اسمي حليم.. حليم حيران

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • مُستفيد
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 2315

    #16
    يعني الواحد لما يشوف هالمستوى الأدبي الرائع يستحي أن يكتب حرفين على بعض
    التعقيد في الفلسفة عقيدة - يُحرَّمُ الإقتراب منها بالتبسيط أو فك الطلاسم
    والتبسيط في الفلسفة خطيئة - بها يتكشَّف المعنى السخيف -لبداهَتِه أو لبلاهَتِه- المُتخفي وراء بهرج التعقيد وغموض التركيب..

    مقالاتي حول المذاهب والفلسفات المعاصرة

    Comment

    • هشام بن الزبير
      كاتب
      • May 2010
      • 2867

      #17


      3- شاي وضحك وبكاء

      حملت قلمي وأغمضت عيوني, وغصت في خواطري, وتدليت متفكرا في أعماق نفسي, كالنازل في بئر يلتمس ضالته, وإنما أفتقدني وأنشد نفسي, لا بد أن أكون هناك, فلعلي لو وجدتني أجد كل شيء, وقد قيل لقوم راموا العلا: فارقوا نفوسكم وائتونا.. لكن أنى لمن أنكر نفسه أن يفارقها؟ وما يدريه بعد أن جد وحاول أنه أفلح؟ لعله إنما انماع فيها وذاب, وذهل عن قلبه وغاب..

      نظرت حوالي فأبصرتني طفلا يحيا نفَسا بنَفس, ولحظة بلحظة, فما بال الكبار يموتون كمدا على أيام لم تولد, ويبتنون الصروح الفارهة بلبِن لمّا يضرب؟ تأملت في قوامه النحيف وإهابه الغض, ثم تفرست في صفحة وجهه, أتطفل على إرث القافة, هل ترى يومك في أمسك؟ هل ترى أصيلك في صبحك؟ هل تراك في صباك؟ كيف أكون ذلك الطفل ثم أكون هذا الكهل؟ أيعقل مثل هذا؟ وكيف يجتمع لي أن أنظر إلى نفسي وأن أنتزع منها سائلا يهمس في وجهي: "من أنا؟"...

      انتصب رجال من الأذكياء لأمثال هذا السؤال, وقطعوا أعمارهم متحيرين, يستدرجهم السؤال إثر السؤال, وكلما كلت عقولهم قالوا: جواب هذا سؤال غيره: فلنسل..., فسل.., سل...,فلس.. سفه, سؤال يفضي إلى سؤال, هذا سفه, يموت السائل ويبقى ألف سؤال فأين الحكمة؟ قالوا: "تلك عين الحكمة" وحتى ينحتوا لها من مسائلها اسما دعوها "فلسفة"... كأني بها صنعة لا تسوى فلسا..ما لي ولهذا؟ إنما أبغي أمرا سواه, أطلب الطفل الذي كنته, هاهو ذا يستيقظ من نومه, يفتح عينيه, يرتسم الفرح على وجنتيه, يعدو إلى أمه, يتطلع إلى أبيه, يلاعب إخوته, يشاكس الصغار, يحاذر نقمة الكبار, يفضي بسره إلى سره, يتراقص بين لغات ثلاث, كلما أدرك نهاية إحداهن, ورأى أنها لا تفي بالغرض, تشبث بالتي تليها, وإن أعياه الأمر اقتبس من جميعها نتفا ليلفق منها عبارة تفصح عما يكنه, حينها تراه ينطق ويضحك ويبكي في آن, كما ترى مطرا ورعدا وبرقا في يوم مشمس!

      ما أعجب ابن آدم, وما أرحب العالم الذي انطوت عليه نفسه, إنه يغمض عينيه ثم يصارع بحرا من المعاني يضيق عنها لسانه, وتكلّ لغته, ما أقل غناء المنطوق والمكتوب, وما أبلغ الضحك والبكاء, وما أضيق الفجوة بينهما, وكم من ضحك كالبكاء, ورب بسمة أحيت نسمة, ورب عَبرة أعيت نبرة. فلو قيل لك بأي كلمة نطقت أول مرة, فتذكر أنك وردت الدنيا باكيا, فتلقاك أهلها ضاحكين, وتذكر أنهم طاروا فرحا أول ما تبسمت...
      وإن قيل لك: "من أنت؟" فقل أنا الضاحك الباكي, فيا ليت شعري لأ شيء ضحكت وما الذي أبكاك؟

      أمضي حافيا على أرض الطفولة, وتمضي الأيام بين ضحك وبكاء, وأتساءل: "لماذا لا يبكي الكبار؟" لماذا يكثرون علي في البكاء: "لا تبك, انظر إليك, قد صرت رجلا" لماذا لا يكاد يقول أحد: "لا تضحك"؟ ما الذي ينقمون من البكاء؟ تسللت إلى غرفة الضيفان, واسترقت السمع, تناهت إلي ضحكات يلفها صخب وهرج, ما أعجب الكبار حين يجتمعون, لا أدري مم يضحكون, ولست أدري لماذا لا يجتمعون للبكاء؟ هذا سؤال آخر لا جواب لهم عليه إلا قولهم: "ستعلم لما تكبر".

      أراني في البادية, في بيت جدي, وبيته "قصر" من طين, في كل ركن منه ذكرى, يومها خرج الكبار كلهم, وخلفونا مع جدي, أتانا بعد المغرب قائلا: "تعالوا يا أولاد لتشربوا الشاي" أتيت "سقيفة" الضيفان مع إخوتي وبني عمومتي, وجلسنا نتأمل الشيخ الوقور, في ضوء الشمع الباهت, ونعجب لعمامته البيضاء, ونتساءل: "لماذا هجر الكبار العمائم؟", جلسنا نتهامس وننظر إليه مقبلا على صينية الشاي, يرص كؤوسها كما يرص القائد جنده, وينصب "البراد" في قلبها كأنه حامل اللواء, ويعد الشاي في حركات حكيمة متأنية, كمن لم يعرف في دهره العجلة, وكلما تطلعنا إلى الكؤوس نمني النفس بالمشروب اللذيذ, أعاده إلى "البراد" مرة أخرى, ولما فرغ ونال كل واحد كأسه, لمحنا ظله على الجدار, وقد ارتسم خيال عمامته ويده تحمل الكأس, وفي إجماع صامت, بدأنا نحكي حركاته الهادئة حاملين كاساتنا كأننا فرقة عسكرية, فإذا وضع الكأس وضعناها, وإذا رفعها رفعناها, وإن ارتشف منها الشاي ارتشفنا منها, وأصدرنا بشفاهنا صوتا يملأ سكون المكان, ثم تضاحكنا حذرين, لكن يبدو أن الشيخ الودود كان في شغل عنا. والجد باد على سحنته, والهيبة تملأ تجاعيده. ومهما اجتهدت وتماديت في الخيال, فإني لن أتصور جدي قط باكيا, ولن أتذكره ما حييت إلا وقورا متبسما.

      مضت السنون وخبرت الحياة وما أزال حائرا مترددا بين لغة الحروف ولغة الضحك والبكاء.. وذات يوم كئيب عاد والدي إلى البيت منكسرا, نظرت إليه فإذا هو يبكي, حينها علمت أني كبرت, وأن الأوان قد حان لأعي جواب السؤال, وأن الكبار يبكون, لكنهم يستخفون, يومها مات الشيخ الوقور المعمم, فانحلت عمامة أخرى وبقيت في خلف من الحاسرين....

      Last edited by هشام بن الزبير; 02-20-2011, 01:21 PM.
      {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

      Comment

      • هشام بن الزبير
        كاتب
        • May 2010
        • 2867

        #18
        أخي كاكتوس نفع الله بك,
        لما أرى أهل السنة في منتدياتهم, وأرى علمهم وأدبهم وتواضعهم, ثم أرى فيم يختصم غيرهم, أوقن أن غد الإسلام قد انبلج أو كاد, أخي كاكتوس, لولا أنتم ما كتبت حرفا واحدا, فشكر الله لكم جميعا ونفعني بدعائكم
        Last edited by هشام بن الزبير; 02-20-2011, 01:41 PM.
        {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

        Comment

        • هشام بن الزبير
          كاتب
          • May 2010
          • 2867

          #19
          4- عصا وحلوى يدا بيد


          قفل حيران إلى بيته ماشيا, مر على فتيان يلعبون الكرة, تفرس في حالهم فكاد أن يرى فيهم نفسه, تأمل في ملامح لهوهم فإذا بها تمتزج بملامحه, صاروا في عينه حليم حيران نفسه, لم تعد لا ألوانهم ولا ثيابهم تميزهم, نظر إليهم اليوم يتقاذفون الكرة وتخيلهم غدا تتقاذفهم الحيرة, تذكر مثل هذا الملعب وتذكر يوما من فتوته وهو يلاعب أقرانه وسط الطريق.. تذكر الشيخ الوقور ذا اللحية والعمامة البيضاوين..تذكر هذا الجار الغريب الذي ما تزال صورته ترافقه.. تذكر تميزه عن الناس كأنه من زمان آخر..تذكره كيف يمر عليهم في وقاره يتوكأ على عصاه.. ها هوذا يكاد يتبينه.. يتوقف رافعا عصاه.. ويقول بلسان فصيح: "اذهبوا فأنتم لا يرجى نفعكم ولا يخشى بأسكم!".. ها هو ذا يمضي لتتلاشى كلماته في صخب الفتية.. لم يسمعوا مثل عربيته إلا عند المدرس في الفصل أو في المسلسلات "الدينية".. لقد ترعرعوا في زمان أوهمهم أهله أن هذا اللسان لا يقوم إلا لتدبيج المراثي والإخبار عن الماضي.. لقد نَشؤوا والعربية تئن بين أضراس الممثلين في ليالي رمضان التلفزيونية.. وغدا سماع جرْسها مدعاة للتندر واستعمالها مبعثا للسخرية.. تذكر صديقا احتفظ من تلك المسلسلات الماكرة بصورة وكلمة تنطق بهذا كله: ممثل يؤدي دور أحد المشركين يقضم دجاجة ويقول في عُنْجُهِيَّة: "يا ويح مكة!". لقد نحتوا في عقل جيل حليم حيران صورة بئيسة لأعظم لسان نطق به انسان.

          "اذهبوا, فأنتم لا يُرجى نفعكم ولا يخشى بأسكم!", هذا معنى طالما سمعه جيل حليم من جيل حيران: "سيروا, انْتوما ما فيكم فايْدة!" قالها الآباء وقالها المعلمون وقالها الشيخ الوقور بلسان فصيح, لكن كلمته تحمل معنى زائدا, فالفائدة التي أجمع الكبار أنها لا ترجى من أولئك الصغار, وصرخوا بها في وجوههم في إجمال, منفية عل لسان الشيخ سلبا وإيجابا, فمن كان في مثل حال أولئك الفتية اللاهين لا يسر صديقا ولا ينكأ عدوا, لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا. لعل الشيخ الوقور كان ينظر إلى ما سيفضي إليه حال هؤلاء الذين فتح أسلافهم الدنيا في مثل سنهم, ويتحسر على الهزائم المقبلة التي تطل برؤوسها من خلف سنين اللهو والبَطالة. مضى الشيخ وانقضت أيامه, وقطع جيل حيران صفحة الزمن ليحيا حياة من لا يرتجى منه نفع ولا يخشى منه بأس.

          هبت ريح باردة من قبل البحر, فتحسس أنامله فإذا هي كقطع الثلج, شرع يفرك يديه وينفخ فيهما.. أحس ببعض الدفء, نظر إلى يديه المبسوطتين كالكتاب المفتوح, قلبهما ظهرا لبطن, تمعن فيهما فتبدت حروف وخطوط, ترى بأي لغة كتبت؟ أكثر الناس يقرؤون تقاسيم الوجوه ويغفلون بلاغة الأيدي, الأيدي لا تكذب.. الوجوه قد تتخفى خلف الأقنعة وتتدثر بمشاعر مصطنعة.. ترى الوجه تغشاه ابتسامة مشرقة, ثم تلح عليه متفرسا فتقرأ ظل الحزن في تلافيفه متسترا, لكن الأيدي لا تملك أن تستر من حقيقتها شيئا ولا تحظى بوشاح البسمة. ألا ترى كثيرا من النسوان يدلسن على الرجال بالوجوه المصبوغة والتجاعيد المموهة ثم لا تلبث أن تفضحهن تضاريس أيديهن الصامتة الناطقة دونما لسان؟

          دخل بيته وهو يسبح في هذه الخواطر واستلقى على سريره, أغمض عينيه ليستريح, فأبصر صورة من الزمن الخالي..أبصر سبورة سوداء وكهلا في سترة بيضاء يحمل مسطرة حديدية وهو يصرخ في وجه الصبي المرتعب إزاءه: "مد يديك" ثم يبدأ العد: "واحد, اثنان, ثلاثة..." وتتوالى الأعداد الفردية والزوجية لتختلط صرخات الألم بصوت ارتطام العصا بالأكف الغضة الملتهبة.. رأى نفسه مع الصبية مجتمعين في فناء المدرسة يتضرعون إلى الله كل صباح أن يقيهم شر المعلم وأن يحرمهم من طلعته المخيفة.. وكم تفننوا في ابتكار الدعوات المهلكة.. فما أرحم ربنا إذ لو أجاب يوما دعاءهم, لكان المعلم المسكين حُمّ وشُجّ وجُنّ وناله كل مكروه يخطر في بال حي ثم مات! ما أقسى يد ذلك المعلم, وما أشدها على تلك الأيادي الصغيرة في أيام الشتاء الباردة. تذكر كيف كانوا ينتظرون خروج زملائهم من الفصل ليسألوهم قبيل دخولهم إليه: "واش كاينة العصا اليوم؟"
          كان حليم يستبشر خيرا بسماع أصوات الضيوف في البيت, فإن أيادي الضيوف تحمل شيئا لم تحمله يد المعلم قط, تحمل الحلوى, فما أعجب أيادي الكبار كيف تمتد لتزرع الألم كما تمتد لتمنح اللذة..قطع عليه صوت أمه حبل أفكاره: "حليم, حليم.. انزل .. هيا سنتغذى"...
          Last edited by هشام بن الزبير; 02-24-2011, 09:51 PM.
          {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

          Comment

          • هشام بن الزبير
            كاتب
            • May 2010
            • 2867

            #20

            5- رجال وصراصير


            عاد حليم مساء حيران منهك القوى.. تفكر فيما مر به في يومه: لغط وخوف.. وكر وفر... طلاب وشُرط... كتب وهراوات...دماء وصرخات... أيعقل أن ذلك المكان المخيف يصلح بعد اليوم لتحصيل العلم؟ وكيف يجتمع العلم والخوف والفكر والقهر تحت سقف واحد؟ كيف يؤوي مكان واحد أصحاب الصحائف والأقلام وأصحاب العصي والقيود؟ وبأي تأويل يصح الجمع بين التأديب والترهيب, وبين التهذيب والتعذيب؟

            لماذا يريدون له أن يخاف, ولماذا يخاف؟ وصل إلى باب العمارة, فرأى رجلا غريبا, فسرت قشعريرة في جسده وأحس بنبض قلبه يتسارع.. تذكر حكايات رجال ونساء انشقت الأرض فابتلعتهم...دافع هواجسه.. فلعله رجل ينتظر صديقا فحسب..استمر في طريقه ودخل غرفته. لماذا نخاف؟ ومم نخاف؟ تذكر أمه وهي تقول له "حليم لا تنم قبل أن تغسل يديك وتنظف فمك, هل تريد أن يأتيك الصرصار وأنت نائم؟" تذكر نفسه وهو طفل, يتخيل الصرصار ناصبا قرنيه, وهو يزحف على وجهه ليستخلص آثار الطعام من بين شفتيه... يالها من صورة مقززة... لكن الصرصار يبدو مخلوقا وديعا أمام أصحاب الهراوات الغليظة, إن الخوف من الصرصار لا يجعله مخلوقا شريرا أبدا.. قد يجده بعض الناس كريه المنظر.. لكنه لا يحمل لنا بغضا... إنما نحس بالنفرة منه حين تتقاطع سبلنا.. فهو قطعا لا يقصد التطفل علينا.. كل ما هنالك أنه يعيش قريبا منا.. فأنا لم أسمع قط عن صراصير تجتاح مجتمعات الناس لتروعهم ولتهشم عظامهم, كما يصنع أصحاب الهراوات, يأتون تحت جنح الليل, ويأتون قبيل الفجر, ويأتون والشمس في كبد السماء, يأتون رجالا وركبانا... تذكر كيف كان الكبار يخوفونه بالغول..

            يبدو أن الكبار يعشقون التخويف, ثم صاروا يقولون: "غادي نجيب لك البوليسي" ربما لأنهم أدركوا أن التخويف بالصراصير والغيلان بدأ يفقد تأثيره, فلا بد إذن من رفع نبرة التخويف, فالصرصار صغير حقير, تغمض عينيك وتدهسه فينتهي أمره ويزول خوفك, والغول يختفي من الوجود إذا أضأت نور المصباح, لكن "البوليسي" كائن من لحم ودم وخشب, مخلوق ضار ضارب, وبعكس الصراصير والغيلان, فيبدو أن الإجماع منعقد على الخوف منه, وأنت تعلم أن الجميع يريدك أن تخاف من "البوليس". عجبا إنا لا نناديها شرطة بل "بوليسا" إنها لم تتخلص أبدا من اسمها الذي يدل على معدنها. جاءت مع الإفرنج, ولم تفلح في التنصل من اسمها الأعجمي, ففي بلد حليم حيران تنادي العامة القوم "بوليسا" ولا تطاوعهم ألسنتهم على تسميتها شرطة أو رجال أمن.. ما أعجب هذا الاسم.. أعياه أن يربط بين المعركة التي خاضها "البوليس" اليوم في أرجاء الكلية ومدرجاتها وبين "الأمن" ربما كانت لفظة "الأمن" في اصطلاحهم من أسماء الإضداد.. كما تسمي العرب اللديغ سليما.. لكن القواميس لا تشهد لهذا المعنى أبدا فالخوف والأمن نقيضان, ينفي أحدهما الآخر, وكلما أطل أحدهما برأسه انتفى الآخر في لمح البصر, فأي أمن قام هؤلاء لحفظه؟ لا بد أن في الأمر خصوصا, فالهراوات تشهد بتخصيص عموم ما تدل عليه لفظة الأمن..استلقى على سريره وحدق في السقف فرأى سوادا يخترق بياضه..إنه صرصار يعدو في خفة, هم بالقيام للتخلص من الزائر المتطفل... لكنه سرعان ما راجع نفسه... دعه يمضي.. فلتعش أيها الصرصار في أمان.. فالمكان يسعنا نحن الاثنين.. ولتهنأ بمجتمع الصراصير حيث للجميع أرجل ستة وقرنان فأنتم من دوننا سواسية, فلو أبصرتنا أيها الصرصار لوجدتنا أولي أيد وأرجل وسمع وأبصار, لكن أيادي بعضنا طالت وطغت, فإذا رأيت أصحاب الأيادي الطويلة, فانج بجلدك أيها الصرصار فإنهم أصحاب الهراوات الغليظة...
            Last edited by هشام بن الزبير; 03-03-2011, 12:51 AM.
            {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

            Comment

            • عياض
              باحث في الفلسفة
              • Jul 2009
              • 1842

              #21
              يبدو انك وضعت لي شيئا في الشاي...فقد بدأت أجد رغبة في انتظار المزيد من حال هذا الحليم الحيران ...و اتساءل متى سنقضي حلمه ليفضي بمكنونات الحيرة في نفسه ؟؟...و الأسلوب ايضا جميل يقترب من الأسلوب السردي و الوصفي للمقامات دون ان يتقيد بقيودها في السجع و الوزن..يبدو ان دراستك للأدب سيدي هشام جنوبية...فهم الذين لم و لا ربما لن يتحرروا قط من سيطرة الحريري على مخيلتهم...

              " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

              Comment

              • طارق منينة
                محاور
                • Oct 2010
                • 2687

                #22
                لااقول هذا الفارابي في المدينة الفاضلة ولاابن المقفع في كليلة ودمنة ولكنه مستوى رائع ويبدو انه فيه التزام وانضباط مع مرونة وانسياح على غير عادة الفلاسفة اياهم في تصور عوالم وقدح خيالات
                اتمنى من ادارة المنتدى ان تهتم بطباعة كتب كُتبت هنا وتوضع تحت اسم منتدى التوحيد-مع اسم دار النشر وتحت اسم طبعا مؤلفها
                هذا الموضوع سلس ممتع مع لغة رائقة ومعاني جوهرية عن الانسان والنفس
                بارك الله في القلم الزبيري ونفع الله باخونا هشام
                Last edited by طارق منينة; 03-04-2011, 10:40 AM.

                Comment

                • هشام بن الزبير
                  كاتب
                  • May 2010
                  • 2867

                  #23
                  أخي عياض..
                  أخي طارق..
                  تلذذا بالشاي المنعنع وانتظرا المزيد..
                  {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                  Comment

                  • حسن المرسى
                    طبيب قدير
                    • Jul 2010
                    • 1721

                    #24
                    وحبذا أن تصب لى كوباً فأنا ضيف على مائدتك أيضاً ..
                    سلِم ... تسلَم ...
                    فإنك لا تدرى غور البحر إلا وقد أدركك الغرق قبل ذلك ..

                    Comment

                    • هشام بن الزبير
                      كاتب
                      • May 2010
                      • 2867

                      #25
                      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن المرسى مشاهدة المشاركة
                      وحبذا أن تصب لى كوباً فأنا ضيف على مائدتك أيضاً ..
                      على الرحب والسعة..
                      لكن اسمح لي أن أعطيك كأسا مختلفة..
                      فيبدو أن أخي عياض من الصنف الذي يتلذذ بكل رشفة..
                      {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                      Comment

                      • هشام بن الزبير
                        كاتب
                        • May 2010
                        • 2867

                        #26


                        6- حافلة الأدب الإنساني

                        جاءت المركبة يسبقها هديرها.. ثم توقفت برهة.. نزل أناس وصعد آخرون.. ترى من سمى هذا الشيء حافلة؟ وما الذي دار بخلده حينها؟ ربما كان قريب عهد ببادية, فتخيلها ناقة تنوء بضرعها.. هل كان يخطر ببال عربي من الزمن الأول أن يسمى مثل هذا المركب الحديدي حافلة؟ إنه ليس من جنس النوق ولا الشياه, ثم إنه لا يدرّ لبنا, فبأي شيء حفل؟ ربما كان خزان الوقود أول ما لمحه المعرِّب من المركبة الأوربية, فتخيلها ناقة عظيمة حفل ضرعها المعدني بالبنزين العربي. قد يكون أبصرها فوجدها حفلت بالركاب, فاشتق لها من ذلك اسما.

                        صعد حليم ولم يجد له مقعدا, فوقف خلف السائق مقبلا على الناس, استغرب السكون والصمت الذي خيم على المكان, ما الذي دهى الناس؟ لقد كانوا إلى عهد قريب يتجاذبون الكلام كلما سنحت فرصة, يكفي أن تتقاطع طرقهم حتى يتعارفوا, وتلقى أحدهم في سوق أو في طريق, فلا تفارقه حتى تحسب أنه صديق حميم, توشك أن تفضي له بكل شيء, فأي شيء أصاب الناس؟ وما سر هذا الوجوم؟ وأي شيء اقتلع البسمة من وجوههم؟

                        نظر إلى الركاب الجلوس قِبله, فلاحظ أنهم أخذوا مجالسهم حسب تدرج أسنانهم, رأى فتيان المدارس يتضاحكون, وخلفهم كهول بدأت السنون تنحت آثارها في صبر على جباههم, وفي آخر الحافلة شيخ ابيضت حواجبه.. تأمل هذه اللوحة البليغة في شرود.. كأنه ينظر لتوه إلى لمحة موجزة من تاريخ إنسان يتحول أمام ناظريه من طور إلى طور.. تساءل: هل يشعر بعض هؤلاء المبحرين على أمواج الحياة بمراكب الأمل, بما يعتمل في صدور بعضهم الآخر؟ هل يتفكرون في أنهم رسائل حية لبعضهم بعضا؟ هل يرى أحدهم نفسه في الآخر؟

                        استرق البصر إلى هذه الموجة البشرية المتدرجة ليقرأ على وجوه أصحابها شيئا مما تشف عنه دواخلهم, قلّب الطرف بين الشباب والكهول والشيب, فوجد فتوة في طيش, واستواء في حذر, وترقبا في عجز.. تخيل الفتيان يتأرجحون بين الصبا والشباب فرحين ينعمون "الآن" ولا يكترثون "لغد" وتصور الكهول متفكرين متشبثين بآمال "السين" و"سوف" والشيوخ ينظرون إليهم ولسان حالهم "لو" و"ليت".. ما أعجب أمر هذه الحافلة.. يبدو أن من خلع عليها هذا الاسم كان حكيما, فهاهي ذي على صغرها قد حفلت بهذا كله, وإن كانت مجرد مركب من حديد وزجاج.. تخيل أن هذه الحافلة "آلة زمن" تريه مآل ركابها, تصورها عالما يختصر قصة الإنسان.. تصورها فصلا فريدا من فصول الأدب الإنساني الواقعي, فصل واحد لكنه يغني عما سواه, فإذا قرأته بتدبر ورويّة فهمت القصة بأكملها..

                        إن كل إنسان منا يكتب بأعماله وأقواله فصولا من أدب الجنس الإنساني, هذه الكتابة هي الحياة, والحياة هي الكتابة.. فالإنسان لم يزل يكتب منذ وجد, يكتب بلغات شتى وبأساليب مختلفة, لكن كتاباته كلها تندرج على اختلافها وتنوعها تحت أدب الرحلة, رحلة الحياة, رحلة الكَبد, رحلة الأمل والألم, حقا إن هذا العالم الحديدي السائر يحكي قصة الإنسان.. هذا المخلوق العجيب الذي ينتقل من طور إلى طور, ويقطع المراحل على أرض تمور وإن حسبها هامدة, ومتى كان شيء ما هامدا؟ كل ما يراه حوله في حركة دائبة لا تفتر.. يا ترى إلى أين تسير كل هذه السيارات؟ ولم تسير؟ لماذا لا يتوقف كل شيء بدل أن يسير؟ يبدو أن الجميع في رحلة دؤوب, كما أن الحافلة وركابها والأرض التي تقطعها تسير, كل أولئك يمضون إلى مكان ما أو يُمضى بهم..لكن أين من جاوزوا الهرم؟ لا بد أنهم استنفذوا أيامهم في الحافلة, فغادروها كارهين, ترى هل فارقتهم الآمال حين ترجلوا من الباب؟ أم أن بسمات الطفولة وسكرات الفتوة وهموم الكهولة ظلت ترواودهم إلى آخر الطريق؟ عندها بلغ حليم المنزل فغادر الحافلة, توقف قليلا.. نظر إليها تمضي حتى اختفت, ثم سار ليكمل الرحلة...

                        {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                        Comment

                        • زينب من المغرب
                          طالب علم
                          • Dec 2009
                          • 764

                          #27
                          وددت لو أنها كانت مؤامرة فعلا لأكون ضمن هذا النسيج الجميل من الخواطر اليومية التي لا يعبأ غالبيتنا بترجمتها إلى كلمة فتفكر فاقتراح فحلول فعمل.
                          لولا أن المسابقات التي يجوز فيها الإستعانة بصديق تشعرني بالملل.
                          بارك الله فيك

                          "لا رحم الله امرِئً مسلما رأى شططي عن الحق فما زجرني"

                          Comment

                          • هشام بن الزبير
                            كاتب
                            • May 2010
                            • 2867

                            #28
                            وفيك بارك الله,
                            لم تحصلي بعد على كأس شاي..
                            يبدو أنه قد آن للكؤوس المتفرقة أن تجتمع على سطح صينية واحدة, لحظة..

                            هكذا ينال كل ضيف على هذه الصفحة كأسا من معشوق المغاربة, الشاي المنعنع
                            {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                            Comment

                            • أمَة الرحمن
                              عضو فعال
                              • Apr 2009
                              • 3251

                              #29
                              كل مرة أجزم أن هذا الفصل - بلا شك - أجمل من سابقه، فيأتي الفصل التالي و يبهرني بجماله!

                              متابعة بكل شوق.
                              {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا، فستعلمون من هو في ضلال مبين}

                              Comment

                              • هشام بن الزبير
                                كاتب
                                • May 2010
                                • 2867

                                #30


                                7- الحركة النسوية أو قلب الحارة

                                عاد حليم صيفا إلى بلدته.. بدا كأن الأرض تطوى من تحته..تسارع نبضه وازداد شوقه..أحس بالطفل داخله يلح عليه أن أسرع.. شعر به ينتفض ليطل برأسه من خلف جدار السنين.. دنت الذكريات البعيدة ولاحت أمام عينيه.. كان كمن يبحر في نفسه.. ويغوص في بحر سيرته..وفجأة طفت على صفحة نفسه صورة الأيام الهنيئة..وارتسمت أمامه بأشكالها وألوانها وروائحها.. لقد أشرف على منزله الأول.. وانحدرت السيارة إلى الحارة التي تعرفه كل زاوية منها. وتكاد قطع الحصى المتناثرة على جنباتها تحييه باسمه: "حليم.. حليم.. أحقا هذا أنت؟" تأمل البيوت وقد اصطفت كما تركها آخر مرة.. لماذا يبدو كل شيء باهتا؟ هل شاخت الحارة أم أن بصره فقد شيئا من حدته؟

                                رفع رأسه في حذر.. فتلك الشرفات أشبه شيء بأبراج المراقبة.. لو كانت "لالّة" مولودة خلف تلك الشقوق, فعليه أن ينتبه لحركاته وسكناته, فإن كل شيء فيها يهرم إلا بصرها.. إنها كاميرا بشرية لا يكاد يفوتها شيء من نبض الحارة.. كأني بها تلتقط أدنى أنفاس المكان من طلوع الشمس إلى غروبها.. إن أحدث الكاميرات لا تزيد على حفظ صورة ميكانيكية رتيبة.. وهي قد تتأثر بالريح أو المطر أو شعاع الشمس.. أما هذه العجوز فأمرها مختلف.. إنها هناك.. تنظر وتسجل وتحلل وتقارن وترتب كل شيء ولا تكاد تنسى شيئا.. تذكر كيف كانت تطرد الصبية في أوقات الظهيرة وتقطع عليهم متعة لعب الكرة.. وكيف كانت تشتكيهم إلى آبائهم واحدا واحدا.. أما بنات لالّة مينة فقد تركن مواقعهن منذ زمن.. ربما كن الساعة يرقبن الرائحين والغادين من شرفات بيوت أزواجهن..كانت الأبواب موصدة.. تذكر زمانا مضى.. تذكر كيف كانت الحارة تغدو -في مثل هاته الساعة أوائل النهار- كالبيت الكبير.. ويصير وسطها كالبهو الواسع.

                                كانت الأبواب تفتح بعد أن يمضي الرجال إلى أعمالهم والصبيان إلى مدارسهم.. فتبدأ يوميات نساء الحارة.. تذكر كيف تنشط الحركة النسوية قرابة الضحى.. يتم الإعداد للصبيحة بكنس العتبات.. ثم تبدأ وقفة العمل بتبادل البروتكول الرسمي: تحية.. شكاوى.. مشاورات الشئون الداخلية.. ثم يختم اللقاء بجدولة مشروع الغداء.. وبخلاف اللقاءات الرسمية الرتيبة.. فإن هذه المداولات الناعمة تكتنفها روح مرحة وتتخللها التعليقات اللطيفة.. بل إنها لسلاستها لا تحتاج إلى من يسيرها أو يوزع مهامها.. هاهي "لالة" زينة تتخلص في خفة من موضوع الأولاد لتمهد للمرحلة الختامية من الوقفة الصباحية: "واختي واحد الغدا ما عرفتوش آش غادي يكون اليوم!" فتجيبها المراكشية: "فكرتيني.. خصني نشري شي حامض باش نطيب شي سردين.." فتقاطعها جارتها: "دابا نجيب لك واحد جوج حامضات.." وهكذا تُرسم الخطوط العريضة للسياسة التموينية للحارة في وقت مبكر كل يوم في معزل عن أعين الرجال.. حينها تأخذ الموائد صورتها البهية شيئا فشيئا لتستعد لاستقبال الأفواه الجائعة.. ورب خبز اجتمع فيه دقيق البيت بخميرة الجيران وملحهم.. ورب ضيف فجأ أهل بيت لا قِرى عندهم, ثم لم يمس إلا ريّان شبعان مكرّما, فإن لنساء الحارة خطط طوارئ, وبدائل مبتكرة لا يكاد الرجال يهتدون إليها سبيلا.. فالرجل مهما اجتهد في ملء القفة, فإنها نادرا ما تفي بالحاجات التي تتكاثر كل يوم.. الرجل يأتي بقفة واحدة للبيت الصغير... ونساء الحارة يرتبن أمر القفة الكبيرة.. قفة البيت الكبير.. بيت الحارة..

                                ومن يدري.. لو كان لهؤلاء النسوة من الأمر شيء فلربما تخلصنا من عار القمح المستورد.. فإنهن ورثن شيئا من تكافل الأشعريين.. وحتى بعد انفضاض الجمع إلى المطابخ, فإن التكافل الأشعري لا يتوقف.. فإذا اكتشفت صاحبة الشأن أن القدر المنزلية تحتاج لفص ثوم أو حزمة بقدونس.. فإنها ترسل بريدا سريعا إلى أقرب قريناتها لسد الخلل.. لقد كن خلال تلك المشاورات الصباحية يخططن في لطف وحزم للمهمات التي يعجز عنها أصحاب الحقائب.. وماذا صنع لنا أصحاب الألقاب والأوسمة إلا أن حملونا أوزارا من ديونهم.. أما صواحب "القدور" فكانت قلوبهن تفيض بالحرص على بيت مال الحارة.. فلا ينفقن منه بصلة ولا قطرة زيت إلا وفق ميزان العدل وحسب مقتضيات الأمانة.. وكأني بربات بيوت الحارة في الزمن الخالي عقدن إجماعا سكوتيا على ترك الدَّين وذمه.. لقد كن بالفعل فريقا متكاملا يصح أن نسميه "وزارة الميرة".. لم يكن يهم كم من المال مع إحداهن.. بل لا يهم ألا يكون معهن مال بتاتا.. كل ما يهم أنهن يحملن حبا وعزما.. وما أن ينتصف النهار حتى تنفذ الروائح الزكية من النوافذ ومن شقوق الأبواب مؤذنة بنجاح يوم نسوي آخر.. فإذا وضعت الموائد وأُعملت فيها الأضراس والقواطع.. لم يكد لسان ينبس بكلمة عرفان.. ولم يكد قلب ينطوي على معنى شكر.. ولربما سمعت من خلف بعض أبواب البيوت الصغيرة في بيت الحارة الكبير بعض الأصوات المتأففة: "ومالك على كثرة الملح؟! تقولي طيبتي بالماء د البحر!!" لكن هذا كله لم يفل أبدا عزم صواحب الحارة في الزمن الخالي.. ولست أدري لأي شي غدت الأبواب بعد كر السنين موصدة ليلا ونهارا...

                                Last edited by هشام بن الزبير; 03-07-2011, 11:06 PM.
                                {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                                Comment

                                Working...