عصيان مدني ! [ثورة تونس]

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • د. هشام عزمي
    باحث علمي
    • Dec 2003
    • 7007

    #1

    عصيان مدني ! [ثورة تونس]

    عصيان مدني !
    بقلم الأخ مهاجر


    حالة من شبه العصيان المدني تشهدها إحدى دول شمال إفريقية التي كانت قيادتها العلمانية المتطرفة تتغنى بتجربتها الفاشلة التي ضارعت تجربة أتاتورك البوليسية في قهر المسلمين على انتهاج العلمانية ، ومن صور نقلتها بعض المواقع تستوقف الناظر صورة متظاهر يحمل رغيفا من الخبز "الفينو" كما نسميه في مصر ، وهو المعد لعمل الشطائر ، ويلوح به في إشارة إلى تردي الأحوال المعيشية لا سيما في مسألة التوظيف فالبطالة قد تفشت في ذلك البلد ، حتى وصلت نسبة التوظيف لخريجي الجامعات إلى 16 % فقط ، إن لم تخني الذاكرة ، وهي معلومة قرأتها في أحد التقارير التي رصدت تلك التجربة العلمانية المتطرفة ، فتفشت البطالة في ذلك القطر مع غناه بالثروات وقلة عدد سكانه نسبيا بالمقارنة مع بقية دول الشمال ما عدا ليبيا ، وأرجع بعض المتابعين السبب ، كالعادة إلى تسلط الأسرة المالكة ! ، مع أنها جمهورية أو هكذا تزعم ، فقرينة الرئيس وأسرتها قد صيروا البلد ضيعة خاصة حتى صار ذلك مما يتندر به المواطنون ، فقد أزكمت رائحة الفساد الأنوف ، وإدخال النساء في شئون الحكم ، كالعادة ، نذير خراب للممالك ، ومما أثر عن داهية بني العباس أبي جعفر المنصور ، الخبير بشئون السياسة والملك ، أنه أوصى ابنه المهدي بألا يدخل النساء في هذا الأمر ، فأبى سلاطين زماننا إلا إقحامهن إقحاما وكثير من سفاهات الحكام يلمح الناظر فيها بصمات السيدة الأولى ! .
    والأخطر من ذلك أن الدولة تتغنى بما حققته من مكاسب فكرية ، فرئيس الدولة يحرص على نعت الحجاب بالزي الطائفي ، وسلفه المخرف الهالك هو الذي حظر الحجاب ونعته في الدستور بهذا النعت الباطل ، ووزير أوقافه ، الموكل كحال كثير من وزراء الأوقاف في بلادنا بوقف المد الإسلامي وتحجيمه ، يدافع عن وزارته ضد استجواب تقدمت به نائبة في البرلمان عن تأذي المواطنين بأصوات الأذان فيقول بأنه على اتصال بوزارة البيئة لمكافحة التلوث السمعي ! في تسجيل عرض على شبكة المعلومات على صفحات مفكرة الإسلام من أيام ، وهو كرئيسه ، فالناس على دين ملوكهم ، ينعت الحجاب بنفس النعت فليس من الإسلام في شيء ، فليت الأمر اقتصر على حرب النقاب كما هي الحال عندنا في مصر ، فضلا عن التضييق على الحجاج بمتابعتهم أمنيا في المشاعر ! ، وقد وصل الأمر إلى إلغاء الحج العام الماضي خوفا من فيروس إنفلونزا الخنازير ، ودعا الرئيس شعبه المبتلى به ! إلى ادخار أمواله وعدم إنفاقها في السياحة الدينية ، فالسياحة الداخلية أولى بها ! ، وصور الفساد قد انتشرت بشكل غير مسبوق ، مع قبضة أمنية حديدية تبطش بكل توجه إسلامي ، حتى صارت حيازة الكتب الإسلامية جريمة ، فصاحبها عضو في حركات متطرفة ، مع رقابة صارمة على شبكة المعلومات فيها من التسلط على العقول ما فيها ، وهي تعنى فقط بالمواقع الإسلامية فلا شأن لها بالمواقع الإباحية ! ، وقد فر كثير من شباب ذلك البلد من المتدينين إلى بلاد الجوار ، وقابلت بعضهم عندنا قبل أن يتم القبض عليهم ، بلا أي جريرة ، وترحيلهم بموجب اتفاقيات التعاون الأمني التي لا ينفذ غيرها تقريبا ! ، وكالعادة لم يجد الرئيس إلا التغني بحالة الاستقرار التي يشهدها القطر ، فلا بد من الحفاظ عليها من القوى التي تكيد للوطن فتثير الفتن ! ، مع أنها كمعظم حالات الاستقرار في بلادنا : حالة استقرار إجبارية برسم القهر البوليسي ، فأعداد أفراد الشرطة هناك قد بلغت أعدادها في دول تفوقها في عدد السكان الكلي بستة أضعاف ، وكأن الدولة بأكملها قد صارت شرطة علنية أو سرية مندسة بين جموع الشعب لضمان الاستقرار والأمن ، للنظام طبعا ! .

    وهو في برجه العاجي لا يدري ما يعانيه المواطنون وأبرز ما يعانون منه وإن غفلوا عنه في ظل نداء الحاجة المادية ، هو حاجتهم المعنوية الدينية التي قصروا كمعظم المسلمين في استيفائها ، فسكتوا ، كما سكتنا ، عن صنوف الفساد الديني والأخلاقي ، ولم يطيقوا صبرا لما طال العسف دنياهم فخرجوا يلوحون بأرغفة الخبز ، وذلك يشبه إلى حد كبير ثورة شعبية مشهورة وقعت عندنا في مصر في عام 77 استخف بها الرئيس فسماها "انتفاضة الحرامية" ! ، أو اللصوص ، فثار المواطنون لارتفاع ثمن رغيف الخبز وبلوغ سعر الكيلوجرام من اللحم : جنيه واحد ، وهو الآن على مشارف الستين ! ، مع أنهم لم يثوروا لما صادر قرار الأمة بأكملها ووقع على اتفاقية كامب ديفيد المشئومة التي نعاني الآن من آثارها السلبية ، بل تلمس كثير منا العذر له ولا زال ، والتقصير لا يختص به وحده من بين قادة المنطقة فهذه حقيقة أولى ، ولكنه المقصر الأول فهذه حقيقة ثانية ، فهو الذي سن سنة الاتفاقيات الثنائية برسم السلام الدائم ، وهي سنة سيئة تابعه عليها من تابع ، فعليه وزرها ووزر من سار عليها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، فكانت ثورة ، أيضا ، لمطالب الجسد وإن خربت الروح بل وماتت .

    ومثلها عقوبات أخرى في دول كان أهلها يتندرون على من يقوم الليل فأقامهم الرب ، جل وعلا ، في البرد القارص من أجل جالون من الكيروسين يستدفئون به ، في أزمة وقود ، فــ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .

    لا يمكن النظر في الأمر بعين الشرع فقط ، دون عين القدر ، فإن استقامة أمور الدنيا مطلب رئيس لصفاء الذهن حتى يتفرغ لتحصيل أمور الدين ، وقد كان الخلفاء الأوائل يعتنون بذلك أيما عناية ، فعثمان ، رضي الله عنه ، يسأل الناس عن ثمن البقرة ، وهو على المنبر يوم الجمعة قبل أن يخطب ، وهو يعلم أن البقرة ليست مرادة لذاتها ! ، فلم يخلق الناس لشرائها والتمتع بلحومها وألبانها وإنما هي وسيلة من وسائل المعاش ، وعمر ، رضي الله عنه ، يسأل في المواسم عن الأسعار ويجمع الناس على الطعام ليحسب كم يكفي الواحد من العطاء الذي يفرضه لكل مسلم ليسد جوعته ، وإن جاع هو ، وأخباره في ذلك مشهورة معلومة ، وفي طبقات ابن سعد رحمه الله :
    كان عمر يصوم الدهر قال فكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحروا يوما من الأيام جزورا فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها فأتي به فإذا فدر ، (وهو القطعة كما في "لسان العرب") ، من سنام ومن كبد فقال أنى هذا قال يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم قال بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها ارفع هذه الجفنة هات لنا غير هذا الطعام قال فأتي بخبز وزيت قال فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز ثم قال ويحك يا يرفأ احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام وأحسبهم مقفرين فضعها بين أيديهم .
    فخص الناس بطيب الجزور ، ثم خصهم بطعامه من الخبز والزيت وإن طوى جائعا ، فليس في تصوره إلا رعيته التي سيسأل عنها ، وعمر هو عمر وكفى ! .
    وعمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، يصل بالفقر إلى نسبة صفر % في سابقة تؤكد علو كعب الإسلام على بقية الأنظمة الحادثة ....... إلخ .

    ولكن مع ذلك لا بد من النظر بعين الشرع فإن ما يحدث هو عقوبة نزلت بشتى الأمصار تقريبا ، فليس معيار النجاح كما كان يقال في تلك البلاد : عدد مستخدمي الهاتف المحمول وعدد من يمتلكون أجهزة حاسب آلي وعدد من يتعاملون مع شبكة المعلومات وإنما معياره عدد من يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، فلذلك أنزل المال ، فهو وسيلة لا غاية ، والإمامة في دين الإسلام ليست لسياسة الناس بالجور فيتنعم الحاكم ويشقى المحكوم ، حتى أثر عن بعض الرؤساء المعاصرين والعهدة على الراوي الذي كتب عنه أنه كان يتناول إفطارا من فطائر بالتفاح يستورد دقيقها له خصيصا من سويسرا وكان كلبه يتناول معه وجبة من لحم البوفتيك ! والشعب آنذاك لا يجد رغيف الخبز ! وهكذا فليكن التلاحم بين القيادة والشعب فهي تحس بكل آلامه ! ، فليست الإمامة لذلك أو لإطعامهم كالبهائم فطالما وجد العلف فالجميع راض مطمئن فإذا شح ثار الناس وانتفضوا ! ، وإنما الإمامة منصب ديني تقام به الأديان وتساس به الدنيا فلا صلاح لها إلا بصلاح الدين الذي فسد في كثير من أمصار المسلمين .
    والله أعلى وأعلم .
    إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
    [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
    قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].
  • shahid
    عضو نشيط
    • Jan 2010
    • 903

    #2
    سددك الله وجزاك خيرا .
    مقال رائع حقا اعجبني . التحية لك اخي والتحية لكاتبه ان لم تكن .
    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً -- ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ

    Comment

    • أبو حب الله
      باحث علمي
      • Aug 2010
      • 6930

      #3
      ما شاء الله ..
      كتابات الأخ مهاجر التي تنقلها أخي الحبيب د هشام : كلها في الصميم ..
      بارك الله له ولك .. وحفظني معكم وكل من نحب من كل شر ..

      Comment

      • أدناكم عِلما
        عضو
        • Oct 2009
        • 1919

        #4
        بارك الله لك وفيك
        وللاسف ( يقوم الناس لبطونهم وهذا حقُّهم ..... ولكن اذا سُبَّ الاله يبقوا نِيام ) (تاليف اللحظة فلا تلوموني حهههه )

        طالب الحق يكفيه دليل وصاحب الهوى لا يكفيه الف دليل الجاهل يتعلّم وصاحب الهوى ليس لدينا عليه سبيل
        نور القلوب وطِب القلوب مُحَمَّد
        ( اللهم متعنا بحبك ومتعنا بذكرك ومتعنا بعبادتك ومتعنا بطاعتك ومتعنا بالتذلل لك )
        معضلة داروين (لغز الأحافير الكامبرية) نظرية داروين بين العلم والخيال :
        https://www.youtube.com/watch?v=bD8rNGvxS-Q

        Comment

        • bouziane
          عضو
          • Feb 2008
          • 3

          #5
          الظلم لايدوم
          هذا الرجل ظن أنه يستطيع محاربة الله

          Comment

          • bouziane
            عضو
            • Feb 2008
            • 3

            #6
            الأحواز .. ماذا تعرف عنها ؟

            لأن القضايا لا تتجزأ، لذا فالموقف العربي يجب أن يكون موقفاً موحداً باتجاه كل القضايا العربية و منها القضية الأحوازية...

            يبلغ تعداد سكان الأحواز 8 ملايين عربي من العرب الأصليين في وطن تبلغ مساحته 372 ألف كيلو متر مربع تمتد من مضيق باب السلام أو ما يسمى هرمز إلى العراق.372

            وقضية بهذا الحجم لا يمكن للعرب أن يتناسوها وينسوها فهي قضية عربية يجب أن نمد يد العون لها لأن أرض الأحواز هي الجبهة الأمامية للتدخلات الفارسية، وسيثبت التاريخ أن الأحواز إذا تحررت ستكون السد المنيع للتدخلات الفارسية في الوطن العربي، ومن جهة ثانية إن تحرير الأحواز هو السند الرئيسي للعروبة في الخليج، "يعني" إذا تحررت الأحواز تحررت الضفة الشرقية للخليج العربي، فيكون الخليج عربياً بكل أصالته وعراقته.
            ورغم عدالة القضية الأحوازية إلا أنها مغيَّبة عنا كعرب لذا علينا إلقاء الضوء عليها لأن إثارتها ستوضح للعالم الأطماع التوسعية لإيران كما أنها ستشكل ورقة ضغط على الفرس خاصة في ظل تدخلهم في شؤوننا العربية

            Comment

            • bouziane
              عضو
              • Feb 2008
              • 3

              #7
              هذامصير عباد اليهود والنصارى فلقد تركوه بعد أن أراد الله أمرا (تونس)

              Comment

              • د. هشام عزمي
                باحث علمي
                • Dec 2003
                • 7007

                #8
                قال الأخ مهاجر :
                والت الأحداث بشكل غير متوقع وذلك تقدير الرب العليم تبارك وتعالى :
                فمن تطورات هذه النازلة التي تصاعدت بشكل مؤسف وامتدت إلى دول الجوار ولكن ليس بنفس الحدة ، وإن أريقت فيها دماء المسلمين التي هانت عليهم ، فليس ثم تدخل خارجي هذه المرة ، من تطوراتها :
                تضارب الأنباء عن حقيقة هذه الأحداث ومن يقف خلفها ، فالزعيم الهارب ! كعادته يلقي التبعة على حزب أعداء النجاح الباهر الذي حققته البلاد في عهده الزاهر ! ، فليس ثم إلا متطرفون ، وربما كانوا كالعادة إسلاميين اندسوا في صفوف الجماهير الغاضبة ، والمعارضة تقول في سيناريو يتكرر كثيرا في دول العالم الثالث ! ، بأن السلطات هي المسئولة فهي ميليشيات تابعة للنظام تمارس صورا من الإرهاب والتصفية للجماهير التي خرجت لما طفح الكيل ، وقد تواردت الأنباء عن قيام ميليشيات مسلحة بإرهاب المواطنين بالهروات والسيوف وهم ذيول النظام الذي أصبح بين عشية وضحاها : بائدا ! بعد أن كان رموز الشعب من السياسيين والفنانين ! يتوسلون إلى الهارب من شهور ليبقى في الحكم بعد 2014 فشعوب العالم الثالث لا تستطيع العيش إلا بالزعماء الخالدين ! ، وكثير من الزعماء يهون عليهم كل شيء في سبيل الاحتفاظ بالعرش ، فتهون الديانة وتهون الكرامة وتهون المصالح العليا لشعوبهم وتهون دماؤهم ........ إلخ ، وقد دبر زعماء ملهمون في السابق محاولات اغتيالات فاشلة لذواتهم المقدسة ! ، واتخذوها ذريعة للتنكيل بالمسلمين في مهزلة تاريخية معروفة إبان مد الانقلابات الجارف الذي شهدته الدول العربية بعد حرب 48 في إطار حملة التغيير للعملاء ! بعد زوال ملك بريطانيا وصعود نجم أمريكا ، وفي ساحل العاج الآن تمارس الميليشيات الحكومية نفس الدور ، ولكن علانية ، ففي سبيل احتفاظ جباجبو بالحكم ، تراق الدماء ، وأغلبها مسلمة ، على أيدي أفراد الميليشيات التابعة له ، وليس مهما أن تراق دماء شعبه ولكن المهم ، أيضا ، هو الاحتفاظ بعرشه والأمثلة كثيرة ، وقد حاول الزعيم استرضاء الشعب بخطاب وعود معسولة بتلبية مطالب الجماهير ، مع أنها ، وإن كانت دنيوية بحتة : الشغل والكرامة والحرية ، مطالب ضرورية فهي من مطالب الآدميين البدهية التي يفترض أن ينالها كل إنسان دون حاجة إلى إشعال ثورة وإنشاب قتال في الشوارع لا سيما في دول تزعم أنها دول مؤسسات وديمقراطية ......... إلخ من الشعارات الزائفة ، مع التحفظ على شرعيتها ، ولكنهم ، لم يفلحوا حتى في تطبيق النموذج الغربي مع ما فيه من قصور ظاهر ، فعدلوا عن الفاضل إلى مفضول ليس فيه فضل لنا ، فنحن في غنى عن العلمانية وإن افنقرت إليها أوروبا ، ومع ذلك فشلوا في تحقيقه ! .

                وزعم أنه أصدر الأمر إلى قواته بعدم إطلاق النار إلا في الضرورة القصوى ، مع أن الأنباء قد ترددت بأنه قد عزل رئيس أركان الجيش لأنه رفض في موقف يحسب له أن يطلق النار على العزل ، فاكتفى الجيش بحراسة المرافق الرئيسة ، ولقي ذلك ترحيبا من المواطنين بعدما لقوه من قوات الشرطة ، فلجئوا إلى وحدات الجيش فرارا من بطش الشرطة المعهود في الدول البوليسية المتخلفة ، فهم سياج النظام الذي تنفق عليه الملايين وتجند له مئات الآلاف من البشر الظاهرين والسريين ، وكادت تقع مواجهة بين الجيش والشرطة ، بعدما استفزت تصرفات عناصر الشرطة الهمجية قوات الجيش ، فكان تدخل الجيش ، على غير العادة في دول العالم الثالث رحمة ! ، فهو أمر ذو دلالات :

                فهو دليل على فشل النظام في السيطرة على الأمر فنزول الجيش آخر ما عنده لحفظ الأمن أو حتى حل إشكال مدني كإدارة المخابز كما قد وقع عندنا في مصر في أزمة شهداء رغيف العيش من سنتين أو يزيد ! ، فهو مئنة من فشل مؤسسات الدولة المدنية فاضطرت آسفة إلى الاستعانة بالمؤسسة العسكرية .
                وهو ، أيضا ، مما يفسر تأخير هذا القرار إلى النهاية دائما ففي دول العدل يكون تدخل الجيش آخر خيار لحفظ الأمن حقا ، كما قد وقع زمن عثمان ، رضي الله عنه ، فإنه رفض إلى اللحظات الأخيرة أن تزاحم الجيوش أهل المدينة ، ولو كان ذلك للدفاع عنه بوصفه الرئيس الشرعي المنتخب للدولة ، فحمايته فرض على المؤسسات التي بايعته بيعة حقيقية ! ، ومنها المؤسسة العسكرية ، ومع ذلك تأخر القرار إلى اللحظة الأخيرة ، بل وتأخر قدوم جيش الشام حتى استشهد الخليفة رضي الله عنه ، وأما في دول الجور فالأمر على العكس ، فالحاكم المستبد يسعى دائما إلى عزل الجيش عن الحياة المدنية ، ولو كان هو يوما أحد أفراده ، فأغلب هذه الحكومات حكومات عسكرية مستبدة لا تعرف إلا القهر والاستبداد ، ولكنه مع ذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، يخشى أن يحس الجيش بنبض الشارع فيتعاطف معه فينقلب عليه ! ، أو على الأقل يكون ذلك ذريعة إلى تدخل الجيش في الشأن العام ، وعدم تدخله هو الأصل الصحيح ، فوظيفته في دول العدل : حماية الأمة فقط فلا بد أن يتفرغ للعمل العسكري فلا يتدخل في الشأن السياسي ، بل تدخله مما أفسد الدول قديما وحديثا ، وتدخل قادة الأتراك الذين اصطنعهم المعتصم العباسي في الحياة السياسية في دور الخلافة العباسية الثاني خير شاهد على الفوضى التي يحدثها تدخل الجيش في الحياة العامة مع ما أثر عن قادته من حب للزعامة وقسوة في القلب تهون معها إراقة الدماء ، فيحصل الصراع على السلطة حتى بين قادة الجيش ، وقد وصل الأمر في خلافة بني العباس إلى السيطرة على منصب رئيس الدولة نفسه : تولية وعزلا فصار الخليفة رئيسا دينيا لا سلطان له فله سلطة روحية دون السلطة الزمانية في وضع يشبه إلى حد كبير وضع العلمانية في فصلها بين الدين والدولة ، أو هو وضع يشبه وضع الملكيات الأوروبية كإنجلترا فليس للملكة إلا السلطان الديني بوصفها راعية الكنيسة الإنجليكانية وحتى هذا المنصب يغلب عليه الطابع الشرفي فليس لها شيء تقريبا ، ولكن البديل في إنجلترا حكمومة مدنية بخلاف ما كانت الحال عليه في الدور الثاني من أدوار خلافة بني العباس ، فقد كان البديل عسكريا لا فقه له في إدارة شئون الحياة العامة ، بل وفي إدارة شأنه الخاص ! ، وهو ما دعاهم في مرحلة تالية إلى الاستغاثة بالخلافة التي قيدوها ! ، لتختار لهم قائدا قوي الشكيمة يخضعون له فيحسم مادة الصراع بينهم ، فاختير لهم ولي العهد الموفق العباسي ، ولكن في دول الجور قد يكون تدخل الجيش نوع مصلحة ، كما حدث في النازلة الأخيرة ، وإن لم يخل من مفسدة ، وقد تزيد المفسدة بتدخله كما وقع في آخر خلافة بني عثمان من تدخل الإنكشارية في شئون الحكم فصاروا سيفا مسلطا على الدولة بعد أن كانوا سيفها المشهر لفتح الأرض برسم الشرع فكانوا أفضل مقاتلي زمانهم ثم انقلبوا وبالا على الخلافة ، وجاءت بعدهم الجمعيات السرية التي تغلغلت في الجيش ، ونجحت في القضاء على الخلافة برسم الزعامة الأتاتوركية ، وهي ، كالعادة ، زعامة عسكرية غاشمة سامت الموحدين سوء العذاب ، وقل مثل ذلك في انقلاب 52 في مصر ، ولكل تجربة ظروفها التي تحتف بها ، ولكن الأصل فساد الشأن العام بتدخل العسكر . والزعيم الهارب نفسه جنرال سابق ! فهو منهم وإن خلعوه بعد أن طفح الكيل .

                وقد بدا الزعيم مسكينا ، وهو يتوسل إلى شعبه الذي نفد صبره ، فلن يجدد الشعب له البيعة الإجبارية عام 2014 ! ، ولن يكمم الأفواه ....... إلخ من الوعود فلسان حاله : ذروني في الحكم وسوف ألبي لكم كل ما تطلبون ، بل وسأزيدكم إن استطعت ! . فقد علم مطالب الشعب أخيرا بعد 23 عاما من دولة الجور وغيره لم يعلم حتى الآن ! ، وأبى الشعب تصديق الأكاذيب وكان ما كان .

                ومع اقتراب عدد القتلى من المسلمين من 70 بدأت التدخلات الدولية حتى من فرنسا الحليف التقليدي ، وهو شيطان أخرس سكت عن سنوات من القهر للمسلمين ، لا يسكت عنها الفرنسيون يوما واحدا فسكت عنها المسلمون سنين ولا زالوا ، ثم رفض ساركوزي استقباله بعد أن انتهى دوره كأي ديكتاتور سابق مع أنه كان صديقه الأول في شمال إفريقية ! ، ومرة أخرى تخرج العلمانية لسانها سخرية من المسلمين لا من الإسلام ، وتحذر أتباعها في خلط متعمد من الإسلام ، فأولئك مسلمون ، فالإسلام ليس الحل ! ، مع أن الإسلام مغيب في بلادهم ، فإنما يصح زعمها لو كان الإسلام يقر بتلك المهازل ، أو كان من يتولى الحكم على أقل تقدير يتولاه برسم الإسلام ولو دعوى ، بل هو يتولاه برسم العلمانية التي نقلها عنهم فتوجه الذم إلى العلمانية هو المتعين .

                وأغلب الظن ، والله أعلم ، أن الخلع قد جاء من الجيش بعد إقالة رئيس الأركان ، فقرر الجيش خلع جنراله السابق .

                والبلاد تشهد حالة فوضى يسهل فيها تحقيق مكاسب مادية ودعائية كبيرة لتلميع أي زعيم جديد ، والله ، جل وعلا ، رحيم بإخواننا ، يحفظهم ويحقن دماءهم ويسدد آراءهم لاختيار ما يصلح دينهم ودنياهم ، في هذه الفتنة العامة التي لم تكن على الحسبان : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
                والله أعلى وأعلم .
                إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
                [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
                قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].

                Comment

                • عياض
                  باحث في الفلسفة
                  • Jul 2009
                  • 1842

                  #9
                  وهو شيطان أخرس سكت عن سنوات من القهر للمسلمين
                  كلا بل هو شيطان ناطق..ففي الأزمة كانت فرنسا تصرح بلا مواربة بأنها على استعداد لتزويد تونس بالعناصر الاستخباراتية و الأمنية لقمع الثورة...و لكن بعد ان رأته قد انهزم لفظته و انضمت الى المنتصر...في هذا سياساتهم ثابتة وواضحة من تتبع المصالح التي تهمهم...
                  السيد المهاجر له نظرة حقوقية و تاريخية نافذة قلة تشتمل عليها...لا أخفيك شيخنا الكريم كم سيفرحني لو علمت انه مشتغل بمشروع علمي لتطوير النماذج المعاصرة للبناء الحقوقي السياسي الاسلامي...في هذه الأزمات اكثر من غيرها تبدو الحاجة الى سنين عمل النملة في الصيف لأيام الشتاء..

                  " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

                  Comment

                  • د. هشام عزمي
                    باحث علمي
                    • Dec 2003
                    • 7007

                    #10
                    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عياض مشاهدة المشاركة
                    السيد المهاجر له نظرة حقوقية و تاريخية نافذة قلة تشتمل عليها...لا أخفيك شيخنا الكريم كم سيفرحني لو علمت انه مشتغل بمشروع علمي لتطوير النماذج المعاصرة للبناء الحقوقي السياسي الاسلامي...في هذه الأزمات اكثر من غيرها تبدو الحاجة الى سنين عمل النملة في الصيف لأيام الشتاء..
                    أنا موش شيخ يا مولانا ..!!
                    أما أخونا مهاجر فيكتب هذه المقالات على هامش مقالاته الطويلة في اللغة والتفسير والرقائق في منتدى الجامع ..

                    ولا أدري إن كان يعمل على مشروع علمي لتطوير النماذج المعاصرة للبناء الحقوقي السياسي الاسلامي (اسم المشروع مهيب فعلاً) ..
                    والله تعالى أعلم .
                    إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
                    [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
                    قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].

                    Comment

                    • أبو المظفر السناري
                      محاور
                      • May 2010
                      • 386

                      #11
                      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. هشام عزمي مشاهدة المشاركة
                      أنا موش شيخ يا مولانا ..!!
                      عدِّيها بَقَى يا عم الحَجّ! وكِفَاياك معاتبة للراجل كل مرة؟

                      رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

                      Comment

                      • حسام الدين حامد
                        محاور
                        • Nov 2004
                        • 1868

                        #12
                        يعجبني إصرارك على موقفك أخي عياض ..
                        " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
                        صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

                        Comment

                        • عياض
                          باحث في الفلسفة
                          • Jul 2009
                          • 1842

                          #13
                          يعديها ازاي يا شيخ ابا المظفر..توك بصمت عليها انها غلطة؟؟
                          أما بالنسبة للهيبة يا شيخنا الكريم..فيكفي لتقدير هيبته النقص و الحاجة الملحة ..و انظر الى الأحوال المقدرة التي نعيشها...التساؤل الذي يطرح امام الناس: اين هي برامجكم و نماذجكم التطبيقية؟؟ و يكفي ايضا لبيان ما اقصده و الحاجة الى امثال الأخ المهاجر ممن هضموا القديم و الجديد ما حققناه في المجال الاقتصادي بالمقارنة مع المجال الحقوقي الاسلامي المتوقف منذ ايام جيل عبد القادر عودة...هذا التطوير الاقتصادي للنماذج ادى بالناس مسلمين و مبتدعين و منافقين و كفارا الى المطالبة به و وضعه في اجندة العمل و فرض نفسه بنفسه...و لو صرفت نفس الجهود في المجال الحقوقي السياسي علم الله ما كان سيسد هذا من ثغرات لا تسدها الاف البنادق..هذا دون الحديث عن المجال الاجتماعي و المجال الفني و غيرها...و لمثل هذا ما زال الناس يقولون حي على العمل...لمثل هذه الساعات..

                          " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

                          Comment

                          • عياض
                            باحث في الفلسفة
                            • Jul 2009
                            • 1842

                            #14
                            يا سيدي الدكتور الاصرار ضروري لتطبيق العدالة..و هذا الشيخ قد اوغل في جريمة الاطلاع و التفنن و العمل الصامت...فاستحق العقوبة ...و ان عاد عدنا !..

                            " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

                            Comment

                            • حسام الدين حامد
                              محاور
                              • Nov 2004
                              • 1868

                              #15
                              نعم ..
                              الشيخ هشام كما ذكرت .. لو كانت لوحة الوجوه التعبيرية متاحة عندي لأريتك وجهًا أكيد أنت تتوقعه يا دكترة ..
                              " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
                              صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

                              Comment

                              Working...