هذه كلمة حديثية حول تصحيح حديث حذيفة المشهور مرفوعًا: ( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ).
فقد نشأ من القوم نَبَغةٌ جزموا بضعف تلك الجملة البتة! وبالغ بعضهم وقال بنكارتها! وليس لهم في ذلك سلف صالح البتة! والذين تكلموا في تلك الجملة من المتقدمين إنما قصدوا طريق مسلم إليها وحسب، فإنه معلول على التحقيق.
ولم أتطرَّق في هذا المقام إلى التحدث حول دلالة هذا الحديث الشريف، ولا أرغب لأحد قط أن يتحدث حولها إيجابًا أو سلبًا.
إنما كلمتي هنا: حديثية محضة في بيان صحة تلك الجملة رغم محاولات كل من حاول النيل من ثبوتها البتة!
فمن أراد مناقشتي في هذه الحيثية فله ذلك، بل وحبذا الخوض معه في غمار تلك المسالك.
وحديث حذيفة هذا: هو ما أخرجه أبو الحسين ابن الحجاج الحافظ في ( صحيحه ) من طريق يَحْيَى بن حسان حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلاَّمٍ -حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلاَّمٍ- عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ ممطور الحبشي، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: ( يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ ، فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، فَنَحْنُ فِيهِ ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : كَيْفَ ؟ قَالَ : يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ، قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مَالُكَ ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ).
فهذه الجملة في آخر الحديث: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مَالُكَ ) لم نعلم أحدًا من الأئمة المتقدمين قد ضعفها البتة! وإنما تكلم فيها من تكلم بخصوص رواية مسلم فقط.
لكن أبَا الشيخ يوسف القرضاوي إلا أن ينال منها! ويشتط في تضعييفها! إعمالا لقاعدة إهدار صحاح الأخبار إذا صادمت ما تقرر في قرائح الناقدين! تلك القاعدة التي ورثها عن شيخه محمد الغزالي، وتلقفها جماعة من العقلانيين والعصرانيين الذين عمدوا إلى إبطال جملة من أحاديث ( الشيخين ) بدعوى مخالفتها للعقل والواقع! والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.
ومن آخرها عند الشيخ القرضاوي حديث ابن عمر مرفوعًا: ( بعثتُ بالسيف بين يدي الساعة )!
ومنذ أيام عمد الشيخ إلى تضعييف حديثنا هنا: ( وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك )، استنادًا إلى ما ثبت في القرآن الكريم من تلك الآيات الصريحة في تحريم الظلم! مع ما تقرر في عموميات الشريعة في ذلك.
مع أن أئمة السلف وكبار المحدثين: ما كانت تلك خطتهم في إعلال الأحاديث والأخبار، بل كانوا يتهيبون جدًا التعرض لتكذيب حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- إلا بتلك البراهين الواضحات مما دونها شمس النهار!
ولكن: من تكلم في غير فنه أتى بكل عجيب وغريب! وأكثر بل غالب الذين ضعفوا هذا الحديث من المعاصرين ليس لهم في الصنعة الحديثية فتيل ولا قطمير؛ ويدلك على ذلك كلامهم فيها بالمنطوق والمفهوم.
وقد كان إمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة ينكر أن يكون ثمة حديثان صحيحان متناقضين؟ وقبله كان أبو محمد ابن عيينة ينكر ذلك أيضًا، وذلك لسعة دائرة حفظهما بوجوه الجمع بين ما ظاهره التعارض من الأخبار.
أما في تلك الأعصار المتأخرة: فقد بُلِينا بِنَشْوٍ جلُّ همهم إسقاط الثابت من الآثار النبوية بمجرد مخالفتها لما تُمْليه عليهم عقولهم وأذواقهم وحسب! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبعد اللُّتيَّا والتي: نعود إلى الكلام على حديث حذيفة السابق فنقول:
قد أعل أبو الحسن ابن مهدي البغدادي هذا الطريق الماضي بكون أبي سلام لم يسمع من حذيفة بن اليمان! فقال: (هذا عندي مرسل لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة ). وهو كما قال.
لكن: تعقبه أبو زكريا النواوي بقوله: ( وهو كما قال الدارقطني لكن المتن صحيح متصل بالطريق الأول وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى، وقد قدمنا أن الحديث المرسل إذا روي من طريق آخر متصلا تبينا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به ويصير في المسئلة حديثان صحيحان).
وتعقب النووي فيه نظر أشار إليه شيخ اليمن مقبل الوادعي فقال: ( هذا وفي حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتـفق عليه وهي قوله :" وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " فهذه الزيادة ضعيفة لأنها من هذه الطريق المنقطعة ).
والأمر كما قال الشيخ مقبل.
فحاصل هذا: أن تلك الزيادة في حديث مسلم، ضعيفة معلولة بالإنقطاع من هذا الطريق.
نعم: قد وصل الحاكم وغيره هذه الزيادة من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبيه عن جده عن حذيفة به ...
لكن: الإسناد إلى يحيى منكر لا يثبت.
تابع البقية: ....
فقد نشأ من القوم نَبَغةٌ جزموا بضعف تلك الجملة البتة! وبالغ بعضهم وقال بنكارتها! وليس لهم في ذلك سلف صالح البتة! والذين تكلموا في تلك الجملة من المتقدمين إنما قصدوا طريق مسلم إليها وحسب، فإنه معلول على التحقيق.
ولم أتطرَّق في هذا المقام إلى التحدث حول دلالة هذا الحديث الشريف، ولا أرغب لأحد قط أن يتحدث حولها إيجابًا أو سلبًا.
إنما كلمتي هنا: حديثية محضة في بيان صحة تلك الجملة رغم محاولات كل من حاول النيل من ثبوتها البتة!
فمن أراد مناقشتي في هذه الحيثية فله ذلك، بل وحبذا الخوض معه في غمار تلك المسالك.
وحديث حذيفة هذا: هو ما أخرجه أبو الحسين ابن الحجاج الحافظ في ( صحيحه ) من طريق يَحْيَى بن حسان حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلاَّمٍ -حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلاَّمٍ- عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ ممطور الحبشي، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: ( يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ ، فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، فَنَحْنُ فِيهِ ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : كَيْفَ ؟ قَالَ : يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ، قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مَالُكَ ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ).
فهذه الجملة في آخر الحديث: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مَالُكَ ) لم نعلم أحدًا من الأئمة المتقدمين قد ضعفها البتة! وإنما تكلم فيها من تكلم بخصوص رواية مسلم فقط.
لكن أبَا الشيخ يوسف القرضاوي إلا أن ينال منها! ويشتط في تضعييفها! إعمالا لقاعدة إهدار صحاح الأخبار إذا صادمت ما تقرر في قرائح الناقدين! تلك القاعدة التي ورثها عن شيخه محمد الغزالي، وتلقفها جماعة من العقلانيين والعصرانيين الذين عمدوا إلى إبطال جملة من أحاديث ( الشيخين ) بدعوى مخالفتها للعقل والواقع! والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.
ومن آخرها عند الشيخ القرضاوي حديث ابن عمر مرفوعًا: ( بعثتُ بالسيف بين يدي الساعة )!
ومنذ أيام عمد الشيخ إلى تضعييف حديثنا هنا: ( وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك )، استنادًا إلى ما ثبت في القرآن الكريم من تلك الآيات الصريحة في تحريم الظلم! مع ما تقرر في عموميات الشريعة في ذلك.
مع أن أئمة السلف وكبار المحدثين: ما كانت تلك خطتهم في إعلال الأحاديث والأخبار، بل كانوا يتهيبون جدًا التعرض لتكذيب حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- إلا بتلك البراهين الواضحات مما دونها شمس النهار!
ولكن: من تكلم في غير فنه أتى بكل عجيب وغريب! وأكثر بل غالب الذين ضعفوا هذا الحديث من المعاصرين ليس لهم في الصنعة الحديثية فتيل ولا قطمير؛ ويدلك على ذلك كلامهم فيها بالمنطوق والمفهوم.
وقد كان إمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة ينكر أن يكون ثمة حديثان صحيحان متناقضين؟ وقبله كان أبو محمد ابن عيينة ينكر ذلك أيضًا، وذلك لسعة دائرة حفظهما بوجوه الجمع بين ما ظاهره التعارض من الأخبار.
أما في تلك الأعصار المتأخرة: فقد بُلِينا بِنَشْوٍ جلُّ همهم إسقاط الثابت من الآثار النبوية بمجرد مخالفتها لما تُمْليه عليهم عقولهم وأذواقهم وحسب! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبعد اللُّتيَّا والتي: نعود إلى الكلام على حديث حذيفة السابق فنقول:
قد أعل أبو الحسن ابن مهدي البغدادي هذا الطريق الماضي بكون أبي سلام لم يسمع من حذيفة بن اليمان! فقال: (هذا عندي مرسل لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة ). وهو كما قال.
لكن: تعقبه أبو زكريا النواوي بقوله: ( وهو كما قال الدارقطني لكن المتن صحيح متصل بالطريق الأول وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى، وقد قدمنا أن الحديث المرسل إذا روي من طريق آخر متصلا تبينا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به ويصير في المسئلة حديثان صحيحان).
وتعقب النووي فيه نظر أشار إليه شيخ اليمن مقبل الوادعي فقال: ( هذا وفي حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتـفق عليه وهي قوله :" وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " فهذه الزيادة ضعيفة لأنها من هذه الطريق المنقطعة ).
والأمر كما قال الشيخ مقبل.
فحاصل هذا: أن تلك الزيادة في حديث مسلم، ضعيفة معلولة بالإنقطاع من هذا الطريق.
نعم: قد وصل الحاكم وغيره هذه الزيادة من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبيه عن جده عن حذيفة به ...
لكن: الإسناد إلى يحيى منكر لا يثبت.
تابع البقية: ....

Comment