بقلم : فتى الادغال
من القضايا المُهمّةِ التي شغلتْ حيّزاً كبيراً في الفكر ِ الإسلاميِّ المُعاصر ِ ، قضيّة ُ الموقفِ من النصِّ والتراثِ والنظر ِ في قضيّةِ الخطابِ الدينيِّ والدّعويِّ ، ويكثرُ الكلامُ عن هذه القضيّةِ الشائكةِ في الأزماتِ الفكريّةِ أو الصراعاتِ الحركيّةِ ، التي تُحاولُ استمدادَ شرعيّتها من النصوص ِ المُباشرةِ ، أو من مواقفَ تأريخيّةٍ مشابهة ً ارتبطتْ ببعض ِ العلماءِ والمُصلحينَ .
وهناكَ فئة ٌ من المُتابعينَ للصّراعاتِ الفكريّةِ المُعاصرةِ ، تجهلُ حقيقة َ الصراع ِ في هذهِ المسألةِ ، وذلكَ أنَّ الصراعَ في قضايا ما يُسمّى بالموقفِ من النصِّ وإعادةِ قراءتهِ ، أو الخطابِ الدّينيِّ وتجديدهِ ، في عصورِنا المتأخّرةِ ، له جذورٌ تأريخيّة ٌ وأخرى فكريّة ٌ .
فمن ناحيةٍ تاريخيّةٍ : يعودُ النظرُ فيها إلى بدايةِ الاتصال ِ المباشر ِ للعالم ِ الإسلاميِّ بالحضارة ِ الغربيِّةِ ، حدثَ ذلكَ – تقريباً – قبلَ ما يزيدُ على قرنين ِ ، حينَ بدأت تفِدُ على أوروبا إرسالياتٌ من دول ٍ إسلاميّةٍ ، بغرض ِ الدراسةِ والتعليم ِ ، بينما كانتْ أوروبا تعيشُ فورة َ الحركاتِ التجديديّةِ والمدارس ِ الفلسفيّةِ والنقديّةِ ، وكذلك تعيشُ انفجار َ الثورةِ الصناعيّةِ ، وتشكّلتْ من هذه المجموعاتِ التي خرجتْ فئاتٌ تأثروا بالنمطِ الغربيِّ ، وكانَ مجموعة ٌ من هؤلاءِ في بدايةِ أمرِهم من أهل ِ الدّيانةِ والمُحافظةِ ، فتغيّروا في الاتجاهِ الآخر ِ تغيّراً كبيراً ، وكوّنوا لاحقاً تيّاراً تغريبيّاً ، ساعدتِ الظروفُ الاستعماريّة ُ على تقويّتهِ ومدِّ نفوذهِ في المؤسّساتِ الحاكمةِ .
ومن المُهمِّ هنا أن أشيرَ إلى ما أشارَ إليهِ روجيه جارودي في كتابهِ " وعودُ الإسلام ِ " حينَ ذكرَ أنَّ الغربَ في عمومهِ سعى إلى تشويهِ صورةِ الإسلام ِ وتعاليمهِ ، فلم يكتفِ باستعمار ِ الأرض ِ ونهبِ الخيراتِ ، بل زادَ على ذلكَ أنّهُ هدمَ معالمَ الدّين ِ الإسلاميِّ ، ولم يسعَ إلى المُصالحةِ معهُ أو إزالةِ القطيعةِ بينهما ، أو حتّى فهمهِ بنزاهةٍ ، وهذا ما أدّاهُ إلى تقويةِ نفوذِ التغريبيينَ داخلَ العالم ِ الإسلاميِّ ، إمعاناً منهُ في الحربِ على الإسلام ِ وقصداً لتشويههِ عن صورةِ الحقّيقيّةِ .
وأمّا الجذورُ الفكريّة ُ : فقد تأثّرَ بعضُ الطلبةِ بما يوجدُ لدى الغربِ من الحضارةِ والحداثةِ ، في شقّيها : الماديِّ والفكريِّ ، ونظروا في الظروفِ التي أدّتْ إلى هذه الحداثةِ ، وفي طريقةِ تكوّنها ، فأعجبوا بالنهج ِ الغربيِّ ، ورأوا ضرورة َ نقل ِ تلكَ الفكرةِ إلى العالم ِ الإسلاميِّ ، وبما أنَّ أساسَ المنهج ِ الأوربيِّ كانَ التحرّرَ من القديم ِ ، وقيامَ حركاتٍ ومناهجَ تصحيحيّةٍ ، تقومُ على أساس ٍ ماديٍّ تجريبيٍّ ، فقد تطوّعوا بنقل ِ الأفكار ِ الغربيّةِ إلى العالم ِ الإسلاميِّ .
كانَ هذا العصرُ يمثّلُ نكسة ً خطيرة ً للكثير ِ من المفكّرينَ والدارسينَ ، إذ سقطَ عددٌ منهم في مُستنقع ِ الحضارةِ الغربيّةِ وانهزمَ إليها ، وأصبحَ لا يرى حاضراً أو مجداً أو تقدّماً إلا بتلكَ العين ِ الغربيّةِ ، وهذه الهزيمة ُ النفسيّة ُ تلاها هدمٌ لأغلب ِ القيَم ِ والأصول ِ الشرعيّةِ ، تحتَ حُجّةِ التغيّر ِ والصيرورةِ ، وكانتِ النتيجة ُ أنَّهُم أخذوا يُقرّرونَ أن لا ثباتَ لأمر ٍ من الأمور ِ مُطلقاً ، وجميعُ الأمور ِ قابلة ٌ للتغيير ِ أو الإزالةِ ، والتغيّرُ دائماً كان باتجاهِ الحضارةِ المادّيةِ الغربيّةِ ، وما اشتملتْ عليهِ من العلوم ِ الإنسانيّةِ ونحوِها .
وهذا ما يؤكّدهُ ابنُ خلدون ٍ بقولهِ في المقدّمةِ : " والمغلوبُ مولعٌ أبداً بالاقتداءِ بالغالبِ في شعارهِ وزيّهِ ونحلتهِ وسائر ِ أحوالهِ وعوائدهِ " ، ولا قولَ فوقَ ما قالهُ النبيُّ الكريمُ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - : " لتتبعُنَّ سَننَ من كانَ قبلكم ، حذوَ القذّةِ بالقُذّةِ ، حتّى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتموهُ معهم " ، والحديثُ في الصحيح ِ .
ولم يكنْ هذا أوّلَ العهدِ بالنظر ِ في قضيّةِ النصِّ ، بل سبقَ ذلكَ في القرن ِ الثاني الهجريِّ ، عندما نشأتْ الطوائفُ المنحرفة ُ كالجهميّةِ والمُعتزلةِ والأشاعرةِ ، والتي تتعاملُ مع النصِّ تعطيلاً تارة ً وتأويلاً أخرى ، وهذا نوعٌ من النقدِ للنصِّ ، أو ما يُسمّيهِ بعضُ المفكّرينَ المُعاصرينَ : المرحلة َ الأولى لتطوير ِ النصِّ وإعادةِ قراءتهِ ، وهم يُريدونَ بهذا إضفاءَ الأصالةِ على طرحِهم ، والبحثِ عن جذور ٍ تاريخيّةٍ تؤكّدُ فكرتَهم .
ومن هنا بدأ الصراعُ في العالم ِ الإسلاميِّ حولَ القديم ِ والجديدِ ، وحولَ المحافظةِ والحداثةِ ، والتّراثِ والأصالةِ ، وفي بدايةِ القرن ِ الماضي اجتاحتِ العالمَ الإسلاميَّ حمّى سُمّيتْ حمّى النقدِ الذاتيِّ والمُراجعةِ الداخليّةِ ، بعدَ أنَّ عاشَ العالمُ الإسلاميُّ فوضى فكريّة ً عارمة ً ، حينَ انتشرَ الإلحادُ وسادَ التغريبُ المكشوفُ والتبعيّة ُ المفضوحة ُ للغربِ ، بل والعمالة ُ الصريحة ُ التي أبداها المفكّرونَ إذّاكَ للمُستعمر ِ وقواهُ ، ممّا أدّى إلى فضحِهم وسقوطِهم من أعين ِ النّاس ِ ، وبدأ بعدها الأمرُ يأخذ ُ طابعَ التنظير ِ والبحثِ العلميِّ المُتجرّدِ ! ليكونَ أدعى للقبول ِ ، ويمكنَ تمريرهُ تحتَ غطاءِ النقدِ الذاتيِّ والمراجعةِ الداخليّةِ ! .
فظهرتْ مجموعة ٌ من الدراساتِ والمشاريع ِ النقديّةِ ، كانَ الغرضُ منها في ظاهرِها هو الخروجُ من مأزق ِ التخلّفِ والجمودِ الذي يُعاني منهُ العالمُ الإسلاميُّ ، في كافّةِ مجالاتهِ ، المادّيةِ والإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ ، وقامَ أصحابُ هذه المشاريع ِ باستقراءِ الواقع ِ في بلدانهم ، وقارنوا بينها وبينَ ما تعيشهُ الدّولُ الغربيّة ُ من التقدّم ِ والحضارةِ ، خلصوا بعدَ ذلكَ إلى نتيجةٍ واحدةٍ وهي أنَّ سببَ تخلّفِ العالم ِ الإسلاميِّ هو الحالة ُ الثقافيّة ُ والفكريّة ُ المُتخلّفة ُ التي يعيشُ فيها ، والتي شكّلتْ ما يُسمّى " بُنية العقلَ الإسلاميِّ " .
وهذا العقلُ الإسلاميُّ تشكّلَ من خليطٍ هائل ٍ من المعلوماتِ والمعارفِ المُتراكمةِ ، وبحسبِ رأيهم فإنَّ أغلبَ هذه المعارفِ أصبحَ غيرَ نافع ٍ للعصر ِ الحديثِ ، بل ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ المعارفَ المُشكّلة َ للثقافةِ العربيّةِ المعاصرةِ ، هي ممّا يُعيقُ التقدّمَ ، ويقفُ حائلاً دونَ الحضارةِ .
وكانَ المكوّنَ الأبرزَ للثقافةِ في العالم ِ الإسلاميِّ هو التُراث ُ الإسلاميُّ ، ويأتي على رأس ِ التُراثِ : النّصوصُ الشرعيّة ُ ، يقولُ أدونيسُ " هذا النصُّ مفتاحٌ لفهم ِ العالم ِ الإسلاميِّ ، ولن يفهمَ أحدٌ المسلمينَ وتأريخهم ، إلا بدءاً من استيعابِ هذا النصِّ ، والإحاطةِ بمستوى العلاقةِ القائمةِ بينهُ وبينَ المُسلم ِ " ، إذن مقدّماتُ القضيّةِ ونتيجتُها هي: أنَّ هذه النصوصَ الشرعيّة َ لقوّتها ومكانتِها في النّفوس ِ ، جعلتْ من البلادِ الإسلاميّةِ بلاداً تسودُ فيهِ الأغلبيّة ُ المُحافظة ُ وروحُ الصحوةِ الإسلاميّةِ ، وحتّى تكتملَ مسيرة ُ التحديثِ للعالم ِ الإسلاميِّ ، فلا بُدَّ من تنقيح ٍ للتراثِ ، ومراجعةٍ للنصِّ ، والذي شكّلَ المُكوّنَ الأكبرَ للثقافةِ ، المُحرّكةِ للطبقةِ المُحافظةِ ، التي تُعتبرُ أكبرَ الشرائح ِ .
ومن هنا تمَّ اختزالُ المشكلةِ في جزئيةٍ واحدةٍ ، هي الثقافة ُ النصيّة ُ السائدة ُ في المنطقةِ ، والتي حوّلتِ الثقافة َ والمعرفة َ الدينيّة َ الخاصّة َ إلى ثقافةٍ معياريّةٍ معرفيّةٍ عامّةٍ .
.... يتبعُ .
من القضايا المُهمّةِ التي شغلتْ حيّزاً كبيراً في الفكر ِ الإسلاميِّ المُعاصر ِ ، قضيّة ُ الموقفِ من النصِّ والتراثِ والنظر ِ في قضيّةِ الخطابِ الدينيِّ والدّعويِّ ، ويكثرُ الكلامُ عن هذه القضيّةِ الشائكةِ في الأزماتِ الفكريّةِ أو الصراعاتِ الحركيّةِ ، التي تُحاولُ استمدادَ شرعيّتها من النصوص ِ المُباشرةِ ، أو من مواقفَ تأريخيّةٍ مشابهة ً ارتبطتْ ببعض ِ العلماءِ والمُصلحينَ .
وهناكَ فئة ٌ من المُتابعينَ للصّراعاتِ الفكريّةِ المُعاصرةِ ، تجهلُ حقيقة َ الصراع ِ في هذهِ المسألةِ ، وذلكَ أنَّ الصراعَ في قضايا ما يُسمّى بالموقفِ من النصِّ وإعادةِ قراءتهِ ، أو الخطابِ الدّينيِّ وتجديدهِ ، في عصورِنا المتأخّرةِ ، له جذورٌ تأريخيّة ٌ وأخرى فكريّة ٌ .
فمن ناحيةٍ تاريخيّةٍ : يعودُ النظرُ فيها إلى بدايةِ الاتصال ِ المباشر ِ للعالم ِ الإسلاميِّ بالحضارة ِ الغربيِّةِ ، حدثَ ذلكَ – تقريباً – قبلَ ما يزيدُ على قرنين ِ ، حينَ بدأت تفِدُ على أوروبا إرسالياتٌ من دول ٍ إسلاميّةٍ ، بغرض ِ الدراسةِ والتعليم ِ ، بينما كانتْ أوروبا تعيشُ فورة َ الحركاتِ التجديديّةِ والمدارس ِ الفلسفيّةِ والنقديّةِ ، وكذلك تعيشُ انفجار َ الثورةِ الصناعيّةِ ، وتشكّلتْ من هذه المجموعاتِ التي خرجتْ فئاتٌ تأثروا بالنمطِ الغربيِّ ، وكانَ مجموعة ٌ من هؤلاءِ في بدايةِ أمرِهم من أهل ِ الدّيانةِ والمُحافظةِ ، فتغيّروا في الاتجاهِ الآخر ِ تغيّراً كبيراً ، وكوّنوا لاحقاً تيّاراً تغريبيّاً ، ساعدتِ الظروفُ الاستعماريّة ُ على تقويّتهِ ومدِّ نفوذهِ في المؤسّساتِ الحاكمةِ .
ومن المُهمِّ هنا أن أشيرَ إلى ما أشارَ إليهِ روجيه جارودي في كتابهِ " وعودُ الإسلام ِ " حينَ ذكرَ أنَّ الغربَ في عمومهِ سعى إلى تشويهِ صورةِ الإسلام ِ وتعاليمهِ ، فلم يكتفِ باستعمار ِ الأرض ِ ونهبِ الخيراتِ ، بل زادَ على ذلكَ أنّهُ هدمَ معالمَ الدّين ِ الإسلاميِّ ، ولم يسعَ إلى المُصالحةِ معهُ أو إزالةِ القطيعةِ بينهما ، أو حتّى فهمهِ بنزاهةٍ ، وهذا ما أدّاهُ إلى تقويةِ نفوذِ التغريبيينَ داخلَ العالم ِ الإسلاميِّ ، إمعاناً منهُ في الحربِ على الإسلام ِ وقصداً لتشويههِ عن صورةِ الحقّيقيّةِ .
وأمّا الجذورُ الفكريّة ُ : فقد تأثّرَ بعضُ الطلبةِ بما يوجدُ لدى الغربِ من الحضارةِ والحداثةِ ، في شقّيها : الماديِّ والفكريِّ ، ونظروا في الظروفِ التي أدّتْ إلى هذه الحداثةِ ، وفي طريقةِ تكوّنها ، فأعجبوا بالنهج ِ الغربيِّ ، ورأوا ضرورة َ نقل ِ تلكَ الفكرةِ إلى العالم ِ الإسلاميِّ ، وبما أنَّ أساسَ المنهج ِ الأوربيِّ كانَ التحرّرَ من القديم ِ ، وقيامَ حركاتٍ ومناهجَ تصحيحيّةٍ ، تقومُ على أساس ٍ ماديٍّ تجريبيٍّ ، فقد تطوّعوا بنقل ِ الأفكار ِ الغربيّةِ إلى العالم ِ الإسلاميِّ .
كانَ هذا العصرُ يمثّلُ نكسة ً خطيرة ً للكثير ِ من المفكّرينَ والدارسينَ ، إذ سقطَ عددٌ منهم في مُستنقع ِ الحضارةِ الغربيّةِ وانهزمَ إليها ، وأصبحَ لا يرى حاضراً أو مجداً أو تقدّماً إلا بتلكَ العين ِ الغربيّةِ ، وهذه الهزيمة ُ النفسيّة ُ تلاها هدمٌ لأغلب ِ القيَم ِ والأصول ِ الشرعيّةِ ، تحتَ حُجّةِ التغيّر ِ والصيرورةِ ، وكانتِ النتيجة ُ أنَّهُم أخذوا يُقرّرونَ أن لا ثباتَ لأمر ٍ من الأمور ِ مُطلقاً ، وجميعُ الأمور ِ قابلة ٌ للتغيير ِ أو الإزالةِ ، والتغيّرُ دائماً كان باتجاهِ الحضارةِ المادّيةِ الغربيّةِ ، وما اشتملتْ عليهِ من العلوم ِ الإنسانيّةِ ونحوِها .
وهذا ما يؤكّدهُ ابنُ خلدون ٍ بقولهِ في المقدّمةِ : " والمغلوبُ مولعٌ أبداً بالاقتداءِ بالغالبِ في شعارهِ وزيّهِ ونحلتهِ وسائر ِ أحوالهِ وعوائدهِ " ، ولا قولَ فوقَ ما قالهُ النبيُّ الكريمُ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - : " لتتبعُنَّ سَننَ من كانَ قبلكم ، حذوَ القذّةِ بالقُذّةِ ، حتّى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتموهُ معهم " ، والحديثُ في الصحيح ِ .
ولم يكنْ هذا أوّلَ العهدِ بالنظر ِ في قضيّةِ النصِّ ، بل سبقَ ذلكَ في القرن ِ الثاني الهجريِّ ، عندما نشأتْ الطوائفُ المنحرفة ُ كالجهميّةِ والمُعتزلةِ والأشاعرةِ ، والتي تتعاملُ مع النصِّ تعطيلاً تارة ً وتأويلاً أخرى ، وهذا نوعٌ من النقدِ للنصِّ ، أو ما يُسمّيهِ بعضُ المفكّرينَ المُعاصرينَ : المرحلة َ الأولى لتطوير ِ النصِّ وإعادةِ قراءتهِ ، وهم يُريدونَ بهذا إضفاءَ الأصالةِ على طرحِهم ، والبحثِ عن جذور ٍ تاريخيّةٍ تؤكّدُ فكرتَهم .
ومن هنا بدأ الصراعُ في العالم ِ الإسلاميِّ حولَ القديم ِ والجديدِ ، وحولَ المحافظةِ والحداثةِ ، والتّراثِ والأصالةِ ، وفي بدايةِ القرن ِ الماضي اجتاحتِ العالمَ الإسلاميَّ حمّى سُمّيتْ حمّى النقدِ الذاتيِّ والمُراجعةِ الداخليّةِ ، بعدَ أنَّ عاشَ العالمُ الإسلاميُّ فوضى فكريّة ً عارمة ً ، حينَ انتشرَ الإلحادُ وسادَ التغريبُ المكشوفُ والتبعيّة ُ المفضوحة ُ للغربِ ، بل والعمالة ُ الصريحة ُ التي أبداها المفكّرونَ إذّاكَ للمُستعمر ِ وقواهُ ، ممّا أدّى إلى فضحِهم وسقوطِهم من أعين ِ النّاس ِ ، وبدأ بعدها الأمرُ يأخذ ُ طابعَ التنظير ِ والبحثِ العلميِّ المُتجرّدِ ! ليكونَ أدعى للقبول ِ ، ويمكنَ تمريرهُ تحتَ غطاءِ النقدِ الذاتيِّ والمراجعةِ الداخليّةِ ! .
فظهرتْ مجموعة ٌ من الدراساتِ والمشاريع ِ النقديّةِ ، كانَ الغرضُ منها في ظاهرِها هو الخروجُ من مأزق ِ التخلّفِ والجمودِ الذي يُعاني منهُ العالمُ الإسلاميُّ ، في كافّةِ مجالاتهِ ، المادّيةِ والإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ ، وقامَ أصحابُ هذه المشاريع ِ باستقراءِ الواقع ِ في بلدانهم ، وقارنوا بينها وبينَ ما تعيشهُ الدّولُ الغربيّة ُ من التقدّم ِ والحضارةِ ، خلصوا بعدَ ذلكَ إلى نتيجةٍ واحدةٍ وهي أنَّ سببَ تخلّفِ العالم ِ الإسلاميِّ هو الحالة ُ الثقافيّة ُ والفكريّة ُ المُتخلّفة ُ التي يعيشُ فيها ، والتي شكّلتْ ما يُسمّى " بُنية العقلَ الإسلاميِّ " .
وهذا العقلُ الإسلاميُّ تشكّلَ من خليطٍ هائل ٍ من المعلوماتِ والمعارفِ المُتراكمةِ ، وبحسبِ رأيهم فإنَّ أغلبَ هذه المعارفِ أصبحَ غيرَ نافع ٍ للعصر ِ الحديثِ ، بل ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ المعارفَ المُشكّلة َ للثقافةِ العربيّةِ المعاصرةِ ، هي ممّا يُعيقُ التقدّمَ ، ويقفُ حائلاً دونَ الحضارةِ .
وكانَ المكوّنَ الأبرزَ للثقافةِ في العالم ِ الإسلاميِّ هو التُراث ُ الإسلاميُّ ، ويأتي على رأس ِ التُراثِ : النّصوصُ الشرعيّة ُ ، يقولُ أدونيسُ " هذا النصُّ مفتاحٌ لفهم ِ العالم ِ الإسلاميِّ ، ولن يفهمَ أحدٌ المسلمينَ وتأريخهم ، إلا بدءاً من استيعابِ هذا النصِّ ، والإحاطةِ بمستوى العلاقةِ القائمةِ بينهُ وبينَ المُسلم ِ " ، إذن مقدّماتُ القضيّةِ ونتيجتُها هي: أنَّ هذه النصوصَ الشرعيّة َ لقوّتها ومكانتِها في النّفوس ِ ، جعلتْ من البلادِ الإسلاميّةِ بلاداً تسودُ فيهِ الأغلبيّة ُ المُحافظة ُ وروحُ الصحوةِ الإسلاميّةِ ، وحتّى تكتملَ مسيرة ُ التحديثِ للعالم ِ الإسلاميِّ ، فلا بُدَّ من تنقيح ٍ للتراثِ ، ومراجعةٍ للنصِّ ، والذي شكّلَ المُكوّنَ الأكبرَ للثقافةِ ، المُحرّكةِ للطبقةِ المُحافظةِ ، التي تُعتبرُ أكبرَ الشرائح ِ .
ومن هنا تمَّ اختزالُ المشكلةِ في جزئيةٍ واحدةٍ ، هي الثقافة ُ النصيّة ُ السائدة ُ في المنطقةِ ، والتي حوّلتِ الثقافة َ والمعرفة َ الدينيّة َ الخاصّة َ إلى ثقافةٍ معياريّةٍ معرفيّةٍ عامّةٍ .
.... يتبعُ .
Comment