الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • سليلة الغرباء
    عضوة مميزة
    • Apr 2009
    • 1504

    #16
    الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني، للشيخ عبد الح

    الخطبة الثّانية:

    الحمد
    لله على إحسانه، وعلى جزيل عطائه وعظيم امتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ
    الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الدّاعي
    إلى سبيله ورضوانه، اللهمّ صلِّ عليه وسلّم وبارك وزد وعلى أصحابه وآله،
    وعلى كلّ من اتّبع طريقه، وسار على منواله، أمّا بعد:


    فإليك بقيّة هذه الباقة الّتي نضعها بين يديك أيّتها الأخت المسلمة، وما هو إلاّ قطرة من بحر ما جاد به الله على هذه الأمّة:

    تشبّهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم *** إنّ التشـبّـه بالكـرام فـلاح

    -فانظري في مقام العلم وطلبه:

    ترين أمّهات المؤمنين على رأس قائمة العالمات، قال الذّهبي رحمه الله عن أمّ المؤمنين عائشةرضي الله عنها:" لا أعلم في أمّة محمّدصلّىالله عليه وسلّم، بلولا في النّساء مطلقا امرأةً أعلم منها " ["سير أعلام النّبلاء" (2/140)].

    لقد كانت رضي الله عنها
    من المجتهدات النّاقدات، من أنفذ النّاس رأيا في أصول الدّين ودقائق
    الكتاب المبين، وقد كان لها استدراكات وتعقيبات على علماء الصّحابة حتّى
    إنّ هناك من جمعها في كتاب، كالإمام الزّركشيّ
    رحمه الله وأسماه:" الإجابة لإيرادمااستدركته عائشة على الصّحابة ".

    روى التّرمذي عن أبي موسى رضي الله عنه قال:" مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَرَسُولِ اللَّهِصلّى الله عليه وسلّمحَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَإِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا ".

    وقال مسروق:" رأينا مشيخة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّميسألونها عن الفرائض "، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه النّاس.

    ويكفي أنّها روت ما يقارب 2210 من الأحاديث.

    وما كان علمها قد حوّلها إلى آلة كما حوّل رجال زماننا ونساءه، ولكنّه علم ورّث عملا، قال ابن أخيها القاسم بن محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه:" كنت إذا غدوت بدأت ببيت عائشة، فأسلّم عليها، فإذا هي قائمة تصلّي وتقرأ:{فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَالسَّمُومِ} [الطور:27]، وتدعو وتبكي، وتردّدها، فقمت حتّى مللت القيام، فذهبت إلى السّوق لحاجتي، ثمّ رجعت فإذا هي قائمةكما هي تصلّي وتبكي "!.

    وكانت تتصدّق بمالها كلّه، ثمّ تقول لها جاريتها: لم تتركي لنا شيئا نأكله، فتقول: لو ذكّرتني لفعلت ؟!

    - وورث علمها حفصة بنت سيرين،
    الّتي قال عنها إياس بن معاوية:" لقد قرأت القرآن وهي ابنة اثنتي عشرة سنة
    "، فذكروا له الحسن البصريّ وأباها محمّدا بن سيرين فقال:"
    أمّا أنا فلا أفضّل عليها أحدا ".

    وكان هشام بن حسّان إذا أشكل عليه شيء من القرآن قال: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ ؟

    أمّا عن عبادتها فلا تسل عن حسنها وتمامها، ويكفينا وصف تلكم الجارية السّندية الّتي اشترتها، فقيل لها: كيف رأيت مولاتك ؟ فذكرت كلاما بالفارسيّة معناه: أنّها امرأة صالحة، إلاّ أنّها أذنبت ذنبا. فسئلت: ما هو ؟ قالت: لا أدري، ولكنّني أراها وأسمعها تبكياللّيل كلّه!.

    - أمّا إن سألت عن تذلّل المرأة لزوجها كي تتربّع على عرش مملكتها: فإليك ما ذكره الإمام الذّهبي رحمه الله عن الشّعبي قال:

    " لمّا مرضت فاطمة رضي الله عنها، أتى أبو بكر فاستأذن، فقال عليّ: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت:" أتحبّ أن آذن له ؟ " فقال:"نعم".

    قال الإمام الذّهبي رحمه الله: قلت: علمت السنّة رضي الله عنها فلم تأذن في بيت زوجها إلاّ بأمره[2].

    - وذكر ابن الجوزي في " أحكام النّساء "[3] أنّ شريحا القاضي قابل الشّعبي يوما، فسأله الشّعبي عن حاله في بيته ؟ فقال له:

    من عشرين عاما لم أرَ ما يُغضبني من أهلي. قال له: وكيف ذلك ؟ قال شريح:

    من
    أوّل ليلة دخلت عليّ امرأتي، رأيت فيها حسنا فاتنا، وجمالا نادرا، فقلت في
    نفسي: فلأطّهر وأصلّي ركعتين لله شكرا، فلمّا سلّمت وجدتها تصلّي بصلاتي،
    وتسلّم بسلامي، فلمّا خلا البيت من الأصحاب، قمت إليها، فمددت يدي نحوها،
    فقالت:


    على رِسلك يا أبا أميّة كما أنت ! الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلّي على محمّد وآله، إنّي امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبيّن لي ماتحبّ فآتيه، وما تكرهه فأتركه،
    إنّه كان في قومك من تتزّوجها من نسائكم، وفي قومي من الرّجال من هو كفء
    لي، ولكن إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به،
    إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك ".


    قال شريح: فأحوجتني - والله يا شعبي - إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت:

    الحمد
    لله، أحمد وأستعينه، وأصلّي على محمّد وآله وأسلّم، وبعد: فإنّكِ قلتِ
    كلاما إن ثبتِّ عليه يكن ذلك حظّك، وإن تدعيه يكن حجّة عليك، أحبّ كذا
    وكذا، وأكره كذا وكذا، فما رأيِ من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيّئة
    فاستريها ! ".


    فقالت: كيف محبّتك لزيارة أهلي ؟ قلت: ما أحبّ أن يملّني أصهاري، فقالت: فمن تحبّ من جيرانك أن يدخل دارك فآذن له ومن تكره فأكره ؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء..

    فعاشا على خير وسلام..

    هذا، والنّماذج كثيرة، وكثيرة، فما على أهل زماننا إلاّ أن يسدّدوا ويقاربوا، فإن بلّغنا الله منازلهم فله الحمد والمنّة، وكما قيل:

    أَسِيرُخَلَفَ رَكْبِ الْقَوْمِ ذَا عَـرَجٍ *** مُؤَمَّلَاً جَبْـرَ مَـا لَاقَيْتُ مِنْ عِـوَجِ

    فَإِنْ لَحِقْتُ بِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا سَبَقُـوا *** فَكَمْ لِرَبِّ الْوَرَى فِي النَّاسِ مِنْ فَرَجِ

    وَإِنْ ضَلَلَّتُ بِقَفْرِ الْأَرْضِ مُنْقَطِـعَاً *** فَمَا عَلَى أَعْـرَجٍ فِي ذَاكَ مِنْ حَـرَجِ

    فنسأل
    الله الواحد الأحد الفرد الصّمد، الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا
    أحد، نسأله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى، أن يبارك لنا في نسائنا،
    وأمّهاتنا، وبناتنا وأخواتنا، اللهمّ هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة
    أعين، وأجعلنا للمتّقين إماما، اللهمّ من أراد بنسائنا خيرا فوفّقه لكلّ
    خير، ومن أراد بهنّ سوءً فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وخذه
    إليك أخذ عزيز مقتدر، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين.


    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرّحيم.





    [1] "الاستيعاب" (4/297)، و"الإصابة" (7/615-616)، وقد صحّحها جمع من أهل العلم.



    [2]["السّير" (2/121)] و" طبقات ابن سعد " (8/27)ن وقال الحافظ في "الإصابة"(6/139):" وهو - وإن كان مرسلا - فإسناده إلى الشّعبي صحيح ". اهـ.



    [3] (134-135)، وذكرها أيضا ابن العربي في " أحكام القرآن " (1/417).

    Comment

    Working...