كعبٌ وصاحباه
رجعتُ إلى قوله سبحانه وتعالى: ((والذين آمنوا أشد حبًّا لله)) ونحوها من الآيات الدالة على حب المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى، فتوقفتُ طويلا أمام هذه الآيات المباركات.
وأخذتُ أسرح بعقلي كثيرًا، أطوف بين آيات الموضوع وأحاديثه، فبهرني حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه وصاحبيه الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والحديث مشهور في الصحاح والمسانيد وغيرها من كتب الإسلام.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوتهِ، وكان سفرًا طويلا وشاقًا، وفي الناس حاجةٌ وجهد، غير أن بعض ميسوري الحال لم يهمه أمر الرحلة كثيرًا، فهو يملك راحلته القوية التي تعينه على إنفاذ المهمة أكثر من غيره، وهو يملك المؤنة فلا حاجة به لغيره، فلم ير بأسًا أن يتخلف بعض الوقت عن الركب الأول، ويدرك الجيش السائر بعد وقت، خاصة وراحلته تعينه على هذا، وحالته ميسورة.
لكنه لم يكن يعلم أن تسويفه هذا سيفقده القافلة، وسيعطله عن اللحاق بها.
إنه يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف لنفاق فيه، غير أنه سَوَّف، وما أدراك ما ضرر التسويف على النفس حين يتمكن منها؟
سبقت القافلة ولم يعد أملٌ في إدراكها، ورحل الراحلون، وانقضى الأمر، ولم يعد سوى حسرات وندم على ما كان من تسويفٍ.
وما لبثت القافلة المباركة والجيش المكلل بالنصر أن عاد ثانية، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم، وطفق كلٌّ يدلي بعذره لينجو من لائمة النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج من نظرات المسلمين وتأنيبهم وشكهم في نفاقه.. غير أن منهم من لم يفعل هذا.
منهم من ثبتَ على حُبِّه لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فأصر على الصدق، فجاء كعبٌ وصاحباه أهل الصدق فذكروا الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم كما كانت بلا (رتوش)، فذكروا تسويفهم وندمهم على ما صدر منهم، وطلبوا العفو والمسامحة.
فاعتزلهم النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملا حتى قضى الله عز وجل فيهم بقضائه، وتاب عليهم توبة مسطرة في كتابه الكريم، تقرأها الأجيال صباحًا ومساءًا وفي كل وقتٍ.
كعبٌ رضي الله عنه رجلٌ شريفٌ عزيز في قومه، صاحب منزلة كبيرة، يمرُّ صاحب المنزلة والشرف على الناس فيلقي عليهم السلام فلا يجيبونه.
يرجع كعبٌ لأقاربه ويلقي على بعضهم السلام فلا يجيبونه.
صاحب المنزلة والمكانة لا يجاب سلامه، ولا يرد عليه أحدٌ، الكل قد أجمع على اعتزاله حتى يقضي الله فيه أمرًا.
لم يغترَّ كعبٌ بمنزلتِه، ولم تفتنه حالته الميسورة، وجلس يبكي ويتذلل ويتضرع لله عز وجل، ويمشي والدموع بعينيه مما يرى، حتى تنكَّرَتْ له الأرض، وضاق عليه الرحب والفضاء الواسع، فصاروا كما وصفهم سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118].
ضاقت عليهم الأرض الواسعة بما رحبت، بل وضاقت عليهم أنفسهم التي بين ضلوعهم، لكنهم لغلبة حبهم وقناعتهم بهذا الدين (ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه).
لغلبة قناعتهم بهذا الدين الذي خاطب عقولهم ومشاعرهم حتى اقتنعت به ورسخ الإيمان في عقولهم وقلوبهم رسوخ الجبال، لذلك كله تأكدوا يقينًا أن لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.
في هذه الأثناء يأتي البريد لكعب بن مالك؟
وممن؟
إنه ملك غسان يرسل لكعب بن مالك رسالة يطلب فيها من كعب أن يلحق به، ويرحل إليه، فيواسيه ويكرمه، وينزله المنزل اللائق به.
العزيز الشريف ميسور الحال يعتزله ضعاف الناس وفقراء المسلمين كما يعتزله كبارهم استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم باعتزاله وصاحبيه حتى يقضي الله فيهم أمرًا.
وفي هذه الأثناء تأتي له رسالة من ملك يطالبه أن يرحل إليه على الفور ليواسيه ويكرمه وينزله منزلته التي يستحقها فيما يظن.
لكن قناعة كعب بالإسلام والإيمان حالت دون ذلك، وجعلت مصير رسالة الملك إلى التنور، لتأكل النار رسالة الملك التي يرى فيها كعب فتنة أخرى من الفتن التي يتعرض لها.
ما أصبرك على اعتزال الناس أيها الشريف العزيز؟
ما أصبرك على اعتزالهم لك وأنت أنت في المنزلة؟
ثم لديك العرض الكبير من ملك كبير؟
فرصة عمرك كما يتصورها البعض قد حانت، فارحل يا كعب.
هكذا يقول لك الذين لا يؤمنون..
لكن قناعة كعبٍ رضي الله عنه بالإسلام، تحول بينه وبين الفتن.
إنها قناعة العقل والروح معًا، وهي في الوقت نفسه بشاشة الإيمان وحلاوته حين تتذوق النفس حلاوة الإيمان وطعمه، وتتلذَّذ به، فتتحمل في سبيله الغالي والرخيص.
إنه رجل مطرود من الجماعة، محكوم عليه بالاعتزال، فهو أمر من السجن، وأقصى عقوبة من النفي، حين يمشي في الناس لا يكلمه أحد، وكأنه ليس موجودًا أصلا.
فلم يكن ثمة إرهاب أو قمع له على البقاء، بل التأثيرات العاطفية والنظرة السطحية ربما جاءت في صف ملك غسان، وألقت باللائمة على كعبٍ لماذا لم يستجب لملك غسان ويرحل إليه ليواسيه في محنتِه، وينزله منزلته التي كانت له قبل تخلُّفِه عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن ثمة قناعات أخرى لدى كعب بن مالك رضي الله عنه تقول لنا: بل الله ورسوله أريد!!
فهل يلتفت الذين يقولون لنا: أنتم تدخلون الناس في دينكم بحد السيف إلى هذا الدرس العظيم؟
وهل يلتفت الذين يقولون لنا: بل ربكم أجبركم على ما تصنعون دون رغبة منكم إلى هذا الدرس العظيم؟
درسٌ يقول لنا: مطرودٌ معزولٌ يصر على البقاء، ويتمسك في الإسلام..
كلا؛ بل ويسمى مطالبة ملك غسان له بالرحيل إليه فتنة من الفتن!!
فهل يفعل كعبٌ العربي الفطن الذكي هذا كله بغير قناعة مسبقة بهذا الإسلام العظيم؟ ورؤية ثاقبة بوجود النجاة في الإسلام؟
اللهم لا وألف لا
وأخذتُ أسرح بعقلي كثيرًا، أطوف بين آيات الموضوع وأحاديثه، فبهرني حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه وصاحبيه الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والحديث مشهور في الصحاح والمسانيد وغيرها من كتب الإسلام.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوتهِ، وكان سفرًا طويلا وشاقًا، وفي الناس حاجةٌ وجهد، غير أن بعض ميسوري الحال لم يهمه أمر الرحلة كثيرًا، فهو يملك راحلته القوية التي تعينه على إنفاذ المهمة أكثر من غيره، وهو يملك المؤنة فلا حاجة به لغيره، فلم ير بأسًا أن يتخلف بعض الوقت عن الركب الأول، ويدرك الجيش السائر بعد وقت، خاصة وراحلته تعينه على هذا، وحالته ميسورة.
لكنه لم يكن يعلم أن تسويفه هذا سيفقده القافلة، وسيعطله عن اللحاق بها.
إنه يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف لنفاق فيه، غير أنه سَوَّف، وما أدراك ما ضرر التسويف على النفس حين يتمكن منها؟
سبقت القافلة ولم يعد أملٌ في إدراكها، ورحل الراحلون، وانقضى الأمر، ولم يعد سوى حسرات وندم على ما كان من تسويفٍ.
وما لبثت القافلة المباركة والجيش المكلل بالنصر أن عاد ثانية، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم، وطفق كلٌّ يدلي بعذره لينجو من لائمة النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج من نظرات المسلمين وتأنيبهم وشكهم في نفاقه.. غير أن منهم من لم يفعل هذا.
منهم من ثبتَ على حُبِّه لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فأصر على الصدق، فجاء كعبٌ وصاحباه أهل الصدق فذكروا الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم كما كانت بلا (رتوش)، فذكروا تسويفهم وندمهم على ما صدر منهم، وطلبوا العفو والمسامحة.
فاعتزلهم النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملا حتى قضى الله عز وجل فيهم بقضائه، وتاب عليهم توبة مسطرة في كتابه الكريم، تقرأها الأجيال صباحًا ومساءًا وفي كل وقتٍ.
كعبٌ رضي الله عنه رجلٌ شريفٌ عزيز في قومه، صاحب منزلة كبيرة، يمرُّ صاحب المنزلة والشرف على الناس فيلقي عليهم السلام فلا يجيبونه.
يرجع كعبٌ لأقاربه ويلقي على بعضهم السلام فلا يجيبونه.
صاحب المنزلة والمكانة لا يجاب سلامه، ولا يرد عليه أحدٌ، الكل قد أجمع على اعتزاله حتى يقضي الله فيه أمرًا.
لم يغترَّ كعبٌ بمنزلتِه، ولم تفتنه حالته الميسورة، وجلس يبكي ويتذلل ويتضرع لله عز وجل، ويمشي والدموع بعينيه مما يرى، حتى تنكَّرَتْ له الأرض، وضاق عليه الرحب والفضاء الواسع، فصاروا كما وصفهم سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118].
ضاقت عليهم الأرض الواسعة بما رحبت، بل وضاقت عليهم أنفسهم التي بين ضلوعهم، لكنهم لغلبة حبهم وقناعتهم بهذا الدين (ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه).
لغلبة قناعتهم بهذا الدين الذي خاطب عقولهم ومشاعرهم حتى اقتنعت به ورسخ الإيمان في عقولهم وقلوبهم رسوخ الجبال، لذلك كله تأكدوا يقينًا أن لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.
في هذه الأثناء يأتي البريد لكعب بن مالك؟
وممن؟
إنه ملك غسان يرسل لكعب بن مالك رسالة يطلب فيها من كعب أن يلحق به، ويرحل إليه، فيواسيه ويكرمه، وينزله المنزل اللائق به.
العزيز الشريف ميسور الحال يعتزله ضعاف الناس وفقراء المسلمين كما يعتزله كبارهم استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم باعتزاله وصاحبيه حتى يقضي الله فيهم أمرًا.
وفي هذه الأثناء تأتي له رسالة من ملك يطالبه أن يرحل إليه على الفور ليواسيه ويكرمه وينزله منزلته التي يستحقها فيما يظن.
لكن قناعة كعب بالإسلام والإيمان حالت دون ذلك، وجعلت مصير رسالة الملك إلى التنور، لتأكل النار رسالة الملك التي يرى فيها كعب فتنة أخرى من الفتن التي يتعرض لها.
ما أصبرك على اعتزال الناس أيها الشريف العزيز؟
ما أصبرك على اعتزالهم لك وأنت أنت في المنزلة؟
ثم لديك العرض الكبير من ملك كبير؟
فرصة عمرك كما يتصورها البعض قد حانت، فارحل يا كعب.
هكذا يقول لك الذين لا يؤمنون..
لكن قناعة كعبٍ رضي الله عنه بالإسلام، تحول بينه وبين الفتن.
إنها قناعة العقل والروح معًا، وهي في الوقت نفسه بشاشة الإيمان وحلاوته حين تتذوق النفس حلاوة الإيمان وطعمه، وتتلذَّذ به، فتتحمل في سبيله الغالي والرخيص.
إنه رجل مطرود من الجماعة، محكوم عليه بالاعتزال، فهو أمر من السجن، وأقصى عقوبة من النفي، حين يمشي في الناس لا يكلمه أحد، وكأنه ليس موجودًا أصلا.
فلم يكن ثمة إرهاب أو قمع له على البقاء، بل التأثيرات العاطفية والنظرة السطحية ربما جاءت في صف ملك غسان، وألقت باللائمة على كعبٍ لماذا لم يستجب لملك غسان ويرحل إليه ليواسيه في محنتِه، وينزله منزلته التي كانت له قبل تخلُّفِه عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن ثمة قناعات أخرى لدى كعب بن مالك رضي الله عنه تقول لنا: بل الله ورسوله أريد!!
فهل يلتفت الذين يقولون لنا: أنتم تدخلون الناس في دينكم بحد السيف إلى هذا الدرس العظيم؟
وهل يلتفت الذين يقولون لنا: بل ربكم أجبركم على ما تصنعون دون رغبة منكم إلى هذا الدرس العظيم؟
درسٌ يقول لنا: مطرودٌ معزولٌ يصر على البقاء، ويتمسك في الإسلام..
كلا؛ بل ويسمى مطالبة ملك غسان له بالرحيل إليه فتنة من الفتن!!
فهل يفعل كعبٌ العربي الفطن الذكي هذا كله بغير قناعة مسبقة بهذا الإسلام العظيم؟ ورؤية ثاقبة بوجود النجاة في الإسلام؟
اللهم لا وألف لا
Comment