ليدّبّروا آياته

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو المظفر السناري
    محاور
    • May 2010
    • 386

    #16
    بارك الله فيك أبا فارس.
    والحقيقة: أن أعظم النِّعَم التي امتنَّ الله بها على عباده - بعد الإسلام - هي نعمة ( القرآن ).
    وهذه النعمة الكبرى: لا يكاد يشعر بها العارف إلا إذا تذوَّق من شهدها، ونهل من عسلها ولبنها، عن طريق إعمال النظر في معاني كلام الخالق، وتقليب البصائر في مدلولات هذا الكتاب العظيم.
    وقد أغدق المفسرون الكلام عن معاني وفوائد التدبر والتفهم في كتاب الله.
    ومن بديع ذلك: قول الشمس ابن القيم في ( مدارج السالكين ): (وأما التأمل في القرآن : فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، قال الله تعالى : " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" وقال تعالى: " أفلم يدبروا القول المؤمنون " وقال تعالى: " إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون "
    وقال الحسن :" نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملا" ....)
    ثم قال ابن القيم: ( فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته : من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع منه الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلب،ه وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه وقواطع الطريق وآفاتها وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه ...).

    قلت: ويكفيك أن تعلم أن شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية ما ندم آخر حياته على شيء تنكب عنه كندمه على التفريط في مزيد التأمل والتفكر والتدبر في آيات الذِّكْر الحكيم!
    فنقل ابن رجب في (ذيل طبقات الحنابلة ) عن شيخ الإسلام أنه قال: (وندمتُ على تضييع أوقاتي في غيرِ معاني القرآن )!
    هذا مع كون هذا الإمام ممن شهد له الغادي والرائح: بطول الباع في تفسير القرآن والغوص في لُجَج معانيه، والإبحار في قاموس فيافيه، حتى قال عنه الذهبي: (وأمَّا التفسير فمُسلَّم إليه، وله مِن استحضار الآيات من القرآن وقتَ إقامة الدليل بها على المسألة قوةٌ عجيبة ).
    ولا يخفى على المتأمل: تلك الفوائد المستجادات من تكرار إنعام النظر في تدبر معاني كلام الخالق.

    قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:
    (( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا))
    [ النساء: 82]
    قال:
    يأمر تعالى بتدبر كتابه؛ وهو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك فإن تدبر كتاب الله:
    - مفتاح للعلوم والمعارف،
    - وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج منه جميع العلوم،
    - وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته،
    - فإنه يعرِّف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال; وما يُنزَّه عنه من سمات النقص،
    - ويعرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه،
    - ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب.
    وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد علمًا وعملاً وبصيرةً؛ لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن؛ كما قال تعالى:
    { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ }
    وقال تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }.
    ومن فوائد التدبر لكتاب الله:
    أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله؛ لأنه يراه يَصْدُق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضًا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور؛ فلذلك قال تعالى:
    { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا }؛ أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلاً ).
    .
    قلت: والشيخ السعدي هذا هو أحد هؤلاء العلماء المهرة النَّبَغة ممن برع في تفسير القرآن الكريم؛ فألَّف كتابه: ( تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) جاء فيه بفوائد شوراد، وبفرائد عوائد، مع سهولة المأخذ، ورشاقة العبارة، وجمال الديباجة، وإشراق الألفاظ، فلا جرم أن أوصى به كثير من علماء الإسلام في هذا الزمان، ونصحوا باقتنائه واجتلاء معارفه.
    وقد أحسن صاحب الموضوع: بالتعويل عليه في هذا المقام، وذلك لما حواه هذا التفسير من بواعث وجوه التأمل في كلام الله، وامْتِشاق المعاني المبتكرة من حروف الكلمات في أوجز عبارة، وألطف إشارة.
    نسأل الله أن يجعلنا: ممن قرأوا القرآن فاستظهروه، وعملوا به واستحكموه، ثم نشطوا في استملاح نَظْمِه وتدبُّر أوامره ونواهيه، والاتعاظ بقصصه وجميع ما فيه، فقادهم هذا المسلك إلى صلاح أحوالهم، وانتظام مناهج أعمالهم، حتى خَلَصُوا به إلى مرضاة ربهم، ونَعِموا بلذة أرِيج رحماته في جميع أوقاتهم.
    فإنه بكل جميل كفيل . وهو حسبنا ونعم الوكيل.
    Last edited by أبو المظفر السناري; 10-20-2010, 04:30 PM.

    رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

    Comment

    • براءة
      عضو
      • Jun 2010
      • 129

      #17
      جد كاني اول مره اسمع هالايات
      بس ليش ما كملتوا بارك الله فيكم

      Comment

      Working...