بسم الله الرحمن الرحيم
أنواع التقدير
التقدير الأزلي
أنواع التقدير
التقدير الأزلي
الحمد لله الذي خلق الإنس والجن لعبادته ، فكلفهم أن يوحدوه ويعبدوه ، ويقدسوه ويحمدوه ، ويشكروه ولا يكفروه ، ويطيعوه ولا يعصوه ، فالعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، ولا إله إلا الله ، إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين ، الذي لا فوز إلا في طاعته ، ولا عز إلا في عبوديته ، ولا غنى إلا بالافتقار إلى رحمته ، ولا هدى إلا في التمسك بهدايته ، ولا حياة إلا في حبه وطاعته ، ولا نعيم إلا في قربه وجنته ولا صلاح للقلب إلا بإخلاص نيته ، إله عظيم كريم عزيز رحيم ، إذا أطعته أثاب وشكر ، وإذا عصيته تاب وغفر .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، كلمة قامت بها السماوات والأرض ، ومن أجلها أوجد الحق سبحانه جميع الخلق ، وبها أرسل الله تعالى رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وشرع لهم شرائعه ، ولأجلها نصبت الموازين ، ووضعت الدواوين ، وبقيت الجنة والنار أبد الآبدين ، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار ، والأبرار والفجار ، فهي منشأ الخلق والأمر ، والثواب والعقاب ، وهي الحق الذي من أجله كان العرض والحساب ، وعليها نصبت القبلة ، وعليها أسست الملة ، ولأجلها جردت سيوف الجهاد ، وهي حق الله على جميع العباد ، فهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام ، يسأل الله عنها الأولين والآخرين ، ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله إلي الناس كافة ليوقروه ويطيعوه ، وينصروه ويتبعوه ، فأمرهم على لسانه بكل بر وإحسان ، وزجرهم على لسانه عن كل إثم وعدوان ، أمرهم بالمعاونة على البر والتقوى ، ونهاهم عن المعاونة على الإثم والطغيان ، وحثهم على الاقتداء والاتباع ، وحذرهم من الاختلاف والابتداع ، أمر العباد بكل خير واجب محبوب ، وبكل مستحب أو مندوب ، سبحانه وتعالى غنى عن طاعتهم ، غير مفتقر إلى عبادتهم ، لكنه رتب مصالح الدارين على طاعته ، وجعل سعادة العباد في ترك معصيته ، فأنزل الكتب بالأمر والزجر والوعد والوعيد ، ولو شاء الله بدون ذلك لفعله بقدرته ، ولكنه يفعل ما يشاء بحكمته ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وما ربك بظلام للعبيد ، فصلى الله علي سيدنا محمد ، وعلى آله الطاهرين ، وسائر أصحابه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد . .
فحديثنا اليوم عن معتقد السلف الصالح في أنواع التقدير التي نظم الله عز وجل الكون من خلالها ، وكيف رتبها من تقدير عام يشمل المخلوقات بأسرها ، إلى تقدير خاص يتعلق بآحاد المخلوقات وأفرادها ، فأنواع التقدير عند السلف خمسة أنواع: تقدير أزلي وتقدير ميثاقي ، وتقدير عمري ، وتقدير حولي أو سنوي ، وتقدير يومي ، والمقصود بأنواع التقدير تنظيم أمور الكون من خلال مجموعة من التقديرات تتعلق بجميع المخلوقات أو بعضها ، عمومها وخصوصها ، فهناك تقدير أزلي عام مدون في اللوح المحفوظ ، وشامل لكل أمر سيحدث لجميع المخلوقات بلا استثناء ، وقد قضاه الله وقدره في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، ومن أنواع التقدير أيضا التقدير الميثاقي وهو تقدير خاص بالإنسانية جمعاء ، قدر الله فيه أهل النعيم والشقاء ، وكان ذلك وقت أخذ الميثاق على آدم وذريته ، وإشهادهم وهم في عالم الذر أن يوحدوا الله في ربوبيته ، فعندها حدد الفريقين وميز النوعين وخلق بعضهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وخلق بعضهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ، وهذا التقدير أخص من الأول وداخل فيه ، وهذان التقديران أعنى الأزلي والميثاقي ، لا يقبلان المحو والتبديل ، ولا يخضعان للإضافة والتغيير ، ولا يطلع عليهما ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولا يُعلم عنهما شيئا إلا بعد حدوثهما ، ووقوع ما قدره الله فيهما .
أما التقدير الثالث فهو أخص من التقدير الثاني ، ويسمى بالتقدير العمري ، ويشمل مجموعة الأوامر التي يُكَلف بكتابتها الملك الموكل بالنطفة في الرحم ، مما يخص عمر كل إنسان ، ورزقه وشقي هو أم سعيد ، والتقدير الرابع يسمى بالتقدير السنوي ، وهو أخص من الثالث ، ويشمل مجموعة الأوامر السنوية التي تصدر من الله لملائكته في ليلة القدر مما يخص حياة الناس وموتهم ، وتصنيف أرزاقهم على قدر أعمالهم ، كل ذلك علي مدار عام كامل ، وهناك نوع خامس من أنواع التقدير يسمى بالتقدير اليومي ، وهو أخص من الرابع ويشمل مجموعة الأوامر اليومية التي تصدر في شأن الناس وحياتهم لحظة بلحظة .
وهذه التقديرات الثلاثة أعنى التقدير العمري والسنوي واليومي ، تقبل المحو والإثبات والتغيير ، وتتولاها الملائكة المكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولكنهم لا يعلمون إن كان ما صدر لهم من أوامر وأحكام يتطابق مع ما كتب في اللوح من تقدير أزلي أو يتطابق مع ما صدر من أحكام في التقدير الميثاقي أم لا ، فهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يطلعون علي ما دونه الله في أم الكتاب .
هذه أنواع التقدير عند السلف سوف نتناول شرحها بالتفصيل ، وبيان الاعتقاد فيها بالدليل ، ونبدأ اليوم بإذن الله تعالى بشرع النوع الأول من التقدير وهو التقدير الأزلي ، وقبل أن نبدأ هناك سؤال ، لماذا هذا التنوع في أنواع التقدير لماذا جعل الله عز وجل تقديرا أزليا وتقدير ميثاقيا ، وتقدير عمريا ، وتقدير حوليا أو سنويا ، وتقدير يوميا ؟ ألا يكفي التقدير المدون في اللوح المحفوظ ؟
والجواب أن الله عز وجل حكيم في صنعه ، والحكمة صفته ، ومقتضي الحكمة أن تقع الصنعة على وجه الكمال والإتقان ، والإبداع التام الذي يبهر العقلاء ويحير الأذهان ، كما نبه سبحانه على ذلك في القرآن فقال تعالى: (صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُل شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل:88) ، فالصناعة تتطلب الخبرة والحكمة ، لا سيما المشروعات العملاقة الضخمة ، ولله المثل الأعلى ، بناء أي مشروع يتطلب تقديرا عاما شاملا كاملا ، لا يدع صغيرة أو كبيرة إلا بين فيها الأمر بيانا مفصلا ، ثم بعد ذلك وعند التنفيذ والتكوين ، يقسم التقدير المكتوب في العموم والجملة والمجموع ، إلى تقديرات في الخصوص تتعلق بكل جزء من أجزاء المشروع ، وكل جزء من أجزاء المشروعات العملاقة يقسم أيضا إلى أجزاء أخص وأخص ، وكل جزء له من التقدير ما يخصه حسب الزمان والمكان الذي يتم فيه الإنشاء والبنيان ، فقد تتغير أحكام الزمان والمكان بتغير أحوالها ، فمكان يقتضي أن يكون العمل فيه بالنهار لأن الطقس مثلا مشمس حار ، ومكان يتطلب التأخير بعض الشيء لهطول الأمطار ، وهكذا تتفاعل منظومة العمل في إتمام المشروع ثم إعداد تقرير عن كل موضوع بحيث إذا رفع كل تقرير إلى الإدارة العليا يتوافق مع التقدير العام بمنتهى الإتقان والتوافق التام ، لا خلل في الأمور صغيرها وكبيرها ، علامة الجودة خاتم موضوع على المصنوعات وأجزائها ، هكذا يكون الكمال في الصنعة ، وهكذا تكون الأعمال عن الحكمة والخبرة ، ولا أحد ينكر ذلك بين العقلاء ، فالله عز وجل له المثل الأعلى في السماء: (وَهُوَ الذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَليْهِ وَلهُ المَثَلُ الأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الروم:27) فالعزيز هو الذي تعزز بقدرته وغناه فلا يفتقر إلى أحد سواه والحكيم هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده بكمال القدرة ، وبالغ الخبرة ، ومنتهى الحكمة ، فإذا كان هذا شأن المشروعات العملاقة الضخمة ، فهل بعد مشروع الكون مشروع ، وهل بعد بناء الخلق لتوحيد الحق موضوع ؟
من أجل ذلك كان التنوع في أنواع التقدير فجعل الله عز وجل تقديرا أزليا عاما شاملا وتقدير ميثاقيا يتناول الإنسانية تناولا كاملا ، وتقدير عمريا يخص حياة كل إنسان علي حدة ، وتقدير حوليا يخص سنة واحدة ، وتقديرا يوميا لمتابعة التنفيذ في مشرع الخلق لحظة بلحظة ، وكلمة كلمة ، إلى أن ينتهي العالم كما كتبه الله في اللوح المحفوظ ولذلك تنوعت الأقلام ، وتعدد تدوين الأحكام ، فمن ذلك القلم الأول الذي جف بما هو كائن إلى يوم القيامة ، روى الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن سُرَاقَة بْنَ مَالكٍ قَال: يَا رَسُول اللهِ بَيِّنْ لنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلقْنَا الآنَ فِيمَا العَمَلُ اليَوْمَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ قَال لا بَل فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ قَال فَفِيمَ العَمَلُ ؟ قَال: (فَقَال اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لعَمَلهِ) .
روى الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث 2516 ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: (كُنْتُ خَلفَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَوْمًا فَقَال يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلمُكَ كَلمَاتٍ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَاعْلمْ أَنَّ الأُمَّةَ لوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لكَ وَلوِ اجْتَمَعُوا عَلى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَليْكَ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) .
وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة فدل ذلك على أن للمقادير أقلاما غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ ، يقول ابن أبي العز الحنفي في شرحه عقيدة الطحاوي:
(والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة: القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح ، والقلم الثاني: خبر خلق آدم وهو قلم عام أيضا لكن لبني آدم ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق أبيهم - وهو يشير إلي التقدير الميثاقي الذي سنتحدث عنه بإذن الله في محاضرة مستقلة - ، والقلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة ، والقلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم كما ورد ذلك في الكتاب والسنة) كما قال نبينا المصطفي صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: (رُفِعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حتى يَشِبَّ وَعَنِ المَعْتُوهِ حتى يَعْقِل ، وفي رواية رُفِعَ القَلمُ عَنْ الغُلامِ حتى يَحْتَلمَ) ، وهو حديث صحيح رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني .
Comment