أخي الكريم,
سؤالك وجيه, وهذا أول شيء طرق بالي حين فكرت في البدء في هذا الموضوع الطريف.
لهذا صدرت أول مشاركة فيه: "أبو الإلحاد الرقمي في أزمة" بما يفهم منه أن سخريتي من القوم الملحدين رد بالمثل. مع فارق عظيم, فأنا لم أسخر من خلقتهم وإنما سخرت من خلقهم, ولم أتجاوز ما يصرحون به من الكفر والشقاق والنفاق والتخبط في حمأة الأوهام والخرافات المضحكة.
الأمر الآخر, هو أن هذه المقالات ليست محاورة لأحد, بل هي محاولة للغوص في العالم الغريب الذي يمكن أن نسميه "عالم الزندقة الإلكترونية" فأبو الإلحاد رمز لهولاء الأراذل الذين ملئوا الإنترنت بمدوناتهم ومنتدياتهم الفاجرة.
وقد ذكر العلماء أن الكافر المحارب لا تحرم غيبته وذكره بما فيه.
قال الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني - حاكياً اعتقاد السلف أهل الحديث - :
واتفقـوا مع ذلك : على القول بقهر أهل البدع ، وإذلالهم ، وإخزائهم ، وإبعادهم ، وإقصائهم ، والتباعد منهم ، ومن مصاحبتهم، ومعاشرتهم ، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ، ومهاجرتهم .
" عقيدة السلف وأصحاب الحديث " ( ص 123 ) .
ومهما يكن الأمر فإني أحتسب ما أكتبه, وأرجو أن تحز حروفي في قلوب زنادقة الشكبة العرب, وأن يروا أنهم لإلحادهم أحق بالسخرية من أهل الإسلام وأننا أسيادهم. وكيف لا نسخر من قوم سخروا من ديننا واتخذوا آيات ربنا هزوا؟ ألا ولا حرمة لنفوسهم ولا لدماءهم ولا لأعراضهم حتى يتوبوا عما هم فيه. ولو كانت للمسلمين شوكة لما نبس منهم أحد بكلمة, ولكن مثلنا ومثلهم كما قال القائل: خلا لك الجو فبيضي واصفري.
هذا مبلغ علمي وفوق كل ذي علم عليم, وأنا و إن كنت أتحرى ألا أنزلق إلى ما لا يحمد, فإني أدعو منكم من وجد خللا أن يدلني عليه, ولو دلني أحد بعلم على محذور شرعي, فما أهون أن أجعل أبا الإلحاد يصمت إلى الأبد..
وشكر الله لكم جميعا حسن اهتمامكم بحروفي واعتز بكم قراء طيبيبن ناصحين.
والله كلام رائع ...... ولسان بارع
ماشاء الله .....................................
كاتب رائع متميز والله لقد فقت بأسلوبك كلام كبار الأدباء
قلمك طائرة تلقي صوارخيها على الملحدين والزنادقة
استمر ياأخي والى الأمام دائما .
علم علمك الى من يجهل
وتعلم ممن يعرف ماتجهل
فإنك ان فعلت ذلك عرفت ماجهلت وحفظت ماعلمت.
[ابو حامد الغزالي
FONT="Arial Black"][/FONT]
سعدت برؤية اسمك المشرق ..والحمدلله الكريم على عودتك , أخي الحبيب هشام , وقد راسلتك في بريدك من مدة
بخصوص السخرية وسؤال السائل ,يقول الله عز وجل"قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون"حكاية عن نوح عليه السلام
فالسخرية من هؤلاء منهج نبوي سجله القران العظيم
حياك الله أستاذي الحبيب أبو القاسم.
لم أنتبه للرسالة إلا الساعة فمعذرة. وبارك الله في جميع الإخوة الكرام.
أما الذين يسألون عما جد في عالم صاحب اليوميات, فإن لدي رؤوس أقلام اكتمل بعضها, وسترون قريبا المقالات التالية إن شاء الله, ولا أدري أيها يكتمل أولا:
أبو رقاقة العدمي.
الطفولة الإلحادية.
أبو الإلحاد ولغز الأحافير.
شرنقة الإلحاد.
هلوسات إلحادية.
كازينو الإلحاد.
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلمة ابن الاكوع
مشاهدة المشاركة
اخي هشام....لا اعلم ماذا اقول غير جزاك الله الجنة.....
كان يدور في خلدي ان اكتب شيئا عن مشكلة الملحدين مع سجل المتحجرات الذي يفضحهم....لكن قلت اسلوبي لا يرتقي لأكتب شيئا مفحما كوميديا.....فأتمنى ات سنحت لك فرصة ان تنورنا بمقال عن ((عقدة ابو الالحاد مع سجل المتحجرات))
أخي الكريم سلمة,
أهديك هذه اليومية الجديدة وأتمنى أن تروق لك: أبو الإلحاد ولغز الأحافير
مضت على أبي الإلحاد شهور متطاولة يتردد فيها بين البيت والعمل والمقهى حتى أحس بالملل ينهش كيانه, صارت أيامه متشابهة رتيبة ولياليه طويلة كئيبة. فكان يقضي ساعات فراغه في شرود يلفه دخان السجائر وتظلله هموم حياته البائسة. وعند عودته من العمل في ذلك اليوم ماشيا شعر كأنه يغرق في بحر من الإسمنت والزجاج, كان الهواء ملوثا والمنظر كالحا, فوقع في نفسه أن سبب تعاسته هو ضيقه بحياة المدينة ورتابتها. لا شك أن هذا الاكتظاظ الفظيع وهذا الجو الخانق ينغص عليه عيشه, فليهرب إذن من هذا الفخ القاتل ليلوذ بأمه الطبيعة, وينشد شيئا من السكينة في أحضانها الخضراء. قطع طريقه إلى بيته على وقع هذه الخواطر فأحس أن نفحة من الأمل قد هبت عليه فجأة, ثم انتعشت نفسه حين ذكر أن اليومين القادمين يوما عطلة, أسرع في مشيته وهو يتخيل كيف سيقضي يومين كاملين خارج هذه المتاهة الإسمنتية التي يدعونها مدينة.
فتح الباب وهو ينادي زوجه أم الإلحاد: "نوال, نوال, ما رأيك أن نمضي أيام العطلة خارج المدينة؟" التفتت إليه في استغراب وهي تقول: "إن كنت ستحجز لنا غرفة في فندق مريح فلا مانع لدي..." قاطعها قائلا: "إنما أريد أن نتخلص من هذه الجدران الخانقة يوما أو يومين, ننصب لنا خيمة في الغابة أو على الشاطئ." أجابته في حزم: "إذن فلتسمتع بالنوم في العراء وحدك, تصبح على خير" على وقع هذه الكلمات بدأ صاحبنا يتخيل خلوته بنفسه في مكان هادئ لا يصم فيه هدير السيارات الآذان ولا تزكم غازاتها الأنوف, لكن إلى أين يذهب يا ترى؟ ما أن راوده هذا السؤال حتى ارتسمت في ذهنه صورة فاتنة من الزمن البعيد زمن الطفولة الحالمة. سيذهب إلى هناك, سيعود إلى مراتع الطفولة الأولى وسيعانق ذكريات الصبا الجميلة. حينها بدأ أبو الإلحاد يجمع أغراضه, حمل كل ما يحتاجه المرء لقضاء بعض الوقت خارج غابات العمران الإسمنتي الكئيبة, حمل خيمة ولحافا وآلة تصوير ومصباحا يدويا وهيأ زاده ثم استسلم للنوم وهو يمني النفس بنزهة تجم العقل والجسد وتنفض عنه الكلال والملال.
استيقظ في اليوم التالي نشيطا على غير عادته, كاد يقفز طربا حين رأى حقيبته بجانب السرير, أحس بالطفل فيه يستحثه أن أسرع, تخيل مبلغ فرحته كلما اصطحبه أبوه في نزهة أيام الربيع. كانت ذكرى تلك الأيام البعيدة تدغدغ وجدانه وهو يحتسي فنجان القهوة ولم تزل تراوده وهو يستقل الحافلة التي ستحمله إلى هناك, إلى حيث السكينة والهناء.
بدأت المركبة تقطع الطريق الساحلية المتموجة كأنها نهر أسود يجري بمحاذاة اليم الأزرق المهيب, نظر إلى المياه المتلألئة مليا حتى خيل إليه أن الحافلة تمخر عبابها, غاص في شروده ساعة ثم انتفض فجأة حين شعر أنه يكاد يجاوز وجهته, حمل حقيبته وطلب من السائق التوقف.
بدأ يخطو تجاه الجبل موليا الشاطئ دبره, سار كأنه يقفو آثار طفولته, توقف عند شجرة أكاليبتوس باسقة, تذكر كيف كان يتبارى مع أخيه الأصغر في تسلق أغصانها, مشى ساعة حتى بلغ منه الجهد, لكنه وصل إلى بغيته, مرج فسيح تحيط به الجبال من جهات ثلاث, إنه يذكر هذا المكان جيدا, لقد جاء مع والديه وأخيه ههنا عشرات المرات. نصب خيمته الصغيرة ورتب أغراضه وهو يترنم بهذه الكلمات:
هيئ الزاد واقصد الغابة
واعزف على أوتار الربابة
أنشودة بلحن الربيع
بها أحيا الفتى شبابه
يبدو أن الطبيعة تلهمه, فهو لم يسمع هذه الكلمات إلا الساعة حين انطبعت في ذهنه فجأة, من يدري ربما ألف ديوانا كاملا لو أمضى وقتا كافيا في هذا الجو الشاعري الساحر. استلقى برهة على بساط العشب الأخضر يتأمل قبة السماء, فألفاها زرقاء لا تخالطها نقطة من بياض ولا ترى في أرجائها قزعة. هب من مكانه ثم سار شمالا صوب الجبل, كان يمشي في خفة حتى أبصر بغيته, تبدت المغارة في سفح الجبل, كان أبوه يمنعه من الاقتراب من هذا المكان خوفا عليه, لكنه علم من أصدقائه أنها تنتهي في الجهة المقابلة بعين ماء كأنها اللجين الأبيض. أخرج مصباحه ودخل وهو يترنم بكلماته التي أوحى له بها جمال المكان:
هيئ الزاد واقصد الغابة...
ما أن دخل المغارة المنشودة حتى أبصر شيئا غريبا على الأرض, اقترب والمصباح في يده, فرأى جسما صلبا يعلوه التراب, حمله بيده ونفض عنه شيئا من الغبار, فجحظت عيناه, إنها تبدو كأنها متحجرة, هذه رأس طير, هذا منقاره المعقوف, هاته جناحاه, لكن أي شيء هذا, كانت مؤخرة جسمه أشبه بالثعبان, تسارعت دقات قلب صاحبنا, وتساءل في قرارة نفسه: "هل وجد لتوه شكلا وسيطا من أشكال الحياة, هل يمسك بيده دليل التطور الدامغ؟ لكن الأحافير تكون منطبعة على حجارة, ربما تكون هذه المغارة قد حفظت هذا الحيوان العجيب بطريقة أخرى, تخيل أبو الإلحاد الضجة الاعلامية التي سيثيرها اكتشافه الباهر, يا ترى كيف سيسمي العلماء هذا الحيوان الفريد؟ لكن أليس من حقه أن يسميه هو نفسه؟ إنه مكتشفه فليبادر باختيار اسم علمي قبل أن تسلط عليه الأضواء الكاشفة فيسبقه إلى ذلك الشرف غيره, إنه يشبه التنين فليسمه "تنيناريوس". الآن سيتوسل إليه الزملاء أن يعود إلى منتديات "الجرب والجذام", ربما يلتقى البروفيسور "دونكي" شخصيا, ربما ينال حظا من الشهرة, من يدري قد يحصل على جائزة تقديرية على اكتشافه الفريد. ماذا لو ادعى أنه يمارس هواية جمع الأحافير منذ زمن؟ هذا كله لا يهم الآن, يجب أن يؤجل التفكير في تلك التفاصيل ريثما ينتهي من نزهته الممتعة. وضع "التنيناريوس" بحذر في جرابه, ثم واصل طريقه.
مشى بعض ساعة كأنه في دهليز بارد ثم بدا كأنه يضيق عليه شيئا فشيئا, التفت خلفه فلم يعد يرى النور المنبعث من مدخل المغارة, يبدو أنه نفق طويل, أحس بشيء من القلق, لكنه أزمع أن يتم ما شرع فيه, خطا خطوات وهو يصيخ السمع لعله يسمع خرير الماء, لكنه لم يسمع إلا صوت زفيره, وفجأة أطبق عليه ظلام دامس, تبا لقد نفدت البطارية وتعطل مصباحه, كيف لم يفكر في أخذ بطاريات جديدة؟ ماذا يصنع الآن؟ هل يستمر أم يرجع؟ استجمع أبو الإلحاد قوته وعزم أن يحقق حلم طفولته, لن يرجع حتى يسبح في تلك العين الصافية ويشرب من ماءها, بدأ يمشي في حذر وهو يمد يديه كالأعمى يتحسس بهما سبيله, كان جبينه يتصبب عرقا, مشى خطوات وخيل إليه أنه يسمع خرير الماء, لا بد أنه اقترب من المنبع, ما أن خطر هذا بباله حتى سمع هديرا مدويا, إنه صوت الرعد القاصف, يا للهول إنها عاصفة, ماذا يصنع؟ هذا النفق المظلم قد ضاق به حتى اضطره إلى أن يمشى منحنيا كيلا يؤذي رأسه, أحس بالدوار, لا بد أنه في طريقه إلى الاختناق, شعر بالرعب يكتنفه, استدار وعزم أن يعود أدراجه, يبدو أن حلمه الطفولي لاستكشاف هذا المكان العجيب لن يتحقق اليوم, مضى في ذلك النفق كهيئة الراكع يخبط خبط عشواء, يصطدم تارة بالجدار وأخرى بالسقف, تمنى لو كان يمتلك شمعة أو عود ثقاب, إنه يغرق في ظلام دامس ساعة الضحى, لكن ماذا تجديه الشمس وقد زج بنفسه في هذا النفق المظلم, كم كان والده حكيما إذ منعه طوال سنين من الاقتراب من هذا المكان المخيف, فجأة أبصر نورا خاطفا, إنه البرق, خيل إليه أنه وصل إلى مفترق طريقين, عجبا إنه لا يذكر إلا نفقا واحدا, فكيف تفرع إلى اثنين, تحسس بيديه ليتأكد من أن عينيه لم تخدعاه, حينها أضاء البرق مرة أخرى فتأكد أنه دخل متاهة محيرة, فقرر أن يسلك أحد النفقين, مشى قليلا وهو يرتعش من الخوف, تمنى لو أن البرق يضيء أطول من ذلك, لكن من أين ينفذ ضوءه, لم يتبين ذلك, لكنه استمر في مشيه حين أحس بالماء يملأ حذائه, تسمرت قدماه في الأرض من الفزع, إن المطر لن يلبث أن يملأ هذا النفق الكريه, يجب أن يسرع إنه يخشى أن يغدو هذا الكهف الموحش قبرا له, إنه يوشك أن يقضي غرقا, عندها أضاء البرق من خلفه, فقرر أن المخرج لا بد أن يكون وراءه, مشى قليلا وهو يخوض في الماء إلى كعبيه, حين أضاء البرق مرة أخرى وجد نفسه حيث بدأ عند مفترق النفقين فاختار ثانيهما ومشى يجر رجليه وهو يتمنى لو ينقذه أحد مما هو فيه, ويتمنى لو كان يؤمن بإله غير وحش السباجيتي العاجز فيدعوه, لكن ماذا يصنع؟ لقد أطفأ الإلحاد شعلة الإيمان في قلبه, عنّ له أن الإلحاد يشبه هذا النفق المظلم, كلما توغل فيه المرء ازداد ضيقا وضنكا, وأعجب شيء فيه أن يدعوه الزملاء مذهب التنوير! وكل ما يمني به الملاحدة أنفسهم لا يعدو أن يكون سرابا خادعا, كما يمني أبو الإلحاد النفس في هاته المتاهة بعين ماء لا دليل على وجودها إلا حكاية أطفال مروا من هنا قبل عشرات السنين, إن هذا النفق صورة للحياة التعيسة التي يحياها صاحبنا في واقع الأمر. سمع صوت الماء يجري من خلفه ثم أحس بنفسه يُدفع دفعا, كاد يسقط لكنه تماسك, ماذا لو كان الماء يدفعه إلى حتفه في هذه المتاهة القاتلة؟ ماذا لو كان طوفان هادر في طريقه إليه ليسحقه سحقا؟ أسرع الخطو رغم أنه كان يرتطم بجدران النفق في كل مرة, ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسبح في النفق, والماء يكاد يغمره, كان يستسمك رغم هلعه الشديد بجرابه خوفا على اكتشافه الثمين أن يضيع, خطر بباله أن قيمة "التنيناريوس" العلمية أهم من حياته, فليجتهد إذن في البقاء حيا حرصا على إطلاع الجنس البشري على هذا الكشف العلمي المثير, وبعد دقائق كاد قلبه فيها أن يخرج من صدره أبصر النور أخيرا, لقد لفظه الكهف كأنه لوح من خشب, لم يصدق أنه نجا بأعجوبة من هلاك محقق.
هاهوذا منبطحا على بطنه منهك القوى مبتلا جائعا يرتعش من البرد, لكنه حي معافى, وهذا ليس كل شيء, إنه يحمل في جرابه "التنيناريوس" دليل التطور وبرهان الداروينية الدامغ, إنه سيلقم المتدينين شرقا وغربا الحجر بهذا الكشف التاريخي, لكن يجب أن يخرج غنيمته النفيسة من هذا الجراب المبتل بسرعة. حين فتح الجراب كان ممتلئا ماء كأنه ركوة, فتحه وشرع يسكب منه الماء في حذر ودقات قلبه تتسارع خوفا على أمل الداروينية ومستقبل الملة الإلحادية أحفورة "التنيناريوس الطائر " , لكنه حين أدخل يده في الجراب أمسك شيئا لزجا وأخرجه ببطء وحذر شديدين, ثم ما لبث أن قفز من مكانه فزعا, إنه ثعبان, نظر إليه متعجبا, يا للحسرة, لقد انخدع ببعض الطمي والطين اليابس, إنه ثعبان ابتلع بومة وكانت نهايتهما على هاته الصورة الغريبة, ثم غمرا بالطين حتى وطئت أقدام أبي الإلحاد هذا المكان, هذا كل شيء, لم يكن يحتاج "التنيناريوس" الوهمي إلا لبعض الماء ليكشف عن حقيقته. لقد كانت تلك "الحلقة المفقودة" حلما جميلا سرعان ما تلاشى من الوجود كما تتلاشى فقاعة الصابون, شعر أبو الإلحاد بالحسرة والمهانة, لكن إيمانه بالداروينية لم يتزعزع قيد أنملة, لأن غياب الحلقات المفقودة لا يعني عدم وجودها, إنها هناك في مكان ما, لكن لماذا لم يفلح أحد في اكتشاف شيء منها؟ ربما لأن الكائنات الفضائية قد جمعتها من الأرض لدراسة الحياة الأرضية تمهيدا لاستيطان الكوكب الأزرق؟ قفل أبو الإلحاد راجعا ليستقل الحافلة بعد هذا اليوم المرعب, وخطر له أنه ما زال يدين "للتنيناريوس" بشيء من الفضل, إنه استمسك بالحياة بسببه, واجتهد أن يبقى صامدا خدمة للداروينية الركن الأعظم لملة الإلحاد المعاصر, مضى صاحبنا في طريقه يقطر ماء ويترنم بكلماته المتفائلة:
هيئ الزاد واقصد الغابة
واعزف على أوتار الربابة
أنشودة بلحن الربيع
بها أحيا الفتى شبابه
إخواني الكرام,
أبو الوليد, سلمة, عربية, أبو القاسم, طلب العلم, التواضع, سالتا, وكل من قرأ هذه الصفحات,
بل أنتم جزاكم الله خيرا, وأسأل الله أن يبارك في حروفنا وأن يسدد أقلامنا وألسنتنا.
دخل أبو الإلحاد موقعا إسلاميا يتصفح مناظرات زملائه المتنورين وغزواتهم الإلكترونية لإفحام المؤمنين, فبدا له نتوء رقمي غريب في جسم المنتدى, نظف زجاج نظارته ثم نظر إليه بعينين فاحصتين ليتبين حقيقته, وليعلم أي نوع من الأورام الإلكترونية هو, فإنها أضحت أنواعا منوعة تتفاوت خطورتها وإن تشابهت أعراضها, وقد أدى بعضها إلى إصابة بعض المواقع بأعراض الترهل الرقمي. إننا في زمان ازدهرت فيه فصيلة "المجوجلين الأشاوس" وتعددت تكتيكاتهم الماكرة وأساليبهم الملتوية التي تتراوح بين "القص واللصق" و "التعميم والتعويم" و"الغمر والإغراق".
إنه موضوع آخر أدركته أعراض "التضخم الرقمي" وهذه آفة يعرفها من خبر عالم المنتديات, كان الموضوع ينمو باستمرار كأنه مخلوق خرافي أصابه خلل هرموني, فصار يتمدد مثل الفقاعة حتى كاد يحجب المنتدى في ظله. قرأ العنوان: "هل حقا نعيش على الأرض؟" لكاتبه "طيفور". طار ببصره يتحسس لغة الموضوع لعله يلمح مفاتيح تكشف شخصية الكاتب, لم يطل به الأمر, إنه الزميل "تأبط كفرا" هذا أسلوبه, إنه هو لا شك في ذلك.
إن أعضاء هذا المنتدى في ورطة حقيقية, ترى هل يعلمون كم هي "مسرطنة" مواضيع الزميل العنيد؟ إنه يثير زوابع كلامية لا تنتهي في مواقع الزملاء, فكيف به إذا حل بساحة الخصوم؟ هذه عباراته: "ميتافيزيقا الخواء وهندسة العدم المتماوج, الجهل بما كان هنالك يفضي إلى الحيرة والضبابية حول ما نحن فيه ههنا." لقد فضحه توقيعه الذي تشعرك قراءته بالصداع النصفي: "الدليل المنطقي مسارات فكرية متماوجة خارجة عن إطار كينونة ما يستدل عليه به, تجتاح مسالك يُعبّدها الجهد العقلاني المسكون بهواجس التنوير"
يبدو أنه يقتات على نوع من المعلبات الإلحادية, وإلا فمن أين يأتي بهذه المفرقعات اللفظية الغريبة. فلأتصفح موضوعه قليلا: "هل حقا نعيش على الأرض؟" الأحرى أن تسأل: "هل يعيش"تأبط كفرا" على الأرض؟" و لست أدري أيها الزميل, لعلك تعيش على كوكب بلوتو, ولعلنا نحتاج لمترجم من الكائنات الفضائية ليفك لنا "شيفرة" مواضيعك الغريبة.
كتب "طيفور" التالي: "أيها الزملاء أنتم تزعمون أن الحياة فترة اختبار يعقبها الجزاء في حياة أخرى, وأصدقكم القول أن التأمل في هذا التفسير الديني المنطقي يكاد يحملني إليكم ويدنيني من قناعاتكم, لولا أن قريحتي المتوقدة كشفت عن ثغرة عميقة في بينانكم الإعتقادي, إذ رصدت أن الحجة لن تقوم على الإنسان حتى يثبت للأرض وجود حقيقي خارجي. فالكون المرصود يضم بلايين المجرات فضلا عن كوكب الأرض, لكن رصده لا ينفي احتمالا طفيفا بأن وجوده وجود ذهني لا حقيقي, فهل الأرض مجرد انعكاس لبرنامج مذهل تمليه علينا شريحة متطورة؟ فلو كان تصوركم للحكمة من وجود الإنسان الراصد هي ما زعمتم, فلماذا لا يُخلق في دار الجزاء ابتداء, وتزرع في دماغه شريحة تملي عليه ذكريات حياة حافلة عاشها على الكوكب الأزرق, بالنسبة للإنسان لن يتغير شيء, فهو في دار الخلود, وبذلك اكتملت دائرة الوجود فيما تعتقدون, وتمت الحكمة التي حولها تدندنون." ألقى الزميل بهذه الكومة اللفظية في قسم الحوارات الفكرية وجلس يفرك يديه ينتظر أن تفعل فعلها. ولم يلبث أن جاءه جواب وثان وثالث أن الإفتراضات بحر لا ساحل له وأن الخيالات و الأوهام رؤوس أموال المفاليس.
حين قرأ صاحبنا الردود المتسرعة ألقى بسؤاله الذي كان يترقب هذه الفرصة ليطرحه: "أيها الزملاء, إن جيء بي في الآخرة للحساب كما تعتقدون, فسأنفي أني عشت في الدنيا, وسأعترض بأني كنت سجين برنامج ماكر تبثه رقاقة إلكترونية في دماغي." جلس أبو الإلحاد فاغرا فاه أمام شاشة الحاسوب وهو لا يكاد يصدق جنون افتراضات زميله الملحد, حقا إن بين الذكاء والغباء حرفين لا ثالث لهما, وماذا يجدي عقل مثل هذا حتى تنفعه شريحة؟ هل يريد الزميل أن يقتصد النفقات الكونية حين ينفي وجود الكون برمته, ويجعله انعكاسا حقيرا لشريحة صينية رخيصة في رأسه؟ إن الزميل يعكس أزمة الإلحاد العربي المعاصر, والغريب أنه يحسب أنه أحكم لتوه بناء فلسفيا متينا, ليته يدري أنه يقعي عاريا في العراء الإلكتروني. ليتني ألتقيه يوما لأهمس في أذنه هذه الكلمات: "عزيزي, توقف عن مشاهدة برامج الكرتون اليابانية, أما يكفيك أن الشيب قد غزا رأسك؟ انظر إلى نفسك وإلى مبلغ فهمك, إنك لا تكاد تميز بين الإنسان وبين البوكيمون." لكن كيف ألوم الزميل أبا رقاقة و البروفيسور "دونكي" على علو كعبه في الإلحاد وتبحره في العلوم يؤمن بالمخلوقات المريخية الخضراء مهندسة الحمض النووي البشري؟
إن الزميل المشاكس يستحق بالفعل اسم أبي رقاقة العدمي, فهذا الموضوع الذي يكاد المنتدى ينوء بكلكله أشبه شيء بالعدم, إنه رحى إلكترونية ضخمة تدور من غير طائل, إنه ثمرة عقل تعصف فيه رياح عاتية تثيرها طواحين الأهواء المضطربة. لقد سمع أبو رقاقة الجواب منذ أسابيع, لكن شريحته تأبى عليه أن يرى العالم من حوله, إنه سجين في عالم وهمي اخترعه لنفسه. بلغ الموضوع عشرات الصحائف, وصاحبنا لا يزال يدندن حول سؤاله الأسطوري: "هل حقا نعيش على الأرض؟", لم تزل الشمس بين شروق وغروب, ولم تزل الأرض تدور, وأبو رقاقة على ظهرها لا يتزحزح قيد أنملة ولا يقر طرفة عين أنه قد مل هو نفسه من ريح سفسطته العدمية. إنه يريد أن يخرج من هذه الجعجعة الإلكترونية ظافرا منتصرا, ليحمل أخبار غزوته المجيدة إلى رفاق "الجرب والجذام", ليخبرهم كيف اصطف له المتدينون صفا متراصا, فقارعهم وحيدا فريدا حتى أفحمهم, وياليته يدرك أنه إنما يقارع طواحين أوهامه الرعناء.
جلس أبو الإلحاد يرتب أفكاره, ويخط رؤوس أقلام بقلم لاأدريته يصور بها حالة الغيبوبة السريرية التي دخلها الفكر الإلحادي العربي, فكتب: "يبدو أن الإلحاد العربي في نسخته الإفتراضية قد دخل سردابا مهلكا يوشك أن تقضي ظلماته على حلم التنوير اللاديني في منطقتنا, ويلاحظ أن كتابات الزملاء الأشاوس تصدر في بنيتها المعقدة عن ميكانيزمات الجهل المؤسس على قواعد افتراضية متينة تتغلغل في أعماق التساؤلات الإلحادية المفعمة بحب السفسطة والتطلع إلى المعدوم. ويظل نفي هذا الجهل بتحصيل العلوم المادية الباهرة ثم نقلها من الوجود الذهني والرقمي إلى الوجود الحقيقي, هو التحدي الأكبر الذي يقف أمامه الفكر الإلحادي العربي حيران مترددا. هذه هي العتبة المقدسة التي يعكف عندها عتاة ملاحدة الشبكة ويلزمونها متهيبين, لأنها تبدو كقمة إيفرست..." قرأ أبو الإلحاد هذه الكلمات فكاد يصعق, لقد أصابه أبو رقاقة بعدوى أسلوبه الكرتوني, ألقى بالورقة في سلة المهملات وهو يتساءل لأي شيء يتحسر على طرده من مواقع الزملاء؟
Comment