه غدة الكظر وهي تقع فوق الكلية، حيث ينتج في الخلايا أليفة الكروم في لب الكظر، وهو يعمل على تحضير الجسم للمجهود أو التوتر في حالة الخوف مثلا أو الإثارة. كما أن الغليكاغون يبطئ تركيب الغليكوجين، ويسرع من تفكيك البروتينات حرق دهون الأيض.
                  وكما هو شأن كل الأعضاء فإنني أصاب بأمراض مختلفة وكثيرة، ومن أكثر الأمراض شيوعاً؛ الالتهابات الحادة والمزمنة، والأورام والخراجات. وقد أُصاب بالالتهاب كثيراً خاصة عند من يتناولون الكحول، حيث لا أعود أقدر على إفراز العصارات بشكل جيد وبالتالي فإن الأغذية لا تهضم جيداً مما يؤدي إلى خروج البراز مدهنا، مع وجود الألياف البروتينة فيه. ولعل الأمعاء ستعاني من اضطرابات نتيجة القصور في الجهاز الهضمي بعد تناول الطعام. وفي حال إصابتي بالعطب تماماً وضرورة استئصالي بسبب الالتهابات الحادة والمزمنة أو الأورام، فينبغي عليك حينئذ أن تتناول يومياً السوائل الخالصة الناتجة من البنكرياس والأنسولين من الخارج حتى تبقى على قيد الحياة.
                  وعليه فإن سرطاني يتميز بسرعة الانتشار، فبعد أن تتم عملية انتقال الخلايا السرطانية من عضو إلى آخر فإن النهاية تكون معلومة لأن الطب يعجز أمام هذا الانتشار. والأسوأ من ذلك فإني لا أظهر إصابتي بالسرطان حتى تبدأ عملية الانتقال هذا، وإنما أحاول أن أنجز عملي دون أي نقصان، وهذا طبعاً لا يكون لصالحك. إذ إنك لا تشعر بمرضي إلا بعد أن أقصر في واجباتي، ولا أستطيع القيام بمهامي. ولكن -بشكل عام- يكون الوقت قد فات لأن انتشار الخلايا السرطانية يكون قد تم. ورغم أنه لم يثبت بشكل جازم أن التدخين يسبب سرطان البنكرياس، فإنني أعلم أن كثيراً من المدمنين يصابون بهذا المرض والله أعلم. ولكنني شخصياً أكره التدخين ولدي شبهات حولها. ولعلك تقول بأن التدخين يؤثر على الرئتين مباشرة فما علاقتك أنت به؟ ولكني لا أفكر مثلك! لأن أصدقائي أيضاً يشكون مثلي من التدخين. أوليس الأحسن لك أن تعدل عن التدخين وتعيش حياة بعيدة عن هذه الشكوك والأوهام؟
                  أما فيما يتعلق بمرض السكر، فإن التطورات التي حدثت في الآونة الأخيرة تعطي أملاً في القضاء على هذا المرض، إلا أنه لم تزل الدراسات مستمرة حول بعض جوانبه لإيجاد العلاج التام. وقد أجريت عمليات ناجحة -إلى حد ما- في نقل خلايا البيتا المأخوذة من بنكرياس إنسان ميت حديثاً والشبيهة -قدر الإمكان- بأنسجة المصاب بمرض السكر، ولكن العملية المتمثلة برفض الأنسجة أو الأعضاء لا زالت مستمرة إلى حد كبير. إذا انتهى في يوم من الأيام "مشروع الجينات الإنسانية" وأمكن وضع الشيفرة الوراثية للجسم بشكل كامل، ووضع كل ما يتعلق بالشيفرة الوراثية لمراحل أنشطة خلايا البيتا وتراكيب الأنسولين... إلخ، فإنه يمكن حينئذ معالجة مرض السكر بواسطة الهندسة الوراثية، ولكنه في الوقت الحالي ما هو إلا في طور التفكير والمخططات. في حين -وبإذن الله- إذا عمل العلماء والباحثون بعزم وحزم وبجد وإخلاص، عندها يستطيعون حل ألغاز هذا المرض وإيجاد العلاج له. وهذا هو المطلوب من الإنسان؛ أن يفكّ أسرار هذا الكون ويدرك قدرة الخالق اللامتناهية الذي استخلفه في أرضه.
                  يزعم بعض الغافلين أن ما يفعلونه من تدخلات بسيطة في الجينات، خلق جديد هُمْ صنعوه! يا لهم من غافلين عن الحقائق العلمية الكونية والقدرة الإلهية اللانهائية. فلو أنهم سعوا بعلمهم الذي منحهم الله إياه ولو استخدموا العلم لأجل إسعاد الإنسانية، لسرعان ما كشفوا حقائق تراكمت عليها الرمال، ولرأوا في الكون الشاسع ضوء الجمال الإلهي والقدرة الربانية وناجوا ربهم ساجدين "هل من مزيد"...
                  ــــــــــــــــــــــــــــ
                  (*) الترجمة عن التركية: محمد ماهر قفص.
                  ــــــــــــــــــــــ
                  (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

                  المصدر

                  يتبع إن شاء الله ..

                  أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                  و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                  تغيُّب ..

                  Comment

                  • أصولية
                    عضو
                    • Feb 2010
                    • 94

                    #24
                    كم نحن بشوق الى التكملة
                    وجزاكم الله الخير
                    قـال بن تيمية رحمه الله : وجماع الدين أصلان ؛ الأول : أن نعبد الله وحده لا شريك له .
                    والثاني : أن نعبده بما شرع على لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم ،
                    قال وهذان الأصلان : هما حقيقة قولنا نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا رسول الله فبالشهادة الأولى يعرف المعبود عز وجل وبالشهادة الثانية يعرف الطريق الموصل إلي المعبود عز وجل
                    .

                    Comment

                    • _aMiNe_
                      طالب علم
                      • Jul 2007
                      • 1528

                      #25
                      و أنتم من أهل الجزاء، أختنا الفاضلة ..
                      و إن شاء الله، سنكمل مع الجهاز العضلي ..

                      أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                      و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                      تغيُّب ..

                      Comment

                      • _aMiNe_
                        طالب علم
                        • Jul 2007
                        • 1528

                        #26
                        الجهاز العضلي يتكلم
                        أ.د. عرفان يلماز(*)

                        عزيزي عبد الله.. أريد أن أتحدث معك قليلاً.. أنا جهازك العضلي الذي تتحرك به وتصول أنى شئت. كما تعلم إن الصخور تتميز بالصلابة، وكذلك الأشجار كائنات حية وصلبة في الوقت نفسه، ولكنها غير قادرة على التحرك، مغروسة في الأرض لا تهتز ولا تتحرك، لأنها لا تملك جهازًا يمكّنها من الحركة. أما أنت فيا عبد الله.. فقد خُلقتَ في أحسن تقويم، وتستطيع التحرك كيفما شئت. وإن كانت الحيوانات كلها قادرة على التحركِ -بدرجات مختلفة- بواسطة أنسجتها العضلية، فاعلم أنك لم تخلق لتكون كالحيوانات تسعى وترعى لتلبـي رغباتها وشهواتها فحسب دون أي إدراك ووعي، أو لم تُخلق لتكون كالشجر مغروساً في الأرض عاجزاً عن التحرك والتنقل، إنما جعلك الله خليفة له في الأرض، تسيح فيها وتمشي في مناكبها، خلقك الله لتتعلم وتكشف عن المكنونات والمخبوءات في هذا الوجود، ولتنثر بذور القيم الفاضلة وتقيم الحضارات العريقة. ولكن من أجل أن تؤدي مهمتك هذه بحق، لابد -قبل كل شيء- أن تملك الحرية في تغيير أوضاعك وتبديل أماكنك، أي لابد من أن تملك قدرة للتحرك كيفما شئت. ولهذا جعلني الله لك جهازًا كاملاً يتكّون من ملايين الخلايا ومئات العضلات، ووضعني لخدمتك فقط.
                        ومن أهم خاصيّاتي، هي امتلاكي الخلايا التي تتحرك باستهلاك السكريات -كمحرك السيارة تماما الذي يعمل بحرق البنـزين- ولديّ ألياف عضلية قادرة على الانقباض والانبساط داخل خلاياها، وهي تمنح هذه الخلايا القدرة على القصر والاستطالة التي منهما تتولد قوة السحب. ونتيجة لهذه القوة أتمكّن من تحريك العظام التي أتصل بها أو من تحريك عضو جسم آخر وأحدثُ بذلك تغييرات ميكانيكية. واعلم عزيزي عبد الله، أن عظام جسدك وسائر أعضائك -عدا قلبك- لا تملك قدرة التحرك من تلقاء نفسها، بل تستجيب لتوجيهات عضلاتي فقط. وقد تعني العضلة؛ العضو والنسيج معا. ولكوني نسيجًا عضليًّا أقوم بالمحافظة على خاصية الانقباض على مستوى الأعضاء والأجهزة، ولكوني خُلقتُ في كل أطراف الجسم، فقد تم تكويني من عدد كبير من الحزم التي تحتوي على الألياف العضلية الطويلة الرفيعة. وحتى تفهمني بشكل أفضل، سأشرح لك بنْية العضلة وتركيبها بطريقة بسيطة.. لنعتبر بكرة الخيط الرفيع هي الخلية العضلية، ثم لنجمع عددا كبيرًا من خيوط هذه البكرة ونصنع منها "فتلة" واحدة رفيعة، ثم لنجمع عددًا من هذه الفتل ونصنع منها خيوطًا نسيجية، ثم لنجعل من هذه الخيوط النسيجية حبلاً غليظًا. والآن يمكنك أن تتصور ذلك الحبل الغليظ كعضلة من عضلات جسدك. إن أليافي العضلية تتكون من خيوط بروتينية -بدلاً من الألياف القطنية في بكرة الخيط الرفيع- وهي خيوط الأكتين الرفيعة وخيوط الميوسين الغليظة، وهما اللذان يمنحان الليفة العضلية قدرة الانقباض. وقد اصطفتْ هذه الخيوط مقابل بعضها البعض كأسنان مشطين، وعند الانقباض تنـزلق خيوط الأكتين تجاه خيوط الميوسين، ويتم بذلك الانقباض العضلي. ومن ثم تظهر عملية الانقباض والانبساط، تمامًا مثلما تتداخل وتتباعد أسنان المشط مع أسنان مشط آخر.
                        عزيزي عبد الله.. شرحتُ لك خصائص تلك البنية العضلية العظيمة ويسرتُ عليك فهمها، فصوّرتها لك بالخيوط والأحبال.. ولكني أسألك الآن، هل يمكن أن تتشكل تلك البنية العظيمة من تلقاء نفسها؟ وهل يمكن أن تتكون صدفة؟ إن أصغر قطعة من القماش لم تكن لولا ماكينة تنتجها ويد صانع تبدعها. فما بالك إذن، بكل عضلة من عضلات جسدك؛ تلك التي تتألف من ملايين الألياف العضلية وتحيط كل عظمة من عظامك، كما أنها تقيم جسدك وتسويه.. أتراها تلك الألياف العضلية قد نُسجت بهذا التقدير وتموضعت بهذه الحكمة حتى صارت في أحسن تقويم دون صانع يصنعها، أم تراها قد خلقت عبثًا؟
                        يختلف شكل وحجم عضلاتي التي تتألف من الحزم المتكوّنة من آلاف أليافي العضلية، حسب موضعها وحسب العظام التي تتصل بها والمهام المنوطة بها. فهناك "العضلات الهيكلية الحمراء" التي تقوم بتحريك عظام الساقين والذراعين، وهي عضلات طويلة مدببة الطرفين منتفخة الوسط. وهناك أيضا "عضلات ملساء" وهي التي تربط أعضاء جذعك وعظامه، وتكون ذات سطح أكثر اتساعًا واستدارة.
                        فأما العضلات الحمراء فتوجد حول الهيكل العظمي وتتميز بقوتها الشديدة أيَّا كان شكلها وحجمها، كما أنها تعمل حسب طوعك وتحت قيادتك. فأنت تستخدم دائمًا عضلاتي "الحمراء المخططة" في مشيك وجريك وقيامك وقعودك. تتألف هذه العضلات من بنية نسيجية "مغزلية"، ولذا تُرى تحت الميكروسكوب عضلات مخططة، وهي تشكل القسم الأكبر من عضلات جسدك.
                        وأما النوع الآخر فهو "العضلات الملساء" أو "العضلات اللاإرادية"، أي العضلات التي لا تستجيب لأوامرك. إنها تتحرك ببطء، وفترة انقباضها تكون طويلة ودون أي تعب، وإنها تبطن جدران قنواتك الهضمية وشرايينك الدموية ومسالكك البولية. إن هذه العضلات في الحقيقة لا سلطان لها عليك في ذهابك أو إيابك، لأنها لا تعمل تحت قيادة هيكلك العظمي، فلا همَّ لها ولا شاغل غير حركة أعضائك الداخلية. وقلبك أيضا -رغم اختلاف نسيجه العضلي المخطط- من الأعضاء التي تعمل خارج إرادتك. لذا عليك أن تعرف، أن المقصود من الجهاز العضلي هو تلك العضلات المخططة التي تؤدي دورها في حركة الهيكل العظمي.
                        لقد زوّد الله جسدك بعديد من العظام لتمنحه استقامته واستواءه، وجعل بين العظام مفاصل لتمنحه مزيدًا من الحركة والانسيابية، بيد أن هذه المفاصل تعجز عن الحركة بمفردها. فعلى سبيل المثال؛ مهما بلغ باب أو نافذة من اكتمال الصنعة وحسن التشكيل، فإنه يعجز عن الانفتاح أو الانغلاق دون قوة دافعة أو ساحبة. هذا الأمر ينطبق على المفاصل تماما، إذ ليس بين المفاصل مفصل يتحرك دون قوة خارجية، وعليه فإن جهازك العضلي هو الذي ينتج القوة التي تحرك مفاصلك وتوجهها. فهناك في نظام الحركة حوالي (340) عضلة. ومن هذه العضلات ما تؤدي أكثر من مهمة.. وإذا ما أخذنا هذا الجانب بعين الاعتبار، ندرك أن عضلات الجسم تنجز (510) مهمة مختلفة. كما أن معظم هذه العضلات تحرك العظام والمفاصل، وأما بعضها الآخر فيمكن أن يؤدي وظائف مختلفة بعيدة عن العظام، كعضلات الجبهة والوجه والجفون وعضلات البطن.
                        ولقد أصبح من المعتاد تسمية العضلة وفق ما تقوم به من مهام داخل الجهاز العضلي، فيطلق مثلا اسم الضامة (Abductor) على العضلة التي تقرب جزءً من أعضاء الجسم إلى الجزء الآخر منه، والباسطة (Extensor) على العضلة التي تسحب جزءً من الهيكل العظمي، والقابضة (Flexor) على العضلة التي تثني جزءً منه، والرافعة (Levator) على العضلة التي ترفع جزءً من الهيكل العظمي، والكابة (Pronator) على العضلة التي تُدير إلى الداخل جزء منه، والدوارة (Rotator) على العضلة التي تلف ذلك الجزء، والاستلقائية (Supinator) على العضلة التي تديره إلى الخارج.
                        إن أجزائي العضلية تتسم بالقوة والمرونة، وهي ما تجعلك قادرًا على أداء كل حركة يتطلبها جسمك براحة ويسر. كما أن أجزائي العضلية تتميز أيضًا بقدرتها على تقوية ذاتها إذا ما ارتبطت بأداء منظم. وكما هو معلوم فإن هدف كل رياضي في منافسة رياضية يتمثل في تقوية عضلاته وجعلها أكثر تحملاً. وأليافي العضلية تزداد حجما وقوة إذا ما قامت بجهود مكثفة وسريعة على فترات طويلة. وبهذه الكيفية أكتسبُ القوة التي تمكنني من أداء المزيد من الأعمال والقدرة على الانقباض السريع. ولكن عليك ألا تنسى أن العوامل الوراثية أيضا تلعب دورا مهما في هذا الانقباض عدا التدريبات الرياضية والمجهودات الشاقة. ومن هنا فليس ثمة قاعدة تقول بأن كل متدرب سيصبح رياضيًّا بارزًا، فالأمر كله يرجع إلى مدى ملائمة عضلات الرياضي وعظامه جينيًّا، فهي وحدها التي تمكنه من الارتقاء إلى أعلى المستويات من خلال التدريب، ومن دونها لا يحق لنا أن ننتظر من رياضي -لا يمتلك بنية عضلية تتلاءم مع رياضة ما- أن يصبح بطلاً رياضيًّا. ولئن بدت عضلاتي للوهلة الأولى من الخارج عضلات ذات شكل ونمط واحد، إلا أنها تتسم بسمات مختلفة حسب توزيع أليافي الداخلية وكثافتها، حيث تختلف انقباضات وانبساطات أليافي العضلية فيما بينها من حيث السرعة والبطء. فالحركات التي يعتاد كل شخص القيام بها، والرياضات التي يمكنه ممارستها تختلف أيضا حسب توزيع هذه الألياف العضلية. فثمة فرق في حجم وتوزيع الألياف العضلية الخاصة بين العدّاء الرياضي الذي يقطع مسافات قصيرة مثل (100 متر) وبين العدَّاء الذي يقطع مسافات متوسطة (10.000 متر).
                        إن انقباض أي عضلة يكون في نوعين مختلفين؛ إذا كانت القوة التي تؤثر على عضلتي أكثر من مقاومة نسيجها فإن توتر العضلة يظل ثابتا ويقصر طولها (العضلة). وقد تسمى هذه الحالة بـ"متساوي التوتر" (Isotonic)، أما إذا ما تساوت القوة الممارسة على العضلة مع مقاومتها فإن عضلتي لا تنقبض، بل يزداد توترها، وهذا ما يسمى بـ"متساوي القياس" (Isometric)، أما مقدار القوة الناجمة عن التقلص فمرهون بطول عضلتي ومقدار نبضاتها الكهربية.
                        ولكي تصدر الحركة التي تسمى الانقباض يتحتم مرور النبضة الكهربية الصادر عن ليفة الأعصاب الحركية إلى المنطقة الواقعة بين غشاء خليتي العضلية وبين غشاء خليتي العصبية. ونتيجة لرد الفعل الكيميائي الذي يحدث مع هذه النبضة الكهربية، يتم خلال فترة قصيرة انزلاق خيوط الأكتين على خيوط الميوسين داخل ليفتي العضلية، وبهذا يقصر طول ليفتي العضلية. وخلال مرحلة رد الفعل يصدر بعض الشيء من الحرارة، كما أن هذه الحرارة الصادرة عن عضلاتي هي التي تحدد درجة الحرارة الطبيعية لجسمك. ولذا فإن عضلاتي عندما ترتجف في الهواء البارد تقوم بإنتاج حرارة أكثر لتحافظ على حرارة جسمك. أليس هذا برهان واضح في أن لله حكمة فيما خلق؟ فعضلاتي كما أنها تمكنك من التحرك، فكذلك تحميك من البرد وتوفر لك الدفء بحركاتها. ولعلك أدركت الآن لماذا يتحرك الإنسان في الهواء البارد ويقي نفسه من التجمد.
                        إن الحركات الانقباضية التي تنتج عن النبضات الكهربية التي ترد بشكل متوال من ليفة عصبية إلى ليفة عضلية، تسبب بعد فترة الإرهاق لِلّيفة العضلية وتجعلها بحاجة إلى الاستراحة، عندها تبدأ أليافٌ عضليةٌ أخرى لم تنقبض بعدُ بالعمل وتنفذ تلك المهام. أما إذا ظلت النبضات الكهربية تتوالى بشكل مكثف على أليافي العضلية ولم تترك لها فرصة الاستراحة، فعندئذ تصاب بحالة من الانقباض المستمر، وهو ما يطلق عليه "التشنج العضلي".
                        من أجل الحصول على حركات منسجمة متناسقة؛ بدءً من المشي إلى الجري، ومن الوثوب إلى القعود.. فإن عضلاتي التي تحمل مستقبلات للتوتر، ترسل كل لحظة وعبر الجهاز العصبـي بيانات عن حالة العضلة وسرعة ودرجة انقباضها، فيتم بذلك مراقبة حركات عضلاتي وتنظيمها عن قرب. ومن ثم فلا تترنح أنت عند السير ولا ترتجف يداك عند تناولك الطعام.
                        وكما أن كل جهاز من أجهزة الجسم وكل نسيج فيه قد يصاب بأمراض معينة، فإني أيضا أصاب بأمراض خاصة بي. وأكثرها الضعف، واضطراب الهيئة، والألم، والتشنجات العضلية اللاإرادية، والالتهابات العضلية، وضمور العضلات أو تيبسها، والأورام العضلية الحميدة والخبيثة.
                        عزيزي عبد الله.. لعلك أدركت الآن قدرة الصانع جل جلاله وحكمته في كل عضلة من عضلاتي، الصانع الذي حرّك أعضاء جسمك، وكسا عظامك، وأقام عودك. فمن المستحيل أن تكون ليفة واحدة من أليافي العضلية قد تكونت من تلقاء نفسها. هذا وقد أستغرب كثيرا من الذين يزعمون أن الخلايا العضلية والأجهزة الحركية لدى الكائنات كلها، قد خلقت صدفة أو أنها من نتاج الطبيعة.
                        عزيزي عبد الله.. لعلك أصبحت أنت أيضا تسخر من تلك القوانين البيولوجية المشوهة المنحرفة التي تنسب المخلوقات إلى الطبيعة.
                        ــــــ
                        (*) الترجمة عن التركية: د. طارق عبد الجليل.
                        ــــــــــــــــــــــ
                        (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

                        المصدر

                        يتبع إن شاء الله ..

                        أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                        و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                        تغيُّب ..

                        Comment

                        • _aMiNe_
                          طالب علم
                          • Jul 2007
                          • 1528

                          #27
                          الهيكل العظمي يتكلم
                          أ.د. عرفان يلماز (*)
                          عزيزي عبد الله..
                          قام العديد من أصدقائي الموجودين في جسدك بالكلام عن أنفسهم وشرح أهميتهم، فكل واحد منهم يقوم بوظيفة مختلفة خاصة به، وقد تعلمت أنت وظائفهم تلك. ولكن لم يخطر على بالك أن تسألهم أين يقعدون وإلى أي شيء يستندون. وبما أنه ما من شيء يستطيع الوقوف في الفراغ، إذن فلابد أن كل نسيج وكل عضو يحتاج إلى شيء يستند إليه أو يتعلق به. عندما تبني بيتا تضع فيه العديد من الأشياء والأثاث والستائر والمصابيح والأبواب والنوافذ. والقسم الأصلي للبناء هو القسم الخالي من الحيطان ولا يوجد فيه غير الأعمدة والسقوف والجسور الكونكريتية، ثم تبنى الحيطان ويتم تقسيم البناء، وهكذا يظهر أمامنا هيكل البناء. ولو لم يوجد هذا الهيكل (من الأعمدة والجسور والسقوف) الذي يمتد من الأساس حتى السقف والمبني من الكونكريت ومن الكونكريت المسلح، لما كان بالإمكان وضع أي شيء أو أي أثاث في البناء. وأنا أشكل منظومة مشابهة وضرورية لتشكيل أماكن مريحة وملاجئ آمنة لعينيك ودماغك وقلبك وكليتيك ورئتيك ومعدتك وأمعائك تيسر عمل هذه الأعضاء وتربطها بأربطة مختلفة تحول دون تضررها وانسحاقها. وبنيتي على العكس من بنية الأنظمة والأعضاء الأخرى، بنية بسيطة وغير معقدة وهي عبارة عن تجمع العظام والغضاريف والأنسجة الرابطة معا بشكل وترتيب منظمين. ولكن هذا لا يعني أن بنيتي خالية من الفن والجمال والإعجاز. على العكس من ذلك فشكل وبنية وخواص كل عظمة من عظامي قد صممت بشكل رائع. وجميع الأعضاء الأخرى -باستثنائي أنا- متكونة من أنسجة حساسة وناعمة وجميلة وسهلة التضرر، فكما أُعطيت لي مهمة حفظ مراكز الحواس في الدماغ -التي لا تملك مقاومة ضد الضربات والصدمات والجفاف والحرارة- كذلك أعطيت لي منظومة المفاصل التي تيسر لرجليك المشي بيسر على الأرض وليديك ولذراعيك القيام بجميع الأعمال التي تحتاج إليها أنت.
                          ومع أن عدد العظام في جسدك يبلغ 217 عظمة إلا أن التحام بعض هذه العظام في منطقة الورك والرِدف والعصعص وتكوينها بنية قوية يقلل هذا العدد إلى 206 من العظام، منها 22 في القحف، و32 في العمود الفقري و24 في الأضلاع و64 في اليد والذراع وعظم الكتف و66 في القدم والرجل والورك. ثم هناك ست عظام صغيرة في الأذن، فإذا أضيفت عظمة واحدة في الصدر وعظمة في منبت اللسان يصبح العدد 217 عظمة.

                          الهندسة الربانية الرائعة
                          وقد ألف هذا العدد الكبير من العظام فيما بينها نظاما رائعا يذهل الإنسان عند تأمله، فقد خُلقتْ كل عظمة من هذه العظام بشكل خاص حسب موقعها وحسب الأوصاف التي تملكها. فالعظام التي تقوم بحفظ وصيانة الدماغ مسطحة الشكل، أما عظام الذراع والرجل فأسطوانية الشكل وطويلة، وعظام الرسغ كروية، والعظم الكتفي وعظام الورك كبيرة ومتكونة من أجزاء كبيرة. ولكي ترتبط العضلات بعظامي جُعلتْ هناك نتوءات مناسبة فوق سطح هذه العظام.
                          ومن الممكن حساب الثقل وقوة البرم وقوة الضغط التي تستطيع كل عظمة تحملها. وقد درس العديد من المهندسين العاملين في علم الحياة أشكال هذه العظام فلاحظوا أنها خلقت في أفضل شكل حسب مواقعها وحسب الوظائف التي تقوم بها، واستفادوا منها عند صنع بعض النماذج المستعملة في التكنولوجيا. وكما تَعرف يجب على المهندسين الذين يقومون بتصميم وبناء الجسور أن يكونوا دقيقين جدا في حساباتهم، إذ يجب عليهم استعمال مواد معينة في المناطق التي تتعرض للضغط، ومواد أخرى في المناطق التي تتعرض للشد. فإن لم يقم المهندس بأخذ هذا بنظر الاعتبار، ولم يقم بالحسابات الضرورية انهدم الجسر بكل سهولة. ثم هناك أيضا ناحية الإسراف في استعمال المواد، فقد تعمل أو تبني شيئا متينا ولكنه يكون ثقيلا ومُكْلفا. وأحيانا تستعمل مواد ولكنك لا تستعملها في الموضع الصحيح فتذهب جهودك سدى. ولكن الله سبحانه وتعالى خلقني بشكل دقيق وحساس بحيث لا تستطيع العثور في أي عظمة من عظامي علىخطأ واحد، فلا مادة زائدة أو ناقصة فيها. ولا يمكن تفسير هذا الأمر إلا بإرجاعه إلى خالقٍ ذي قدرة وعلم لانهائيين.
                          ولكي تستطيع القيام طوال حياتك بجميع الحركات من ركض أو نوم أو قفز أو حمل ثقل أو أي شكل من أشكال الرياضة أو بالكتابة أو بتناول الطعام وغيرها من مئات الحركات فقد خلق الله تعالى كل عظمة من عظامي وكل الأنسجة والعضلات الرابطة بشكل مناسب وملائم لأداء جميع هذه الحركات، لذا استعمَل مواد مختلفة في المتانة والتحمل والقوة. وتأتي مادة العظم في مقدمة هذه المواد.
                          وعظامي ليست كلها متشابهة؛ فمادة العظم المضغوط المتضام تؤلف أصلب أجزاء العظام كالموجودة في عظمة الفخذ وعظمة القصبة الصغرى وعظمة بطة الساق (الربلة). فهذه العظام صلبة، أما الأجزاء المفصلية الموجودة في نهايات العظام وكذلك الأجزاء الداخلية للعظام المسطحة فهي ببنية إسفنجية وتوجد فيها فراغات، لذا فهي أكثر ليونة.
                          وهناك مادة أخرى مستعملة وهي الغضاريف التي توجد في نهايات العظام وفوق سطوح المفاصل لمنع تآكلها، وكذلك لامتصاص الضغوط الواقعة على هيكلي العظمي لمنع انسحاق الأعصاب التي تمر من هذا الهيكل العظمي، فهذه الغضاريف تؤمّن لي مرونة جيدة وكاملة ومنظرا جميلا. وبفضل المرونة والخواص التي وهبها الخالق للغضاريف تتم الحيلولة دون تكسّر العظام بسهولة بسبب صلابتها وعدم مرونتها، وتعطي هذه الغضاريف مرونة في حركة العظام. ولو لم توجد الغضاريف في نهايات المفاصل لتآكلت سطوح العظام بسهولة ولكانت حركاتك حركات ميكانيكية وغير مرنة تماما مثل حركة الإنسان الآلي (الروبوت).
                          والمادة الثالثة المستعملة هي الأنسجة الرابطة والألياف، وهي متكونة من مادة بروتينية اسمها الكولاجين. وهذه الأنسجة الرابطة عبارة عن حبال متينة تربط بين الألياف والغضاريف والعظام ببعضها، وهي بأطوال وأسماك وخواص مختلفة. والألياف المصنوعة من بروتينات الكولاجين تستعمل أيضا كأرضية للعظام وللغضاريف. وهذه الألياف الموجودة بين خلايا أنسجة الغضاريف والعظام وبين المواد الرابطة -التي تعمل عمل السمنت الرابط- تُكسب هذه الأنسجة متانة وقوة. ويتعين توزيع الألياف في عظامي حسب قوة الضغط الواقع واتجاهها؛ فمثلا نرى أن توزيع الألياف في منطقة المفصل الذي يربط بين عظمة الفخذ وعظمة الورك توزيع رائع وكامل ويتطلب حسابا وتخطيطا دقيقا.

                          المفاصل وحركاتها
                          ليست جميع مفاصلي متحركة بالدرجة نفسها، فمثلا تكون المفاصل بين عظام القحف التي تحفظ مراكز الحواس في الدماغ بشكل أسنان المنشار، وهي متداخلة بعضها في بعض بشكل قوي ومتين، لذا فهي مفاصل ثابتة لا تتحرك. وطبعا فالذي وهب هذه القوة والمتانة لعظام القحف هو الله تعالى الذي يعرف مدى حساسية دماغك وعينيك وأذنيك. ويعود السبب في وجود المفاصل في القحف إلى أن القحف ليس بشكل كبسولة عظمية، بل هناك في أماكن مناسبة تجاويف وقنوات صغيرة لمرور الشرايين الدموية، وتجاويف لاحتواء أعضاء الحواس، وكذلك هناك ثقب كبير لاتصال الحبل الشوكي بالدماغ. والآن لنتساءل أيمكن أن يظهر كل هذا النظام الدقيق عن طريق المصادفة؟
                          والمفاصل الموجودة بين فقرات العمود الفقري تملك قابلية أكثر على الحركة من المفاصل الموجودة بين عظام القحف، ولكن مفاصل الأصابع لها قابلية حركة أكثر من مفاصل الفقرات. وهكذا فكما أُيسِّر لك الوقوف عموديا، كذلك أيسر لك جميع حركاتك من قعود وقيام وانحناء وتمدد على الفراش. وقد تم خلق مفاصل الذراع والرجل بشكل يسهل جميع الحركات. أما مفاصل اليد فرائعة! وليس من المبالغة القول بأنها وراء جميع المخترعات والاكتشافات والتكنولوجيا. فجميع الأجهزة والآلات والأدوات وجميع الآثار الفنية والكتابة والكتب.. إلخ، وكل ما يخطر على بالك قد خرجت من القوة إلى الفعل نتيجة قابلية الحركة الموجودة في اليد. ولو لم تكن هناك هذه القابلية الرائعة للحركة في مفاصل الأصابع لما وجدت العديد من الأفكار أي مجال لها في ساحة التطبيق العملي.
                          أما العضلات التي تقوم بتأمين وتسهيل جميع حركات العمود الفقري فهي في حاجة للارتباط بعظامي لكي تقوم بهذه المهمة. فإحدى نهايات العضلات تكون مرتبطة بشكل ثابت بإحدى العظام وتكون النهاية الأخرى مرتبطة بمفصل من المفاصل المجاورة لها فتسحبها فتتيسر لك الحركة إذ تخطو في مشيك أو تهز يدك.

                          الحاجة إلى الكالسيوم
                          وقابليتي في تجديد نفسي جيدة وإن لم تكن بدرجة قابلية الجلد في التجديد. فإن انكسرت عظمة من عظامي فيكفي أن يُربط القسم المكسور بشكل صحيح فيتم الالتحام، وذلك بقيام خلية التعظم أي الخلية البانية للعظم بانقسامات سريعة وبعملية التحام ذلك الجزء المكسور، وتمتص هذه الخلايا أملاحَ الكلسيوم فترجع العظام صلبة كالسابق مرة أخرى.
                          وأنا في حاجة إلى مقدار كبير من الكالسيوم حتى وأنت لا تزال جنينا في بطن أمك، وذلك من أجل النمو. فإن كانت أمك تتغذى جيدا بمنتجات الحليب وبالخضراوات وبالسمك فلن تشتكي من نقص الكالسيوم. وحتى لو لم تتغذ الأمهات جيدا بمادة الكالسيوم فإن الجنين في بطن الأم لن يشكو من قلة الكالسيوم، لأن الخالق الرحيم يأخذ مادة الكالسيوم من عظام الأم ومن أسنانها ويعطيها هذا الجنين البريء ليواجه حاجته إلى هذه المادة الضرورية لنمو هيكله العظمي. لأن الأم تملك الإرادة والإمكانية لإشباع نفسها، أما الجنين فهو عاجز، لذا فهو في حاجة ماسة إلى مادة الكالسيوم المأخوذة من أمه. وبعد الولادة يجب أن يتغذى جيدا بالأغذية المحتوية على مادة الكالسيوم وفيتامين D، وأن يتعرض للشمس أحيانا. لأنه يكون في حاجة ماسة إلى أملاح الكالسيوم وإلى فيتامين D الذي يحصل عليه بأفضل شكل من تعرضه لأشعة الشمس. لذا كان من الواجب عليك أن تهتم بي كثيرا ولاسيما في مرحلة طفولتك. فإن لم تأخذ هذه الأملاح والفيتامينات لا تنمو عظامك بشكل جيد، مما يؤدي إلى ظهور مشاكل في هيكلك العظمي.

                          تجويفات العظام
                          ولفراغ مخ العظام الموجود داخل العظام وظائف مهمة جدا، فلو كانت عظامي مملوءة بالمادة العظمية لزاد وزنك كثيرا ولما استطعت القيام بسهولة. ثم إن العظام المملوءة لا تكون أكثر متانة، فحسابات القوة والمقاومة أظهرت بأن الأنبوب الحديدي المملوء يكون أقل مقاومة من الأنبوب الحديدي المجوف، ويكون أكثر قابلية للانحناء. وتكون العظام المستديرة والطويلة مصممة على هذا الأساس، فهي تبدي مقاومة أكثر للقوى المسلطة عليها.

                          الوظائف المهمة لمخ العظام
                          ومن الوظائف المهمة جدا لمخ العظام هي قيامه بإنتاج الكريات الحمراء الضرورية التي لها وظائف مهمة في دمك. في مرحلة شبابك يكون لون هذا المخ أحمر، وعندما يتقدم بك العمر يتحول هذا اللون تدريجيا إلى اللون الأصفر، ويزداد الدهن فيه فلا يعود ينتج الكريات الحمراء. أما البنية الإسفنجية الموجودة في العظام المسطحة فإن مخ العظام فيها يبقى أحمر اللون ويستمر في إنتاج الكريات الحمراء طوال حياتك.
                          إن شكل عظامي ونسبة بعضها إلى بعض من ناحية الطول تتعلق بهيئتك وسمتك. وحتى لو نَمَوْتُ أنا حسب الخصائص الوراثية التي أخذتها من والديك فإن الأحمال التي أضطر لحملها والضربات التي أتعرض لها تؤثر كثيرا على نموي. فإن تعرضت في سن مبكرة وقبل أن يتم تصلب عظامي إلى أحمال ثقيلة لا يزداد طول عظامي لكي لا تتكسر، وتسرع عملية التصلب عندي، وهكذا تبقى ذراعك ورجلك وطولك قصيرا. أما عند ممارسة بعض أنواع الرياضة مثل رياضة كرة السلة وكرة الطائرة فيتم تنبيه عظامي لكي تطول. وبجانب تأثير الأملاح المعدنية وفيتامين D في عملية تصلب العظام يؤثر الهرمون الذي تفرزه الغدة جنب الدرقية في هذه العملية. وفي مناطق التعظم -وهي المناطق الموجودة في نهايات العظام- تجري عمليات انقسام الخلايا العظمية وتضاف هذه الخلايا إلى العظام، وهكذا تطول العظام. ولكن عملية تطويل العظام تتوقف بعد انتهاء سنوات المراهقة. وبينما تتوقف هذه العمليات عند البنات في سن 18-19، تستمر هذه العمليات في الذكور إلى سن 21-22. لذلك كان معدل طول الرجال أكثر من معدل طول النساء.
                          عندما جئتَ إلى الدنيا كانت كل عناصري من الغضاريف، لذا كنتُ لينا ومرنا جدا. ذلك لأن الله تعالى الرحيم بخلقه والبصير بكل شيء قدر هذا الأمر بكل حكمة لكي لا تتضرر أنت في أثناء الولادة ولا تتضرر أمك.
                          ولو تصلبتُ تماما قبل الولادة لكان من المحتمل أن تموت أمك المسكينة أثناء الولادة، وتَكسّر العديد من الأماكن في جسمك. ولكن بفضل الغضاريف التي تملك قابلية مرونة وليونة كبيرة يقل احتمال تضرر الوليد وتضرر الوالدة إلى حد بعيد. وبمرور الوقت تخلي الغضاريف مكانها للخلايا العظمية. وبخزن أملاح الكالسيوم يزداد تصلبي وتعظمي. ولكن تبقى الغضاريف في سطوح المفاصل وفي نهايات أضلاع القفص الصدري.
                          عزيزي عبد الله..
                          الآن جاء دور سؤال قد ينهي بهجتك: هل تيسر لك حضور فتح قبر قديم؟ أحيانا لا تبقى أماكن كافية في ساحات المقابر فيقومون بفتح قبر قديم ليدفنوا أحد أقارب صاحب القبر القديم. ستلاحظ في هذه الحالة أن جميع أقسام جسد الميت -عدا عظامه- قد تحولت إلى تراب، وترى أن جمجمته وبعض الأقسام من عظامه قد بقيت دون أن تتفتت ودون أن تتحول إلى تراب. ولكن بعد مرور مدة أطول تتفتت العظام أيضا. ولكن بما أن هذه العملية تحصل بعد مدة طويلة من تحلل الأنسجة الأخرى لذا نجد بقايا العظام فقط عند فتح قبر قديم. وفي القديم وعندما كان القرآن يتنـزل كان بعض الذين لا يؤمنون بيوم الحشر يأخذ بيده عظمة ويقول: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾(يس:78)، والآية ترد عليه وتقول: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(يس:79). وفي مواضع أخرى عديدة يرِد ذكر إحياء العظام الرميمة في الآيات القرآنية عندما تتحدث عن بدء الخلق أو عن يوم الحشر. إذن فالله تعالى يوجه الأنظار إلى العظام، وربما كان يريد أن يقول -أو في الأقل هذا ما أتصوره-: "يا عبد الله! لقد خلقتُ عظامك ومفاصلك وجميع منظومة هيكلك العَظمي بشكل كامل ورائع، واتخذتُ جميع التدابير اللازمة لكي تحيا حياة سهلة ومريحة، وخلقتك حتى أدق تفاصيلك بشكل حساس وكامل. فهل اتخذتُ عند خلقك أنموذجا كان موجودا؟ وهل قمتُ بتطبيق خطة وضعها غيري؟! كلا! إذن فكما خلقتك في البدء بعلمي وبقدرتي اللانهائيتين من العدم، فأنا قادر أن أبعثك حيا بعد موتك".
                          هذا ما أفهمه يا عبد الله! هذا ما أفهمه من الكتاب المجيد لخالقنا والذي يوجه خطابه إليك وإلى الإنسانية جمعاء. إن مداركك -يا عبد الله- خُلقت أفضل من مداركي أنا الهيكل العظمي.
                          إذن فعندما تمشي أو عندما تقوم بأي عمل فتذكّر على الدوام مدى روعة قِطَع وأجزاء عظامك الموجودة بين أعضائك. وأنا أعتقد وآمل أن مثل هذا التفكر والتأمل سيفتح أمامك آفاقا جديدة.
                          ــــــــــ
                          (*) الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.
                          ــــــــــ
                          ــــــــــــــــــــــ
                          (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

                          المصدر

                          يتبع إن شاء الله ..

                          أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                          و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                          تغيُّب ..

                          Comment

                          • _aMiNe_
                            طالب علم
                            • Jul 2007
                            • 1528

                            #28
                            الجهاز العصبي يتكلم
                            أ.د. عرفان يلماز (*)
                            أنا من أروع الأنظمة والأعضاء التي شرحتْ لك نفسها؛ فأنا الذي أؤمّن الارتباط بين جميع الأنظمة والأعضاء لتكمل وظائفها. فكما تنتشر الأوعية الدموية في جميع أجزاء الجسم لنقل الأُكسجين؛ كذلك أقوم أنا بتغطية جميع أجزاء جسمك كشبكة لكي تكون على علم بكل ما يحدث. وإذا أُصبتَ بأي خلل أو مرض في أي عضو داخلي قمتُ بإخبارك حالا، بل بحثّك على السعي للعلاج.
                            و"النظام العصبي" شبكة من الخلايا العصبية، ولكن هذه الشبكة مخلوقة ومرتبة بشكل معقد جدا. فأهم المراكز الرئيسية موضوعة داخل القحف قريبة من بعضها البعض على شكل كتل كبيرة. أما امتدادات النظام العصبي والمراكز الفرعية الأخرى فمنتشرة وموضوعة في مناطق مختلفة من الجسم.
                            ولكي تفهم هذا النظام بشكل أسهل وأفضل فمن المفيد تقسيمه إلى قسمين. فالقسم الأول هو المركز العصبي الذي يتكون من المهاد البصري، وما تحت المهاد البصري، والمخيخ، والنخاع الشوكي. أما القسم الآخر فهو النظام العصبي المحيط والشبيهة بكوابل الألياف الضوئية.
                            والدماغ يتكون من قسمين كرويين كبيرين، بالإضافة إلى ساق الدماغ. وكما أن المركز يكون أهم شيء في جميع الأنظمة، فكذلك المركز العصبي في جسمك الذي يتكون من فصي الدماغِ والمخيخ وساق المخ مهم جدا. ويأتي بعد ذلك في الأهمية الحبل الشوكي الذي يعتبر أيضا من النظام المركزي للجهاز العصبي، ولكنه لا يوجد داخل القحف، بل ضمن القناة الداخلية للسلسلة الفقرية. وإذا أصاب الحبلَ الشوكي أيُّ ضرر فهذا يكون مهما، لقربه من المركز العصبي. وأي ضرر أو جرح يصيب الأقسام المتكونة من الأعصاب الخارجة من المركز إلى الخارج يؤدي إما إلى شلل أو إلى عطل في وظيفتها، ولكنه لا يؤدي إلى خطرِ فقد الحياة.

                            أرقام مذهلة
                            عزيزي عبد الله... والآن سأعطيك بعض الأرقام التي ستذهلك؛ إن مجموع طول الشرايين الدموية يبلغ 120 ألف كم (أي يبلغ هذا الطول ما يكفي للدوران حول محيط الكرة الأرضية ثلاث مرات)، بينما يبلغ مجموع طول الأعصاب عندي 780.000 كم، وهذا الطول يبلغ ضعف المسافة بين الأرض والقمر. و400.000 كم من هذا الطول هو مجموع طول الأعصاب المنتشرة في أجزاء الجسم. أما الباقي (أي 368.000 كم) فهو مجموع الأعصاب العائدة إلى المركز العصبي. ويقرب عدد المعلومات الواصلة من خلية واحدة مائتي ألف معلومة. وهذا يعني أن مئات الآلاف بل الملايين من المعلومات تمر من داخل خليتي من المركز إلى المحيط، ومن المحيط إلى المركز. وأنا أملك ثلاثين مليار خلية؛ عشرة مليارات منها في محيط القشرة، وعشرة مليارات تقريبا منها في قشرة المخيخ، أما الباقي فيشكل أجزائي الأخرى. ومن أجل الإيضاح أقول: يملك دماغ البعوض مأة ألف خلية، ودماغ الفأر عشرة ملايين خلية. ولكي يتم تبادل المعلومات بين خلاياي البالغة ثلاثين مليار خلية هناك نقاط اشتباكات عصبية يبلغ عددها مائة تريليون نقطة. أما عدد المخابرات والاتصالات التي يمكن لهذه الاشتباكات العصبية إجراؤها مع بعضها البعض فيزيد على عدد ذرات الكون.
                            في المرحلة الأولى لأي فعالية ذهنية تدخل ما بين 10-100 مليون خلية في النشاط الذهني، فإذا استمرت الفعالية وتعمقت طفر هذا العدد إلى أرقام كبيرة. ويتم تبادل التنبيهات والرسائل بين فصي الدماغ بعدد 4 مليار تنبيه في الثانية الواحدة.
                            وبينما كنتَ جنينا بعمر بضعة أسابيع كانت بنيتي عبارة عن ماء بنسبة 92%، وعندما ولدتَ أصبحتْ هذه النسبة 90% وعندما تصل إلى سن النضوج تصبح النسبة 77%، فـ 77% من الماء والباقي عناصر مختلفة.
                            إن الله تعالى بقدرته وضعني في رأسك، وبواسطتي تقوم أنت بإنشاء الحضارات وبالاكتشافات، وبالتفكر في خالقك، وتدرك معنى الكون والحياة. وأنا الوسيلة لك في إدراكك وشعورك لمختلف المناظر والأصوات والروائح والطعوم، وذلك بتقييم الموجات الكهربائية التي تَرِد إليّ بأطوال وترددات مختلفة من حواسك. فكل شيء تعمله يمر أولا من عندي، وأنت لا تحس ولا تشعر به؛ فعندما تمشي أو تأكل أو تتكلم أو تنام تأتي لي رسائل ومعلومات من كل نقطة في جسمك. وبتقييم هذه المعلومات أعطي أجوبة مناسبة لها.
                            عزيزي عبد الله... إن ما تعرفونه عني ليس إلا شيئا يسيرا؛ فكل قسم من أقسامي له وظائف حيوية وواسعة جدا، ودعني أخبرك بأهم الوظائف التي يقوم بها كل منها بشكل موجز:

                            المخيخ
                            هو المركز الذي يؤمّن التوازن وتَناغُمَ الحركات دون أي خطأ أو انحراف. علاوة على أن هذا القسم لا يملك شعورا إراديا، فإن تغيير وظائفه بشكل إرادي غير ممكن. إن بَصَلة الحبل الشوكي (النخاع المستطيل) التي تشبه الهرم تصل القسم الأوسط من الدماغ. وهي تشكل مع جسر "فارول" ساقَ الدماغ الذي يدخل من الثقب الخلفي الموجود في القحف إلى السلسلة الفقرية. توجد هنا مراكز عديدة تقوم بضبط نبض القلب وتنظيم التنفس وضبط فترات الهضم وغيرها من الفعاليات المستقلة للأعصاب. إن السيطرة على ردود الفعل، وتنظيم الجو الداخلي للأعضاء والسيطرة على الحركات تكون بالمخيخ، وترتيب الأحاسيس الآتية من الأعضاء الداخلية والسيطرة على بعض الوظائف المهمة كالانفعالات والنوم يتم بالاستعانة بالمهاد البصري.

                            المهاد البصري
                            يقع المهاد البصري بين بصلة الحبل الشوكي وفصي الدماغ، ويقوم بمهمة مثلِ مهمةِ محوِّلة اتجاه القطارات في السكك الحديدية أو مهمة المحطات الثانوية. وتقوم هذه المنطقة بجمع كل التنبيهات الآتية إليها من الحواس ما عدا الشم، وتنقل المعلومات إلى "القشرة الدماغية العلوية" لكي تنعكس إلى المستوى الشعوري، مثل التمييز بين الإحساس باللمس والألم والأصوات حيث يتم تقييم هذه الأحاسيس بشكل شعوري. ويُعتقَد أنه يقوم أيضا بتنظيم حالات الصحو واليقظة والنوم، وأنه يلعب دورا في التغيرات الشعورية التي تظهر.

                            ما تحت المهاد البصري
                            هو مركز مهم يقع تحت المهاد البصري ويقوم بالسيطرة على الأحاسيس الجنسية والآلام ومشاعر الاستحسان والجوع والظمأ وضغط الدم وحرارة الجسم والعديد من وظائف الأعضاء الداخلية. وله وظيفة هامة في تنظيم إفراز الهورمونات. والأليافُ العصبية المتشابكة التي تأتي إلى هذا المركز من فص الشم عندي ومن المهاد البصري ومن فص الجبهة تصل إلى المراكز التي تسيطر على الفعاليات المستقلة وإلى البنية الشبكية الشكل.
                            ومع أن فَصَّي المخ يتشابهان تماما في منظرهما إلا أن هناك بعض الفروق بين وظائفهما؛ فمثلا المراكز المسؤولة عن النطق عند أكثر الناس في الفص الأيسر، بينما المناطق التي تسيطر على الإحساس بالمكان في الفص الأيمن. وعندما تحتاج إلى إجراء عملياتٍ منظمة (مثل الجمع والطرح أو عند تزرير قميصك) تقوم باستعمال الفص الأيسر. أما إن كنت تفكر بالاستعانة بالرسم فتستعمل الفص الأيمن. ولولا الألياف العصبية الغليظة التي تربط بين فصي المخ لاستطعت قراءة كلمة "السمكة" ولكنك كنت ستعجز عن تمثل السمكة أمام عينيك. لذا لابد من استعمال الفص الأيمن.

                            المادة السنجابية
                            هي القشرة التي تغطي فصي المخ وتحتوي على تلافيف والتواءات كثيرة. والقشرة تحتوي على القسم الأكبر من خلاياي. أما المادة الموجودة تحتها فلونها أفتح، ويطلق على المنطقة التي توجد فيها امتدادات خلاياي اسم "المادة البيضاء". ومنطقة القشرة (اللحاء) تتكون من ست طبقات، وخلاياها مختلفة. وتشكل مركزا يقوم بتقييم وتحليل التنبيهات الواردة إليها من الحواس، وبالسيطرة على الحركات الإرادية للعضلات وبالتفكير والتذكر والتعلم. والفصان اللذان يشكلان المخ الرئيسي (الكبير) يشكلان 85% من جميع الدماغ.

                            نمو النظام العصبـي
                            عندما ولدتَ كان وزني أربعمائة غم، وفي سنة واحدة وصلتُ إلى ثمانمائة غم. وعندما بلغتَ سن الرابعة كان وزني 1200 غم. وتباطأ نموّي بعد السابعة. وعندما بلغتَ العشرين أصبح وزني 1379-1434غم. أما في النساء فيكون أقل قليلا، وأَصِل إلى وزني النهائي عند النساء في وقت أبكر مما أصله عند الرجال (المتوسط عند النساء 1230-1306 غم). وبعد سنوات الشباب أتقلص كل سنة بمقدار غم واحد في المتوسط. وعندما تبلغ الخامسة والسبعين من عمرك أكون قد تقلصت بنسبة العشر بالمقارنة مع وزني عندما كنتَ في سن العشرين. وسبب هذا أن خمسين ألف خلية عصبية تقريبا تموت كل يوم أو تصبح غير ذات فائدة بعد العشرين.
                            ومع أن خلايا الجسد تملك قابلية تجديد نفسها بعمليات الانقسام وزيادة أعدادها إلا أن الخلايا العصبية ما إن تبلغ العدد المكتوب في قَدَرك بعد مراحل التطور الأولى في الرحم حتى تفقد خاصية التكاثر. ولكن عدد الارتباطات بين الخلايا يزداد، لذا يزداد وزني. وذلك بسبب ما يَرِد إلى هذه الرابطات من الغذاء من الخارج. وعندما يتقدم العمر يقل عدد هذه الرابطات. وفي مرحلة الشباب عندما تَقرأ أو تشاهد أيَّ شيء أو تمر بأي تجارب.. كل هذه الأمور تزيد من عدد هذه الارتباطات. وهذا يؤدي إلى زيادة قابليتي في التفكير. واذا داومت في مرحلة الشيخوخة على هذه الفعاليات الذهنية من قراءة ومطالعة وكتابة، ولم تنقطع عن فعالياتك الاجتماعية استمرت الزيادةُ في عدد هذه الارتباطات.

                            مناطق الدماغ ووظائفها
                            عندما نقوم برسم خريطة للقشرة التي تغطي المخ الرئيسي نرى أن هناك مناطق مختلفة للحواس وللفعاليات الأخرى تتكاتف فيها بؤر معينة لها حدود معلومة بمقياس لا بأس به. فمثلا قسمِي الموجودُ في المنطقة القذالية الواقعة خلف رأسك تماما هو قسم الرؤية، أما أقسامي الموجودة في منطقة الجبهة فهي للسمع. وعلى اليسار توجد منطقة التكلم (هذا في الأغلب)، وفي منطقة الجبهة (الفص الأمامي) يوجد في الجدار الأمامي للأخدود الوسطي المركز الأول المسؤول عن تخطيط حركات الإنسان، ففي القسم العلوي من المنطقة الأمامية مركز مسؤول عن الحركات المعقدة، وخلفه مباشرة وفي وسط المنطقة الجانبية مركز مسؤول عن الحركات البسيطة. أما المنطقة الموجودة خلفه والمجاوِرة لحاسة السمع والتي تمتد إلى الأعلى فمسؤولة عن حاسة اللمس. ولكن جميع هذه الساحات والمناطق ليست محددة بشكل قاطع، بل هي في وضع مبعثر وتملك شبكة من الارتباطات المعقدة. أما الساحات الموحدة القريبة من هذه المناطق فمسؤولة عن تحويل التنبيهات الآتية من الحواس إلى معانٍ وصور.

                            النخاع الشوكي
                            يمتد النخاع الشوكي بعد خروجه من القحف في العمود الفقري، وهو المركز الذي ترتبط به التنبيهات الآتية من مناطق الجسم الموجودة تحت الرقبة. ومع أن المادة السنجابية تكون في الخارج (القشرة) والمادة البيضاء في الداخل، إلا أن المادة السنجابية تكون داخل النخاع الشوكي في الداخل في شكل فراشة، أما المادة البيضاء فتكون في الخارج وتشكل غلافا يحيط بالمادة السنجابية، ويؤمِّن هذا المركزُ جميعَ ردود الأفعال في الحبل الشوكي بواسطة التنبيهات الآتية من المحيط -ولا سيما من الجلد والعضلات- بواسطة عُقَد الاتصال (الخلايا الرابطة) الموجودة بين الخلايا العصبية. وبينما يقوم قسم من الخلايا الرابطة بالإجابة على ردود الأفعال يقوم القسم الآخر بنقل هذه التنبيهات إليّ. وهكذا تظهر القرارات الإرادية.
                            يخرج من الحبل الشوكي 31 زوجا من الأعصاب يسارا ويمينا. أما من المنطقة داخل القحف فيخرج 12 زوجا. وجميع هذه الأعصاب تخرج من مركز الجهاز العصبي وتتوزع على مختلف الأعصاب، فهي إذن منظومة عصبية لمحيط الجسم. وباستثناء العصب العاشر الذي يخرج من المخ وهو "العصب التائه" تقوم جميع الأعصاب الخارجة من المخ بالسيطرة على فعاليات الحركة والإحساس لمنطقة الرأس والعنق. أما الأعصاب الخارجة من الحبل الشوكي فيخرج كل عصب من الثقب الموجود في جانب كل فقرة من العمود الفقري. ولكل عصب من هذه الأعصاب جَذرانِ: أحدهما جذر عصب الإحساس ويقوم بإيصال التنبيه، والآخر عصب الحركة ويقوم بنقل أمر الحركة. وما إن يخرج هذان الجذران من فقرة العمود الفقري حتى يتحدا في الخارج. وهكذا تظهر الألياف العصبية المجدولة التي تنقل الأحاسيس وتنقل أوامر الحركات أيضا. ومن هذه الألياف العصيبة تنتقل فروعٌ نحوَ كل عضو من الأعضاء؛ فمثلا إن غرست إبرة في يدك قامت الخلية العصبية التي تنقل التنبيهات والأحاسيس بإيصال هذا التنبيه إلى الحبل الشوكي عن طريق ذراعك. والجواب الوارد من الحبل الشوكي هو رد فعل يجعلك تسحب يدك حالا. ورد الفعل هذا يصل إلى عضلات الذراع وعضلات اليد.

                            عناية ربانية
                            تنقسم هذه الخلايا في المنظومة العصبية العائدة إلى محيط الجسم إلى مجموعتين: المنظومة الجسدية المنتشرة في عضلات العمود الفقري، والمنظومة العصبية المنتشرة في الأعضاء الداخلية. ومعظم فعاليات المنظومة الجسدية تكون إرادية وشعورية، أما الأخرى فمعظم فعالياتها تكون لاإرادية ولاشعورية. وأما الفعاليات اللاشعورية فهي تسيطر دون أن نشعر على العضلات المستقيمة التي تنظم ضربات القلب وإنتاج عصارات الغدد وإفرازها وعضلات الشرايين الدموية وعضلات التنفس والهضم والإفراغ والتناسل.
                            عزيزي عبد الله...
                            لو أعطي كل شيء تحت إمرتك وسيطرتك هل كنت تستطيع تدبير كل هذه الأعمال العديدة وإنجازها؟ إن إرادتك تعمل حتى حين قيامك بوضع لقمة في فمك. ولكن جميع عمليات إفراز الغدد الهضمية وجميع حركات المعدة والأمعاء، وجميع فعاليات الإفراغ تجري كلها خارج إرادتك بشكل آليّ. فحركة تنفسك لا تتوقف عندما تنام، ولا تتوقف كليتاك عن فعالياتها لكونك نائما، ولا يقوم قلبك بالتوقف عن عمله وأَخْذِ قسط من الراحة عندما تنام، ولا يتوقف كبدك عن نشاطه، ولا يتوقف البنكرياس عن إفراز الأنسولين. وجميع أعضائك الداخلية وشرايين دمك مستمرة في أداء أعمالها بالتعاون مع العضلات المستقيمة في كل وقت ومكان. وتجري كل هذه الفعاليات والأنشطة دون أن تشعر بها، والحقيقة أنك لو قمت بأدائها شعوريا لتعبت بعد خمس دقائق فقط، إذ لا تستطيع الاستمرار في التركيز فيتشتت انتباهك.

                            الألياف العصبية
                            تنقسم الألياف العصبية في المنظومة العصبية في الإنسان إلى قسمين: أولهما القسم السمبثاوي، والثاني نظير السمبثاوي. وقد خُلق هذان القسمان بحيث يجيب أحدهما الآخر بشكل متقابل وتمتد بشكل سائب. ويقوم أحدهما بتحفيز العضو للعمل السريع وللإنتاج الكثير، بينما يقوم القسم الآخر بتهدئة العضو وتبطيئه وتقليل الناتج. وبين هذين التنبيهين يقوم العضو –حسب ظروفه وأوضاعه- بأنسب إيقاع عمل وأفضله. والقسم السمبثاوي يهيئ الجسم في الأغلب لمواجهة الظروف المتوترة وظروف الصدمات. فمثلا تعود زيادة ضغط الدم وزيادة مستوى السكر في الدم وزيادة التعرق وتوسّعُ حدقتي العين وسرعة جريان الدم في العروق إلى تأثير الألياف العصبية السمبثاوية. أما القسم نظير السمبثاوي فيعمل على إعادة الأحوال الهادئة للأعضاء الداخلية وإلى تخفيض ضغط الدم لكي تستطيع هذه الأعضاء القيام بوظائفها.

                            الخلايا العصبية
                            تحدثتُ منذ البداية عن أقسام وتنبيهات مختلفة، ولكني لم أتحدث عن خليتي العصبية التي تعد الأساس في المنظومة العصبية ولا عن كيفية عملها. فالخلايا العصبية التي يبلغ عددها 30 مليار خلية هي الوحدات الأساسية التي تعمل في جميع أقسام المنظومة العصبية. والخلية العصبية تتكون من جسم الخلية ومن الامتدادات العديدة التي تخرج من جسم الخلية مثل الأغصان المتشابكة للشجرة. ونحن نطلق اسم "المحور العصبي" على جسم الشجرة وعلى امتداده الوحيد والغليظ. أما أغصان الشجرة وتفرعاتها الدقيقة فتدعى "الزائدة الشجرية". والتنبيهات التي تسير بشكل تيار كهربائي تنتقل من المحور العصبي نحو هذه الزوائد الشجرية. ونقطةُ الارتباط بين محور خلية عصبية والزائدة الشجرية لخلية عصبية أخرى يتم عن طريق إفراز مادة كيميائية تدعى "نوروترأنسميتر" إلى الفراغ الموجود في نقطة الاشتباك. وما إن تصل هذه المادةُ إلى جدار الخلية الموجودة تجاهها حتى يحصل تيار كهربائي. وكما يحدث في أحجار الدومينو حيث تسقط هذه الأحجار بالتتابع، أو كما يحدث في بعض المباريات عندما يرفع المتفرجون أيديهم بالتتابع محدِثين حركة تماوجية، كذلك تنتقل الرسائل التي يحملها التيار الكهربائي بسرعة كبيرة من طرف الخلية إلى الطرف الآخر، ثم تنتقل إلى الخلايا المجاورة. وبينما تملك الخلية في حالة سكونها (70mv-) طاقة مدخرة يمكن بتيار كهربائي شدته (30+ إلى 40+ mv) نقل جميع المعلومات المطلوبة. وكل خلية تستطيع نقل ألف إشارة في الثانية الواحدة.

                            الذاكرة
                            أما الذاكرة التي لا نعرف تماما ماهيتها حتى الآن، فهي تقوم بخزن مئات التجارب كل يوم وتستطيع إرجاعها إلى ذاكرتنا. وهناك عدة نظريات تحاول تفسيرها وتفسير كيفية عملها. ولكننا نعلم أن جواب هذا السؤال لابد وأنه يكمن داخل خلاياي العصبية. وبالنسبة للذاكرة فمن الصعب تحديد مركزها تحديدا قاطعا. وربما كانت هناك علاقة لجميع المراكز العصبية بالذاكرة. والذكريات المخزونة تكون على أنواع: فمنها صوتية، ومنها صور ومَشاهد، وبعضها تتعلق بالروائح، وبعضها تتعلق بالخيال، وأخرى بأحاسيس الغضب أو الفرح.
                            وأنت لا تستطيع حتى تخيُّل مدى سعة الذاكرة عندي؛ فأنا أملك نوعين من الذاكرة؛ أحدهما على المدى القصير، والآخر على المدى البعيد. ففي المدى القصير أستطيع في كل مرة حفظ تسعة أشياء مختلفة كحد أقصى. ومعظم الناس لا يستطيعون حفظ أكثر من سبعة أشياء في ذاكرتهم. وفي الذاكرة على المدى القصير لا يبقى شيء أكثرَ من بضع دقائق. وما تتذكره للمُدد التي تزيد على هذا يعود إلى الذاكرة على المدى البعيد حيث يسجل هناك، فيبقى هناك أياما وأسابيع وشهورا بل ربما لسنوات. وما تتعلم أو تعلم من شيء إلا وهو محفوظ في الذاكرة على المدى البعيد. وما إن تبلغ الثامنة من عمرك حتى يبلغ حجم المعلومات المخزونة في ذاكرتك ما يساوي المعلومات المدونة في مليون مجلد من دائرة المعارف. ومع ذلك فهذا المقدار يعد شيئا ضئيلا، لأن ذاكرتك على المدى البعيد تملك سعة غير محدودة ولا يمكن ملئها؛ فحتى لو تجاوز عمرك المئة عام فإن ذاكرتك مستعدة لحفظ أشياء جديدة على الدوام. إن فعاليات التعليم في الصغر (مثل حفظ القرآن الكريم أو تعلُّم لغة) تكون أسهل، وتتحقق بشكل سهل ورصين. ومثل هذه الفعاليات التعليمية في الصغر تقوّي الذاكرةَ.

                            اللاشعور
                            أما تذكُّر حادثة فهو تكرار الشفرة الكهربائية التي سَجلت تلك الحادثةَ في أثناء حدوثها. فأحيانا تُحاول تذكرَ اسم شخص فلا تستطيع، مع أنك تشعر أن الاسم على طرف لسانك، ثم تيأس وتترك محاولة التذكر. ولكن ما إن يمر يوم أو يومان حتى يخطر ذلك الاسم على بالك فجأة فتفرح. فهل تعرف كيف يحدث هذا؟ عندما تحاول جاهدا تذكرَ الاسم فأنت في الحقيقة تستعرض جميع خلاياي العصبية للتوصل إلى الملف الذي خزنت فيه ذلك الاسم، ولكنك لا تجده عند بحثك واستعراضك لمليارات الخلايا العصبية؛ لأنك إما لم تستعمل ذلك الملف كثيرا، أو لم تضعه في مكان أمين لعدم أهميته بالنسبة لك. ولكنك لا تنسى أبدا اسم والدك، لأنك تعدّه شيئا مهما وتستعمله بكثرة، لذا فهو موجود في ملف أمام عينيك.
                            ولكن عندما تيأس وتتخلى عن محاولة التذكر تبدأ آلية أخرى بالعمل يطلق عليها اسم اللاشعور، وهي آلية حافلة بأسرار أكثر. تبدأ هذه الآلية بالعمل دون أن تشعر بها، وتُخرج لك ذلك الملف وتضعه أمامك فتذهل وتتعجب. فاللاشعور مكان محفوف بالأسرار ويؤثر في جميع جوانب حياتك. ولا يسجَّل في اللاشعور سوى المشاعر الصادقة والحقيقية الخالية من الرياء والأفكار الحقيقية. ثم هناك الذكريات الأليمة وذكريات الذنوب التي تهزك من أعماقك.. ومثل هذا الشعور بالذنب الموجود في اللاشعور وعقدة النقص تنعكس في العديد من سلوكك. ولكن مثل هذه المشاكل نتيجة لا يمكن للإنسان الهرب منها، ولكن الخلاص منها بيدك. فإن كنت رجل إرادة وشغلت نفسك بصبر بأعمال الخير نجحت في تغليب فطرتك السليمة فلا تعود تلك الذكريات القبيحة مؤذية لك، فتنجح في إصلاح هذا الأمر.
                            ـــــــ
                            ــــــــــــــــــــــ
                            (*) جامعة 9 أيلول / تركيا.

                            المصدر

                            إلى هنا ينتهي ما تيسر من السلسلة ..
                            فإن جد جديد نقلتُه لكم .. أو نقله لكم أحد أهل التوحيد ..

                            أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                            و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                            تغيُّب ..

                            Comment

                            • _aMiNe_
                              طالب علم
                              • Jul 2007
                              • 1528

                              #29
                              للرفع.

                              أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
                              و أكره من تجارته المعاصي ** و لو كنا سواء في البضاعة
                              تغيُّب ..

                              Comment

                              • عساف
                                عضو
                                • Feb 2010
                                • 727

                                #30
                                دائماً أنت مبدع سواء في ما تكتب أو تنقل
                                ومواضيعك دائماً مميزة
                                نتمنى أن لا ينقطع سيل ابداعك
                                اذا كنت على مفترق طرق،
                                فاستفت قلبك،
                                وإن افتوك

                                Comment

                                Working...