بسم الله الرحمن الرحيم
يقول تعالى " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي "
ويقول " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون "
ويقول " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا "
ويقول " قل الله أعبد مخلصا له ديني . فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة "
ويقول " وما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء "
ويقول " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون "
ويقول " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا "
ويقول " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ "
ويقول " انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء "
ويقول " لكم دينكم ولي دين "
لا يشرع الله تعالى أمرا إلا وله حكمة عنده وسبب و يتوجب على المسلم أن يذعن لهذا الأمر سواء علم بالحكمة من ورائه أو جهلها
ولكن يحق لنا أحيانا ان نبحث " ونحن مقررون بوجوب الطاعة لأمر الله " وراء الحكمة من أمر الله تعالى في بعض الأمور ليس من اجل ان نقبل الأمر او ان نرفضه إنما لكي نعقل المراد و يطمئن القلب
فما سبب هذا التوجيه الرباني في هذه الآيات الكريمة ؟
إن العقيدة والإيمان هما من الأمور المتعلقة بالقلب الذي هو مقرهما ومنبعهما ,والإنسان " مهما كان " ليس له سلطان على قلوب الآخرين ولا يملك أن يتحكم فيها ,لأن الله سبحانه وتعالى وحده له ذلك السلطان ,يهدي من يشاء ويضل من يشاء بحكمته وبعلمه المسطور عنده منذ الأزل وبالرغم من ذلك أعطى العبد حرية الإيمان بما يشاء في الدنيا, أما الإنسان فليس لديه علم أزلي وليس لديه القدرة على أن يكتب الإيمان في قلب أخيه الإنسان أو أن يذهب به وما كان لعبد أن يملك ذلك وما ينبغي وكلنا عبد لله .
إن الإنسان الذي يكره الناس على الإيمان ظنا منه انه يهديهم إليه أو انه يطبق شرع الله إنما ينصب نفسه إلها بهواه وهو يحسب انه يحسن صنعا ,كما فعل فرعون بسحرته , وهذا خلاف حال المصلح الداعي إلى الله الذي لا يملك الهداية لقلوب الناس ولكنه يبلغهم ما يهديهم لربهم ويعظهم ويذكرهم وينذرهم ويبشرهم ويعطيهم الخيار كما يقول الرسول في القرآن" وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين " ويقول تعالى " قل إني لا املك لكم ضرا ولا رشدا . قل إني لن يجيرني من الله احد ولن أجد من دونه ملتحدا . إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا " ويقول " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ".
كلمة " يسلم " في القرآن قد تأتي بمعنيين وهما المعنى الشرعي أي الإسلام بمعنى إسلام الوجه لله والتزام دينه الحنيف وهذا هو الدين الحق والعقيدة الصحيحة والإيمان السليم أو الإسلام طوعا أو كرها بمعنى الخضوع للأمر كقوله تعالى " فلما أسلما وتله للجبين " و قوله " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون " وذلك لأن كلمة " اسلم " لها معان مختلفة الاستخدام والدلالة منها الانصياع والإذعان والاستسلام والخضوع لأمر ما وهذا قد يكون كرها وليس بالضرورة أن يدل على الدين أو الإيمان أو العقيدة بشكل مباشر فنجد الله يقول " وله اسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " فهل من عاقل يقول أن إبليس مثلا دينه الإسلام أو أن أبا لهب دينه الإسلام ؟ كلا ولكن أمر الله نافذ فيهم وفي كل خلقه ليفعلوا مشيئته وما كتبه عليهم سواء كانوا طائعين أم كارهين مؤمنين أم كافرين , " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " فقد اسلم لله كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها ولكن هل توجد آية تقول آمنوا طوعا وكرها ؟ لا يمكن ,لأن الإيمان الذي يدعو إليه رب العباد في الدنيا والذي يجنب صاحبه عذاب الآخرة لا يكون كرها وكذلك جعله الله رضا في النفس المطمئنة لا يجبر عليه إنسان ,يقول نوح عليه السلام لقومه في القرآن " أنلزمكموها وانتم لها كارهون "ومن معاني الإسلام الانصياع والإذعان والاستسلام لله طوعا وعبادة دون إكراه وهنا يكون إيمانا لأن المؤمن مسلم لله طوعا ومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين " ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " وفي هذه الآية نجد أن المؤمنين هم من سماهم الله ورسله المسلمين من قبل , وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " وقوله عن آل لوط عليه السلام " فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " ونجد هذا المعنى للإسلام كذلك في قوله " افنجعل المسلمين كالمجرمين " وقوله " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " وقوله " إن الدين عند الله الإسلام " وقوله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ".
من هنا اسأل من أين جاءت تلك الانتقائية في تفسير قوله " لا إكراه في الدين " بأن الكافر الأصلي الذي يظهر منه الكفر في قوله وفعله لا يكره على اعتناق الإسلام دينا أما المسلم الذي ظاهر كلامه وفعله الإسلام يكره على أن يبقى معتنقا لدين الإسلام ظاهريا طول عمره ؟ ومن له الحق في إكراه إنسان لا يعلم ما يخفي صدره على اعتناق دين الله ؟ على أي أساس علمي نقبل تطبيق الآية في حالة معينة ونرفض تطبيقها في حالة أخرى ؟
إننا نعلم جميعا كمسلمين أن كل الناس يولدوا مسلمين بفطرتهم فكيف لا نعتبر الكافر منهم مرتدا إلا إذا كان أبواه مسلمين ؟ أليس هذا تمييز غير مبرر ؟ ثم إن المسلم الذي يحسب على المسلمين في انه قد ولد لأبوين مسلمين قد يكون في داخله الكفر حتى من قبل أن يعلنه فكيف نعتبره مرتدا ولم يكن مؤمنا حتى لما كان مدعيا للإسلام من قبل ؟
حرية المعتقد قضية عظيمة ,فالله سبحانه وتعالى هو من منح هذه الحرية لعباده في الدنيا كي يكون حسابهم في الآخرة تباعا لما اختاروه وهم أحرار, فكيف نسلب العباد ما أعطاهم ربهم باسم الدين ؟ وهل نحن من نحاسب الناس ؟
بالطبع هنالك فرق كبير بين أن يبدل المسلم إيمانه ويعتنق دينا آخر لنفسه ويكتفي بذلك وبين أن يعتنق المسلم دينا جديدا ثم يكون لذلك تبعات تتعدى كونه حرية شخصية كأن يصير ذلك المرء بسبب دينه الجديد طرفا " بطريقة أو بأخرى " في حرب وقتال يفرضه قوم كافرون على قوم مؤمنين باسم الدين مثل ما كانت الظروف في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهنا يحل دمه في الإسلام لأنه في حكم المقاتل وربما كان هذا ما يعنيه النبي عليه الصلاة والسلام في حديثة عن قتل المرتد في حال افترضنا انه قد تكلم بهذا الحديث أو بما يشبهه أساسا فعندها كان الرسول ومن معه في حالة حرب مع المشركين الذين أشعلوها باسم الدين ظلما وعدوانا كما في قوله " وهم بدءوكم أول مرة " ويمكننا أن نستدل من السنة والسيرة نفسها " حيث أن التي بين أيدينا اليوم تحتوي الصواب والخطأ " بأن ما يسمى بحد الردة لم يطبق في عهد الرسول ولو مرة واحدة بالرغم من ارتداد الكثيرين وكذلك الخلفاء الراشدين من بعده , وهذا المفهوم هو ما يعنيه ويؤكده بعض العلماء ولكن هذا أيضا ما لا يعنيه الكثير من الفقهاء والمشايخ الذين جعلوا من أنفسهم " بقصد أو بغير قصد " ورقة رابحة في لعبة سياسية بيد الحكام و من فتاويهم أداة بيد السادة والكبراء وصناع القرار في الدولة سواء في عصر الخلافة من بعد الخلفاء الراشدين أو في العصر الحديث , وبهذا أصبح الفهم الخاطئ للدين وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية و حسم الخلافات المذهبية بالهوى على حساب الدين الحنيف نفسه وعلى حساب الأخلاق الإسلامية المثلى .
لا نريد تلك الصورة الرديئة للإسلام الظالم الضعيف الذي يخشى أصحابه من نقصان عدد أتباعه فيلجئون إلى وصاية بعضهم على بعض ليذبح بعضهم بعضا و ليقتلوا من يتركه منهم وكأن الإسلام سيصيبه الضرر إن تركه سفيه ممن تسموا باسمه _ لا والله ولو ارتد المسلمون جميعا فلن يضروا الله شيئا وهو الغني الحميد كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لقومه في القرآن " وقال موسى إن تكفروا انتم ومن في الأرض جميعا فان الله غني حميد " _ .
والطامة الكبرى في مجتمعاتنا الإسلامية تحدث حين يجتمع الإيمان التقليدي بحد الردة مع حرية التكفير بالهوى وبدون بينة , فتجد كل حزب يكفر الآخر ويستبيح دمه ومن هنا كانت الفتنة ومن هنا كان التشرذم والتمزق والقتل على الهوية وقد قال الله للنبي في حق هؤلاء " لست منهم في شيء " وهذا واقع مرير نشهده ونلمسه كل يوم وقد كان من قبل ويكون الآن .
إن أكثر المسلمين وللأسف يظهرون الإسلام بمظهر مخجل باختراعهم لما سموه " حد الردة " وفي فهمهم له وكأنهم سيقتلون أنفسهم على أن لا يخسروا أحدا أو أن ينقص منهم احد ....يحدون من عدد الكفار في مجتمعاتهم ! ..رائع ..جميل ! عدد الكفار يتناقص وعدد المنافقين يتزايد ؟ ....فهل يعقل أن يستتاب رجل بعد ردته والسيف على رقبته ولا يعلن توبته إلا إذا كان مجنونا ؟ اؤكد أن الغالبية العظمى ممن يتركون الإسلام بقناعة سيعلنون توبتهم إذا لم يجدوا خيارا سوى إعلان التوبة أو " حد الردة " وبكل تأكيد سيخفون ما لا يظهرون وسيزيد حقدهم وبغضهم للإسلام وسيعملون على محاربة الإسلام باسم الإسلام وهذا ما كان يحدث لقرون طويلة في الدول الإسلامية والى الآن ...الله سبحانه وتعالى يريد أن يفضح المنافق الذي يحارب الله ورسوله في الخفاء ونحن نريد أن نستره ...
علمنا أن المعتقد القلبي هو أمر لا نملكه للآخرين وليس بأيدينا تغييره وان الله وحده يحاسب ويعاقب عليه ,إذا نحن لا نملك أن نعاقب رجلا آمن ثم بدل إيمانه في الخفاء ولا نستطيع لأننا لا نعلم بردته , أما إذا لم يتنكر من دينه الجديد وأردنا تطبيق حد الردة بالمفهوم السائد فإننا نريد أن نعاقب ذلك الرجل على انه لم يخفي كفره ونعاقبه حتى لو لم يدعو للكفر " فقط لمجرد عدم إخفائه لكفره ", إذا حد الردة لا يعاقب المرتد على ردته في واقع الأمر إنما يعاقب المرتد على صدقه أما إذا كذب فلا يعاقب ,وكأن أصحاب حد الردة يعاقبون المرتد الصادق بالموت ويكافئون المرتد الكاذب بالترحيب به أخا مسلما ! وفي هذه الحالة كأن الصدق يستوجب العقوبة والكذب يستوجب المكافئة !
لم يعطي الله للبشر الحق في أن يعملوا ما يشاءون في الدنيا دونما أن يعترض عليهم احد او أن يعاقبهم بشر أمثالهم وهذه حقيقة وواقع ومن هنا عرفت المجتمعات ضرورة وجود قانون ينظم حياتها وفي ذلك انزل الله حدوده إنما أعطاهم الحق في اختيار العقيدة التي يشاءون في الدنيا دونما ان يعاقبهم احد من البشر وفي ذلك انزل الله قوله " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " وقوله " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " الله يقول "من كان يريد حرث الدنيا " ولم يميز بين المرتد والكافر أصلا " نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب" ونحن نقول يقتل والله يمهلهم ويؤخرهم ونحن نخالف أمر الله فلا نريد أن يمهلهم الله ولا أن يؤخرهم ؟
جميع الجرائم التي يعاقب عليها شرع الله الحقيقي هي أشياء نملك نحن البشر تغييرها وإجبار الناس على تركها بالقانون او بالحدود ولكن الإيمان لا نملك تغييره ولا إجبار الناس عليه فهو متعلق بقلب الإنسان , من المعقول أن نعاقب الإنسان على تبعات كفره من اعمال يعاقب عليها الشرع في الدنيا اما الإيمان بالباطل فلا نملك تغييره الا بالدعوة إلى الله بصدق وإخلاص وعدل ورحمة وحكمة وصبر ....
يقول تعالى لرسوله الكريم :
" فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا "
" فلا تذهب نفسك عليهم حسرات "
ويقول تعالى :
" من قتل نفسا بغير نفس او فسادا في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا "
يقول تعالى " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي "
ويقول " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون "
ويقول " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا "
ويقول " قل الله أعبد مخلصا له ديني . فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة "
ويقول " وما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء "
ويقول " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون "
ويقول " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا "
ويقول " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ "
ويقول " انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء "
ويقول " لكم دينكم ولي دين "
لا يشرع الله تعالى أمرا إلا وله حكمة عنده وسبب و يتوجب على المسلم أن يذعن لهذا الأمر سواء علم بالحكمة من ورائه أو جهلها
ولكن يحق لنا أحيانا ان نبحث " ونحن مقررون بوجوب الطاعة لأمر الله " وراء الحكمة من أمر الله تعالى في بعض الأمور ليس من اجل ان نقبل الأمر او ان نرفضه إنما لكي نعقل المراد و يطمئن القلب
فما سبب هذا التوجيه الرباني في هذه الآيات الكريمة ؟
إن العقيدة والإيمان هما من الأمور المتعلقة بالقلب الذي هو مقرهما ومنبعهما ,والإنسان " مهما كان " ليس له سلطان على قلوب الآخرين ولا يملك أن يتحكم فيها ,لأن الله سبحانه وتعالى وحده له ذلك السلطان ,يهدي من يشاء ويضل من يشاء بحكمته وبعلمه المسطور عنده منذ الأزل وبالرغم من ذلك أعطى العبد حرية الإيمان بما يشاء في الدنيا, أما الإنسان فليس لديه علم أزلي وليس لديه القدرة على أن يكتب الإيمان في قلب أخيه الإنسان أو أن يذهب به وما كان لعبد أن يملك ذلك وما ينبغي وكلنا عبد لله .
إن الإنسان الذي يكره الناس على الإيمان ظنا منه انه يهديهم إليه أو انه يطبق شرع الله إنما ينصب نفسه إلها بهواه وهو يحسب انه يحسن صنعا ,كما فعل فرعون بسحرته , وهذا خلاف حال المصلح الداعي إلى الله الذي لا يملك الهداية لقلوب الناس ولكنه يبلغهم ما يهديهم لربهم ويعظهم ويذكرهم وينذرهم ويبشرهم ويعطيهم الخيار كما يقول الرسول في القرآن" وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين " ويقول تعالى " قل إني لا املك لكم ضرا ولا رشدا . قل إني لن يجيرني من الله احد ولن أجد من دونه ملتحدا . إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا " ويقول " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ".
كلمة " يسلم " في القرآن قد تأتي بمعنيين وهما المعنى الشرعي أي الإسلام بمعنى إسلام الوجه لله والتزام دينه الحنيف وهذا هو الدين الحق والعقيدة الصحيحة والإيمان السليم أو الإسلام طوعا أو كرها بمعنى الخضوع للأمر كقوله تعالى " فلما أسلما وتله للجبين " و قوله " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون " وذلك لأن كلمة " اسلم " لها معان مختلفة الاستخدام والدلالة منها الانصياع والإذعان والاستسلام والخضوع لأمر ما وهذا قد يكون كرها وليس بالضرورة أن يدل على الدين أو الإيمان أو العقيدة بشكل مباشر فنجد الله يقول " وله اسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " فهل من عاقل يقول أن إبليس مثلا دينه الإسلام أو أن أبا لهب دينه الإسلام ؟ كلا ولكن أمر الله نافذ فيهم وفي كل خلقه ليفعلوا مشيئته وما كتبه عليهم سواء كانوا طائعين أم كارهين مؤمنين أم كافرين , " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " فقد اسلم لله كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها ولكن هل توجد آية تقول آمنوا طوعا وكرها ؟ لا يمكن ,لأن الإيمان الذي يدعو إليه رب العباد في الدنيا والذي يجنب صاحبه عذاب الآخرة لا يكون كرها وكذلك جعله الله رضا في النفس المطمئنة لا يجبر عليه إنسان ,يقول نوح عليه السلام لقومه في القرآن " أنلزمكموها وانتم لها كارهون "ومن معاني الإسلام الانصياع والإذعان والاستسلام لله طوعا وعبادة دون إكراه وهنا يكون إيمانا لأن المؤمن مسلم لله طوعا ومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين " ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " وفي هذه الآية نجد أن المؤمنين هم من سماهم الله ورسله المسلمين من قبل , وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " وقوله عن آل لوط عليه السلام " فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " ونجد هذا المعنى للإسلام كذلك في قوله " افنجعل المسلمين كالمجرمين " وقوله " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " وقوله " إن الدين عند الله الإسلام " وقوله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ".
من هنا اسأل من أين جاءت تلك الانتقائية في تفسير قوله " لا إكراه في الدين " بأن الكافر الأصلي الذي يظهر منه الكفر في قوله وفعله لا يكره على اعتناق الإسلام دينا أما المسلم الذي ظاهر كلامه وفعله الإسلام يكره على أن يبقى معتنقا لدين الإسلام ظاهريا طول عمره ؟ ومن له الحق في إكراه إنسان لا يعلم ما يخفي صدره على اعتناق دين الله ؟ على أي أساس علمي نقبل تطبيق الآية في حالة معينة ونرفض تطبيقها في حالة أخرى ؟
إننا نعلم جميعا كمسلمين أن كل الناس يولدوا مسلمين بفطرتهم فكيف لا نعتبر الكافر منهم مرتدا إلا إذا كان أبواه مسلمين ؟ أليس هذا تمييز غير مبرر ؟ ثم إن المسلم الذي يحسب على المسلمين في انه قد ولد لأبوين مسلمين قد يكون في داخله الكفر حتى من قبل أن يعلنه فكيف نعتبره مرتدا ولم يكن مؤمنا حتى لما كان مدعيا للإسلام من قبل ؟
حرية المعتقد قضية عظيمة ,فالله سبحانه وتعالى هو من منح هذه الحرية لعباده في الدنيا كي يكون حسابهم في الآخرة تباعا لما اختاروه وهم أحرار, فكيف نسلب العباد ما أعطاهم ربهم باسم الدين ؟ وهل نحن من نحاسب الناس ؟
بالطبع هنالك فرق كبير بين أن يبدل المسلم إيمانه ويعتنق دينا آخر لنفسه ويكتفي بذلك وبين أن يعتنق المسلم دينا جديدا ثم يكون لذلك تبعات تتعدى كونه حرية شخصية كأن يصير ذلك المرء بسبب دينه الجديد طرفا " بطريقة أو بأخرى " في حرب وقتال يفرضه قوم كافرون على قوم مؤمنين باسم الدين مثل ما كانت الظروف في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهنا يحل دمه في الإسلام لأنه في حكم المقاتل وربما كان هذا ما يعنيه النبي عليه الصلاة والسلام في حديثة عن قتل المرتد في حال افترضنا انه قد تكلم بهذا الحديث أو بما يشبهه أساسا فعندها كان الرسول ومن معه في حالة حرب مع المشركين الذين أشعلوها باسم الدين ظلما وعدوانا كما في قوله " وهم بدءوكم أول مرة " ويمكننا أن نستدل من السنة والسيرة نفسها " حيث أن التي بين أيدينا اليوم تحتوي الصواب والخطأ " بأن ما يسمى بحد الردة لم يطبق في عهد الرسول ولو مرة واحدة بالرغم من ارتداد الكثيرين وكذلك الخلفاء الراشدين من بعده , وهذا المفهوم هو ما يعنيه ويؤكده بعض العلماء ولكن هذا أيضا ما لا يعنيه الكثير من الفقهاء والمشايخ الذين جعلوا من أنفسهم " بقصد أو بغير قصد " ورقة رابحة في لعبة سياسية بيد الحكام و من فتاويهم أداة بيد السادة والكبراء وصناع القرار في الدولة سواء في عصر الخلافة من بعد الخلفاء الراشدين أو في العصر الحديث , وبهذا أصبح الفهم الخاطئ للدين وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية و حسم الخلافات المذهبية بالهوى على حساب الدين الحنيف نفسه وعلى حساب الأخلاق الإسلامية المثلى .
لا نريد تلك الصورة الرديئة للإسلام الظالم الضعيف الذي يخشى أصحابه من نقصان عدد أتباعه فيلجئون إلى وصاية بعضهم على بعض ليذبح بعضهم بعضا و ليقتلوا من يتركه منهم وكأن الإسلام سيصيبه الضرر إن تركه سفيه ممن تسموا باسمه _ لا والله ولو ارتد المسلمون جميعا فلن يضروا الله شيئا وهو الغني الحميد كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لقومه في القرآن " وقال موسى إن تكفروا انتم ومن في الأرض جميعا فان الله غني حميد " _ .
والطامة الكبرى في مجتمعاتنا الإسلامية تحدث حين يجتمع الإيمان التقليدي بحد الردة مع حرية التكفير بالهوى وبدون بينة , فتجد كل حزب يكفر الآخر ويستبيح دمه ومن هنا كانت الفتنة ومن هنا كان التشرذم والتمزق والقتل على الهوية وقد قال الله للنبي في حق هؤلاء " لست منهم في شيء " وهذا واقع مرير نشهده ونلمسه كل يوم وقد كان من قبل ويكون الآن .
إن أكثر المسلمين وللأسف يظهرون الإسلام بمظهر مخجل باختراعهم لما سموه " حد الردة " وفي فهمهم له وكأنهم سيقتلون أنفسهم على أن لا يخسروا أحدا أو أن ينقص منهم احد ....يحدون من عدد الكفار في مجتمعاتهم ! ..رائع ..جميل ! عدد الكفار يتناقص وعدد المنافقين يتزايد ؟ ....فهل يعقل أن يستتاب رجل بعد ردته والسيف على رقبته ولا يعلن توبته إلا إذا كان مجنونا ؟ اؤكد أن الغالبية العظمى ممن يتركون الإسلام بقناعة سيعلنون توبتهم إذا لم يجدوا خيارا سوى إعلان التوبة أو " حد الردة " وبكل تأكيد سيخفون ما لا يظهرون وسيزيد حقدهم وبغضهم للإسلام وسيعملون على محاربة الإسلام باسم الإسلام وهذا ما كان يحدث لقرون طويلة في الدول الإسلامية والى الآن ...الله سبحانه وتعالى يريد أن يفضح المنافق الذي يحارب الله ورسوله في الخفاء ونحن نريد أن نستره ...
علمنا أن المعتقد القلبي هو أمر لا نملكه للآخرين وليس بأيدينا تغييره وان الله وحده يحاسب ويعاقب عليه ,إذا نحن لا نملك أن نعاقب رجلا آمن ثم بدل إيمانه في الخفاء ولا نستطيع لأننا لا نعلم بردته , أما إذا لم يتنكر من دينه الجديد وأردنا تطبيق حد الردة بالمفهوم السائد فإننا نريد أن نعاقب ذلك الرجل على انه لم يخفي كفره ونعاقبه حتى لو لم يدعو للكفر " فقط لمجرد عدم إخفائه لكفره ", إذا حد الردة لا يعاقب المرتد على ردته في واقع الأمر إنما يعاقب المرتد على صدقه أما إذا كذب فلا يعاقب ,وكأن أصحاب حد الردة يعاقبون المرتد الصادق بالموت ويكافئون المرتد الكاذب بالترحيب به أخا مسلما ! وفي هذه الحالة كأن الصدق يستوجب العقوبة والكذب يستوجب المكافئة !
لم يعطي الله للبشر الحق في أن يعملوا ما يشاءون في الدنيا دونما أن يعترض عليهم احد او أن يعاقبهم بشر أمثالهم وهذه حقيقة وواقع ومن هنا عرفت المجتمعات ضرورة وجود قانون ينظم حياتها وفي ذلك انزل الله حدوده إنما أعطاهم الحق في اختيار العقيدة التي يشاءون في الدنيا دونما ان يعاقبهم احد من البشر وفي ذلك انزل الله قوله " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " وقوله " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " الله يقول "من كان يريد حرث الدنيا " ولم يميز بين المرتد والكافر أصلا " نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب" ونحن نقول يقتل والله يمهلهم ويؤخرهم ونحن نخالف أمر الله فلا نريد أن يمهلهم الله ولا أن يؤخرهم ؟
جميع الجرائم التي يعاقب عليها شرع الله الحقيقي هي أشياء نملك نحن البشر تغييرها وإجبار الناس على تركها بالقانون او بالحدود ولكن الإيمان لا نملك تغييره ولا إجبار الناس عليه فهو متعلق بقلب الإنسان , من المعقول أن نعاقب الإنسان على تبعات كفره من اعمال يعاقب عليها الشرع في الدنيا اما الإيمان بالباطل فلا نملك تغييره الا بالدعوة إلى الله بصدق وإخلاص وعدل ورحمة وحكمة وصبر ....
يقول تعالى لرسوله الكريم :
" فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا "
" فلا تذهب نفسك عليهم حسرات "
ويقول تعالى :
" من قتل نفسا بغير نفس او فسادا في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا "
(
Comment