حالة من شبه العصيان المدني تشهدها إحدى دول شمال إفريقية التي كانت قيادتها العلمانية المتطرفة تتغنى بتجربتها الفاشلة التي ضارعت تجربة أتاتورك البوليسية في قهر المسلمين على انتهاج العلمانية ، ومن صور نقلتها بعض المواقع تستوقف الناظر صورة متظاهر يحمل رغيفا من الخبز "الفينو" كما نسميه في مصر ، وهو المعد لعمل الشطائر ، ويلوح به في إشارة إلى تردي الأحوال المعيشية لا سيما في مسألة التوظيف فالبطالة قد تفشت في ذلك البلد ، حتى وصلت نسبة التوظيف لخريجي الجامعات إلى 16 % فقط ، إن لم تخني الذاكرة ، وهي معلومة قرأتها في أحد التقارير التي رصدت تلك التجربة العلمانية المتطرفة ، فتفشت البطالة في ذلك القطر مع غناه بالثروات وقلة عدد سكانه نسبيا بالمقارنة مع بقية دول الشمال ما عدا ليبيا ، وأرجع بعض المتابعين السبب ، كالعادة إلى تسلط الأسرة المالكة ! ، مع أنها جمهورية أو هكذا تزعم ، فقرينة الرئيس وأسرتها قد صيروا البلد ضيعة خاصة حتى صار ذلك مما يتندر به المواطنون ، فقد أزكمت رائحة الفساد الأنوف ، وإدخال النساء في شئون الحكم ، كالعادة ، نذير خراب للممالك ، ومما أثر عن داهية بني العباس أبي جعفر المنصور ، الخبير بشئون السياسة والملك ، أنه أوصى ابنه المهدي بألا يدخل النساء في هذا الأمر ، فأبى سلاطين زماننا إلا إقحامهن إقحاما وكثير من سفاهات الحكام يلمح الناظر فيها بصمات السيدة الأولى ! .
والأخطر من ذلك أن الدولة تتغنى بما حققته من مكاسب فكرية ، فرئيس الدولة يحرص على نعت الحجاب بالزي الطائفي ، وسلفه المخرف الهالك هو الذي حظر الحجاب ونعته في الدستور بهذا النعت الباطل ، ووزير أوقافه ، الموكل كحال كثير من وزراء الأوقاف في بلادنا بوقف المد الإسلامي وتحجيمه ، يدافع عن وزارته ضد استجواب تقدمت به نائبة في البرلمان عن تأذي المواطنين بأصوات الأذان فيقول بأنه على اتصال بوزارة البيئة لمكافحة التلوث السمعي ! في تسجيل عرض على شبكة المعلومات على صفحات مفكرة الإسلام من أيام ، وهو كرئيسه ، فالناس على دين ملوكهم ، ينعت الحجاب بنفس النعت فليس من الإسلام في شيء ، فليت الأمر اقتصر على حرب النقاب كما هي الحال عندنا في مصر ، فضلا عن التضييق على الحجاج بمتابعتهم أمنيا في المشاعر ! ، وقد وصل الأمر إلى إلغاء الحج العام الماضي خوفا من فيروس إنفلونزا الخنازير ، ودعا الرئيس شعبه المبتلى به ! إلى ادخار أمواله وعدم إنفاقها في السياحة الدينية ، فالسياحة الداخلية أولى بها ! ، وصور الفساد قد انتشرت بشكل غير مسبوق ، مع قبضة أمنية حديدية تبطش بكل توجه إسلامي ، حتى صارت حيازة الكتب الإسلامية جريمة ، فصاحبها عضو في حركات متطرفة ، مع رقابة صارمة على شبكة المعلومات فيها من التسلط على العقول ما فيها ، وهي تعنى فقط بالمواقع الإسلامية فلا شأن لها بالمواقع الإباحية ! ، وقد فر كثير من شباب ذلك البلد من المتدينين إلى بلاد الجوار ، وقابلت بعضهم عندنا قبل أن يتم القبض عليهم ، بلا أي جريرة ، وترحيلهم بموجب اتفاقيات التعاون الأمني التي لا ينفذ غيرها تقريبا ! ، وكالعادة لم يجد الرئيس إلا التغني بحالة الاستقرار التي يشهدها القطر ، فلا بد من الحفاظ عليها من القوى التي تكيد للوطن فتثير الفتن ! ، مع أنها كمعظم حالات الاستقرار في بلادنا : حالة استقرار إجبارية برسم القهر البوليسي ، فأعداد أفراد الشرطة هناك قد بلغت أعدادها في دول تفوقها في عدد السكان الكلي بستة أضعاف ، وكأن الدولة بأكملها قد صارت شرطة علنية أو سرية مندسة بين جموع الشعب لضمان الاستقرار والأمن ، للنظام طبعا ! .
وهو في برجه العاجي لا يدري ما يعانيه المواطنون وأبرز ما يعانون منه وإن غفلوا عنه في ظل نداء الحاجة المادية ، هو حاجتهم المعنوية الدينية التي قصروا كمعظم المسلمين في استيفائها ، فسكتوا ، كما سكتنا ، عن صنوف الفساد الديني والأخلاقي ، ولم يطيقوا صبرا لما طال العسف دنياهم فخرجوا يلوحون بأرغفة الخبز ، وذلك يشبه إلى حد كبير ثورة شعبية مشهورة وقعت عندنا في مصر في عام 77 استخف بها الرئيس فسماها "انتفاضة الحرامية" ! ، أو اللصوص ، فثار المواطنون لارتفاع ثمن رغيف الخبز وبلوغ سعر الكيلوجرام من اللحم : جنيه واحد ، وهو الآن على مشارف الستين ! ، مع أنهم لم يثوروا لما صادر قرار الأمة بأكملها ووقع على اتفاقية كامب ديفيد المشئومة التي نعاني الآن من آثارها السلبية ، بل تلمس كثير منا العذر له ولا زال ، والتقصير لا يختص به وحده من بين قادة المنطقة فهذه حقيقة أولى ، ولكنه المقصر الأول فهذه حقيقة ثانية ، فهو الذي سن سنة الاتفاقيات الثنائية برسم السلام الدائم ، وهي سنة سيئة تابعه عليها من تابع ، فعليه وزرها ووزر من سار عليها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، فكانت ثورة ، أيضا ، لمطالب الجسد وإن خربت الروح بل وماتت .
ومثلها عقوبات أخرى في دول كان أهلها يتندرون على من يقوم الليل فأقامهم الرب ، جل وعلا ، في البرد القارص من أجل جالون من الكيروسين يستدفئون به ، في أزمة وقود ، فــ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
لا يمكن النظر في الأمر بعين الشرع فقط ، دون عين القدر ، فإن استقامة أمور الدنيا مطلب رئيس لصفاء الذهن حتى يتفرغ لتحصيل أمور الدين ، وقد كان الخلفاء الأوائل يعتنون بذلك أيما عناية ، فعثمان ، رضي الله عنه ، يسأل الناس عن ثمن البقرة ، وهو على المنبر يوم الجمعة قبل أن يخطب ، وهو يعلم أن البقرة ليست مرادة لذاتها ! ، فلم يخلق الناس لشرائها والتمتع بلحومها وألبانها وإنما هي وسيلة من وسائل المعاش ، وعمر ، رضي الله عنه ، يسأل في المواسم عن الأسعار ويجمع الناس على الطعام ليحسب كم يكفي الواحد من العطاء الذي يفرضه لكل مسلم ليسد جوعته ، وإن جاع هو ، وأخباره في ذلك مشهورة معلومة ، وفي طبقات ابن سعد رحمه الله :
كان عمر يصوم الدهر قال فكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحروا يوما من الأيام جزورا فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها فأتي به فإذا فدر ، (وهو القطعة كما في "لسان العرب") ، من سنام ومن كبد فقال أنى هذا قال يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم قال بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها ارفع هذه الجفنة هات لنا غير هذا الطعام قال فأتي بخبز وزيت قال فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز ثم قال ويحك يا يرفأ احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام وأحسبهم مقفرين فضعها بين أيديهم .
فخص الناس بطيب الجزور ، ثم خصهم بطعامه من الخبز والزيت وإن طوى جائعا ، فليس في تصوره إلا رعيته التي سيسأل عنها ، وعمر هو عمر وكفى ! .
وعمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، يصل بالفقر إلى نسبة صفر % في سابقة تؤكد علو كعب الإسلام على بقية الأنظمة الحادثة ....... إلخ .
ولكن مع ذلك لا بد من النظر بعين الشرع فإن ما يحدث هو عقوبة نزلت بشتى الأمصار تقريبا ، فليس معيار النجاح كما كان يقال في تلك البلاد : عدد مستخدمي الهاتف المحمول وعدد من يمتلكون أجهزة حاسب آلي وعدد من يتعاملون مع شبكة المعلومات وإنما معياره عدد من يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، فلذلك أنزل المال ، فهو وسيلة لا غاية ، والإمامة في دين الإسلام ليست لسياسة الناس بالجور فيتنعم الحاكم ويشقى المحكوم ، حتى أثر عن بعض الرؤساء المعاصرين والعهدة على الراوي الذي كتب عنه أنه كان يتناول إفطارا من فطائر بالتفاح يستورد دقيقها له خصيصا من سويسرا وكان كلبه يتناول معه وجبة من لحم البوفتيك ! والشعب آنذاك لا يجد رغيف الخبز ! وهكذا فليكن التلاحم بين القيادة والشعب فهي تحس بكل آلامه ! ، فليست الإمامة لذلك أو لإطعامهم كالبهائم فطالما وجد العلف فالجميع راض مطمئن فإذا شح ثار الناس وانتفضوا ! ، وإنما الإمامة منصب ديني تقام به الأديان وتساس به الدنيا فلا صلاح لها إلا بصلاح الدين الذي فسد في كثير من أمصار المسلمين .
والله أعلى وأعلم .
نور القلوب وطِب القلوب مُحَمَّد
..
Comment