علاقة الدارونية بالإنسانية (أو علاقة الضرورة بالحرية)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • عساف
    عضو
    • Feb 2010
    • 727

    #1

    علاقة الدارونية بالإنسانية (أو علاقة الضرورة بالحرية)

    منقول

    بقلم: سليمان الصيخان <<صحيفة الرياض>>
    قبل أيام كنت أستمع لحوار بين صديقين أحدهما متحمس جدا للنظرية الدارونية، ورغم كونه ليس متخصصا في المجال البيلوجي ومنهجياته وشروطه - كما هو أيضا حال المحاور الآخر والحاضرين - إلا أنه هذا لم يكن عائقا دون حماسه منقطع النظير لتلك النظرية!
    ليس موقفه هذا محل نقدي، فهو على كل حال قارئ ويتمتع بسعة الإطلاع على خارطة الأفكار الغربية (الأنوارية تحديدا) وإن كانت حاسته النقدية تتوارى كثيرا حال قراءته في الفكر الانواري،
    إنما محل نقدي –وبدرجة أكبر استفهامي- هو أن ذات الصديق متحمسا بدرجة أكبر أيضا لمقولة "الكرامة الإنسانية" وكون الإنسان كريما بمجرد الميلاد، صديقي يقول"الإنسان" هو مركز كل شيء..فالدين والدولة والقانون والأخلاق من أجله!
    لا أعرف لماذا لم أتجادل معه في جمعه بين النقيضتين،ها هي الفرصة تسنح لمحاولة كشف هذا اللبس – حسب فهمي المتواضع- :
    النظرية الدارونية في التطور والنشوء تقوم على "مقولة الحتمية"..بمعنى خضوع الكائن المتطور لقانون الضرورة ولا يملك هذا الكائن تحديد خياراته وأولوياته في المجال الطبيعي والإنساني (المادي والأخلاقي).. نتحدث هنا عن الدارونية كفكرة أو لنقل بتعبير دلتاي (رؤية للعالم) أي الطريقة التي نفهم بها العالم.
    عندما تحدث مؤرخ الأفكار الألماني رونالد سترومبرج في كتابه(تاريخ الفكر الأوروبي) عن أجواء ما قبل دارون صور تلك المرحلة ببراعة أفادنا فيها أن الدارونية كانت لابد أن تولد آنذاك، فكانت عباراته – حسبما أتذكر- ( وبدأ كل شيء في ذلك العصر وكأنه يتآمر لميلاد الدارونية)..لقد ساق سترومبرج مقولة التطورية الاجتماعية لسبنسر وساق الجدل الفكري الهائل آنذاك، بدا الأمر وكأن "روح العصر"-بتعبير الألمان- كانت تؤمن "بالصراع" كعلاقة وحيدة لتفسير التأريخ..الطبيعي والانساني! .. سقط الفارق بين الإنسان والطبيعة، والكل خاضع للضرورة!
    ما لفت نظري في سترومبرج أثناء شرحه لسطوة الصراع (= روح العصر) آنذاك هو عدم ذكره لجذر تلك الروح!
    لم يشرح لنا سترومبرج أثناء حديثه عن دارون كيف تخلَقت"روح العصر" تلك !؟ لكنني وجدت أنه ذكر لنا ذلك بمكان آخر من كتابه، ذكره حين كلامه عن الدور الضخم الذي خلقه هيجل في الفلسفة من بعده، فديالكتيك هيجل"=الجدل التناقضي" (هو من أسس للدارونية) هكذا قال سترومبرج متحدثا عن هيجل،ورغم أنه أشار لها إشارة مقتضبة جدا إلا انه كان – في نظري- دقيقا في إشارته في ذلك السياق، فالمنظور الجدلي يعني خضوع الحياة الطبيعية والإنسانية لنظام ضروري يقتضي خضوعنا للقوة ولا شيء غير القوة.


    فيما بعد جاء الألماني ماركس -الذي كان أول حياته هيجيليا- وطرح تفسير "الصراع" الطبقي كتفسير للتاريخ! ثم دارون حين طرح تفسير التطور وصراع الأنواع، لتفسير التاريخ كله (الطبيعي والانساني كما فعل هيجل).. فلا مكان للأخلاق ولا لحرية الإنسان وكرامته!
    حينما نؤمن بالدارونية-بغض النظر عن التأويلات الدينية المعاصرة التي تحاول درء التعارض بين ظواهر "النص" الديني وبين النظرية- حينما نؤمن بالنظرية فكيف نبرر إيماننا بالإنسان من حيث كرامته ومن حيث حريته!؟
    كرامة الإنسان ستتعرض للانزياح ليحل محلها منظور القوة والسيطرة، وهذا ما جعل الكثير من مؤرخي الأفكار يفسرون انتكاس البشرية في الحربين العالميتين وبروز العنصريات العرقية والقوميات بسيطرة المنظور الصراعي الانتقائي الارتقائي(الدارونية).
    أما حرية الإنسان فسوف تتلاشي تماما لتعارضها مع قانون الضرورة الطبيعي الذي تفرضه الدارونية!
    قارئ التأريخ الفلسفي الحديث يعرف الحل الذي لجأ إليه كانط ليجمع بين دفاع عن العقلانية ضد هجوم الشكوكية التجريبية(=هيوم) الذي أستهدف إسقاط العقل النظري، كان حل كانط قائما على التفريق بين عالمين:
    عالم الضرورة (الطبيعة) وخضوعه للسببية ، وعالم الأخلاق(الإنسان) وخضوعه للحرية، فلا معنى للأخلاق ولا للتشريعات حينما يكون الإنسان خاضعا للضرورة والسببية، وليس لحر يته وخياراته.
    كانط جعل الحرية من عالم "الشيء في ذاته" الذي لا يخضع للعقل، باعتبار العقل مركبا فقط لمعرفة الظواهر، إنما المهم أن "الحرية" لا تخضع للعقل النظري لدى كانط (وبالتالي لا تخضع للضرورة)، أما هيجل فرفض نظرية أستاذه كانط في "الشيء ذاته" وجعل كل شيء خاضعاً للعقل، وقال (كل ما هو موجود فهو معقول، وكل ما هو معقول فهو موجود) لهذا تجشم تفسير التاريخ كله بقانون واحد بدون تفريق بين التاريخ الطبيعي والتاريخ الإنساني، ألا وهو قانون الجدل التناقضي!
    الغريب أن هيجل أكثر التصاقا بالمسيحية من كانط..لكن منظور كانط ُيفسِح مكانة كبرى للدين أكثر مما يفعله هيجل!
    بل الأغرب أن شوبنهور"الملحد" يؤمن بما سماه أستاذه كانط (الشيء في ذاته)..بل أنه يتقدم-هنا- خطوة أكثر من كانط ويقول (إن الشيء في ذاته يمكن معرفته من خلال العمل والممارسة =الإرادة)! فهذا منظور ديني إلى حد كبير..خلافا للفيلسوف المسيحي هيجل!
    الى هنا أرجو أني أوضحت وجه التضاد بين "الرؤيتين للعالم" ) الداروينية) و(الإنسانية)..كما افهمه ، أو كما أنا مستشكل!
    يبقى سؤال:
    كيف جمع الأنواريون بين ثورتهم على الدين وبين نمو النزعة الإنسانية والقول بكرامته وحقه بالحرية والكرامة بمجرد مولده-كما يعبر روسو- ؟
    من وجهة نظري يمكن الاستعانة بالرأي الذي يقول إن الأنواريون لم يثوروا على الدين إلا ظاهرا، أما الأسس فبقيت فترة طويلة تتمسك بالمسيحية، فلو أخذنا فولتير كنموذج شهير بصراعه ضد رجال الكنيسة نجد أن جاك دريدا يرى أن فولتير في عمقه مسيحي كاثوليكي محافظ ( كتاب"الدين في عالمنا" –عمل مشترك)، -وإذا جاز لي الاستطراد للتوضيح- فأنا لا أعرف كيف يمكن تفسير كرامة الإنسان نظريا إلا بمقولة دينية..لأن التكريم فعل واقع على الإنسان، ووقوعه يقتضي أن ثمة موقِعا، هذا المُوقِع-بالنسبة للمؤمن- هو خالق الإنسان..(في القرآن الأمر واضح :"ولقد كرمنا بني آدم")، إنما لدى غير المؤمنين سيكون تفسير الكرامة الإنسانية صعبا، ولهذا بدأ من المنطقي جدا تماثل الإنسان بغيره من المخلوقات المنتمية إلى عالم الضرورة –كما هو مقتضى الدارونية-،النسق الدراوني يستمد جذوره من محاولة إحلال العلم كبديل عن الدين، فتحول العلم إلى أيدلوجيا تجيب عن سؤال الأخلاق والكرامة، لكنها فشلت إذ لا جذور لمقولات العلم في قضايا الأخلاق.
    لا أريد الانزلاق إلى مسألة أصل الأخلاق وفكرة إرتباطها العضوي بالدين، إنْ من جهة الوجود وإنْ من جهة الإلزام والدافع والاستعداد، فتلك مسألة أخرى –رغم ارتباطها القوي بمسألتنا هنا-،ولا حتى حديثنا عما تعنية مقولة الإنسانية وجذورها-المسيحية- في المنظور الحداثي. التفكير هنا فقط حول "افتراضي" بوجود التناقض بين المقولتين:الدارونية والإنسانية="الضرورة والحرية".
    Last edited by عساف; 10-14-2010, 09:58 AM.
    اذا كنت على مفترق طرق،
    فاستفت قلبك،
    وإن افتوك
  • مُستفيد
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 2315

    #2
    حمدا لله على عودتك أخي الحبيب...عذرا على مداخلتي الخارجة عن الموضوع...
    التعقيد في الفلسفة عقيدة - يُحرَّمُ الإقتراب منها بالتبسيط أو فك الطلاسم
    والتبسيط في الفلسفة خطيئة - بها يتكشَّف المعنى السخيف -لبداهَتِه أو لبلاهَتِه- المُتخفي وراء بهرج التعقيد وغموض التركيب..

    مقالاتي حول المذاهب والفلسفات المعاصرة

    Comment

    • عساف
      عضو
      • Feb 2010
      • 727

      #3
      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة CACTUS مشاهدة المشاركة
      حمدا لله على عودتك أخي الحبيب...عذرا على مداخلتي الخارجة عن الموضوع...
      اهلا بك اخي cactus سعيد بمرورك وبعودتي لهذا الصرح المبارك#
      اذا كنت على مفترق طرق،
      فاستفت قلبك،
      وإن افتوك

      Comment

      • حنيفا على الفطرة
        عضو
        • Jul 2010
        • 70

        #4
        مشكور الأخ عساف فعلا الأخلاق و الدروينية متضدان لا يلتقيان

        Comment

        • سعادة
          عضو
          • Sep 2010
          • 112

          #5
          شكرا لك اخي
          ماكان الرفق في شيئ الا زانه وماانتزع من شيئ الا شانه

          Comment

          • ياسين اليحياوي
            • Jul 2007
            • 1806

            #6
            ما أروع أن يستفتح المرء صباحه بقراءة مثل هذه المقالات

            جزاك الله خيرا أخي عساف وجزى الله الأستاذ سليمان على مقاله الرائع، وكُنت أتمنى أن يتعمق الكاتب في تحليل الظاهر أكثر، لكنها طبيعة المقالات الصحفية التي تقتضي التركيز والإيجاز

            وطبعا خُلاصة هذا المقال القيم
            لا كرامة ولا حرية للإنسان في المنظومة الداروينية
            وهو كلام صائب 100 في المئة، ولا يوجد أي دليل للاعتراض عليه من وجه نظر إلحادي مادية
            ويكفي القول: أن الإنسان مُجبر لا حُرية له إذا لم يكن هناك إلى البُعد المادي
            وبالتالي فما معنى القول بالكرامة والأخلاق وهي التي تتبع للحرية والاختيار

            وإني صراحة أستغرب كما استغرب كاتب المقال، كيف لمذهب إنساني أن يظهر وينتشر وهو الذي يتعتمد في مرجعيته على المرجعية المادية
            قمة التناقض والعبث
            يقول رئيس التشيك فاكيلاف هافل Vلclav Havel: "حينما أعلنت الهيومانية humanism أنها حاكم العالم الأعلى، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بُعده الإنساني"، وفي نفس الصدد يقول نيكولاي برديائيف Nikolai Berdyaev: "إن القول بمذهب إنساني ملحد ضرب من التناقض، لأنه إذا انتفى وجود الله انتفى بالتالي وجود الإنسان"

            فهل المُنظرون للإلحاد غاب عنهم هذا الأمر، أم لعلها فطرة الإنسان يظهر شعاعها الخافت في أشد الأيام ظلمة وحلكة
            إنه الإلحاد حقا الذي لم يكتف بزيادة حلكة الليل، بل غطى حتى اليوم والنهار بأجنحته المظلمة، ومع ذلك يظهر الإيمان والفطرة حتى في أشد المذاهب الإلحادية تطرفا، ليُعلن عن تناقضها مع الإنسان ومع الكون

            المذهب الهيوماني ومقولة الإنسان حر، وللإنسان كرامة، كلهما مقولات تُثبت وتؤكد أن الإنسان ابن الأرض نزل من السماء، وأنه ليس مُفصلا على الطراز الدارويني

            Comment

            • عساف
              عضو
              • Feb 2010
              • 727

              #7
              الحمد لله الذي هدانا للاسلام وارشدنا إلى الطريق الحق . وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد بن عبد الله الذي أدى الامانه ونصح الأمه وأخرجها بأذن ربه من الظلمات والجهل للنور والعلم .
              فمن يدري لربما كنا في ضياع اشد من ضياع الدارونيين وجهل اشد من جهلهم لولا رحمة الله بنا وارساله فينا رسولا يتلو علينا ايات الله تعالى ويعلمنا الكتاب والحكمة . فله الحمد أولا وأخيراً وله الثناء الحسن .
              Last edited by عساف; 10-17-2010, 10:41 AM.
              اذا كنت على مفترق طرق،
              فاستفت قلبك،
              وإن افتوك

              Comment

              • يحيى
                عضو
                • Oct 2007
                • 1280

                #8
                عودا حميدا اخي عساف
                التطوريون عندهم تقية مثل الشيعة
                هم يخفون الحقيقة التي يؤمنون بها 'الحيوانية" و "الجبرية"
                فيقولون في الظاهر خلاف معتقدهم
                أو يؤولون تأويلات تخرج من دائرة الحدود
                التي يفرضها التفكير التطوري

                و لا نتعجب من هذا
                فذه هي حالة أهل السفسطة و من ينكرون البديهيات
                و أصل البديهيات: الله الخالق المدبر العليم الحكيم
                الفلسفة الإنسانية أو علمنة الفلسفة و العلم وراء الكارثة الحديثة التي تسبب اللاوعي و الإحباط كنتيجة للصراع بين المتناقضات, فعلى سبيل المثال لا الحصر, تصور الحياة على أنها عبثية -أو نتيجة عملية عبثية- من جهة, و من جهة ثانية إبعاد صفة العبث عن هذا التصور و عن أي محاولة فلسفية فكرية متتالية في إثبات هذا التصور!!

                Comment

                • مسلم ابن مسلم
                  عضو
                  • Sep 2010
                  • 38

                  #9
                  الملاحده كذابين والدليل على ذلك

                  لو يقولون بالحورية والدين

                  اذن ليس من حق اي احد محاسبتي لو قتلت احد

                  ولو اغتصبت بنت لا يحق لهم محاسبتي

                  مدام انها حريه واني افعل مايحلو لي

                  وكل ماسؤلت لما فعلت ذلك اقول لان اصلي قرد !! ؟؟

                  لو كانوا صادقين الملاحده فليتركوا المجاهدين لانها حريه

                  متناقضين هاؤلاء القرده

                  Comment

                  Working...