أيها الأحباب الكرام,
استوقفتني الفقرة التالية من كتاب "دستور الأخلاق في القرآن" فأحببت أن أشرككم فيها للتأمل والمذاكرة:
قال الشيخ العلامة محمد عبد الله دراز رحمه الله وهو يناقش تصور كانط للإلزام الأخلاقي:
عندما أسال نفسي، وقد استسلمت لأنواري الفطرية قبل أن أخوض عملًا ما ,لكي أعرف
واجبي، في موقف يتسم بالوضوح نسبيًّا, فإن إشارة ضميري لن يكون لها في نظري قيمة القاعدة الأخلاقية إلا إذا اعتقدت
أنها تعبر عن الحقيقة الأخلاقية في ذاتها، لا عن حقيقة نسبية بالنظر إلى مشاعري. وكل جهودي في التأمل تهدف إلى
مطالعة هذه الحقيقة التي أعتقد أنها مطبوعة في أعماقي، وفي جوهر كل كائن عاقل.
فإذا ما قيل لنا: إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا، بوصفنا أعضاء في عالم عقلي، وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال
الذي خص به العقل.
ماذا تعني في الواقع هذه القولة: "العقل يمنح نفسه قانونه"؟ هل يبدع العقل القانون؟ أم أنه يتلقاه معدًّا، على أنه جزء من
كيانه؛ كيما يفرضه على الإرادة؟
ذلك لأنه إذا كان العقل مبدع القانون فإنه سوف يصبح السيد المطلق، فيبقي عليه أو يبطله، تبعًا لمشيئته، فإذا لم يستطع
ذلك فلأنه قانون سبق في وضعه وجود العقل، وأن صانع العقل قد طبعه فيه، كفكرة فطرية, لا يمكن الفكاك منها.
وحينئذ يكون معنى أن يستنصح المرء عقله: أنه يقرأ في كتاب فطرته النقية، والإنسانية بصفة نوعية -ما سبق أن فطرها
الله عليه.
وبعبارة أخرى:
عندما يرجع أشد الناس إلحادًا إلى سلطة العقل فإنه لا يفعل في الواقع سوى الإنصات إلى ذلكم الصوت
الإلهي، الذي يتكلم في داخل كل منا، دون أن يذكر اسمه، وهو ينطق به صراحة عندما يتحدث إلى المؤمن.
ولكن، إذا كان النوران: الفطري والموحى -ينبثقان من مصدر واحد فحسب، فيجب أن نخرج أخيرًا بأن الله سبحانه هو
الذي يرشدنا دائمًا إلى واجبنا، ما ظهر منه وما بطن.
أرحب بتعليقاتكم ومشاركاتكم.
هشام بن الزبير
Comment