ومما صار الآن يجري مجرى التندر ، وإن كان سابقا يجري مجرى التحسر على الاستخفاف بعقول الشباب فتلك نظرة الطغاة للقوة الفاعلة في بناء الأمم بإذن الرب جل وعلا :
فكل ملك خلا من العدل ملك آيل للسقوط ، وإن ظهر للعيان أنه قوي متماسك بما يبديه من أبهة الملك الزائف وما يقبض به على النفوس من سلطان الظلم القاهر ، فيأتيه الرب ، جل وعلا ، من حيث لا يحتسب ، ويكون سقوطه بسبب لا يخطر على باله ، كما قد وقع أخيرا ، فقد جاءت الضربة القدرية بسواعد فتية ، فمن كان يسخر منه بالأمس قد أطاح به اليوم ، فكان ذلك من تمام العقوبة ، فألمها في النفس أشد بأن وقعت ممن لم يأبه به الطغاة ، وكان ذلك من كمال القدرة بتسليط السبب الضعيف في قوته فلا يملك سيفا ودرعا على الملك العظيم في صورته فيملك العدد والعدة ويفتقر إلى العقل والحكمة فضلا عن الورع والديانة فلا دين يزجره ولا مروءة تحجزه عن سفك الدم الحرام ، وكان ذلك أيضا من : عظيم الحكمة ، فقد أبان الرب ، جل وعلا ، في هذه النازلة عن صور من الحكمة الإلهية بتدافع السنن الكونية مدافعة بين الحق والباطل ، والسنن الشرعية مصابرة للظالم الغاشم ، فكان فيها من الخير العظيم ما يبشر ، وكان فيها من العبر ما ينذر كل ظالم فملكه لا محالة زائل ، ويحذر كل ثائر فلن تكتمل الفرحة إلا بحصول دولة العدل الكاملة ، ولن يكون ذلك إلا باتباع الرسالة الخاتمة ، والتاريخ عموما وتاريخ هذه الأمة خصوصا على ذلك خير شاهد فلم يكن ثم عدل ورخاء إلا باتباع الوحي وإن بعد العهد بالنبوة وخلافة عمر بن عبد العزيز الراشدة ، مع تأخر زمانها ، صورة باهرة من العدل الذي تاقت إليه النفوس ، فلن تجده إلا في النبوة ، فهي معدن العلم والعمل ، وبها يصح التصور والحكم ، فتستقيم أمور الأديان والممالك ، ويأمن الناس على أحكام الديانة فهي السبب الرئيس في حفظ العالم وبقائه ، ويأمنون مع ذلك على أعراض الدنيا من حاجات البدن الظاهر فتأتي تبعا فهي من جملة بركات اتباع الوحي وتأويل الشرع برسم التصديق والامتثال .
فذهب الجزء الأول وبقي الجزء الأصعب وهو استغلال هذه الفرصة الحقيقية التي يسر الرب جل وعلا حصولها على يد الشباب ، فكانت الجماهير هي القوة الفاعلة ، بإذن الرب ، جل وعلا ، فلم يكن دورها كما كان في انقلاب يوليو 52 ، مجرد الهتاف والتصفيق ، فلم يكن لها من الرؤية الشرعية أو حتى السياسية ما يجعلها تفقه سر هذه الحركة التي لم يكن لرجالها فيها إلا التنفيذ لمخطط تم الاتفاق عليه في منزل السفير الأمريكي في القاهرة ! ، وأما في هذه الثورة فقد كانت لها وجهة نظر صحيحة ، وإن لم تكن على رسم الكمال ، فالبعد الشرعي لا زال إجمالا : غائبا ، وإن كان البعد الإنساني فيها حاضرا أيما حضور ، وفيه من الشرع مسحة ظاهرة ومن المروءة صور باهرة ، فصور التكافل بين الجموع التي احتشدت : في المطعم والمشرب والدواء ....... إلخ ، في ظروف قاسية : برودة الشتاء ، ومتابعة رجال العصابة الهالكة سواء من الأمن أو المخابرات فضلا عن الهجوم التتري بالجمال والخيل ، وعناد الطاغية حتى آخر لحظة على نحو لم تتوقعه حتى المخابرات الأمريكية التي كانت بما قدر الرب ، جل وعلا ، لها من نفوذ كوني ، على علم بمجريات الأحداث تباعا ...... إلخ ، فمع كل ذلك ظهر من صور التكافل بين هذه الجموع ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما يدل على أصالة المعدن ، والمعدن الأصيل إذا ورد عليه الوحي المزكي للنفوس زاده نقاء ولمعانا ، فحسن باطنه فهو نقي زكي ، وحسن ظاهره فهو لامع ناصع ، فهذه فرصة حقيقية لإحداث تغيير حقيقي ، ولن يكون إلا بالتدريج ، فتلك سنة الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، في الكون ، فما فقد في ثلاثة عقود أو يزيد من المقومات الدينية والدنيوية لن يسترد في يوم أو ليلة ، فالفرحة العابرة لن تستمر طويلا لأن الواقع لما يتغير بعد ، فلا زالت أمور كثيرة بحاجة إلى معالجة ، فمنها :
ما هو قريب المدى كالمطالب السياسية والأمنية التي يمكن إنفاذها ، بقدر الرب جل وعلا ، بجرة قلم من المجلس العسكري كإلغاء قانون الطوارئ الجائر ليأمن الناس في بيوتهم من زوار الفجر ! ، ذلك المصطلح البغيض الذي رافق دولة يوليو 52 وإفرازاتها الكريهة فهو مصطلح دارج في قاموس كل أنظمة القمع والجور ، وإلغاء جهاز مباحث أمن الدولة ، وهو ، أيضا ، من مبتكرات انقلاب يوليو 52 وكل ابتكاراتها تقريبا بوليسية ! ، واستبدال فرع يؤدي وظيفته بشكل أكثر آدمية به ، والعفو عن المعتقلين السياسيين الذين امتلأت بهم سجون النظام البائد ..... إلخ ، فذلك مما يحسن التنويه به عاجلا :
ومنها مظالم عاجلة لا تحتمل التأجيل أيضا ، كمظالم العمال الذين أضربوا في بعض الشركات ، فهي أيضا ، مما يحسن رده برسم التوبة برد المظالم ودفع الحقوق إلى أصحابها .
ومنها ما سيستغرق ، بمقتضى سنة التدرج الكونية زمانا ، بل شهورا وسنين ، كالرجوع الحقيقي إلى الرب ، جل وعلا ، فذلك مما لا يكون بداهة في يوم وليلة إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، حدوث انقلاب مفاجئ لم تجر به العادة الكونية المطردة وهي التي تؤخذ الاعتبار في أي مشروع فكري أو مادي طويل المدى ، وكاستعادة الثقة المفقودة بين الدولة والرعية ، لا سيما الأجهزة الأمنية التي نوه بعض الفضلاء في مؤتمر لهم بضرورة إصلاحها إنسانيا قبل الاهتمام بتجهيزها ماديا لتصير أداة قمع وإرهاب يقبض بها النظام على زمام الأمور برسم الظلم والقهر ، فلا بد من عقد دورات تدريبية لأولئك ليتعلموا كيف يكون التعامل مع البشر ! ، وكإعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة : من صحة وتعليم وزراعة ...... إلخ ، فكلها أمور لو فكر الإنسان في عظم قدرها وصعوبة تحقيقها إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، فيمد الجميع : قادة ورعية بمادة الإخلاص والإرادة ، لو فكر فيها لذهل عن الاحتفال ، إلا إذا أردنا استنساخ انقلاب يوليو 52 مرة أخرى لا قدر الله ، جل وعلا ، فاكتفينا بالهتاف وإطلاق الألعاب النارية .
وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، عبور حقيقي يشبه عبور 73 ، وإن كان هذه المرة معنويا ، فقد عبر أولئك الشباب حاجز الخوف وساتر الإرهاب الذي أقعد معظمنا حتى فقد كثير منا الأمل وصار يتعامل مع الأمر الواقع برسم الصبر ، ومنا من أصابه اليأس فغادر البلاد أو انزوى ، فقد صارت ، كما يقول لي بعض القرابة في الخارج : بلادهم لا بلادنا ! ، فلا يحسن التفريط في هذا العبور كما فرط السفهاء في عبور 73 فباعوه بثمن بخس في كامب ديفيد .
فعبرت تلك القلوب الباسلة لشباب صغير في السن قوي في الإرادة مؤثر في الفعل عبرت برسم القدرة الربانية النافذة لإزاحة الطاغية الذي سلط عليه الملك ، جل وعلا ، جند الشبيبة الفاعلة وأعمى بصره وبصيرته فكانت إدارته للأزمة فاشلة فاستخف بها ابتداء ثم جاءته الضربة القاصمة في زمن قياسي بالنظر إلى فارق القوة والسلطان ، وهي آية كونية باهرة تستدعي التدبر والنظر فلا ينقضي العجب منها إلى الآن ، وكأن الأمر رؤيا منام ، لما كان عليه النظام السابق من جمود وعسف فقد معه كثيرا منا الأمل في تغييره أو حتى تحريك مياهه الراكدة ، فإذا سنة الرب ، جل وعلا ، تنجز ما عجز عنه البشر ! .
وأولئك شباب أبى النظام السابق إلا تشويه صورتهم بنبزهم بألقاب الخيانة والعمالة وتنفيذ أجندات خارجية ..... إلخ ، فلم يجد ، أيضا ، إلا تهم ضباط يوليو 52 لخصومهم ، فخيانة ورجعية ..... إلخ ، وهم ، إجمالا ، وأذنابهم كالنظام السابق : أكبر خونة في الدين والدنيا معا ، وهم الرجعيون حقا الذين أرجعوا البلاد إلى الوراء ففقدت مصر في عهودهم البائسة ريادتها في العالم الإسلامي والعالم العربي .
والسنة الكونية تقتضي منا ، والله أعلم ، عدم الإسراف في الأحلام ، لأن التغير لا يكون فجأة ، كما تقدم ، ففي سبيل إقامة دولة النبوة المنشودة ، لا يمكن اختصار المراحل ، فالفرحة بالحرية قد أنست معظمنا الرؤية الشرعية الواجبة ، فلا تسمع الآن إلا أطروحات الديمقراطية والمدنية ..... إلخ حتى من بعض التيارات الإسلامية ، وهي التي جارت تلك الديمقراطية على حقها ، كما نوه بذلك بعض الفضلاء المعاصرين ، فالديمقراطية تقضي بأن يرشح أي إنسان نفسه لمنصب الرياسة ، فلماذا يحجر على التيار الإسلامي فقط دون غيره ؟! ، فيتعهد بعدم الترشح ، وكل قد بدأ يعد العدة صراحة أو تلميحا للترشح كالدكتور أحمد زويل القادم من أمريكا وأمين عام الجامعة العربية الوزير السابق : عمرو موسى والدكتور البرادعي القادم من فيينا ، والمخاوف لدى الغرب لا تكون إلا من الحركات الإسلامية فقط ، ولو لم يكن تصورها للإسلام كاملا من كل وجه ، فيكفي أنها ترفع راية الإسلام إجمالا ، فأمريكا تتخوف من صعود نجم التيار الإسلامي وإن كانت تبدي موافقة حذرة على التفاوض معه وإشراكه في الحياة السياسية في مصر وكأنها صاحبة الشأن لا أهل مصر فتلك من جنس وصاية المحتل على مستعمراته ! وهو ما عودها عليه النظام السابق ! ، وكيان يهود يخشى من تركيا أو حماس جديدة بجواره .
فالأمر الآن يتطلب بذل الجهد لتحقيق أكبر قدر ممكن من مراقبة الرب المنعم ، جل وعلا ، الذي أنعم بتلك القوة وأنجد بتلك الثورة ، بتحري شرعه وتطبيقه في الأفراد والجماعة ما أمكن ، فلن يكون الصعود قفزة واحدة ، وما لا يدرك كله لا يترك كله ، ولا يمكن بمقتضى الشرع والطبع حمل النفس أو الغير على الحق جملة فما ذهب جملة يذهب جملة لسرعة نفور النفوس من أي تغيير مفاجئ يخالف ما اعتادته وألفته من العوائد ولو لم يكن هو الحق ، بل ولو كانت تعلم أنه باطل ، فمفارقة مقتضى الطبع أمر عسير لا ينال إلا بالتدريج بمشيئة الرب القدير جل وعلا .
والتخويف من الإسلام كان وقة رابحة من ورقات رأس النظام السابق إلى آخر لحظة ، فابن إليعازر ، وزير الحرب الصهيوني السابق ، يخاطبه في الهاتف في مكالمة لعلها تكون مكالمة وداع ، والصداقة بينهما وثيقة ! ، يخاطبه لمدة تزيد على 20 دقيقة فيبدي الطاغية الراحل أسفه الشديد على تخلي أمريكا والغرب عنه بهذا الشكل المهين ، فهو ضحية جديدة من ضحايا الغرب الذي يحسن التخلص فورا من كل ورقة تحترق ، فيبدي أسفه على ذلك مع ما قدمه من دعم كبير للغرب في الحد من صعود التيار الإسلامي ، فكان رجل الغرب في هذا الشأن في مصر ، كما كان الطاغية الذي سبقه رجله في تونس ، وإن كان الوضع عندنا في مصر أفضل بكثير حتى كانت مصر مهجرا لبعض الإخوة من تونس ! ، ويتوعد أمريكا بأنها لن تجني من مشروعها لنشر الديمقراطية في دول المنطقة إلا صعود التيار الإسلامي الراديكالي المتطرف ! ، فلا زال إلى آخر رمق فيه يحرض على الإسلام وأهله ، فأي بغض هذا الذي يكنه في صدره ؟! ، وعند تصفح أحوال من رثوه وهم قلة لا نجد تقريبا إلا : بن إليعازر ونتنياهو وبيرلسكوني صاحب الفضائح المتلاحقة وآخرها المظاهرة النسائية التي تطالب بإسقاطه لتعدد فضائحه الأخلاقية ، وبئست حال من يكون أولئك من يرثي له ويتأسف على زوال ملكه .
ومن الطريف وعلى طريقة : شر البلية ما يضحك :
فيتظاهرون اليوم برسم الضحية ، وفيهم فعلا من هو ضحية السمع والطاعة العمياء ، فهل يعفيهم هذا من المسئولية الشرعية والقانونية ليصدر هذا العفو السريع والتعهد بعدم محاكمة المخطئ منهم بعدما وقع من سفك للدم الحرام وانتهاك للحرمات ، أفلا كانت تلك السرعة في إنجاز رفع المظالم عن ضحاياهم ، فالجزار الآن بعد سقوط السكين من يده يلعب دور الضحية البريئة ! ، فهم الشهداء عند ربهم يرزقون ومن دهسوه واقتنصوه بالرصاص الحي عميل أجنبي اضطر للتعامل معه فكان الضحايا من المصريين تبعا لا أصلا كما يقول بعض الضباط في لقاء مع إحدى الفضائيات في صفاقة وبرود يثير العجب والغيظ معا .
والله أعلى وأعلم .
فكل ملك خلا من العدل ملك آيل للسقوط ، وإن ظهر للعيان أنه قوي متماسك بما يبديه من أبهة الملك الزائف وما يقبض به على النفوس من سلطان الظلم القاهر ، فيأتيه الرب ، جل وعلا ، من حيث لا يحتسب ، ويكون سقوطه بسبب لا يخطر على باله ، كما قد وقع أخيرا ، فقد جاءت الضربة القدرية بسواعد فتية ، فمن كان يسخر منه بالأمس قد أطاح به اليوم ، فكان ذلك من تمام العقوبة ، فألمها في النفس أشد بأن وقعت ممن لم يأبه به الطغاة ، وكان ذلك من كمال القدرة بتسليط السبب الضعيف في قوته فلا يملك سيفا ودرعا على الملك العظيم في صورته فيملك العدد والعدة ويفتقر إلى العقل والحكمة فضلا عن الورع والديانة فلا دين يزجره ولا مروءة تحجزه عن سفك الدم الحرام ، وكان ذلك أيضا من : عظيم الحكمة ، فقد أبان الرب ، جل وعلا ، في هذه النازلة عن صور من الحكمة الإلهية بتدافع السنن الكونية مدافعة بين الحق والباطل ، والسنن الشرعية مصابرة للظالم الغاشم ، فكان فيها من الخير العظيم ما يبشر ، وكان فيها من العبر ما ينذر كل ظالم فملكه لا محالة زائل ، ويحذر كل ثائر فلن تكتمل الفرحة إلا بحصول دولة العدل الكاملة ، ولن يكون ذلك إلا باتباع الرسالة الخاتمة ، والتاريخ عموما وتاريخ هذه الأمة خصوصا على ذلك خير شاهد فلم يكن ثم عدل ورخاء إلا باتباع الوحي وإن بعد العهد بالنبوة وخلافة عمر بن عبد العزيز الراشدة ، مع تأخر زمانها ، صورة باهرة من العدل الذي تاقت إليه النفوس ، فلن تجده إلا في النبوة ، فهي معدن العلم والعمل ، وبها يصح التصور والحكم ، فتستقيم أمور الأديان والممالك ، ويأمن الناس على أحكام الديانة فهي السبب الرئيس في حفظ العالم وبقائه ، ويأمنون مع ذلك على أعراض الدنيا من حاجات البدن الظاهر فتأتي تبعا فهي من جملة بركات اتباع الوحي وتأويل الشرع برسم التصديق والامتثال .
فذهب الجزء الأول وبقي الجزء الأصعب وهو استغلال هذه الفرصة الحقيقية التي يسر الرب جل وعلا حصولها على يد الشباب ، فكانت الجماهير هي القوة الفاعلة ، بإذن الرب ، جل وعلا ، فلم يكن دورها كما كان في انقلاب يوليو 52 ، مجرد الهتاف والتصفيق ، فلم يكن لها من الرؤية الشرعية أو حتى السياسية ما يجعلها تفقه سر هذه الحركة التي لم يكن لرجالها فيها إلا التنفيذ لمخطط تم الاتفاق عليه في منزل السفير الأمريكي في القاهرة ! ، وأما في هذه الثورة فقد كانت لها وجهة نظر صحيحة ، وإن لم تكن على رسم الكمال ، فالبعد الشرعي لا زال إجمالا : غائبا ، وإن كان البعد الإنساني فيها حاضرا أيما حضور ، وفيه من الشرع مسحة ظاهرة ومن المروءة صور باهرة ، فصور التكافل بين الجموع التي احتشدت : في المطعم والمشرب والدواء ....... إلخ ، في ظروف قاسية : برودة الشتاء ، ومتابعة رجال العصابة الهالكة سواء من الأمن أو المخابرات فضلا عن الهجوم التتري بالجمال والخيل ، وعناد الطاغية حتى آخر لحظة على نحو لم تتوقعه حتى المخابرات الأمريكية التي كانت بما قدر الرب ، جل وعلا ، لها من نفوذ كوني ، على علم بمجريات الأحداث تباعا ...... إلخ ، فمع كل ذلك ظهر من صور التكافل بين هذه الجموع ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما يدل على أصالة المعدن ، والمعدن الأصيل إذا ورد عليه الوحي المزكي للنفوس زاده نقاء ولمعانا ، فحسن باطنه فهو نقي زكي ، وحسن ظاهره فهو لامع ناصع ، فهذه فرصة حقيقية لإحداث تغيير حقيقي ، ولن يكون إلا بالتدريج ، فتلك سنة الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، في الكون ، فما فقد في ثلاثة عقود أو يزيد من المقومات الدينية والدنيوية لن يسترد في يوم أو ليلة ، فالفرحة العابرة لن تستمر طويلا لأن الواقع لما يتغير بعد ، فلا زالت أمور كثيرة بحاجة إلى معالجة ، فمنها :
ما هو قريب المدى كالمطالب السياسية والأمنية التي يمكن إنفاذها ، بقدر الرب جل وعلا ، بجرة قلم من المجلس العسكري كإلغاء قانون الطوارئ الجائر ليأمن الناس في بيوتهم من زوار الفجر ! ، ذلك المصطلح البغيض الذي رافق دولة يوليو 52 وإفرازاتها الكريهة فهو مصطلح دارج في قاموس كل أنظمة القمع والجور ، وإلغاء جهاز مباحث أمن الدولة ، وهو ، أيضا ، من مبتكرات انقلاب يوليو 52 وكل ابتكاراتها تقريبا بوليسية ! ، واستبدال فرع يؤدي وظيفته بشكل أكثر آدمية به ، والعفو عن المعتقلين السياسيين الذين امتلأت بهم سجون النظام البائد ..... إلخ ، فذلك مما يحسن التنويه به عاجلا :
ومنها مظالم عاجلة لا تحتمل التأجيل أيضا ، كمظالم العمال الذين أضربوا في بعض الشركات ، فهي أيضا ، مما يحسن رده برسم التوبة برد المظالم ودفع الحقوق إلى أصحابها .
ومنها ما سيستغرق ، بمقتضى سنة التدرج الكونية زمانا ، بل شهورا وسنين ، كالرجوع الحقيقي إلى الرب ، جل وعلا ، فذلك مما لا يكون بداهة في يوم وليلة إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، حدوث انقلاب مفاجئ لم تجر به العادة الكونية المطردة وهي التي تؤخذ الاعتبار في أي مشروع فكري أو مادي طويل المدى ، وكاستعادة الثقة المفقودة بين الدولة والرعية ، لا سيما الأجهزة الأمنية التي نوه بعض الفضلاء في مؤتمر لهم بضرورة إصلاحها إنسانيا قبل الاهتمام بتجهيزها ماديا لتصير أداة قمع وإرهاب يقبض بها النظام على زمام الأمور برسم الظلم والقهر ، فلا بد من عقد دورات تدريبية لأولئك ليتعلموا كيف يكون التعامل مع البشر ! ، وكإعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة : من صحة وتعليم وزراعة ...... إلخ ، فكلها أمور لو فكر الإنسان في عظم قدرها وصعوبة تحقيقها إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، فيمد الجميع : قادة ورعية بمادة الإخلاص والإرادة ، لو فكر فيها لذهل عن الاحتفال ، إلا إذا أردنا استنساخ انقلاب يوليو 52 مرة أخرى لا قدر الله ، جل وعلا ، فاكتفينا بالهتاف وإطلاق الألعاب النارية .
وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، عبور حقيقي يشبه عبور 73 ، وإن كان هذه المرة معنويا ، فقد عبر أولئك الشباب حاجز الخوف وساتر الإرهاب الذي أقعد معظمنا حتى فقد كثير منا الأمل وصار يتعامل مع الأمر الواقع برسم الصبر ، ومنا من أصابه اليأس فغادر البلاد أو انزوى ، فقد صارت ، كما يقول لي بعض القرابة في الخارج : بلادهم لا بلادنا ! ، فلا يحسن التفريط في هذا العبور كما فرط السفهاء في عبور 73 فباعوه بثمن بخس في كامب ديفيد .
فعبرت تلك القلوب الباسلة لشباب صغير في السن قوي في الإرادة مؤثر في الفعل عبرت برسم القدرة الربانية النافذة لإزاحة الطاغية الذي سلط عليه الملك ، جل وعلا ، جند الشبيبة الفاعلة وأعمى بصره وبصيرته فكانت إدارته للأزمة فاشلة فاستخف بها ابتداء ثم جاءته الضربة القاصمة في زمن قياسي بالنظر إلى فارق القوة والسلطان ، وهي آية كونية باهرة تستدعي التدبر والنظر فلا ينقضي العجب منها إلى الآن ، وكأن الأمر رؤيا منام ، لما كان عليه النظام السابق من جمود وعسف فقد معه كثيرا منا الأمل في تغييره أو حتى تحريك مياهه الراكدة ، فإذا سنة الرب ، جل وعلا ، تنجز ما عجز عنه البشر ! .
وأولئك شباب أبى النظام السابق إلا تشويه صورتهم بنبزهم بألقاب الخيانة والعمالة وتنفيذ أجندات خارجية ..... إلخ ، فلم يجد ، أيضا ، إلا تهم ضباط يوليو 52 لخصومهم ، فخيانة ورجعية ..... إلخ ، وهم ، إجمالا ، وأذنابهم كالنظام السابق : أكبر خونة في الدين والدنيا معا ، وهم الرجعيون حقا الذين أرجعوا البلاد إلى الوراء ففقدت مصر في عهودهم البائسة ريادتها في العالم الإسلامي والعالم العربي .
والسنة الكونية تقتضي منا ، والله أعلم ، عدم الإسراف في الأحلام ، لأن التغير لا يكون فجأة ، كما تقدم ، ففي سبيل إقامة دولة النبوة المنشودة ، لا يمكن اختصار المراحل ، فالفرحة بالحرية قد أنست معظمنا الرؤية الشرعية الواجبة ، فلا تسمع الآن إلا أطروحات الديمقراطية والمدنية ..... إلخ حتى من بعض التيارات الإسلامية ، وهي التي جارت تلك الديمقراطية على حقها ، كما نوه بذلك بعض الفضلاء المعاصرين ، فالديمقراطية تقضي بأن يرشح أي إنسان نفسه لمنصب الرياسة ، فلماذا يحجر على التيار الإسلامي فقط دون غيره ؟! ، فيتعهد بعدم الترشح ، وكل قد بدأ يعد العدة صراحة أو تلميحا للترشح كالدكتور أحمد زويل القادم من أمريكا وأمين عام الجامعة العربية الوزير السابق : عمرو موسى والدكتور البرادعي القادم من فيينا ، والمخاوف لدى الغرب لا تكون إلا من الحركات الإسلامية فقط ، ولو لم يكن تصورها للإسلام كاملا من كل وجه ، فيكفي أنها ترفع راية الإسلام إجمالا ، فأمريكا تتخوف من صعود نجم التيار الإسلامي وإن كانت تبدي موافقة حذرة على التفاوض معه وإشراكه في الحياة السياسية في مصر وكأنها صاحبة الشأن لا أهل مصر فتلك من جنس وصاية المحتل على مستعمراته ! وهو ما عودها عليه النظام السابق ! ، وكيان يهود يخشى من تركيا أو حماس جديدة بجواره .
فالأمر الآن يتطلب بذل الجهد لتحقيق أكبر قدر ممكن من مراقبة الرب المنعم ، جل وعلا ، الذي أنعم بتلك القوة وأنجد بتلك الثورة ، بتحري شرعه وتطبيقه في الأفراد والجماعة ما أمكن ، فلن يكون الصعود قفزة واحدة ، وما لا يدرك كله لا يترك كله ، ولا يمكن بمقتضى الشرع والطبع حمل النفس أو الغير على الحق جملة فما ذهب جملة يذهب جملة لسرعة نفور النفوس من أي تغيير مفاجئ يخالف ما اعتادته وألفته من العوائد ولو لم يكن هو الحق ، بل ولو كانت تعلم أنه باطل ، فمفارقة مقتضى الطبع أمر عسير لا ينال إلا بالتدريج بمشيئة الرب القدير جل وعلا .
والتخويف من الإسلام كان وقة رابحة من ورقات رأس النظام السابق إلى آخر لحظة ، فابن إليعازر ، وزير الحرب الصهيوني السابق ، يخاطبه في الهاتف في مكالمة لعلها تكون مكالمة وداع ، والصداقة بينهما وثيقة ! ، يخاطبه لمدة تزيد على 20 دقيقة فيبدي الطاغية الراحل أسفه الشديد على تخلي أمريكا والغرب عنه بهذا الشكل المهين ، فهو ضحية جديدة من ضحايا الغرب الذي يحسن التخلص فورا من كل ورقة تحترق ، فيبدي أسفه على ذلك مع ما قدمه من دعم كبير للغرب في الحد من صعود التيار الإسلامي ، فكان رجل الغرب في هذا الشأن في مصر ، كما كان الطاغية الذي سبقه رجله في تونس ، وإن كان الوضع عندنا في مصر أفضل بكثير حتى كانت مصر مهجرا لبعض الإخوة من تونس ! ، ويتوعد أمريكا بأنها لن تجني من مشروعها لنشر الديمقراطية في دول المنطقة إلا صعود التيار الإسلامي الراديكالي المتطرف ! ، فلا زال إلى آخر رمق فيه يحرض على الإسلام وأهله ، فأي بغض هذا الذي يكنه في صدره ؟! ، وعند تصفح أحوال من رثوه وهم قلة لا نجد تقريبا إلا : بن إليعازر ونتنياهو وبيرلسكوني صاحب الفضائح المتلاحقة وآخرها المظاهرة النسائية التي تطالب بإسقاطه لتعدد فضائحه الأخلاقية ، وبئست حال من يكون أولئك من يرثي له ويتأسف على زوال ملكه .
ومن الطريف وعلى طريقة : شر البلية ما يضحك :
فيتظاهرون اليوم برسم الضحية ، وفيهم فعلا من هو ضحية السمع والطاعة العمياء ، فهل يعفيهم هذا من المسئولية الشرعية والقانونية ليصدر هذا العفو السريع والتعهد بعدم محاكمة المخطئ منهم بعدما وقع من سفك للدم الحرام وانتهاك للحرمات ، أفلا كانت تلك السرعة في إنجاز رفع المظالم عن ضحاياهم ، فالجزار الآن بعد سقوط السكين من يده يلعب دور الضحية البريئة ! ، فهم الشهداء عند ربهم يرزقون ومن دهسوه واقتنصوه بالرصاص الحي عميل أجنبي اضطر للتعامل معه فكان الضحايا من المصريين تبعا لا أصلا كما يقول بعض الضباط في لقاء مع إحدى الفضائيات في صفاقة وبرود يثير العجب والغيظ معا .
والله أعلى وأعلم .

Comment