المنطق ثابت ، لا يتغير
قالوا : إن العلم القديم - الذي عاش في ظله منطق أرسطو :-
يتكلم عن كيفيات الأشياء ، دون كمياتها .
فهو – مثلًا - يعتبر أن الحرارة ضد البرودة ، لأنه نظر إلى كيفيتهما دون كميتهما ..
وقال العلم الحديث - ليس هناك بارد وحار ، وإنما هناك درجات من الحرارة تختلف .. ومن هذا الاختلاف تختلف الحرارة والبرودة .. وبقدر كمية هذه الدرجات تكون الحرارة .
وقال أبو عبد الرحمن : لم يتغير منطق أرسطو لناحيتين :
أولاهما : أن الاختلاف الكمي لدرجة الحرارة نتج عنه اختلاف في الكيفية ، ويجب أن يكون للكيفية عبارة تدل عليها كلفظ البارد مثلًا .
وأخراهما : أن قانون التضاد يضبط الكيفيات كما يضبط الكميات ..
وقالوا : إن العلم القديم : لا يهتم باستكناه العلاقات بين الأشياء وإنما يعتبرها أمورًا عرضية .. والمنطق الأرسطي تبعًا لذلك ، يعتبر العلاقات أمورًا خارجة عن المحتوى .
أما العلم الحديث فيعتبر العلاقات أخص خصائص البحث العلمي ، لأنها تربط بين المتغيرات .
وقال أبو عبد الرحمن : لم يتغير منطق أرسطو وإنما تعثر وضاق لناحيتين :
أولاهما : أن التأصيل الأرسطي للعلاقات في المحتويات : تأصيل صحيح - ولكن الخطأ في التنفيذ والتطبيق بسبب قصور العلم آنذاك .
وثانيهما : أن استكناه العلم الحديث لحقيقة العلاقات يعطي تربة خصبة للمنطق الأرسطي ، فيجني عددًا كثيرًا من الأمثلة التطبيقية .
فيكون المثال حقيقيًا بدل أن يكون فرضيًا .
ومن هذين المثالين : عن الاختلاف الشديد بين العلم القديم والحديث - قال بعض المعاصرين :
أن العلم القديم مليء بالأوهام والفروض والتصورات الخاطئة ، وأن المنطق الأرسطي يساير ذلك العلم ، فيجب علينا أن نصطنع المنطق التجريبي الحديث ، لامنطق أرسطو التصوري ، لأن المنطق الحديث ابن للعلم الحديث .
وقال أبو عبد الرحمن محمد :
كلا إن المنطق الأرسطي ثابت لا يتغير ، وقواعده الصلبة لاقتناص المعرفة وإقامة الحجة لا تزال نبراسًا هاديًا في ميدان المعرفة والعلم .
وقد رام أناس الخروج على قوانينه الثلاثة : الهوية - والثالث المرفوع - والتناقض ، وكانوا من الحسبانيين ، والحسبانية ضرب من السفسطة إلا أن تكون منهجًا لا غاية .. وإنما نذكر أشياء يعذر بها منطق أرسطو ولايهجر .
فمن ذلك أن الناس مختلفون في نظرية المعرفة ( الأبستمولوجيا ) إلا أن أرسطو وضع منطقًا لكل نظرية وكل أصحاب النظريات في المعرفة : يأخذون منطق أرسطو الجزئي ولا يستغنون عنه ، فهذا معنى ثبات منطق أرسطو ..
ومنها : أن البرجماتيين وغيرهم يعتبرون كليات أرسطو التجريدية مجرد فروض . ولكنهم لم يستطيعوا بعد أن يزيفوا كلية من كلياته في ميدان الخبرة والتجربة . فهذا معنى آخر للثبات .
ومنها : أن أرسطو يستمد أمثلته من علم عصره الناقص ، وتكون أمثلته من باب الفرض ، والعلم الحديث يجيز فرض الأمثلة لأن المثال شارح ولا يلزم من بطلان المثال بطلان القضية .
ومنها : أن تقدم العلم الحديث يساعد على صياغة المنطق الأرسطي صياغة أمتن وهذا شيء غير الثبات .
ومنها : أن منطق أرسطو لم يأخذ في حسبانه أن الشرائع السماوية مصدر من مصادر أي معرفة .
والمسلم يأخذ منطقه من حقيقة الشرع أولًا ويجد في منطق أرسطو أداة لاجتهاده مساعدة غير معاندة .
ومن الله نستمد العون ونستلهم الرشد ،،
***
Comment