القرآن كلام الله عز وجل
وإِذْ قد وصلنا إلى ما وصلنا إليه آنفًا فلنُذَكِّر القراء الكرام بأن القرآن كلام الله عز وجل بنظمه وكلماته وحروفه وترتيبه، ولا مدخل فيه لبشرٍ مِنْ قريبٍ أو بعيدٍ، بل هو كلام الله عز وجل، كيف كان، مسموعًا، ومحفوظًا، ومكتوبًا.
وقد ثبتَ ذلك بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما القرآن الكريم:
فمنه: قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة:6].
وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}[الأعراف:143].
وأما السنة النبوية:
فمنها: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ أنَّ رسول الله :salla1: كانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ بِالْمَوْقِفِ؛ ويقول: ((أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلْنِي إِلَى قَوْمِهِ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي)).
رواه ابنُ أبي شيبة (14/310)، وأحمد (3/390)، وعثمان بن سعيد في "الرد على الجهمية" (ص/74)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (ص/40)، وأبوداود (4734)، والنسائي في "الكبرى" (7727)، والترمذي (2925)، وابن ماجة (201)، والحاكم (2/612ـ613)، وغيرهم بإسنادٍ صحيحٍ.
وأما الإجماع:
فقد حكاه غيرُ واحدٍ من السلف الصالح رضي الله عنهم، ومن ذلك:
قال الإمام عمرو بن دينار رحمه الله: ((أَدْرَكْتُ الناسَ - وكان قد أدركَ أصحاب رسول الله :salla1: ، فمن دونهم - منذ سبعين سنة - كلَّهم يقولون: اللهُ جلَّ اسْمُهُ الخالقُ، وما سواهُ مخلوقٌ؛ إلا القرآن فإِنَّه كلام الله تعالى)).
رواه البخاري في "خَلْق أفعال العباد" (ص/29)، وابن بطة في "الإبانة" (2/6 - 8 رقم183 - 184)، وغيرهما.
وساق ابنُ الجوزي رحمه الله بإسناده عن أبي عبد الله بن مَنْدَةَ قال: ((إنَّ الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار، قرنًا بعد قرنٍ، إلى عصرنا هذا: أجمعوا على أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غير ذلك كَفَرَ)) "فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن" لابن الجوزي (ص/53).
وقال الإمام محمد بن الحسين الآجُرِّيُّ رحمه الله:
((اعلموا رحمنا الله وإياكم: أنَّ قول المسلمين الذين لم تَزِغْ قلوبهم عن الحقِّ، ووفِّقوا للرَّشادِ قديمًا وحديثًا: إِنًَّ القرآن كلام الله عز وجل ليس بمخلوقٍ؛ لأنَّ القرآن مِن عِلْم الله تعالى، وعِلْمُ الله عز وجل لا يكون مخلوقًا، تعالى الله عز وجل عن ذلك.
دلَّ على ذلك القرآن والسنة وقول الصحابة رضي الله عنهم وقول أئمة المسلمين رحمة الله تعالى عليهم، لا يُنكر هذا إلا جهميٌّ خبيثٌ، والجهميةُ عند العلماء كافرةٌ)) ((الشريعة)) للآجُرِّي (ص/75).
وقال الإمام ابن بطة العُكْبري رحمه الله:
((ثم بعد ذلك أَنْ يعلم بغير شكٍّ ولا مِرْيةٍ ولا وقوفٍ أَنَّ القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته، وصفاته، وأسمائه، وهو عِلْمٌ مِنْ عِلْمِهِ، غير مخلوقٍ، وكيف قُرِئَ، وكيف كُتِبَ، وحيثُ تُلِيَ، وفي أَيِّ موضعٍ كان، في السماء وُجِدَ أو في الأرضِ، حُفِظَ في اللوح المحفوظ وفي المصاحف وفي ألواح الصبيان مرسومًا، أو في حَجَرٍ منقوشًا، وعلى كلِّ الحالات، وفي كلِّ الجهات؛ فهو كلام الله غير مخلوق.
ومَن قال: مخلوق، أو قال: كلام الله وَوَقَفَ، أو شكَّ، أو قال بلسانه وأضْمَرَهُ في نفسه: فهو بالله كافرٌ، حلال الدم، بريء مِن الله، والله منه بريءٌ، ومَن شكَّ في كفره، ووَقَفَ عن تكفيره: فهو كافرٌ؛ لقول الله عز وجل: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ [21] فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج:21 ـ 22].
وقال تعالى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة:6].
وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} [الطلاق:5].
فمَنْ زَعَمَ أَنَّ حرفًا واحدًا منه مخلوق؛ فقد كَفَرَ لا محالة؛ فالآي في ذلك مِن القرآن، والحجة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أكثر مِن أَنْ تُحْصى، وأَظْهَر مِن أَنْ تخْفى)) "كتاب: الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لابن بطة (ص/184 ـ 185، ط: المكتبة الفيصلية بمكة).
وقد وردت الآثارُ بذلك عن الخلفاء الأربعة الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم رضي الله عنهم جميعًا.
أقتبس من ذلك ما رواه أحمد في "الزهد" (ص/35)، وابنه عبد الله في "السنة"" (1/144-145 رقم117-118)، وعثمان بن سعيد في "الرد على الجهمية" (ص/78)، وغيرهم: عن عمر بن الخطاب
أَنَّهُ قال: ((القرآن كلام الله تعالى فَضَعُوهُ في مواضعه)).وما قاله أبو مُصعبٍ الزُّهري: ((سمعتُ مالك بن أنس يقول: القرآن كلام الله)).
ذكرَهُ ابن بطة في "الإبانة" (2/47 - 48 رقم241 - الرد على الجهمية).
وأختمُ ذلك بما قاله فضيلة الشيخ حسن مأمون مفتي مصر سابقًا رحمه الله تعالى:
((القرآن كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لهداية الناس، وبيان الأحكام التي تعبَّدَ الله الناس بها، وكلَّفَهم باتِّباعها، والقرآن وحيٌ متلوٌّ، سَمِعَهُ الرسول من الوحي، وحَفِظَهُ بألفاظه وعباراته، ووعاه، وأبلَغَهُ كما سمعه إلى أصحابه، ودعاهم إلى حِفْظِه، وتَفَهُّم معانيه، والعمل به، فحفظوه، وفهموا معانيه، وعملوا بأحكامه، ونُقِلَ إلينا بطريق التواتر، وثبت على وجه القطع، ورَوَوْهُ عن الله عز وجل ، وصَدَقَ ما وَعَدَ الله به رسولَهُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]))أهـ
((الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية)) نشر وزارة الأوقاف بمصر (5/1606 رقم707).
Leave a comment: