الأخ حمزة أجدد التحية لك 
بخصوص موضوعنا المتعلق بالمقاربة الإسلامية لمفهوم الدولة،و الخصوصية الإسلامية في التأسيس لفقه السياسة،فأرى أن ذلك سيتطلب منا الكثير من الوقت حتى نسلط ما يكفي من الأضواء على هذا الموضوع المهم.
نعم الإسلام فتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في السياسة،لكن ذلك لا يعني أن الشارع لم يرسم حدودا لهذا الفعل السياسي،فالخصوط الكبيرة التي وضعها الشارع تؤطر الفعل السياسي،فمثلا السياسة ليست كما يقول البعض موطنا من مواطن الدنس،بل إن الإسلام يطال كل المحالات و يرفع دنسها و يضفي عليها صبغة ربانية،فنقرأ مثلا في سورة الأنفال قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا،يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ""
فففي هذه الآيات الكثير من كليات الدين التي تنظم الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي :
1- التحلي بخلق الأمانة.
2- الحكم بالعدل.
3- و نحن في خضم حياتنا السياسية لا بد أن نطيع الله و رسوله،و نطيع أولي الأمور ما أطاعوا الله و رسوله،و في الآية دلالة واضحة أن معيار تقييم الأمور هو الكتاب و السنة لقوله تعالى :"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر"
4- أن الصدود عن ما قال الله و رسوله في السياسة من سمات المنافقين،و هذا حال العلمانيين في عصرنا.
و المشاركة السياسية حاجة ملحة،و السلوك السلبي غبر مقبول من المسلم،فالعمل على اختيار حاكم يسوس الأمة و تفوض له أمر دينها و دنياها أمر واجب،يقور رسول الله عليه و سام " من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، طبعا ليس المقصود بالبيعة ما نراه الآن من شكليات كل عيد عرش،من نقديم بيعة زائفة خالية من أي معنى.
إن السياسة من أعظم الأمور في الدين الإسلامي،كيف لا و استقامة الدين قائم عليها،لذا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول في السياسة الشرعية : "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الناس،بل و لا قيام للدين و لا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا باجتماع (هذه هي العلة الأولى التي يخرج بها قوة طبع المدينة إلى فعل) لحاجة بعضهم إلى بعض،و لا بد عند الاجتماع من رأس.حتى قال النبي صلى الله عليه و سلم "إذا خرج ثلاثة في سفر،فليؤمروا أحدهم" اهـ
لكن كيف يتم تأمير الحاكم؟
هنا نطفو تلك المسألة التي تحدثت عليها،و هي أن لدولة الإسلام معالم كبرى،لا ينبغي محوها أو تشويهها،و على أساس هذه المعالم نجتهد في تقنين أمورنا السياسية بواسطة دساتير ترضي الراعي و الرعية في شكل تعاقد اجتماعي.
فمثلا الحاكم في الإسلام شخصية مدنية لا دينية لاهوتية،أقصد أنه يستمد شرعيته من إرادة الشعب لا أن الله فوضه و أعطى له الحق في الحكم،و لك في التجربة الإسلامية عبرة،فلا أبو بكر و لا عمر و لا عثمان و لا على رضي الله عنهم،لا أحد منهم ادعى أن الله هو الذي نصبه في موضعه،فأبو بكر رضي الله عنه اختير في السقيفة،ثم تواترت الأيدي على مبايعته،و عمر اختاره أبا بكر بعد موافقة الأمة،و عثمان و هو الذي قال "ما كنت لأنزع قميصا سربلنيه الله" و يجعل منها بعض العلمانيين قناة للحكم على ثيوقراطية الدولة في الإسلام،هذا الخليفة الراشد اختير بانتخابات نزيهة تولى أمرها عبد الرحمان بن عوف...
و هي دولة المواطنة : فهي تفتح بابها لكل الأجناس و الأعراق باختلاف أيديولوجياتهم و عقائدهم،شرط الانضباط بالقوانين،فقد رأينا في الدول الإسلامية نصارى و يهود و مجوس و مانويين و هرمسيين، و ما سمعنا يوما أن أحدا تعسف عليهم أو جار عليهم و ظلمهم،بالعكس بشهادة الكثير من الباحثين (و سنوثق كلامنا فيما بعد إن شاء الله)،أن أسباب التطرف الإسلامي على مر التاريخ ساهم فيه أهل الكتاب عندما تعطي لهم الدولة الإسلامية مساحات أكبر مما يستحقون،فتجدهم يظلمون الرعية...و تحضرني هنا قصة لطيفة للمعتزلي العالم الكبير ابن جني رحمه الله،كيف كان ينقم على الحكام عندئذ الميول و الحيدة إلى النصارى على حساب المسلمين،و هذه القصة مشهورة في كتب التاريخ،و إن شئت فعد إليها فإنها مؤنسة في موضعنا هذا.
و هي دولة شورية : بمعنى أن الحاكم لا يستبد فيها بالقرار،بل لا بد له من مشاورة رعيته قبل أن يقبل على شئ،و النبي
ضرب المثل الأعلى فيما نقول،فهو مع عصمته فلم يكن يقدم على شئ إلا شاور الصحابة،بل كان يشاور حتى النساء، و قصة مشاورة النبي صلى الله عليه و سلم لأمنا سلمة رضي الله عنها مشهورة...
كتبت هذه المداخلة بعجالة،و يمنك أن تطلع على كتب قيمة في هذا الصدد
مثل كتاب العقيدة و السياسة للدكتور لؤي صافي
و سماحة الإسلام و حقوق الإنسان للدكتور محمد عمارة
و الدولة الإسلامية بين العلمانية و السلطة الدينية لمحمد عمارة
و من فقه الدولة في الإسلام للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
و كتاب الإسلام و العلمانية و جها لوجه للدكتور يوسف القراضاوي
و لا يخلو كتاب الماوردي "الأحكام السلطانية و الولايات الدينية" من فوائد
و كذلك كتب السياسة الشرعية لكل من ابن اتيمية و تلميذه ابن قيم
و كذلك تحقيق الدكتور محمد عمارة لكتاب الإسلام و أصول الحكم للشيخ علي عبد الرزاق،و هو كتاب أحدث ضجة كبيرة عندما أصدر.
أطيب المنى

بخصوص موضوعنا المتعلق بالمقاربة الإسلامية لمفهوم الدولة،و الخصوصية الإسلامية في التأسيس لفقه السياسة،فأرى أن ذلك سيتطلب منا الكثير من الوقت حتى نسلط ما يكفي من الأضواء على هذا الموضوع المهم.
نعم الإسلام فتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في السياسة،لكن ذلك لا يعني أن الشارع لم يرسم حدودا لهذا الفعل السياسي،فالخصوط الكبيرة التي وضعها الشارع تؤطر الفعل السياسي،فمثلا السياسة ليست كما يقول البعض موطنا من مواطن الدنس،بل إن الإسلام يطال كل المحالات و يرفع دنسها و يضفي عليها صبغة ربانية،فنقرأ مثلا في سورة الأنفال قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا،يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ""
فففي هذه الآيات الكثير من كليات الدين التي تنظم الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي :
1- التحلي بخلق الأمانة.
2- الحكم بالعدل.
3- و نحن في خضم حياتنا السياسية لا بد أن نطيع الله و رسوله،و نطيع أولي الأمور ما أطاعوا الله و رسوله،و في الآية دلالة واضحة أن معيار تقييم الأمور هو الكتاب و السنة لقوله تعالى :"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر"
4- أن الصدود عن ما قال الله و رسوله في السياسة من سمات المنافقين،و هذا حال العلمانيين في عصرنا.
و المشاركة السياسية حاجة ملحة،و السلوك السلبي غبر مقبول من المسلم،فالعمل على اختيار حاكم يسوس الأمة و تفوض له أمر دينها و دنياها أمر واجب،يقور رسول الله عليه و سام " من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، طبعا ليس المقصود بالبيعة ما نراه الآن من شكليات كل عيد عرش،من نقديم بيعة زائفة خالية من أي معنى.
إن السياسة من أعظم الأمور في الدين الإسلامي،كيف لا و استقامة الدين قائم عليها،لذا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول في السياسة الشرعية : "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الناس،بل و لا قيام للدين و لا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا باجتماع (هذه هي العلة الأولى التي يخرج بها قوة طبع المدينة إلى فعل) لحاجة بعضهم إلى بعض،و لا بد عند الاجتماع من رأس.حتى قال النبي صلى الله عليه و سلم "إذا خرج ثلاثة في سفر،فليؤمروا أحدهم" اهـ
لكن كيف يتم تأمير الحاكم؟
هنا نطفو تلك المسألة التي تحدثت عليها،و هي أن لدولة الإسلام معالم كبرى،لا ينبغي محوها أو تشويهها،و على أساس هذه المعالم نجتهد في تقنين أمورنا السياسية بواسطة دساتير ترضي الراعي و الرعية في شكل تعاقد اجتماعي.
فمثلا الحاكم في الإسلام شخصية مدنية لا دينية لاهوتية،أقصد أنه يستمد شرعيته من إرادة الشعب لا أن الله فوضه و أعطى له الحق في الحكم،و لك في التجربة الإسلامية عبرة،فلا أبو بكر و لا عمر و لا عثمان و لا على رضي الله عنهم،لا أحد منهم ادعى أن الله هو الذي نصبه في موضعه،فأبو بكر رضي الله عنه اختير في السقيفة،ثم تواترت الأيدي على مبايعته،و عمر اختاره أبا بكر بعد موافقة الأمة،و عثمان و هو الذي قال "ما كنت لأنزع قميصا سربلنيه الله" و يجعل منها بعض العلمانيين قناة للحكم على ثيوقراطية الدولة في الإسلام،هذا الخليفة الراشد اختير بانتخابات نزيهة تولى أمرها عبد الرحمان بن عوف...
و هي دولة المواطنة : فهي تفتح بابها لكل الأجناس و الأعراق باختلاف أيديولوجياتهم و عقائدهم،شرط الانضباط بالقوانين،فقد رأينا في الدول الإسلامية نصارى و يهود و مجوس و مانويين و هرمسيين، و ما سمعنا يوما أن أحدا تعسف عليهم أو جار عليهم و ظلمهم،بالعكس بشهادة الكثير من الباحثين (و سنوثق كلامنا فيما بعد إن شاء الله)،أن أسباب التطرف الإسلامي على مر التاريخ ساهم فيه أهل الكتاب عندما تعطي لهم الدولة الإسلامية مساحات أكبر مما يستحقون،فتجدهم يظلمون الرعية...و تحضرني هنا قصة لطيفة للمعتزلي العالم الكبير ابن جني رحمه الله،كيف كان ينقم على الحكام عندئذ الميول و الحيدة إلى النصارى على حساب المسلمين،و هذه القصة مشهورة في كتب التاريخ،و إن شئت فعد إليها فإنها مؤنسة في موضعنا هذا.
و هي دولة شورية : بمعنى أن الحاكم لا يستبد فيها بالقرار،بل لا بد له من مشاورة رعيته قبل أن يقبل على شئ،و النبي
ضرب المثل الأعلى فيما نقول،فهو مع عصمته فلم يكن يقدم على شئ إلا شاور الصحابة،بل كان يشاور حتى النساء، و قصة مشاورة النبي صلى الله عليه و سلم لأمنا سلمة رضي الله عنها مشهورة...كتبت هذه المداخلة بعجالة،و يمنك أن تطلع على كتب قيمة في هذا الصدد
مثل كتاب العقيدة و السياسة للدكتور لؤي صافي
و سماحة الإسلام و حقوق الإنسان للدكتور محمد عمارة
و الدولة الإسلامية بين العلمانية و السلطة الدينية لمحمد عمارة
و من فقه الدولة في الإسلام للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
و كتاب الإسلام و العلمانية و جها لوجه للدكتور يوسف القراضاوي
و لا يخلو كتاب الماوردي "الأحكام السلطانية و الولايات الدينية" من فوائد
و كذلك كتب السياسة الشرعية لكل من ابن اتيمية و تلميذه ابن قيم
و كذلك تحقيق الدكتور محمد عمارة لكتاب الإسلام و أصول الحكم للشيخ علي عبد الرزاق،و هو كتاب أحدث ضجة كبيرة عندما أصدر.
أطيب المنى
Comment