هو - رضي الله عنه - ندم عن قتال أهل الحق لا عن قتال الخارج المارقين ، وابن تيمية نقل ندمه وأنا أصدقه والله أعلم .
يقول الإمام ابن قدامة : "البغاة قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الامام ويرومون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة الذين نذكر في هذا الباب حكمهم وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة لما ذكرنا في أول الباب ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي وظهر الفساد في الأرض"
قال ابن حزم الأندلسي 12/424: "من دعا إلى أمر بالمعروف أو نهي عن منكر أو إظهار القرآن والسنن والحكم بالعدل وهو صادق بدعواه فلا يعتبر باغياً بل الباغي من خالف ذلك".
قال ابن الوزير في الروض الباسم ص ج2/32
إن الفقهاء لا يقولون بأن الخارج على إمام الجور باغ ولا آثم، وهذا واضح من أقوالهم)
الخروج على الحاكم بالسلاح أو باللسان كالتحريض عليه ( وفي نصحه والإنكار عليه علناً كلام فجوزه البعض و صدر من أفاضل علماء عصرنا ..) ولا يجوز للآثار الواردة في ذلك ، ويبقى التوصيف الشرعي لفاعليه بحسب حالهم وما يطالبون به وكيفية خروجهم ( خوارج ، بغاة ، محاربون ) ، و هذا التوصيف والتنزيل على الوقائع للعلماء ، لكن الخروج بأنواعه إن كان على الحاكم المسلم ممنوع ..
والفرق بين القتالين أن قتال طلحة والزبير رضوان الله عليهما كان مع علم علي رضي الله عنه بأنهما ما خلعا عليه ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة ، وإنما رأيا أن الأولى البدء بقتل قتلة عثمان رضي الله عنه ، ويعلم قدرهما وإيمانهما وتقواهما ، و الحرب بين الفريقين كانت فجأة لم تحتمل أخذا ولا ردا ولا محاججة إذ أنهم أصلا كانوا يعيشون فتنة مقتل عثمان وما ترتب عنها ...ومع ذلك قاتل علي رضي الله عنه مصداقا لقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين }
ثم أختي الكريمة قارني بين موقف سهل بن حنيف رضي الله عنه- و هو من كبار أصحاب علي رضي الله عنه الذين قاتلوا معه -من القتال في الجمل و صفين و القتال ضد الخوارج
قال في قتال الجمل و صفين :
سألت أبا وائل : شهدت صفين ؟ قال : نعم ، فسمعت سهل بن حنيف يقول : اتهموا رأيكم ، رأيتني يوم أبي جندل ، ولو أستطيع أن أرد أمر النبي صلى الله عليه وسلم لرددته ، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر تعرفه غير أمرنا هذا .
الراوي: سهل بن حنيف المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3181
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
فكيف لم يعرف سهل رضي الله عنه الأحاديث التي تمنع الخروج و تبيح القتال لولي الأمر أين ذهبت عنه هذه الأحاديث حتى جعلته لأول مرة في حياته لا يعرف إن كان على حق أو على باطل ؟؟؟؟
بينما في قتال الخوارج يقول :
سألت سهل بن حنيف : هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج ؟ فقال : سمعته ( وأشار بيده نحو المشرق ) . " قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم . يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " .
الراوي: سهل بن حنيف المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1068
خلاصة حكم المحدث: صحيح
و هذا نفسه موقف علي رضي الله الذي ندم عليه فهو لم يكن له في قتال الجمل نصوص واضحة صريحة كالتي كانت معه يوم حروراء
و هذا هو موقف كل المسلمين يومها بما فيهم من إعتزل القتال بينما القتال يوم حروراء ضد الخوارج فكان في غاية الوضوح
و لهذا لما قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه يوم صفين إتضحت الأمور للجميع و عرفوا المحق من الباغي و لو كان الصحابة و المسلمون يفهمون الأحاديث التي تستدلون بها كما تفهمونها أنتم لكانت الأمور في غاية الوضوح إمام مسلم عادل و فرقة خارجة باغية لكن الأمور في دين الله ليست بهذه البساطة ..
ثم الآية التي إستدللت بها لا تقف معك ففيها الأمر بالإصلاح بمعنى لو كان الإمام جائر و الخارجون عليه أهل حق لكان الواجب الشرعي هو الإصلاح و الإصلاح هو إزالة المظالم و التحاكم إلى الكتاب و السنة..
قال ابن تيمية في الفتاوي ج35/53 : "أما جمهور أهل العلم فيفرقون بين الخوارج المارقين وبين أهل الجمل وصفين وغير أهل الجمل وصفين ممن يُعد من البغاة المتأولين وهذا هو المعروف عن الصحابة وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين"
وقال أيضا "والمصنفون في الأحكام يذكرون قتال البغاة والخوارج جميعاً وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتال البغاة إلا حديث كوثر بن حكيم عن نافع وهو موضوع وأما كتب الحديث المصنفة مثل صحيح البخاري والسنن فليس فيها إلا قتال أهل الردة والخوارج وهم أهل الأهواء وكذلك كتب السنة المنصوص عليها عن الإمام أحمد ونحوه، وكذلك فيما أظن –والكلام لابن تيمية- كتب مالك وأصحابه ليس فيها باب قتال البغاة وإنما ذكروا أهل الردة والأهواء قال وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك"
"فارتكب الأولون ثلاث محاذير [أي بعدم التفريق بين تلك الأنواع]:
1- قتال من خرج عن طاعة ملك معين وإن كان قريباً منه أو مثله في السنة والشريعة لوجود الافتراق والافتراق هو الفتنة.
2- التسوية بين هؤلاء وبين المرتدين عن بعض شرائع الإسلام.
3- التسوية بين هؤلاء وبين قتال الخوارج المارقين من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ولهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم أو أئمة الكلام أو أئمة المشيخة على نظرائهم مدّعين أن الحق معهم أو أنهم أرجح بهوى قد يكون فيه تأويل بتقصير لا بالاجتهاد وهذا كثير في علماء الأمة وعبادها وأمرائها وأجنادها وهو من البأس الذي لم يرفع من بينها فنسأل الله العدل فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله".
الترجيح مطلوب ، ولا ترجيح إلا بإعراض عن قول ما ..وقول الجمهور فيه إعمال لكل الأدلة ،ولا إعراض فيه عن بعضها ..
فماذا تفعل بقول النبي صلى الله عليه وسلم :
وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك
فماذا تفعل بقول النبي صلى الله عليه وسلم :
وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك
بمعنى ما هو مقدار الظلم الذي نصبر عليه هل هو ضرب بسيط أم تعذيب حتى الموت ؟؟؟ هل هو أخذ مال بسيط أم أخذ كل مال الأمة هل نصبر إذا أراد الحاكم الظالم أعراضنا ؟؟؟ هل نصبر على بيع البلاد لليهود و النصارى ؟؟؟ فلا بد أن يكون للحديث ضوابط و قيود فلا يطلق هكذا بحيث يصبح الظلم قانون إسلامي للإمام أن يفعل ما يشاء و ليس علينا إلا الصبر ؟؟؟؟؟
فالحديث يتكلم عن الظلم العادي الذي لا يخلو منه أمير ولا سلطان ولا مكان ولا زمان ولا يتحدث عن الظلم العام الدائم فهذا ينافي أحاديث الأخذ على يد الظالم و ينافي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم
من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإن من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية
إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان
إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان
قال (قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ، مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) هكذا هو لمعظم الرُّواة.
وفي معظم النُّسخ: بواحاً بالواو.
وفي بعضها: براحاً، والباء مفتوحة فيهما.
ومعناهما: كفراً ظاهراً، والمراد بالكفر هنا: المعاصي.
ومعنى عندكم من اللهِ فيه برهان أي: تعلمونه من دين اللهِ.
ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلاَّ أن تروا منهم منكراً محقَّقاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم)
إن كان القول المجمع عليه ظنيا او على أقل تقدير الذي عليه الجمهور ظنا لا يغني من الحق شيئا ، فلا يعدو قول المخالف كونه شكا لأنه قول الأقل الشاذ الذي تعوزه الأدلة المرجحة
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره للآية : {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } ، قال : [ الحادية والعشرون : استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك ، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله ، على ما تقدم من القول فيه . فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل ، لقوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم . وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج ، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم ، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة . والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه ; لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ، وإراقة الدماء ، وانطلاق أيدي السفهاء ، وشن الغارات على المسلمين ، والفساد في الأرض . والأول مذهب طائفة من المعتزلة ، وهو مذهب الخوارج ، فاعلمه .
هذا النقل حجة لي و حجة عليك
ففيه أن الحديث الذي تستدلون به ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم ، أو : نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .) تفهمونه على غير حقيقته فأهله يعني المستحقون للإمامة من أهل الفضل و ليس الحكام بالمطلق ؟؟؟
و ثانيا قول القرطبي (والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه) معي فأنتم لا تعترفون بأولوية ولا أفضلية بل تقولون بالحرمة و نحن لا نقول بالخروج مطلقا هكذا بدون ضابط ولا رابط بل الخروج مقيد بأمور كثيرة أهمها المصلحة و المفسدة و القدرة و هذا نفسه قول الشخ المعلمي الذي قال بخلاصة جامعة :
(والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جداً مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلا فلا . وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان ، وأولاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ وكان كثير المخالطة للناس والمباشرة للحروب والمعرفة بأحوال الثغور )
Comment