يقول أبي حامد الغزالي رحمه الله في وصف العين :
وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يُؤذيها من غبار وغيره فكانت الأشفار بمنزلة باب يُفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقتها ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا يتقص نقصا يضر بها وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقطع فيها وجعل أطرافها منخفضتين عن وسطهما قليلا لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين وجعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للوجه وشعرهما يشبه الأهداب في عدم الزيادة المشوهة.
ثم انظر إلى اللسان وما في ذلك من الحكم فجعل الشفتين سترا للفم كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال فلولاهما لتشوهت الخلقة وهما معينان على الكلام واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان وتقليب الطعام والقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه ويسهل ابتلاعه
ثم جعل الأسنان أعدادا متفرقة ولم تكن عظما واحدا فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي وجمع فيها بين النفع والجمال
ثم انظر كيف رفع الأنف في وسط الوجه فأحسن شكله وفتح منخريه وجعل فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاقه روائح مطامعه ومشاربه ليتنعم بالروائح العطرة ويجتنب الخبائث القذرة وليستنشق أيضا روح الحياة غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الأصوات ودور اللسان في الحركات والتقطيعات فيقطع الصوت في مجاري مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع طريق النطق وجعل الحنجرة مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسبب ذلك الأصوات فلم يتشابه صوتان.
كما خلق بين كل صورتين اختلافا فلم تشتبه صورتان بل يظهر بين كل صورتين فرقان حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان وذلك لسر التعارف فإن الله تعالى لما خلق آدم وحواء خالف بين صورتيهما فخلق منها خلقا جعله مخالفا لخلق أبيه وأمه ثم توالى الخلق كذلك لسر التعارف.
ثم انظر لخلق اليدين وهداهما لجلب المقاصد ودفع المضار وكيف عرض الكف وقسم الأصابع الخمس وقسم الأصابع بأنامل وجعل الأربعة في جانب والإبهام في جانب فيدور الإبهام على الجميع فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستطيعوا بدقيق الفكر وجها آخر من وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربعة في الطول وترتيبها في صف واحد لم يقدروا على ذلك ولهذا الوضع صلح القبض والإعطاء فإن بسطها كانت طبقا يضع عليه ما يريد وإن جمعها كانت آلة يضرب بها وإن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينة للانامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تضعف ويلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل لولاها وليحك بها جسمه عند الحاجة إلى ذلك .
ثم فكر في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة والصواب فالرأس مما خلق فردا كثيرا من الحواس قد حوتها رأس واحدة ولو زاد عليه شيء كان ثقلا لا يحتاج إليه فإن كان قسمين فإن تكلم أحدهما بقي الآخر معطلا لا حاجة إليه وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلة لا يحتاج إليها وإن تكلم من احدهما بخلاف ما تكلم به من الآخر لم يدر السامع مراده من ذلك وإنما الذي يأخذ به السامع هو ما كان واضحا واليدان خلقتا ازواجا ولم يكن للإنسان خير في أن يكون بيد واحدة لاختلال ما يعالجه من الأمور فإنك ترى من شلت إحدى يديه ما يكون عنده من النقص وإن يكلف بشيء لم يحكمه ولا يبلغ ما يبلغ صاحب اليدين وحكمة الرجلين ظاهرة.
ثم يقول رحمه الله :
وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المدبر رحمة من الله ورفقا بخلقه فإذا وجدت هذا كله صنعة الله تعالى من قطرة ماء فما ظنك بصنعته في ملكوت السماوات والأرض وشمسها وقمرها وكواكبها وحكمته في أقدارها وأشكالها وعدادها وأوضاعها واجتماع بعضها وافتراق بعضها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا تظن أن ذرة في السماوات والأرض وسائر عالم الله ينفك عن حكمة بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحيط بجميعها إلا الله سبحانه وتعالى ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}
وكل ذلك شواهد متظاهرة ودلائل متضافرة وآيات ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال بارئها معربة عن كمال قدرته وعجائب حكمته قائلة أما ترى تصويري وتركيبي وصفائي زمنا واختلاف حالي وكثرة فوائدي أيظن ذو لب سليم وعقل رصين أني تكونت بنفسي أو أبدعني أحد من جنسي بل ذلك صنع القادر القهار العزيز الجبار
من كتاب أسرار الحكمة في مخلوقات الله
وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يُؤذيها من غبار وغيره فكانت الأشفار بمنزلة باب يُفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقتها ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا يتقص نقصا يضر بها وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقطع فيها وجعل أطرافها منخفضتين عن وسطهما قليلا لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين وجعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للوجه وشعرهما يشبه الأهداب في عدم الزيادة المشوهة.
ثم انظر إلى اللسان وما في ذلك من الحكم فجعل الشفتين سترا للفم كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال فلولاهما لتشوهت الخلقة وهما معينان على الكلام واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان وتقليب الطعام والقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه ويسهل ابتلاعه
ثم جعل الأسنان أعدادا متفرقة ولم تكن عظما واحدا فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي وجمع فيها بين النفع والجمال
ثم انظر كيف رفع الأنف في وسط الوجه فأحسن شكله وفتح منخريه وجعل فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاقه روائح مطامعه ومشاربه ليتنعم بالروائح العطرة ويجتنب الخبائث القذرة وليستنشق أيضا روح الحياة غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الأصوات ودور اللسان في الحركات والتقطيعات فيقطع الصوت في مجاري مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع طريق النطق وجعل الحنجرة مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسبب ذلك الأصوات فلم يتشابه صوتان.
كما خلق بين كل صورتين اختلافا فلم تشتبه صورتان بل يظهر بين كل صورتين فرقان حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان وذلك لسر التعارف فإن الله تعالى لما خلق آدم وحواء خالف بين صورتيهما فخلق منها خلقا جعله مخالفا لخلق أبيه وأمه ثم توالى الخلق كذلك لسر التعارف.
ثم انظر لخلق اليدين وهداهما لجلب المقاصد ودفع المضار وكيف عرض الكف وقسم الأصابع الخمس وقسم الأصابع بأنامل وجعل الأربعة في جانب والإبهام في جانب فيدور الإبهام على الجميع فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستطيعوا بدقيق الفكر وجها آخر من وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربعة في الطول وترتيبها في صف واحد لم يقدروا على ذلك ولهذا الوضع صلح القبض والإعطاء فإن بسطها كانت طبقا يضع عليه ما يريد وإن جمعها كانت آلة يضرب بها وإن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينة للانامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تضعف ويلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل لولاها وليحك بها جسمه عند الحاجة إلى ذلك .
ثم فكر في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة والصواب فالرأس مما خلق فردا كثيرا من الحواس قد حوتها رأس واحدة ولو زاد عليه شيء كان ثقلا لا يحتاج إليه فإن كان قسمين فإن تكلم أحدهما بقي الآخر معطلا لا حاجة إليه وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلة لا يحتاج إليها وإن تكلم من احدهما بخلاف ما تكلم به من الآخر لم يدر السامع مراده من ذلك وإنما الذي يأخذ به السامع هو ما كان واضحا واليدان خلقتا ازواجا ولم يكن للإنسان خير في أن يكون بيد واحدة لاختلال ما يعالجه من الأمور فإنك ترى من شلت إحدى يديه ما يكون عنده من النقص وإن يكلف بشيء لم يحكمه ولا يبلغ ما يبلغ صاحب اليدين وحكمة الرجلين ظاهرة.
ثم يقول رحمه الله :
وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المدبر رحمة من الله ورفقا بخلقه فإذا وجدت هذا كله صنعة الله تعالى من قطرة ماء فما ظنك بصنعته في ملكوت السماوات والأرض وشمسها وقمرها وكواكبها وحكمته في أقدارها وأشكالها وعدادها وأوضاعها واجتماع بعضها وافتراق بعضها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا تظن أن ذرة في السماوات والأرض وسائر عالم الله ينفك عن حكمة بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحيط بجميعها إلا الله سبحانه وتعالى ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}
وكل ذلك شواهد متظاهرة ودلائل متضافرة وآيات ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال بارئها معربة عن كمال قدرته وعجائب حكمته قائلة أما ترى تصويري وتركيبي وصفائي زمنا واختلاف حالي وكثرة فوائدي أيظن ذو لب سليم وعقل رصين أني تكونت بنفسي أو أبدعني أحد من جنسي بل ذلك صنع القادر القهار العزيز الجبار
من كتاب أسرار الحكمة في مخلوقات الله
Comment