جهز كوبا من القهوة الساخنة, أو الشاي الساخن, (واذا كنت في السعودية في كثير من الأماكن تجد كوب الشاي بريال, وان شئت ان تضيف عليه الحليب فأخرج من جيبك ريالا ثانيا...كما أذكر في أيام الحج...رزقنا الله واياكم العودة والتكرار)..ثم اجلس امام شاشتك واستمتع بهذا الحوار المفيد للشيخ بدر العامر(باسم دكتور استفهام) على أحد المنتديات (منقول):
د. استفهام
الأستاذ مهيار ..
بداية ، فأنت تقول : ( لست مدافعاً عن الليبرالية وكأنها عقيدة ) ، ولكن : ( كأسلوب معرفي وسلوك إجتماعي ومنهجية فكرية ) . وفيه هذه الكلمات البسيطة منك تكمن ” المشكلة المعرفية والسلوكية والمنهجية في التفكير ” لقضية الليبرالية ومصطلحها ، فالبعض يرى أنها ( عقيدة ) ، والبعض يرى أنها ( أسلوب معرفي ) ، ومنهم من يرى أنها ( سلوك إجتماعي ) ، ومنهم من يرى أنها ( منهجية فكرية ) ، ومنهم من يرى أنها ( حرية وفردانية ) ، ومنهم من يرى أنها ( سلوك اقتصادي رأسمالي ) ، ومنهم ومنهم إلى مالا نهاية من الرؤى التي تعرف لنا في كل ثانية ” الليبرالية ” بشي مختلف ، وتصور خاص .
الحقيقة أن أي شخص يرى في الليبرالية هذه الرؤى مجتمعة سيتوصل مباشرة إلى أنها ( دين وعقيدة ) ، لأن أي دين سواء كان دينا ( بشريا وضعيا) ، أو كان دينا ( سماويا إلهيا ) ، هو في الحقيقة رؤية ، ومنهج ، وسلوك ، وفكر ، وسلوك . وفي النهاية فالليبرالية بهذا المعنى ” مفهوم شمولي ” ، ولذلك لن يفلح من يريد أن يفصل إلى جانب من الجوانب المذكورة آنفا عن أصل الليبرالية وأساسها الفلسفي ، فهو كفصل الرأس عن الجسد … إذ لا يبقى حياة ، وحتى لو إدعى أنه يفصل فهي دعوى موهمة ، ومجازفة معرفية .
إنني أدرك ” الحرج ” الشديد لـ ليبرالي قومنا في المحاولة المستميتة في هذا الفصل بين بعض الجوانب عن الأسس الفلسفية ، لأنهم يدركون انهم يتعاطون في التبشير بالليبرالية مع مجتمع لا يمكن أن يتقبلها كلها ككيان واحد ، فأجريت عليها عملية ” تفتيت ” ، حتى تهضم بسهولة ، ثم تأتي المتتالية المعرفية إلى أن تصل إلى الشمولية الفكرية .. وهذا حتم لازم بمثل موضوع الليبرالية ، ولذلك أدرك البعض خطورة الفكرة ومآلاتها ، والتي ربما تقضي على المشروع الليبرالي برمته ، لأن ” الإسلام ” ليس كــ” النصرانية ” التي تتقارب في تكوينها الفكري مع ( العلمانية ) ، وتتقاطع معها بشكل كبير ، ولكن هذا لن يكون مع ” الإسلام ” الذي هو منظومة شمولية من العقائد والأخلاق والقيم والعبادات وغيرها ،ولا يمكن فصل جانب عن جانب إلا بالتضحية بهذه الشمولية التي تستعصي بحكم تكوين الإسلام وعقيدته ، فكل هذه المحاولات منك لتطميننا أنك لا تراها نقيضة للدين والتدين مشكور لك كثيرا ، ويدل على أنك لا زلت تمسك بزمام الإسلام .. ولكني أخالفك في محاولة ” التوفيق ” بينها وبينه .. وبينك وبين ذلك خرط القتاد .
أما قضية مسمى ” دكتور استفهام ” ، فلن أناقشك فيه كثيرا لأني أرى ان هذا لا يرتقي لمقدمتك الفكرية ، ولكني كذلك دخلت به لأنه النك نيم الذي أستخدمه منذ عشر سنين ، فإن كنت تراه تعاليا فلك هذا ، ولكني أرجو أن لا يكون هذا التعالي مؤثرا في فهم كلامي ، أو قبول ما به من صحة وحق !
الملحوظة التي رأيتها في كلامك ، ولعلها سمة بارزة فيه هي ” الحشد ” للمصطلحات التي لم تحدد، فانت ترى أن التيارات الإسلامية تحمل فيروسا ( وهو معنى سلبي بالطبع ) يلخص الإسلام على أنه ( مؤسسة تفسيرية فقهية مطلقة وشمولية ) ، وأنا حقيقة اعدت قراءة الجملة مرات علني أفهم المراد من ” مؤسسة ” فلم أفلح ، وكذلك حين تصف هذه المؤسسة بأنها ” تفسيرية ” ، ثم هي فقهية مطلقة وشمولية ، فإن كنت ترى أن التيارات الإسلامية تدخل فيها المدارس الفقهية التاريخية ، والمناهج الدعوية المعاصرة ، فهذا خلط ، لأن كلامك يصدق على ” المذاهب الفقهية ” التي هي سابقة على التيارات الإسلامية المعاصرة وجودا ، وفي طياتها منهجية متينة في التفريق بين ماهو ” مطلق ” وما هو ” نسبي ” ، وكان إمام الفقه السني الإمام الشافعي يذكر عبارة خلدها التاريخ بقوله : ( قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) ، وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وهو يعد من فقهاء المسلمين ، وله اختيارات فقهية كثيرة يقول : ( ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ، لانهم لولم يختلفوا لم يكن رخصة ) ، وغيره من أقوال الأئمة التي تبين سعة الخلاف في الفقه ، فهم لم يدعوا الكهنوتية ، ولم يقل أحد منهم أن كل قول يختاره هو مراد الله ورسوله ، ومع ذلك بينوا موارد القطع واليقين ، وموارد الاجتهاد والنظر النسبي ، ورسموا منهجية عظيمة في آليات القراءة للنص الشرعي ، والتيارات الإسلامية لم تأت بفقه جديد ، بل هي تأخذ من التراث الفقهي الإسلامي بمختلف مدارسه ، ولذلك فالخلاف بين ” التيارات الفكرية الوضعية ” ، وبين ” التيارات الإسلامية ” ليس خلافا فقهيا ، بل هو خلاف أصلي كلي مبدئي ، ولذلك من الخطأ جعل الخلاف بيننا وبين الليبرالية حول مسائل فقهية ، فمع وجود الخلاف الكلي لا قيمة لمناقشة الخلاف الجزئي او الفرعي .
نأتي هنا لقضية أثرتها وهي قضية ” الترحل الفكري ” ، وفرق بين ” الترحل ” ، وبين ” التطور ” ، فالترحل هنا ” قفز ” من مربع إلى مربع ، وتحيز عن مناخ معرفي للذهاب إلى مناخ معرفي آخر يناقض الأول ، وهذا الأمر لم يثر الأمة أبدا ، بل لقد أسهم هذا الترحل في خلق مشكلات معرفية لا تزال الأمة تعاني من ويلاتها ، فالافتراق الحاصل بين الفرق العقدية أساسه هذا الترحل المعرفي في التاريخ ، والتحيزات المعرفية المعاصرة هو في الأساس ناتج من هذا الترحل ، فادعاء أن هذا الترحل هو الذي أوصل الإسلام الى مشارق الأرض ومغاربها إدعاء لا دليل عليه ، لان ” الاجتماع ” والقوة والمكنة العلمية والمعرفية هي التي أسهمت في الانتشار ، لا الترحل والافتراق الذي حذرت الشريعة منه : ( ولا تكونوا من المشركين ، من الذين ” فرقوا دينهم ” وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وهذا يأتي على الفرق العقدية ، ويأتي على الأحزاب الإسلامية إن كانت تقيم حروبا طاحنة فيما بينها بسبب المنهج .
فيما يتعلق بالمنطلق ” العقلي ” المفضي إلى ” المصب العلماني ” ، فأنت تراه نتيجة عقلية حتمية ، وأنا أراه مشكلة معرفية كبيرة ، لأن ( العقل ) هنا ليس العقل المطلق الكلي الذي تتفق عليه العقول ، بل هو ( العقل النسبي ) الذي يتوهمه الإنسان عقلا قطعيا ، فالعقلاني الذي يحكم على مسائله بالصحة المطلقة هو مثل الديني الذي يحكم على كل فهم يفهمه من الكتاب والسنة انه هو ” الحق المطلق ” ، والخلط الذي حصل في التاريخ بين هذين المستويين من العقل هو الذي أفسد الدين والدنيا ، فعلماء المسلمين جعلوا العقل عقلان ( عقل فطري ) و ( عقل مكتسب ) ، ويقابله في الفلسفة الغربية كما عند لالاند في الموسوعة الفلسفية ( العقل المكِوّن ) و ( العقل المكَوَن ) ، وكل مصيبة حلت في فهم الشريعة والانحراف عندها هي حينما يخلط بين هذين المستويين ، لان العقل باعتباره فطرة شي ، وباعتباره أداة شي آخر ، فالفطرة كلية اتفاقية ، والأداة آلة قابلة للخطأ والصواب ، وعليه فاستخدام العقل النسبي للولوج إلى المصب العلماني هو في حقيقته ” عبث ” بالشريعة أدى الى تشويهها وتعطيلها ، بل والقضاء على مظاهرها في العالم الإسلامي .
والقرأن في أساسه يقوم على التصور العقلي للأمور ، ولذا لم يات القرآن في قضية تناهض العقل او تعارضه ، وصحيح السنة لم يأت كذلك بأي قضية تقف أمام العقل او تعارضه ، بل كل أحكام الشريعة هي أحكام معقولة ، وهذا منهج سلفي أصلي ولم يفسد هذا المنهج في وضوحه إلا حين تم ” الترحل ” إلى الفلسفات التي قامت على الحتميات المنطقية ، ثم وقعت في التناقضات العقلية ، فتفرق أهلها شذر مذر ، حتى أن ” المعتزلة ” وهي الفرقة العقلية التي أغرم بها كثير من المفكرين العقلانيين المعاصرين لم تعمصها دعوى الفهم ” العقلي ” من التفرق ، فقد كفر ابا هذيل العلاف النظام ، وكفر شيوخ المعتزلة ابا هذيل ، وكما قال البغدادي في الفرق ، فكان كل رجل محق بتكفير صاحبه ، والغريبة أن بعض المفكرين يسمونهم بــ فرسان الحضارة العربية ، مع أن المعتزلة تصنف من الفرق ” المكفراتية ” في التاريخ الإسلامي لانها تخرج صاحب المعصية من الإسلام ، فتجعله في الدنيا في منزلة بين منزلتين ( معلق المسيكين ما يدري هو مسلم ولا كافر ) ، وفي الآخرة في جهنم وبئس المصير ..
ليعذرني الإخوة على الإسهاب ، فأفكار الأخ كثيرة ومتراكمة ومتزاحمة ..
هنا … يبدو ان مفكرينا مصابين بالاستلاب لبعض الأفكار دون وعي ولا تمييز ، فصاحبنا يقول : ( من الطبيعي ان ننتصر أنا وأنت للإسلام ، حتى لو استخدمنا لذلك منهجا عرفانيا ، أما أن نرفض الأخر أو نسفهه برهانيا ونحن متنكرون للمنهج البرهاني داخل عقيدتنا فتلك آفة فكرية منتشرة ) ، وهذه الفقرة حقها أن يفتح لها موضوع مستقل للنقاش ، وهي ” محبالة ” الجابري وغيره من المفكرين التي مررت على كثير من المفكرين والمثقفين، وخاصة أولئك الذين لم يدرسوا الشريعة دراسة منهجية وعلمية ، حتى اقتنع الكثير أن منهجنا هو منهج ” عرفاني ” ، يقابله المنهج ” البرهاني ” الغربي وتاريخه الفلسفي والذي تنباه ابن رشد وبشر به ، مع أن الأخ أخطأ حين ذكر ” العرفاني ” هنا ، لأننا في عرف الجابري ” بيانيون ” لا ” عرفانيون ” فالعرفانية هي الفرق الصوفية والشيعة والاشراقية الغنوصية وغيرها ، ولكن لا مشكلة هنا ، المشكلة الكبرى هي في سلب ” البرهان ” منا ، وإعطاءه غيرنا واحتكاره له ، وهذه مشكلة معرفية لا تصمد للبحث العلمي ، لأن ( القرآن ) المكون الأساس للفكر الإسلامي قائم على ” البرهان ” في إقناعه للناس بنفسه ، وبنبوة بنيه ، وبصحة مسائله ، وهذا البرهان هو متسلسل عقلي يبدأ من إثبات الألوهية ، ثم النبوة ، ثم الشريعة ، ولآيات القرآن ” العقلية ” في إثبات الألوهية والنبوة لا تعد ولا تحصى ، ولكن الجابري وغيره حين شطروا العقل العربي إلى هذه الثلاثية البغيضة لم يتطرقوا أصلا للقرآن ولا للسنة ، وجعل اللحظة الفكرية للأمة هي عصر التدوين ، لأن هذا سوف يوقعه بلا جدال في الاصطدام مع القرآن والسنة ، ولذلك كان نهاية مشروع الجابري في العقل العربي هو تحييد القران والسنة عن التراث الإسلامي … ثم الانتصار للعقل والبرهان ( أي للمدرسة الرشدية المغاربية وامتدادها = الحضارة الغربية المعاصرة ) هكذا وبوضوح لا ريب فيه !
أحتاج هنا إلى ملاحقة أفكار الأخ ملاحقة لأنها غير مترابطة في بعض فقراتها .. ولكني أقول أخيرا تعقيبا على فقرته الأخيرة ..
إنني هنا لن أقف أمام كل دعوة تنطلق من ” الإسلام ” ذاته في التجديد الذي ينضبط منهجيا ، ومناقشة مسائلنا بعيدا عن التحيزات المعرفية التي أصابتنا بالتشظي والانقسام ، ومناقشة كافة قضايانا بعيدا عن تصفية الحسابات الخاصة ، فإذا كان الله أمرنا بجدال أهل الكتاب باللتي هي أحسن ، فنقاشنا داخل الدائرة الإسلامية مهما تباينت الرؤى من باب أولى ، ولكن لابد أن يكون ذلك بأخلاقيات الحوار التي يدعو إليها العقل والنقل ، والتفكر في قضايانا بعيدا عن ردات الأفعال او ضغط الواقع ومؤثراته .. حتى نستطيع أن نتلمس طرق الإصلاح والنهضة مع احتفاظنا بهويتنا الإسلامية الخالدة .. فلن نكون يوما ما أوروبيين حتى لو صنعنا لنا آلاف المكاييج التي تبيض أبشارنا .. فقدرنا أننا عرب ومسلمون .. والله اعلم !
.
ما أعجب هذا المنتدى !!
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
الشبكة السعودية الليبرالية ..
هذا هو المسمى لهذا المنتدى الذي اجتمع فيه خلق كثير ، يختلفون ويتباينون كاختلاف ألوان البشر وطبائعهم ، ولكنهم في الغالب يتفقون على الموقف من ” التيار الديني في السعودية ” ، وهناك من تجاوز ” التيار الديني ” ليتدخل مباشرة إلى ” الإسلام ” نفسه وأنه هو المشكلة ، ومحصلة هؤلاء : أن القضية ليست في التيار فقط ، بل في المكون الفكري للتيار ، وهنا يجتمع في هذا كل التيارات بداية من ” القاعدة ” ونهاية بـ ” الإخوان ” الذين يملكون رؤى لا تختلف في أحيان كثيرة عن رأي أي رجل يدعي الليبرالية ..
كنت أقول للإخوة من ” التنويريين ” أن هناك مشكلة في ” الترحل ” الفكري ، الذي يبدأ بالمنطلق ” العقلي ” ، وينتهي بـ ” المصب العلماني ” ، لأني وبصراحة أقولها : يخادعنا بشكل كبير من يدعي أن هناك إمكانية الموائمة بين الفكر الغربي وبين الإسلام في جوانبه التأسيسية الفكرية ، ولابد أن يجد نفسه في يوم من الأيام في مواجهة سافرة ليست مع ” الهيئات ” ، ولا مع ” الجامعات الإسلامية ” ، ولا مع ” الدعاة ” ، بل مع ( نص القرآن والسنة ) ، وهذا ما دفع الكثير من الشباب إلى ” خلع الإسلام ” كله والدخول في فضاءات فلسفية هي كبحر لجي لا أول له ولا آخر ، ولا ساحل له ينجيه من أمواجه العاتية .
لقد تقمص الكثير من هؤلاء دور ” لوثر ” ، وتلفع إهابه ، دون أن يدرك الظروف الموضوعية والحقيقية التي دفعت لوثر ليقوم بالعملية الإصلاحية في البرووتستنانتيه ، لأن الجميع متفوفقون على أن هناك مشكلة في البروستانتيه نفسها ، وليس فقط في شرحها ، أو فهمها ، أو في طريقة التعاطي معها ، وهذه اللحظة اللوثرية هي التي جعلت من يريد تقمص الأدوار أن يتوجه إلى ” النص ” الشرعي مباشرة حتى يصل إلى ” النهضة ” في نهاية المطاف ، ولكنه غفل عن ” الفرق ” الكبير بين ( الإسلام ) و ( النصرانية ) ، إذ النصرانية دين هش وأبوابه من زجاج محطم .. عملت فيه معاول اليهود ، والمحرفين ، والأفاكين ، بينما الإسلام وبإجماع المطلعين حفظ من هذا العبث ، ووصل إلينا صافيا نقيا ، وإن كان الناس انحرفت في التأويل فهذا حق لا مرية فيه ، ولكن الإصلاح لابد أن يتوجه إلى ” المنهج ” لا إلى الأصل .. كماهو في حال الديانة النصرانية .
الغريب في هذا المنتدى أن هناك تباينا في ” الخلفيات ” عند الكثير من الكتاب ، فهم افترقوا في كل شي ثم اجتمعوا على ” الليبرالية ” ، وحين أتوا إلى الليبرالية لم يدركوا ماهي الليبرالية التي ينشدون ، فاختلط في مكان واحد شيعي اثني عشري ، مع سلفي ، مع حداثي ، مع ملحد ، مع علماني ، ولو أثرت هذه الخلافات في المحددات الثقافية لكل شخص لثارت ثائرة معركة خطيرة تقوم على نسف ” الليبرالية ” ، وإحلال المرجعية الثقافية مكانها ، ولذلك لا لوم عليكم أبدا في تغيير كلمة ” ليبرالية ” لعدم صلاحيتها للاستعمال الآدمي في السعودية .
الحقيقة أننا لن نجد مهما فتشنا فكرة متماسكة البنيان ، وشمولية في الرؤية مثل ” الإسلام ” ، ولكن البعض عن قصد وغير قصد أراد أن يقضي على هذه المرجعية بالإشغاب بالجزئي على الكلي ، فهو يعلن أنه مع ” الإسلام ” ، ولكنه في نفس الوقت يرفض تعاليم الإسلام بحجج واهية هي أوهى من بيت العنكبوت ، فهو مع الإسلام ، ولكنه يدعو لأن ينتقل منه متى ما شاء ، ومع الإسلام لكنه يرى أن الحدود الشرعية إهانة للكرامة الآدمية ، ومع الإسلام ولكنه يرى أن نصوصه تمثل إعاقة حضارية وتنموية ، ومع الإسلام ، ولكنه في نفس الوقت يصفه بالــ كهنوتية ” ، ومع الإسلام ، ولكنه يطعن في الصحابة الذين نقلوه ، ومع الإسلام ، ثم هو يمقت تاريخه الحضاري والجهادي والعلمي والفقهي .. ومع الإسلام ولكنه في نفس الوقت يرى ان اللحظة النهضوية للأمة هي في ركوب ” الغرب ” والإقلاع منه إلى المستقبل والقطيعة مع الإسلام وتاريخه .. فهل هو ” نفاق ” مزركش ، وتقية مغلفة بدعوى المرحلية ؟
إذا كنا صادقين في هذه القضية فلنناقش ” الإسلام ” إن كان لنا موقف سلبي منه ، فلا خوف عليه من عاديات الشبهات ، ونترك الكلام الصحفي ونتوجه إلى الكلام العلمي الجاد في كافة المسائل ، دون ان نجعل من الواقع وإشكالياته وظروفه سبيلا للطعن في الإسلام ، فالدين محفوظ بالأذهان والكتب ، وتطبيقه في الواقع يعتمد على حملته والمبشرين به ، فإن نكصوا ، أو قصرا بقي الإسلام هو الإسلام لا تغيره الحوادث ، ولا تقضي عليه الظروف ، أما العبارات الباردة التي يلوكها أهل الصحافة وهي قولهم : لا مشكلة مع الإسلام ، وإنما مع قراءته وتفسيره فهذه يكذبها في أحيان كثيرة طبيعة المسائل التي هي موقف من ” الإسلام ” ذاته وليس في قراءته وفهمه .
هذه أول مشاركة لي في هذا المنتدى ..آمل أن تكون موفقه ، وأن تبين عن رأيي فيه بصراحة كتبتها على عجل !
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
الشبكة السعودية الليبرالية ..
هذا هو المسمى لهذا المنتدى الذي اجتمع فيه خلق كثير ، يختلفون ويتباينون كاختلاف ألوان البشر وطبائعهم ، ولكنهم في الغالب يتفقون على الموقف من ” التيار الديني في السعودية ” ، وهناك من تجاوز ” التيار الديني ” ليتدخل مباشرة إلى ” الإسلام ” نفسه وأنه هو المشكلة ، ومحصلة هؤلاء : أن القضية ليست في التيار فقط ، بل في المكون الفكري للتيار ، وهنا يجتمع في هذا كل التيارات بداية من ” القاعدة ” ونهاية بـ ” الإخوان ” الذين يملكون رؤى لا تختلف في أحيان كثيرة عن رأي أي رجل يدعي الليبرالية ..
كنت أقول للإخوة من ” التنويريين ” أن هناك مشكلة في ” الترحل ” الفكري ، الذي يبدأ بالمنطلق ” العقلي ” ، وينتهي بـ ” المصب العلماني ” ، لأني وبصراحة أقولها : يخادعنا بشكل كبير من يدعي أن هناك إمكانية الموائمة بين الفكر الغربي وبين الإسلام في جوانبه التأسيسية الفكرية ، ولابد أن يجد نفسه في يوم من الأيام في مواجهة سافرة ليست مع ” الهيئات ” ، ولا مع ” الجامعات الإسلامية ” ، ولا مع ” الدعاة ” ، بل مع ( نص القرآن والسنة ) ، وهذا ما دفع الكثير من الشباب إلى ” خلع الإسلام ” كله والدخول في فضاءات فلسفية هي كبحر لجي لا أول له ولا آخر ، ولا ساحل له ينجيه من أمواجه العاتية .
لقد تقمص الكثير من هؤلاء دور ” لوثر ” ، وتلفع إهابه ، دون أن يدرك الظروف الموضوعية والحقيقية التي دفعت لوثر ليقوم بالعملية الإصلاحية في البرووتستنانتيه ، لأن الجميع متفوفقون على أن هناك مشكلة في البروستانتيه نفسها ، وليس فقط في شرحها ، أو فهمها ، أو في طريقة التعاطي معها ، وهذه اللحظة اللوثرية هي التي جعلت من يريد تقمص الأدوار أن يتوجه إلى ” النص ” الشرعي مباشرة حتى يصل إلى ” النهضة ” في نهاية المطاف ، ولكنه غفل عن ” الفرق ” الكبير بين ( الإسلام ) و ( النصرانية ) ، إذ النصرانية دين هش وأبوابه من زجاج محطم .. عملت فيه معاول اليهود ، والمحرفين ، والأفاكين ، بينما الإسلام وبإجماع المطلعين حفظ من هذا العبث ، ووصل إلينا صافيا نقيا ، وإن كان الناس انحرفت في التأويل فهذا حق لا مرية فيه ، ولكن الإصلاح لابد أن يتوجه إلى ” المنهج ” لا إلى الأصل .. كماهو في حال الديانة النصرانية .
الغريب في هذا المنتدى أن هناك تباينا في ” الخلفيات ” عند الكثير من الكتاب ، فهم افترقوا في كل شي ثم اجتمعوا على ” الليبرالية ” ، وحين أتوا إلى الليبرالية لم يدركوا ماهي الليبرالية التي ينشدون ، فاختلط في مكان واحد شيعي اثني عشري ، مع سلفي ، مع حداثي ، مع ملحد ، مع علماني ، ولو أثرت هذه الخلافات في المحددات الثقافية لكل شخص لثارت ثائرة معركة خطيرة تقوم على نسف ” الليبرالية ” ، وإحلال المرجعية الثقافية مكانها ، ولذلك لا لوم عليكم أبدا في تغيير كلمة ” ليبرالية ” لعدم صلاحيتها للاستعمال الآدمي في السعودية .
الحقيقة أننا لن نجد مهما فتشنا فكرة متماسكة البنيان ، وشمولية في الرؤية مثل ” الإسلام ” ، ولكن البعض عن قصد وغير قصد أراد أن يقضي على هذه المرجعية بالإشغاب بالجزئي على الكلي ، فهو يعلن أنه مع ” الإسلام ” ، ولكنه في نفس الوقت يرفض تعاليم الإسلام بحجج واهية هي أوهى من بيت العنكبوت ، فهو مع الإسلام ، ولكنه يدعو لأن ينتقل منه متى ما شاء ، ومع الإسلام لكنه يرى أن الحدود الشرعية إهانة للكرامة الآدمية ، ومع الإسلام ولكنه يرى أن نصوصه تمثل إعاقة حضارية وتنموية ، ومع الإسلام ، ولكنه في نفس الوقت يصفه بالــ كهنوتية ” ، ومع الإسلام ، ولكنه يطعن في الصحابة الذين نقلوه ، ومع الإسلام ، ثم هو يمقت تاريخه الحضاري والجهادي والعلمي والفقهي .. ومع الإسلام ولكنه في نفس الوقت يرى ان اللحظة النهضوية للأمة هي في ركوب ” الغرب ” والإقلاع منه إلى المستقبل والقطيعة مع الإسلام وتاريخه .. فهل هو ” نفاق ” مزركش ، وتقية مغلفة بدعوى المرحلية ؟
إذا كنا صادقين في هذه القضية فلنناقش ” الإسلام ” إن كان لنا موقف سلبي منه ، فلا خوف عليه من عاديات الشبهات ، ونترك الكلام الصحفي ونتوجه إلى الكلام العلمي الجاد في كافة المسائل ، دون ان نجعل من الواقع وإشكالياته وظروفه سبيلا للطعن في الإسلام ، فالدين محفوظ بالأذهان والكتب ، وتطبيقه في الواقع يعتمد على حملته والمبشرين به ، فإن نكصوا ، أو قصرا بقي الإسلام هو الإسلام لا تغيره الحوادث ، ولا تقضي عليه الظروف ، أما العبارات الباردة التي يلوكها أهل الصحافة وهي قولهم : لا مشكلة مع الإسلام ، وإنما مع قراءته وتفسيره فهذه يكذبها في أحيان كثيرة طبيعة المسائل التي هي موقف من ” الإسلام ” ذاته وليس في قراءته وفهمه .
هذه أول مشاركة لي في هذا المنتدى ..آمل أن تكون موفقه ، وأن تبين عن رأيي فيه بصراحة كتبتها على عجل !
مهيار
لست منافحاً عن الليبرالية وكأنها عقيدة، ولكن كأسلوب معرفي وسلوك اجتماعي، ومنهجية فكرية، ولست بصدد الدفاع عن كل مدع لليبرالية يفهمها على انها نقيض الدين والتدين.. ولكن أثارتني هذه المشاركة لأنها نموذجية تعتمد الاسلوب الفلسفي وإن كانت تنقم عليه. وفيها نقاط جديرة بالحوار إذا كان متسع للحوار عند كاتبها…
بداية يدخل علينا باسم الدكتور استفهام، وصفة دكتور هنا تأتي للتعالي، وتتطلب من الآخرين أن يكونوا تلاميذ أمام محاضرة جامعة مانعة ، والاستفهام يحمل صفة الاستغراب بمعنى هل يعقل أن لا يدرك هؤلاء القوم كنه الليبرالية وعلاقتها بالاسلام…ولعلي أعلق باقتضاب على نقاط العلام في هذا القول الذي أشكر صاحبه (د. ؟) لانه فعلاً يمثل عصارة وزبدة الرؤية التي تختزل الإسلام في فهم معين وقوالب محددة ، مخلصة للكهنوت الإسلامي أكثر من كونها مخلصة للرسالة.
لاشك أن التيارات الإسلامية اليوم تتباين وهي ليست نسيجاً متناغماً، ولكنها في العمق تحمل الفيروس ذاته، الذي يخلص للإسلام على أنه مؤسسة تفسيرية فقهية مطلقة وشمولية، وكل تجديد يخرج عن الكهنوت يقصى بعيداً حتى إن كان يعيد الصلة بالكتاب الكريم مباشرة دون وسطاء ملزمين. قد يحمل الإخوان بعض الأراء المتفقة مع الليبرالية ولكنهم لا يختلفون عن التيارات السلفية والتقليدية في العمق، كما أنهم يتوسلون السلطة بأشكالها ليفرضوا القيود تحت ذرائع عقدية وأخلاقية.
يا صاحب المعالي أنت ترى مشكلة في الترحل الفكري، ولكن في ظل هذا الترحل نشأ الإسلام وانتشر، فقد جابه الآبائية والتقليد مجابهة مرة حتى عقد له لواء القيادة نحو نظام معرفي جديد، فالمنطق العقلي إذا انتهى بالمصب العلماني، فهذا سيكون دليلا على أن هذا المصب نفسه هدف إسلامي، فالإسلام دعوة عقلية تدعو للتأمل والتفكر والتعقل ويبدو لي انك لا تحتاج إلى أدلة على صواب هذا الأمر فهي أكثر من أن تعدد. وهذه الحتمية التي تنطلق بها من أن السير وراء العقل يفضي إلى المنهج العلماني ليدعو إلى تبني النهج العلماني مباشرة دون المرور في نفق التجربة العقلية. ولعلك لو تبصرت في تاريخ التجربة الفكرية والاجتماعية للإسلام لوجدت أن الموائمة بين الإسلام وما سبقه أو عاصره من أفكار وفلسفات ورؤى كانت لب عملية التجديد، فالتجديد لم يأت على يد المؤسسة الكهنوتية إنما كان يأتي من مواقف فلسفية كانت سندا لإعمال العقل والتفكر في خلق الله والبحث عن الأفضل والأسمى. وكانت المؤسسة الكهنوتية ترضخ أحياناً وتعادي أحياناً ومع مرور الزمن تعتمد الكثير من الآراء التي ناهضتها طويلاً. فالمواجهة لا تكون بالضرورة مع نص القرآن والسنة، إنما مع قراءة محدودة لنص كوني كالقرآن، وقراءات مشوشة لنصوص تتباين في درجة وضوحها ونسبتها وضرورة الالتزام الحرفي بها كالسنة النبوية والحديث.
إن ما يدعو الكثير من الشباب إلى خوض البحر اللجي ليست من قبيل الضياع، أنما من قبيل البحث المطلوب من كل مسلم، فالقرآن حذر من طول الأمد والرسالة لا تزال تتنزل، وناهض الآبائية التي يراد لنا أن نخضع لها ونؤمن بتفسيراتها وكأنهها القدر الذي لافكاك منه للنصوص المقدسة.
وأريد أن أفهم من تقصد بالجميع الذين هم متفقون على أنه هناك مشكلة في البروتستانتية لا في شروحها، وما تدعوه لحظة لوثرية يبدو أنه أمد لوثري قيمته في مناهضته للكهنوت، وهذه القيمة مطلوبة لكل دين ولكل ملة ونحلة ولكل فكر يعقل ولا ينقل فحسب.
من الطبيعي ان ننتصر أنا وانت للإسلام، حتى وإن استخدمنا لذلك منهجا عرفانياً، أما أن نرفض الآخر أو نسفهه برهانياً ونحن متنكرون للمنهج البرهاني داخل عقيدتنا فتلك آفة فكرية منتشرة ولا تميز زيدا عن عمرو، فالتسفيه الذي تصبه على النصرانية قد يشمل معظم الحراك التقليدي الإسلامي اليوم،
اجتماع الاتجاهات المتباينة في ظل شعار ليبرالي هو أمر حسن ويفضي بالنتيجة الى الحوار والتقبل بين الاتجاهات العقدية والفكرية، وليست سبة على الليبرالية…والانطلاق من المرجعيات الخاصة مع احترام مرجعيات وخصوصيات الآخر هو النهج الصحيح لأي نهضة، أما الاستبداد التقليدي الذي يلزم الآخرين بمعرفة محددة، فهو الذي لطالما أخرجنا من التاريخ، ولطالما سيدخلنا في دهاليز الهامشية والغوغائية.
واتفق معك على تميز الإسلام، ولكن دون أن أصادر حق أي كائن في مناقشته ومحاورته بالعقل والعلم والروح …. بالعرفان والبرهان وكل الوسائل، تحدوني في ذلك ثقة بأن هذا الدين سيصمد ويبقى مهوى الأفئدة ، والزبد يذهب جفاء، وكل فكرة يخشى عليها من الرياح والأمواج هي نثار جاف وزبد عقيم يذهب غير مأسوف عليه.
إن الاختلاف مع الصحابة في الرؤية لا يعني الطعن فيهم، وزحزحة المعنى الذي أسبغوه على على مختلف شؤون الحياة الدنيا والآخرة لايعني زحزحة الإسلام، إنما هي زحزحة داخل الدائرة، فالاختلاف معهم ليس اختلافاً مع الإسلام، انما اختلافاً في الإسلام، وهذا الاختلاف هو مزية الإسلام وميزته، وميزة أي مبدأ أو عقيدة تتقبل الاختلاف والتنوع. فانت ترفض لفظة الكهنوت، وانت غارق في رؤية كهنوتية يا سيدي.
ثم تعود لتوسل المنهج العلمي، مع أنك تجد أن النزوع العقلي يفضي إلى العلمانية، فما معنى المنهج العلمي الذي تطالب به، وتقول: ( فالدين محفوظ بالأذهان والكتب)… وهذا اعتراف بأن هناك مشكلة في إمكانية تطبيقه، لذلك لابد من الفصل بين الوحي وبين الدين، بين الوحي النازل إلى الأرض، والدين الصاعد إلى السماء. الإيمان يستهدف الوحي، والعقل يستهدف الدين، وإن قصر الدين في نهضة البشر فلابد من تجديده ونفض كل عوالق التقليد والآبائية التي تجعله عسيرا على الناس، فالاخلاص يكون للوحي وليس للدين، فما الدين إلا أسلوب للتواصل مع الوحي وفهمه، لاستنباط المعنى الملائم للإنسان عبر الزمن، لا لاحتكار المعنى ومأسسته ليتحول إلى كهنوت مستبد.
والعبارات الباردة بالنسبة لك يا دكتور، قد تكون أكثر دفئاً من كل ما تدعو إليه…
أشكرك بصدق على الايجاز المدهش ، فمقالتك هذه تصلح نموذجا للفهم الكهنوتي للإسلام بامتياز .
لست منافحاً عن الليبرالية وكأنها عقيدة، ولكن كأسلوب معرفي وسلوك اجتماعي، ومنهجية فكرية، ولست بصدد الدفاع عن كل مدع لليبرالية يفهمها على انها نقيض الدين والتدين.. ولكن أثارتني هذه المشاركة لأنها نموذجية تعتمد الاسلوب الفلسفي وإن كانت تنقم عليه. وفيها نقاط جديرة بالحوار إذا كان متسع للحوار عند كاتبها…
بداية يدخل علينا باسم الدكتور استفهام، وصفة دكتور هنا تأتي للتعالي، وتتطلب من الآخرين أن يكونوا تلاميذ أمام محاضرة جامعة مانعة ، والاستفهام يحمل صفة الاستغراب بمعنى هل يعقل أن لا يدرك هؤلاء القوم كنه الليبرالية وعلاقتها بالاسلام…ولعلي أعلق باقتضاب على نقاط العلام في هذا القول الذي أشكر صاحبه (د. ؟) لانه فعلاً يمثل عصارة وزبدة الرؤية التي تختزل الإسلام في فهم معين وقوالب محددة ، مخلصة للكهنوت الإسلامي أكثر من كونها مخلصة للرسالة.
لاشك أن التيارات الإسلامية اليوم تتباين وهي ليست نسيجاً متناغماً، ولكنها في العمق تحمل الفيروس ذاته، الذي يخلص للإسلام على أنه مؤسسة تفسيرية فقهية مطلقة وشمولية، وكل تجديد يخرج عن الكهنوت يقصى بعيداً حتى إن كان يعيد الصلة بالكتاب الكريم مباشرة دون وسطاء ملزمين. قد يحمل الإخوان بعض الأراء المتفقة مع الليبرالية ولكنهم لا يختلفون عن التيارات السلفية والتقليدية في العمق، كما أنهم يتوسلون السلطة بأشكالها ليفرضوا القيود تحت ذرائع عقدية وأخلاقية.
يا صاحب المعالي أنت ترى مشكلة في الترحل الفكري، ولكن في ظل هذا الترحل نشأ الإسلام وانتشر، فقد جابه الآبائية والتقليد مجابهة مرة حتى عقد له لواء القيادة نحو نظام معرفي جديد، فالمنطق العقلي إذا انتهى بالمصب العلماني، فهذا سيكون دليلا على أن هذا المصب نفسه هدف إسلامي، فالإسلام دعوة عقلية تدعو للتأمل والتفكر والتعقل ويبدو لي انك لا تحتاج إلى أدلة على صواب هذا الأمر فهي أكثر من أن تعدد. وهذه الحتمية التي تنطلق بها من أن السير وراء العقل يفضي إلى المنهج العلماني ليدعو إلى تبني النهج العلماني مباشرة دون المرور في نفق التجربة العقلية. ولعلك لو تبصرت في تاريخ التجربة الفكرية والاجتماعية للإسلام لوجدت أن الموائمة بين الإسلام وما سبقه أو عاصره من أفكار وفلسفات ورؤى كانت لب عملية التجديد، فالتجديد لم يأت على يد المؤسسة الكهنوتية إنما كان يأتي من مواقف فلسفية كانت سندا لإعمال العقل والتفكر في خلق الله والبحث عن الأفضل والأسمى. وكانت المؤسسة الكهنوتية ترضخ أحياناً وتعادي أحياناً ومع مرور الزمن تعتمد الكثير من الآراء التي ناهضتها طويلاً. فالمواجهة لا تكون بالضرورة مع نص القرآن والسنة، إنما مع قراءة محدودة لنص كوني كالقرآن، وقراءات مشوشة لنصوص تتباين في درجة وضوحها ونسبتها وضرورة الالتزام الحرفي بها كالسنة النبوية والحديث.
إن ما يدعو الكثير من الشباب إلى خوض البحر اللجي ليست من قبيل الضياع، أنما من قبيل البحث المطلوب من كل مسلم، فالقرآن حذر من طول الأمد والرسالة لا تزال تتنزل، وناهض الآبائية التي يراد لنا أن نخضع لها ونؤمن بتفسيراتها وكأنهها القدر الذي لافكاك منه للنصوص المقدسة.
وأريد أن أفهم من تقصد بالجميع الذين هم متفقون على أنه هناك مشكلة في البروتستانتية لا في شروحها، وما تدعوه لحظة لوثرية يبدو أنه أمد لوثري قيمته في مناهضته للكهنوت، وهذه القيمة مطلوبة لكل دين ولكل ملة ونحلة ولكل فكر يعقل ولا ينقل فحسب.
من الطبيعي ان ننتصر أنا وانت للإسلام، حتى وإن استخدمنا لذلك منهجا عرفانياً، أما أن نرفض الآخر أو نسفهه برهانياً ونحن متنكرون للمنهج البرهاني داخل عقيدتنا فتلك آفة فكرية منتشرة ولا تميز زيدا عن عمرو، فالتسفيه الذي تصبه على النصرانية قد يشمل معظم الحراك التقليدي الإسلامي اليوم،
اجتماع الاتجاهات المتباينة في ظل شعار ليبرالي هو أمر حسن ويفضي بالنتيجة الى الحوار والتقبل بين الاتجاهات العقدية والفكرية، وليست سبة على الليبرالية…والانطلاق من المرجعيات الخاصة مع احترام مرجعيات وخصوصيات الآخر هو النهج الصحيح لأي نهضة، أما الاستبداد التقليدي الذي يلزم الآخرين بمعرفة محددة، فهو الذي لطالما أخرجنا من التاريخ، ولطالما سيدخلنا في دهاليز الهامشية والغوغائية.
واتفق معك على تميز الإسلام، ولكن دون أن أصادر حق أي كائن في مناقشته ومحاورته بالعقل والعلم والروح …. بالعرفان والبرهان وكل الوسائل، تحدوني في ذلك ثقة بأن هذا الدين سيصمد ويبقى مهوى الأفئدة ، والزبد يذهب جفاء، وكل فكرة يخشى عليها من الرياح والأمواج هي نثار جاف وزبد عقيم يذهب غير مأسوف عليه.
إن الاختلاف مع الصحابة في الرؤية لا يعني الطعن فيهم، وزحزحة المعنى الذي أسبغوه على على مختلف شؤون الحياة الدنيا والآخرة لايعني زحزحة الإسلام، إنما هي زحزحة داخل الدائرة، فالاختلاف معهم ليس اختلافاً مع الإسلام، انما اختلافاً في الإسلام، وهذا الاختلاف هو مزية الإسلام وميزته، وميزة أي مبدأ أو عقيدة تتقبل الاختلاف والتنوع. فانت ترفض لفظة الكهنوت، وانت غارق في رؤية كهنوتية يا سيدي.
ثم تعود لتوسل المنهج العلمي، مع أنك تجد أن النزوع العقلي يفضي إلى العلمانية، فما معنى المنهج العلمي الذي تطالب به، وتقول: ( فالدين محفوظ بالأذهان والكتب)… وهذا اعتراف بأن هناك مشكلة في إمكانية تطبيقه، لذلك لابد من الفصل بين الوحي وبين الدين، بين الوحي النازل إلى الأرض، والدين الصاعد إلى السماء. الإيمان يستهدف الوحي، والعقل يستهدف الدين، وإن قصر الدين في نهضة البشر فلابد من تجديده ونفض كل عوالق التقليد والآبائية التي تجعله عسيرا على الناس، فالاخلاص يكون للوحي وليس للدين، فما الدين إلا أسلوب للتواصل مع الوحي وفهمه، لاستنباط المعنى الملائم للإنسان عبر الزمن، لا لاحتكار المعنى ومأسسته ليتحول إلى كهنوت مستبد.
والعبارات الباردة بالنسبة لك يا دكتور، قد تكون أكثر دفئاً من كل ما تدعو إليه…
أشكرك بصدق على الايجاز المدهش ، فمقالتك هذه تصلح نموذجا للفهم الكهنوتي للإسلام بامتياز .
د. استفهام
الأستاذ مهيار ..
بداية ، فأنت تقول : ( لست مدافعاً عن الليبرالية وكأنها عقيدة ) ، ولكن : ( كأسلوب معرفي وسلوك إجتماعي ومنهجية فكرية ) . وفيه هذه الكلمات البسيطة منك تكمن ” المشكلة المعرفية والسلوكية والمنهجية في التفكير ” لقضية الليبرالية ومصطلحها ، فالبعض يرى أنها ( عقيدة ) ، والبعض يرى أنها ( أسلوب معرفي ) ، ومنهم من يرى أنها ( سلوك إجتماعي ) ، ومنهم من يرى أنها ( منهجية فكرية ) ، ومنهم من يرى أنها ( حرية وفردانية ) ، ومنهم من يرى أنها ( سلوك اقتصادي رأسمالي ) ، ومنهم ومنهم إلى مالا نهاية من الرؤى التي تعرف لنا في كل ثانية ” الليبرالية ” بشي مختلف ، وتصور خاص .
الحقيقة أن أي شخص يرى في الليبرالية هذه الرؤى مجتمعة سيتوصل مباشرة إلى أنها ( دين وعقيدة ) ، لأن أي دين سواء كان دينا ( بشريا وضعيا) ، أو كان دينا ( سماويا إلهيا ) ، هو في الحقيقة رؤية ، ومنهج ، وسلوك ، وفكر ، وسلوك . وفي النهاية فالليبرالية بهذا المعنى ” مفهوم شمولي ” ، ولذلك لن يفلح من يريد أن يفصل إلى جانب من الجوانب المذكورة آنفا عن أصل الليبرالية وأساسها الفلسفي ، فهو كفصل الرأس عن الجسد … إذ لا يبقى حياة ، وحتى لو إدعى أنه يفصل فهي دعوى موهمة ، ومجازفة معرفية .
إنني أدرك ” الحرج ” الشديد لـ ليبرالي قومنا في المحاولة المستميتة في هذا الفصل بين بعض الجوانب عن الأسس الفلسفية ، لأنهم يدركون انهم يتعاطون في التبشير بالليبرالية مع مجتمع لا يمكن أن يتقبلها كلها ككيان واحد ، فأجريت عليها عملية ” تفتيت ” ، حتى تهضم بسهولة ، ثم تأتي المتتالية المعرفية إلى أن تصل إلى الشمولية الفكرية .. وهذا حتم لازم بمثل موضوع الليبرالية ، ولذلك أدرك البعض خطورة الفكرة ومآلاتها ، والتي ربما تقضي على المشروع الليبرالي برمته ، لأن ” الإسلام ” ليس كــ” النصرانية ” التي تتقارب في تكوينها الفكري مع ( العلمانية ) ، وتتقاطع معها بشكل كبير ، ولكن هذا لن يكون مع ” الإسلام ” الذي هو منظومة شمولية من العقائد والأخلاق والقيم والعبادات وغيرها ،ولا يمكن فصل جانب عن جانب إلا بالتضحية بهذه الشمولية التي تستعصي بحكم تكوين الإسلام وعقيدته ، فكل هذه المحاولات منك لتطميننا أنك لا تراها نقيضة للدين والتدين مشكور لك كثيرا ، ويدل على أنك لا زلت تمسك بزمام الإسلام .. ولكني أخالفك في محاولة ” التوفيق ” بينها وبينه .. وبينك وبين ذلك خرط القتاد .
أما قضية مسمى ” دكتور استفهام ” ، فلن أناقشك فيه كثيرا لأني أرى ان هذا لا يرتقي لمقدمتك الفكرية ، ولكني كذلك دخلت به لأنه النك نيم الذي أستخدمه منذ عشر سنين ، فإن كنت تراه تعاليا فلك هذا ، ولكني أرجو أن لا يكون هذا التعالي مؤثرا في فهم كلامي ، أو قبول ما به من صحة وحق !
الملحوظة التي رأيتها في كلامك ، ولعلها سمة بارزة فيه هي ” الحشد ” للمصطلحات التي لم تحدد، فانت ترى أن التيارات الإسلامية تحمل فيروسا ( وهو معنى سلبي بالطبع ) يلخص الإسلام على أنه ( مؤسسة تفسيرية فقهية مطلقة وشمولية ) ، وأنا حقيقة اعدت قراءة الجملة مرات علني أفهم المراد من ” مؤسسة ” فلم أفلح ، وكذلك حين تصف هذه المؤسسة بأنها ” تفسيرية ” ، ثم هي فقهية مطلقة وشمولية ، فإن كنت ترى أن التيارات الإسلامية تدخل فيها المدارس الفقهية التاريخية ، والمناهج الدعوية المعاصرة ، فهذا خلط ، لأن كلامك يصدق على ” المذاهب الفقهية ” التي هي سابقة على التيارات الإسلامية المعاصرة وجودا ، وفي طياتها منهجية متينة في التفريق بين ماهو ” مطلق ” وما هو ” نسبي ” ، وكان إمام الفقه السني الإمام الشافعي يذكر عبارة خلدها التاريخ بقوله : ( قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) ، وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وهو يعد من فقهاء المسلمين ، وله اختيارات فقهية كثيرة يقول : ( ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ، لانهم لولم يختلفوا لم يكن رخصة ) ، وغيره من أقوال الأئمة التي تبين سعة الخلاف في الفقه ، فهم لم يدعوا الكهنوتية ، ولم يقل أحد منهم أن كل قول يختاره هو مراد الله ورسوله ، ومع ذلك بينوا موارد القطع واليقين ، وموارد الاجتهاد والنظر النسبي ، ورسموا منهجية عظيمة في آليات القراءة للنص الشرعي ، والتيارات الإسلامية لم تأت بفقه جديد ، بل هي تأخذ من التراث الفقهي الإسلامي بمختلف مدارسه ، ولذلك فالخلاف بين ” التيارات الفكرية الوضعية ” ، وبين ” التيارات الإسلامية ” ليس خلافا فقهيا ، بل هو خلاف أصلي كلي مبدئي ، ولذلك من الخطأ جعل الخلاف بيننا وبين الليبرالية حول مسائل فقهية ، فمع وجود الخلاف الكلي لا قيمة لمناقشة الخلاف الجزئي او الفرعي .
نأتي هنا لقضية أثرتها وهي قضية ” الترحل الفكري ” ، وفرق بين ” الترحل ” ، وبين ” التطور ” ، فالترحل هنا ” قفز ” من مربع إلى مربع ، وتحيز عن مناخ معرفي للذهاب إلى مناخ معرفي آخر يناقض الأول ، وهذا الأمر لم يثر الأمة أبدا ، بل لقد أسهم هذا الترحل في خلق مشكلات معرفية لا تزال الأمة تعاني من ويلاتها ، فالافتراق الحاصل بين الفرق العقدية أساسه هذا الترحل المعرفي في التاريخ ، والتحيزات المعرفية المعاصرة هو في الأساس ناتج من هذا الترحل ، فادعاء أن هذا الترحل هو الذي أوصل الإسلام الى مشارق الأرض ومغاربها إدعاء لا دليل عليه ، لان ” الاجتماع ” والقوة والمكنة العلمية والمعرفية هي التي أسهمت في الانتشار ، لا الترحل والافتراق الذي حذرت الشريعة منه : ( ولا تكونوا من المشركين ، من الذين ” فرقوا دينهم ” وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وهذا يأتي على الفرق العقدية ، ويأتي على الأحزاب الإسلامية إن كانت تقيم حروبا طاحنة فيما بينها بسبب المنهج .
فيما يتعلق بالمنطلق ” العقلي ” المفضي إلى ” المصب العلماني ” ، فأنت تراه نتيجة عقلية حتمية ، وأنا أراه مشكلة معرفية كبيرة ، لأن ( العقل ) هنا ليس العقل المطلق الكلي الذي تتفق عليه العقول ، بل هو ( العقل النسبي ) الذي يتوهمه الإنسان عقلا قطعيا ، فالعقلاني الذي يحكم على مسائله بالصحة المطلقة هو مثل الديني الذي يحكم على كل فهم يفهمه من الكتاب والسنة انه هو ” الحق المطلق ” ، والخلط الذي حصل في التاريخ بين هذين المستويين من العقل هو الذي أفسد الدين والدنيا ، فعلماء المسلمين جعلوا العقل عقلان ( عقل فطري ) و ( عقل مكتسب ) ، ويقابله في الفلسفة الغربية كما عند لالاند في الموسوعة الفلسفية ( العقل المكِوّن ) و ( العقل المكَوَن ) ، وكل مصيبة حلت في فهم الشريعة والانحراف عندها هي حينما يخلط بين هذين المستويين ، لان العقل باعتباره فطرة شي ، وباعتباره أداة شي آخر ، فالفطرة كلية اتفاقية ، والأداة آلة قابلة للخطأ والصواب ، وعليه فاستخدام العقل النسبي للولوج إلى المصب العلماني هو في حقيقته ” عبث ” بالشريعة أدى الى تشويهها وتعطيلها ، بل والقضاء على مظاهرها في العالم الإسلامي .
والقرأن في أساسه يقوم على التصور العقلي للأمور ، ولذا لم يات القرآن في قضية تناهض العقل او تعارضه ، وصحيح السنة لم يأت كذلك بأي قضية تقف أمام العقل او تعارضه ، بل كل أحكام الشريعة هي أحكام معقولة ، وهذا منهج سلفي أصلي ولم يفسد هذا المنهج في وضوحه إلا حين تم ” الترحل ” إلى الفلسفات التي قامت على الحتميات المنطقية ، ثم وقعت في التناقضات العقلية ، فتفرق أهلها شذر مذر ، حتى أن ” المعتزلة ” وهي الفرقة العقلية التي أغرم بها كثير من المفكرين العقلانيين المعاصرين لم تعمصها دعوى الفهم ” العقلي ” من التفرق ، فقد كفر ابا هذيل العلاف النظام ، وكفر شيوخ المعتزلة ابا هذيل ، وكما قال البغدادي في الفرق ، فكان كل رجل محق بتكفير صاحبه ، والغريبة أن بعض المفكرين يسمونهم بــ فرسان الحضارة العربية ، مع أن المعتزلة تصنف من الفرق ” المكفراتية ” في التاريخ الإسلامي لانها تخرج صاحب المعصية من الإسلام ، فتجعله في الدنيا في منزلة بين منزلتين ( معلق المسيكين ما يدري هو مسلم ولا كافر ) ، وفي الآخرة في جهنم وبئس المصير ..
ليعذرني الإخوة على الإسهاب ، فأفكار الأخ كثيرة ومتراكمة ومتزاحمة ..
هنا … يبدو ان مفكرينا مصابين بالاستلاب لبعض الأفكار دون وعي ولا تمييز ، فصاحبنا يقول : ( من الطبيعي ان ننتصر أنا وأنت للإسلام ، حتى لو استخدمنا لذلك منهجا عرفانيا ، أما أن نرفض الأخر أو نسفهه برهانيا ونحن متنكرون للمنهج البرهاني داخل عقيدتنا فتلك آفة فكرية منتشرة ) ، وهذه الفقرة حقها أن يفتح لها موضوع مستقل للنقاش ، وهي ” محبالة ” الجابري وغيره من المفكرين التي مررت على كثير من المفكرين والمثقفين، وخاصة أولئك الذين لم يدرسوا الشريعة دراسة منهجية وعلمية ، حتى اقتنع الكثير أن منهجنا هو منهج ” عرفاني ” ، يقابله المنهج ” البرهاني ” الغربي وتاريخه الفلسفي والذي تنباه ابن رشد وبشر به ، مع أن الأخ أخطأ حين ذكر ” العرفاني ” هنا ، لأننا في عرف الجابري ” بيانيون ” لا ” عرفانيون ” فالعرفانية هي الفرق الصوفية والشيعة والاشراقية الغنوصية وغيرها ، ولكن لا مشكلة هنا ، المشكلة الكبرى هي في سلب ” البرهان ” منا ، وإعطاءه غيرنا واحتكاره له ، وهذه مشكلة معرفية لا تصمد للبحث العلمي ، لأن ( القرآن ) المكون الأساس للفكر الإسلامي قائم على ” البرهان ” في إقناعه للناس بنفسه ، وبنبوة بنيه ، وبصحة مسائله ، وهذا البرهان هو متسلسل عقلي يبدأ من إثبات الألوهية ، ثم النبوة ، ثم الشريعة ، ولآيات القرآن ” العقلية ” في إثبات الألوهية والنبوة لا تعد ولا تحصى ، ولكن الجابري وغيره حين شطروا العقل العربي إلى هذه الثلاثية البغيضة لم يتطرقوا أصلا للقرآن ولا للسنة ، وجعل اللحظة الفكرية للأمة هي عصر التدوين ، لأن هذا سوف يوقعه بلا جدال في الاصطدام مع القرآن والسنة ، ولذلك كان نهاية مشروع الجابري في العقل العربي هو تحييد القران والسنة عن التراث الإسلامي … ثم الانتصار للعقل والبرهان ( أي للمدرسة الرشدية المغاربية وامتدادها = الحضارة الغربية المعاصرة ) هكذا وبوضوح لا ريب فيه !
أحتاج هنا إلى ملاحقة أفكار الأخ ملاحقة لأنها غير مترابطة في بعض فقراتها .. ولكني أقول أخيرا تعقيبا على فقرته الأخيرة ..
إنني هنا لن أقف أمام كل دعوة تنطلق من ” الإسلام ” ذاته في التجديد الذي ينضبط منهجيا ، ومناقشة مسائلنا بعيدا عن التحيزات المعرفية التي أصابتنا بالتشظي والانقسام ، ومناقشة كافة قضايانا بعيدا عن تصفية الحسابات الخاصة ، فإذا كان الله أمرنا بجدال أهل الكتاب باللتي هي أحسن ، فنقاشنا داخل الدائرة الإسلامية مهما تباينت الرؤى من باب أولى ، ولكن لابد أن يكون ذلك بأخلاقيات الحوار التي يدعو إليها العقل والنقل ، والتفكر في قضايانا بعيدا عن ردات الأفعال او ضغط الواقع ومؤثراته .. حتى نستطيع أن نتلمس طرق الإصلاح والنهضة مع احتفاظنا بهويتنا الإسلامية الخالدة .. فلن نكون يوما ما أوروبيين حتى لو صنعنا لنا آلاف المكاييج التي تبيض أبشارنا .. فقدرنا أننا عرب ومسلمون .. والله اعلم !
مهيار
د. استفهام..
أشكرك ثانية على ردك النموذجي، والذي يتشارك بالسمة السجالية مع ردود المفكرين المسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان يشي بمعرفة أبعد، ولكن دون فهم أوفر للأسف، فالمشكلة ليست في المعرفة بقدر ما هي في النظام المعرفي، لذلك فصنوف المعرفة لا تضمن الارتقاء بالفكر نحو آفاق أرحب، فقط المنهجية التي تتحلى بسعة الأفق والقدرة على التخيل والإبداع، فقط هي تدفع بنا قدماً إلى الأمام.
لا أنكر أنني استمتعت بردك واستفدت منه، وإن كان يتجاوز أشياء كثيرة من ردي بدعوى عدم فهم المراد، فإنه على الأقل حاور شيئا ما، ويكفيني أن نصف الأفكار قد وصل، حتى وإن لم تقبل، المهم أن نتعارف منهجياً، فهذا التعارف سيكون مدخلاً للتقبل، وهذا ما يجب أن يكون لدى الجميع باتجاه الجميع ما لم يخالطه اعتداء على حرية.
استفدت من ردك، فأنا الآن أكثر قدرة على حوار هذا الأسلوب الذي تنتهجه، وأكثر معرفة بالتأكيد بالأسلوب والسلوك الفكريين الذين فيهما شيء جديد، وإن كانا في الأعم الغالب يحملان سمة السجال والمحاججة التي طالما اعتدناها من المدافعين عن الإسلام من داخل قفص الاتهام، ودعني اعترف لك بميزة إضافية مذهلة، فأنا قرأت كل ردودك، وواضح أن فيها صبرا وجلدا ودأباً قلما يتحلى بها المرء في حاضرنا.
عود على بدء، ولست بصدد الرد، ولكن بصدد التفاعل معك، فقد وضح لي المزيد من كلامك طبيعة فكرك ونمطيته، أظنه سقراط القائل: ( تكلم لكي أراك)… وأنت تكلمت…ونحن نحاول أن نراك بوضوح أوفر…
الليبرالية ليست عقيدة وإنما منهجية، وأود أن أوضح هذا الأمر، فالعقيدة تحتمل الميتافيزيقيا، أما المنهجية فلا تحتملها، وإن كانت تدرسها بعمق، فأنا مسلم أؤدي واجباتي الدينية، وأؤمن بكل اللامعقول الديني الإسلامي وراثة، وأحاول جهدي أن أنقذ نفسي من التوارث بالتعمق في هذا الفهم من خلال منهجية تنظر في غايات الوجود وأهدافه وأسباب العمران البشري، كل ذلك يدعم إيماني ولي الحق في أن ابني ما أحتاجه من طمأنينة حتى لو كان لبنات البناء ميتافيزيقية، ولكن منهجيتي تقترب من الليبرالية في أمور عدة نعدد بعضاً منها لنصل إلى معنى الليبرالية ونجد أنها فعلا ليست عقيدة أو إيديولوجيا محددة، بل على النقيض من ذلك فهي تحترم الايدولوجيا ولكن تقصيها عن التحكم بمسائل العدالة الاجتماعية والحرية الفكرية، ووسائل التعبير الحر عن الثقافة والخصوصية، وخاصة إذا انبنى هذا التحكم على أمور ميتافيزيقية، فدعاوى التسلط على الناس والهيمنة على اتجاهاتهم وتفاصيل حياتهم بالاستناد إلى أسباب سماوية، هي ما أدعوها بالمؤسسة، وهذه المؤسسة للأسف تشكلت في الإسلام حتى باتت قاب إثمين أو أدنى من القضاء على أصوله.. إن تحاكم الآخر بمقتضى رؤية دينية هذا يعني أن تمنحه الحق بمحاكمتك بمقتضى رؤيته الدينية، فأنت إنسانيا لا تتمايز عن الآخر بدعوى سماوية، وإلا اقتربنا من اعتناق مفهوم الشعب المختار… فأكرمكم عند الله أتقاكم، والتقوى التي نود أن نقرؤها هي التقوى المنطلقة من المصحف العظيم، لا من مخلفات المؤسسة الفقهية التي احتكرت معناه وأقصت العباد من رحمة الرحمن الرحيم، وضيقت على الناس حتى لتبدو هذه الرحمة أضيق من خرم إبرة وأقسى من صراط حاد كالشفرة، التقوى التي تعني الإخلاص في التوجه وهي تقوى باطنة لا تظهر على السطح بالضرورة، وأكثرنا نقاء سريرة مع خالقه هو الأكرم.
أما أن نجعل للتقوى أيدي وأرجل ونزحزحها حيثما نشاء فذاك نهج سياسي لا علاقة له بالوحي، الله أعلم بالسرائر، وليس لك على إنسان ألا أن يقدرك بما تقدمه من تقدير لغيرك، ولئن انبنيت منهجيا وفكريا على عقيدة الإسلام دون أن يكون لك رأي في ذلك في البداية فغيرك انبنى على عقيدة أخرى.. وكل الأديان تتشارك في لامعقول خاص بها، واللامعقول ليست صفة لما هو غير حقيقي… لذلك فدعوى العلمية ساقطة عند أي منهج ديني حتى وإن توسل ذلك أتباعه، لذلك نفرق بين الإيمان وبين السلوك الاجتماعي.
الليبرالية التي نفهمها هو منهجية تعاطي مع المحيط والظرف الشرطي، وأنا أفهم الإسلام على أنه ليبرالي في العمق لأنه فصل بين ما هو اعتقادي وبين ما هو تاريخي، لذلك كان للعاقبة مكان الصدارة في الحكم على مآل الأمور، بأن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض أما الزبد يذهب جفاء غير مأسوف عليه.
ولا أظن أنه هناك أي حرج لدى من يؤمنون بالحرية الفكرية واحترام التوجهات الدينية أو الثقافية، فالليبرالية عندهم تطابق اللا إكراه، واللا إكراه هي سمة الإسلام الأصل في نصه الأول، وما يحف بهذا النص من نصوص تقترب من نوره. ولا أود أن أتحدث لا عن تهافت الفلسفة ولا تهافت التهافت فتلك معركة قديمة تجاوزها الزمن، وإن كنا إلى اليوم داخل الفكر الإسلامي عاجزين عن تجاوز اللحظة الرشدية، فتلك مأساتنا في الخروج من التاريخ والفعالية، بعد أن قصرنا في إعمال العقل، بل ربما أقسرنا العقل على أن ينضبط ضمن حدود سياسية بدعوى دينية متشددة. مع كل ما يزخر به القرآن الكريم من حض على التفكر والتدبر وإعمال العقل واحترام عقائد الآخرين وعدم قسرهم على إتباع ملتنا بوسائل القسر المختلفة، المباشرة منها وغير المباشرة التي تضيق على الآخر حتى تجعل السبل تضيق عليه مهانة واستصغارا.
الليبرالية مفهوم شمولي من حيث كونها لا إكراه، ولي هذا عيباً، بل هو تأكيد على احترام التجربة الإنسانية في النزوع نحو الأفضل والأسمى.
ولعمري أنه أمر عجب أن أسمع أن النصرانية (تتقارب في تكوينها الفكري مع ( العلمانية ) ، وتتقاطع معها بشكل كبير) ولست أدري ما رصيد هذا القول المجازف، فالعلمانية قد تتشارك مع الإسلام في بعض الأمور، ولكنها حتما لا تتشارك مع المسيحية، إذ أنها قامت أساساً في وجه العقائد المسيحية التي سادت عصر الظلمات الأوربي.. ومن هنا أجد أن حمية مفكرينا الإسلاميين في الوقوف في وجه العلمانية وتصنيفها كأخطر اتجاه على الدين، ينطلق من خوف تشاركي، خشية أن تكون العلمانية قائمة على معاداة الدين بالمطلق وليست مجرد رد على الإغراق السلبي في التدين إلى حد صكوك الغفران ومحاكم التفتيش. فالعلمانية في نشأتها مباركة لأنها وقفت في وجه الاستبداد الذي أخذ شكلا دينياً وهو في صلبه سياسي. وواجب المسلم أن يبارك العلمانية في بواكيرها، وينتقدها في تشعباتها اللاحقة نقداً ايجابيا بناءً، لا مجرد معاداة غير مفهومة وغير ناتجة عن تجربة خاصة.
ما أعنيه بالمؤسسة هو ما قدمت أنت له تعريفاً جامعاً بقولك: “ولكن هذا لن يكون مع ” الإسلام ” الذي هو منظومة شمولية من العقائد والأخلاق والقيم والعبادات وغيرها ،ولا يمكن فصل جانب عن جانب إلا بالتضحية بهذه الشمولية التي تستعصي بحكم تكوين الإسلام وعقيدته”
إن هذا التعريف الحاد هو ما يفضي إلى الخروج من التاريخ بل الخروج على الأصل أيضاً، لأنه إخلاص لتفسير معين للنص وليس إخلاصاً للنص بحد ذاته، وبسبب هذا التعريف تحول الإسلام إلى مؤسسة، تستخدم النص لتمرر هيمنتها، وتفسيرها، بل تجعل النص في خدمة تفسيرها الضيق، بدلا من السعي إلى فتح الفضاء للنص لكي يتألق من جديد. فهذه الشمولية تنعكس على أفهام بشرية مباركة حاولت جهدها أن تتفاعل مع الإسلام في نصوصه الأصل، ولم تكن لتدعي الرجم بالغيب، ولا المعرفة بما يحتاجه الناس بعد قرون، فالعلة ليست في الرعيل المؤسس لهذه المؤسسة، بقدر ما هي في الأجيال التي مأسستهم وجعلتهم أوصياء على المعنى لدرجة أن النص يكاد يلقى حتفه على أيديهم لولا حفظ الله.
مازال إلى اليوم يواجهنا المفكر المسلم بأقوال غابرة، حتى في مسائل الحرية الفكرية يلجأ للغزالي وعمر بن عبدالعزيز، لأنه فعلا لم يضف شيئاً ذي بال إليهم، إضافة إلى أن الأهم من ذلك هو السلوك الفكري، فعلى الرغم من استشهادك بقول الغزالي: (قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) . إلا انك لم تطبق هذا المبدأ في حديثك عن الليبرالية أو المسيحية أو أي مبدأ يختلف مع مذهبك ودينك.
وهم لم يدعوا الوصول إلى المعنى النهائي للنص الديني، أشاركك في هذا الرأي، ولكن من تبعهم بالتوقيف ومنع الاجتهاد واحتكار التفسير والفقه، هم من جعلوا منهم كهنوتاً… وليتنا بدلا من أن نضع التيارات الوضعية في مقابل الإسلام، نتفهم أن التيارات الوضعية هي تيارات داخل كل تيار ديني أيضاً، ذلك أن تبني هذه المفردة بمعانيها السلبية يستهدف كل شيء يحاول الخروج على السلفية والتقليد والنقل، أي الخروج على المؤسسة.
لن أساجلك في مسألة المصطلحات والتفريق بين الترحل والتطور وما إلى ذلك، فها أنت تتحدث عن الصدام بين المناخات المعرفية، هذا الصدام الذي تجده سلبياً أجده ايجابياً في مجمله، وإن اعتوره بعض السلبية، فهذا التفاعل هو تثاقف مطلوب، وما كان لمبدأ أن يتطور بمعزل عن المبادئ الأخرى، ولعلي كنت أقصد هذا عندما قلت أن أفكار التجديد كانت في أغلبها من خلال فكر تثاقفي منفتح، وليس من خلال فكر منعزل ومنقول ومغلق، والتطور الذي حصل في الفكر الإسلامي يعود في معظمه إلى المثقف المسلم، لا إلى الفقيه المخلص للمؤسسة، والمردد لتفسيراتها والمنغمس في حلقات المريدين.
وها أنت تقول: “الذي أوصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها”، ” الاجتماع ” والقوة والمكنة العلمية والمعرفية هي التي أسهمت في الانتشار ، لا الترحل والافتراق الذي حذرت الشريعة منه “
أود أن أفهم من أين أتت المكنة العلمية والمعرفية، ألم تكن قائمة على التفاعل مع الآخر، وكيف كان للمعرفة أن تتسع لولا ذلك التوسع الجغرافي الذي جعل المناخات تتلاقح، والتنوع يسهم في بناء مجتمع أكثر صلابة.
إلى الآن لم أجد ما يؤسف بشدة في رؤيتك، ولكن تفريقك بين العقل المطلق والنسبي هو ما جعلني أشعر بالدوار، فكأنك تسبغ على المؤسسة صفة العقل المطلق وعلى ما يقابلها صفة العقل النسبي، وكأنما اجتهادات الغابرين كانت مطلقاً، ومناهضات الحاضرين هي سفاهات عقل نسبي، لعمري أن هذا التفكير لا يختلف عن أي فكر تكفيري أو إقصائي، فالمؤسسة التي جعلت العقل عقلان، كانت تقوم بأكبر عملية تدليس في الفكر والتاريخ، وهذه العملية كانت شرارة البدء للفكر المنغلق والتكفيري، وما تجده مقابلاً في الفلسفة الغربية خلط رهيب ومقارنة لا تصح البتة، فالعقل المكون (بكسر الواو) والعقل المكون (بفتح الواو) هما مفهومان فلسفيان تربويان، ولا علاقة لهما بالتصنيفات العلمية أو الفكرية، ولا باختلاف مدارس التفكير، وهما موجودان في كل امرئ تماما مثل الصفات الوراثية والصفات المكتسبة. ولذلك كل النقاش الذي يتلو هذا التحديد يصبح فارغاً من المعنى وأشبه بوصفات نطاس شعبي. وعلى أية حال لم أكن أنا صاحب حتمية ” العقلي ” المفضي إلى ” المصب العلماني ” فهذا القول هو ل كوانا كنت أرد عليه وحسب.
واتفق معك كل الاتفاق أن “القرآن في أساسه يقوم على التصور العقلي للأمور ، ولذا لم يأت القرآن في قضية تناهض العقل أو تعارضه” وحتى ما صح من السنة لم يأت كذلك بأي قضية تقف أمام العقل أو تعارضه. ولكن هذا ما يجعلني لا أخشى العقل في إبحاره اللامحدود، وأي فكر يؤمن بهذا عليه إلا يخشى تقلبات العقل لأنها ستفضي في المحصلة على احترام هذا الكتاب الذي مجد دور التجربة والعقل.
كل أحكام الشريعة كانت أحكاماً معقولة، ولكنها للأسف أصبحت أحكاماً منقولة في ظل الفهم المؤسسي للإسلام، وهذا منهج السلفي الأصيل هو يربض فوق صدور أمة ليجعلها تعتزل التجديد، وترهب بالنقل والوعيد.
ولم أسمع في الفلسفة بمفهوم “الحتميات المنطقية” وإن سمعت شيئا شبيها لهذا في وصف الفكر الديني المتزمت، ولن يفيدنا التنكر للمعتزلة، لأنهم أوغلوا في بنية الفكر الإسلامي بايجابية، وهذا التحامل عليهم دليل على ضيق الأفق واحتكار الفضيلة، هذه المنهجية التي لا تستسيغ تقبل أي خلاف مهما كان صغيراً وهامشياً، وعلى الرغم من خانيات الفكر السلفي في تصنيف قراءة الرأي في تفسير الرازي، لم يجد السلفيون بداً من الاستئناس به حينما واجهتهم معضلات مهلكة. وأعني تماماً القرارات الفقهية للمجامع التي تخضع لإسلام مؤسسي، التي تنهار كل محاذيرها وتحريماتها أمام واقع مداهم أو طقس سياسي متطلب.
قد ينتابنا الاستلاب تجاه السيل المعرفي الجارف الذي نحن على هامشه، ولكن الاستلاب الحقيقي هو ذلك الاستلاب للموتى والتفسير المحكم والجامع والمانع الذي يمنع أي تجديد حقيقي في النفاذ إلينا، ولن أناقشك في مسألة البرهاني والعرفاني فأنت جعلت مرجعيتي في هذا الجابري، وما كنت لألجأ إليه، لذلك في زعمي السلفية ليست بيانية إنما عرفانية، وهذا التفريق الذي وضعه الجابري كان لكسب ود سلفيي الخليج لاحقاً وهذا ما ظهر بوضوح وجلاء اليوم إذ نكاد نرى الجابري يرتدي دشداشة قصيرة وغترة لا يربطها عقال، فمحبالته تلك غير ذي بال…بل ربما راقت لك من حيث التصنيف وخاصة أنها وضعت كل الفرق الإسلامية في إطار عرفاني، وميزت المدرسة التي تنتمي إليها بالبيان، ولعلها دغدغت أحلام الكثيرين ممن يظنون أنهم الفرقة الناجية.
مع أن السلفية بمجملها لا تختلف في بنيتها مع أي فكر صوفي وخاصة في تقديس عالم الأشخاص، فإلى اليوم لم أجد سلفيا يخرج على ابن تيمية أو محمد بن عبدالوهاب أو ينتقدهما بصدق، مع أنه يشكك فيك إذا بالغت في حب محمد
بعض الشيء بل قد يجعلك من المشركين.
وتقول: “أحتاج هنا إلى ملاحقة أفكار الأخ ملاحقة لأنها غير مترابطة في بعض فقراتها ” لا مشكلة لدي في اتهامك هذا…ولكنه رأيك وحسب.
أما ما اختتمت به ردك علي فأنا وقفت لك احتراما وتقديراً ، والله على ما أقول شهيد.. إذ أنني قرأت فيها سمات ليبرالية رائعة…
أطل إقامتك هنا يا صاح فلديك ما نستفيد منه بالتأكيد ولدينا ما تستفيد منه الكثير ولن تخرج كما دخلت… أنا على ثقة من ذلك
تحية مودة .
د. استفهام..
أشكرك ثانية على ردك النموذجي، والذي يتشارك بالسمة السجالية مع ردود المفكرين المسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان يشي بمعرفة أبعد، ولكن دون فهم أوفر للأسف، فالمشكلة ليست في المعرفة بقدر ما هي في النظام المعرفي، لذلك فصنوف المعرفة لا تضمن الارتقاء بالفكر نحو آفاق أرحب، فقط المنهجية التي تتحلى بسعة الأفق والقدرة على التخيل والإبداع، فقط هي تدفع بنا قدماً إلى الأمام.
لا أنكر أنني استمتعت بردك واستفدت منه، وإن كان يتجاوز أشياء كثيرة من ردي بدعوى عدم فهم المراد، فإنه على الأقل حاور شيئا ما، ويكفيني أن نصف الأفكار قد وصل، حتى وإن لم تقبل، المهم أن نتعارف منهجياً، فهذا التعارف سيكون مدخلاً للتقبل، وهذا ما يجب أن يكون لدى الجميع باتجاه الجميع ما لم يخالطه اعتداء على حرية.
استفدت من ردك، فأنا الآن أكثر قدرة على حوار هذا الأسلوب الذي تنتهجه، وأكثر معرفة بالتأكيد بالأسلوب والسلوك الفكريين الذين فيهما شيء جديد، وإن كانا في الأعم الغالب يحملان سمة السجال والمحاججة التي طالما اعتدناها من المدافعين عن الإسلام من داخل قفص الاتهام، ودعني اعترف لك بميزة إضافية مذهلة، فأنا قرأت كل ردودك، وواضح أن فيها صبرا وجلدا ودأباً قلما يتحلى بها المرء في حاضرنا.
عود على بدء، ولست بصدد الرد، ولكن بصدد التفاعل معك، فقد وضح لي المزيد من كلامك طبيعة فكرك ونمطيته، أظنه سقراط القائل: ( تكلم لكي أراك)… وأنت تكلمت…ونحن نحاول أن نراك بوضوح أوفر…
الليبرالية ليست عقيدة وإنما منهجية، وأود أن أوضح هذا الأمر، فالعقيدة تحتمل الميتافيزيقيا، أما المنهجية فلا تحتملها، وإن كانت تدرسها بعمق، فأنا مسلم أؤدي واجباتي الدينية، وأؤمن بكل اللامعقول الديني الإسلامي وراثة، وأحاول جهدي أن أنقذ نفسي من التوارث بالتعمق في هذا الفهم من خلال منهجية تنظر في غايات الوجود وأهدافه وأسباب العمران البشري، كل ذلك يدعم إيماني ولي الحق في أن ابني ما أحتاجه من طمأنينة حتى لو كان لبنات البناء ميتافيزيقية، ولكن منهجيتي تقترب من الليبرالية في أمور عدة نعدد بعضاً منها لنصل إلى معنى الليبرالية ونجد أنها فعلا ليست عقيدة أو إيديولوجيا محددة، بل على النقيض من ذلك فهي تحترم الايدولوجيا ولكن تقصيها عن التحكم بمسائل العدالة الاجتماعية والحرية الفكرية، ووسائل التعبير الحر عن الثقافة والخصوصية، وخاصة إذا انبنى هذا التحكم على أمور ميتافيزيقية، فدعاوى التسلط على الناس والهيمنة على اتجاهاتهم وتفاصيل حياتهم بالاستناد إلى أسباب سماوية، هي ما أدعوها بالمؤسسة، وهذه المؤسسة للأسف تشكلت في الإسلام حتى باتت قاب إثمين أو أدنى من القضاء على أصوله.. إن تحاكم الآخر بمقتضى رؤية دينية هذا يعني أن تمنحه الحق بمحاكمتك بمقتضى رؤيته الدينية، فأنت إنسانيا لا تتمايز عن الآخر بدعوى سماوية، وإلا اقتربنا من اعتناق مفهوم الشعب المختار… فأكرمكم عند الله أتقاكم، والتقوى التي نود أن نقرؤها هي التقوى المنطلقة من المصحف العظيم، لا من مخلفات المؤسسة الفقهية التي احتكرت معناه وأقصت العباد من رحمة الرحمن الرحيم، وضيقت على الناس حتى لتبدو هذه الرحمة أضيق من خرم إبرة وأقسى من صراط حاد كالشفرة، التقوى التي تعني الإخلاص في التوجه وهي تقوى باطنة لا تظهر على السطح بالضرورة، وأكثرنا نقاء سريرة مع خالقه هو الأكرم.
أما أن نجعل للتقوى أيدي وأرجل ونزحزحها حيثما نشاء فذاك نهج سياسي لا علاقة له بالوحي، الله أعلم بالسرائر، وليس لك على إنسان ألا أن يقدرك بما تقدمه من تقدير لغيرك، ولئن انبنيت منهجيا وفكريا على عقيدة الإسلام دون أن يكون لك رأي في ذلك في البداية فغيرك انبنى على عقيدة أخرى.. وكل الأديان تتشارك في لامعقول خاص بها، واللامعقول ليست صفة لما هو غير حقيقي… لذلك فدعوى العلمية ساقطة عند أي منهج ديني حتى وإن توسل ذلك أتباعه، لذلك نفرق بين الإيمان وبين السلوك الاجتماعي.
الليبرالية التي نفهمها هو منهجية تعاطي مع المحيط والظرف الشرطي، وأنا أفهم الإسلام على أنه ليبرالي في العمق لأنه فصل بين ما هو اعتقادي وبين ما هو تاريخي، لذلك كان للعاقبة مكان الصدارة في الحكم على مآل الأمور، بأن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض أما الزبد يذهب جفاء غير مأسوف عليه.
ولا أظن أنه هناك أي حرج لدى من يؤمنون بالحرية الفكرية واحترام التوجهات الدينية أو الثقافية، فالليبرالية عندهم تطابق اللا إكراه، واللا إكراه هي سمة الإسلام الأصل في نصه الأول، وما يحف بهذا النص من نصوص تقترب من نوره. ولا أود أن أتحدث لا عن تهافت الفلسفة ولا تهافت التهافت فتلك معركة قديمة تجاوزها الزمن، وإن كنا إلى اليوم داخل الفكر الإسلامي عاجزين عن تجاوز اللحظة الرشدية، فتلك مأساتنا في الخروج من التاريخ والفعالية، بعد أن قصرنا في إعمال العقل، بل ربما أقسرنا العقل على أن ينضبط ضمن حدود سياسية بدعوى دينية متشددة. مع كل ما يزخر به القرآن الكريم من حض على التفكر والتدبر وإعمال العقل واحترام عقائد الآخرين وعدم قسرهم على إتباع ملتنا بوسائل القسر المختلفة، المباشرة منها وغير المباشرة التي تضيق على الآخر حتى تجعل السبل تضيق عليه مهانة واستصغارا.
الليبرالية مفهوم شمولي من حيث كونها لا إكراه، ولي هذا عيباً، بل هو تأكيد على احترام التجربة الإنسانية في النزوع نحو الأفضل والأسمى.
ولعمري أنه أمر عجب أن أسمع أن النصرانية (تتقارب في تكوينها الفكري مع ( العلمانية ) ، وتتقاطع معها بشكل كبير) ولست أدري ما رصيد هذا القول المجازف، فالعلمانية قد تتشارك مع الإسلام في بعض الأمور، ولكنها حتما لا تتشارك مع المسيحية، إذ أنها قامت أساساً في وجه العقائد المسيحية التي سادت عصر الظلمات الأوربي.. ومن هنا أجد أن حمية مفكرينا الإسلاميين في الوقوف في وجه العلمانية وتصنيفها كأخطر اتجاه على الدين، ينطلق من خوف تشاركي، خشية أن تكون العلمانية قائمة على معاداة الدين بالمطلق وليست مجرد رد على الإغراق السلبي في التدين إلى حد صكوك الغفران ومحاكم التفتيش. فالعلمانية في نشأتها مباركة لأنها وقفت في وجه الاستبداد الذي أخذ شكلا دينياً وهو في صلبه سياسي. وواجب المسلم أن يبارك العلمانية في بواكيرها، وينتقدها في تشعباتها اللاحقة نقداً ايجابيا بناءً، لا مجرد معاداة غير مفهومة وغير ناتجة عن تجربة خاصة.
ما أعنيه بالمؤسسة هو ما قدمت أنت له تعريفاً جامعاً بقولك: “ولكن هذا لن يكون مع ” الإسلام ” الذي هو منظومة شمولية من العقائد والأخلاق والقيم والعبادات وغيرها ،ولا يمكن فصل جانب عن جانب إلا بالتضحية بهذه الشمولية التي تستعصي بحكم تكوين الإسلام وعقيدته”
إن هذا التعريف الحاد هو ما يفضي إلى الخروج من التاريخ بل الخروج على الأصل أيضاً، لأنه إخلاص لتفسير معين للنص وليس إخلاصاً للنص بحد ذاته، وبسبب هذا التعريف تحول الإسلام إلى مؤسسة، تستخدم النص لتمرر هيمنتها، وتفسيرها، بل تجعل النص في خدمة تفسيرها الضيق، بدلا من السعي إلى فتح الفضاء للنص لكي يتألق من جديد. فهذه الشمولية تنعكس على أفهام بشرية مباركة حاولت جهدها أن تتفاعل مع الإسلام في نصوصه الأصل، ولم تكن لتدعي الرجم بالغيب، ولا المعرفة بما يحتاجه الناس بعد قرون، فالعلة ليست في الرعيل المؤسس لهذه المؤسسة، بقدر ما هي في الأجيال التي مأسستهم وجعلتهم أوصياء على المعنى لدرجة أن النص يكاد يلقى حتفه على أيديهم لولا حفظ الله.
مازال إلى اليوم يواجهنا المفكر المسلم بأقوال غابرة، حتى في مسائل الحرية الفكرية يلجأ للغزالي وعمر بن عبدالعزيز، لأنه فعلا لم يضف شيئاً ذي بال إليهم، إضافة إلى أن الأهم من ذلك هو السلوك الفكري، فعلى الرغم من استشهادك بقول الغزالي: (قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) . إلا انك لم تطبق هذا المبدأ في حديثك عن الليبرالية أو المسيحية أو أي مبدأ يختلف مع مذهبك ودينك.
وهم لم يدعوا الوصول إلى المعنى النهائي للنص الديني، أشاركك في هذا الرأي، ولكن من تبعهم بالتوقيف ومنع الاجتهاد واحتكار التفسير والفقه، هم من جعلوا منهم كهنوتاً… وليتنا بدلا من أن نضع التيارات الوضعية في مقابل الإسلام، نتفهم أن التيارات الوضعية هي تيارات داخل كل تيار ديني أيضاً، ذلك أن تبني هذه المفردة بمعانيها السلبية يستهدف كل شيء يحاول الخروج على السلفية والتقليد والنقل، أي الخروج على المؤسسة.
لن أساجلك في مسألة المصطلحات والتفريق بين الترحل والتطور وما إلى ذلك، فها أنت تتحدث عن الصدام بين المناخات المعرفية، هذا الصدام الذي تجده سلبياً أجده ايجابياً في مجمله، وإن اعتوره بعض السلبية، فهذا التفاعل هو تثاقف مطلوب، وما كان لمبدأ أن يتطور بمعزل عن المبادئ الأخرى، ولعلي كنت أقصد هذا عندما قلت أن أفكار التجديد كانت في أغلبها من خلال فكر تثاقفي منفتح، وليس من خلال فكر منعزل ومنقول ومغلق، والتطور الذي حصل في الفكر الإسلامي يعود في معظمه إلى المثقف المسلم، لا إلى الفقيه المخلص للمؤسسة، والمردد لتفسيراتها والمنغمس في حلقات المريدين.
وها أنت تقول: “الذي أوصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها”، ” الاجتماع ” والقوة والمكنة العلمية والمعرفية هي التي أسهمت في الانتشار ، لا الترحل والافتراق الذي حذرت الشريعة منه “
أود أن أفهم من أين أتت المكنة العلمية والمعرفية، ألم تكن قائمة على التفاعل مع الآخر، وكيف كان للمعرفة أن تتسع لولا ذلك التوسع الجغرافي الذي جعل المناخات تتلاقح، والتنوع يسهم في بناء مجتمع أكثر صلابة.
إلى الآن لم أجد ما يؤسف بشدة في رؤيتك، ولكن تفريقك بين العقل المطلق والنسبي هو ما جعلني أشعر بالدوار، فكأنك تسبغ على المؤسسة صفة العقل المطلق وعلى ما يقابلها صفة العقل النسبي، وكأنما اجتهادات الغابرين كانت مطلقاً، ومناهضات الحاضرين هي سفاهات عقل نسبي، لعمري أن هذا التفكير لا يختلف عن أي فكر تكفيري أو إقصائي، فالمؤسسة التي جعلت العقل عقلان، كانت تقوم بأكبر عملية تدليس في الفكر والتاريخ، وهذه العملية كانت شرارة البدء للفكر المنغلق والتكفيري، وما تجده مقابلاً في الفلسفة الغربية خلط رهيب ومقارنة لا تصح البتة، فالعقل المكون (بكسر الواو) والعقل المكون (بفتح الواو) هما مفهومان فلسفيان تربويان، ولا علاقة لهما بالتصنيفات العلمية أو الفكرية، ولا باختلاف مدارس التفكير، وهما موجودان في كل امرئ تماما مثل الصفات الوراثية والصفات المكتسبة. ولذلك كل النقاش الذي يتلو هذا التحديد يصبح فارغاً من المعنى وأشبه بوصفات نطاس شعبي. وعلى أية حال لم أكن أنا صاحب حتمية ” العقلي ” المفضي إلى ” المصب العلماني ” فهذا القول هو ل كوانا كنت أرد عليه وحسب.
واتفق معك كل الاتفاق أن “القرآن في أساسه يقوم على التصور العقلي للأمور ، ولذا لم يأت القرآن في قضية تناهض العقل أو تعارضه” وحتى ما صح من السنة لم يأت كذلك بأي قضية تقف أمام العقل أو تعارضه. ولكن هذا ما يجعلني لا أخشى العقل في إبحاره اللامحدود، وأي فكر يؤمن بهذا عليه إلا يخشى تقلبات العقل لأنها ستفضي في المحصلة على احترام هذا الكتاب الذي مجد دور التجربة والعقل.
كل أحكام الشريعة كانت أحكاماً معقولة، ولكنها للأسف أصبحت أحكاماً منقولة في ظل الفهم المؤسسي للإسلام، وهذا منهج السلفي الأصيل هو يربض فوق صدور أمة ليجعلها تعتزل التجديد، وترهب بالنقل والوعيد.
ولم أسمع في الفلسفة بمفهوم “الحتميات المنطقية” وإن سمعت شيئا شبيها لهذا في وصف الفكر الديني المتزمت، ولن يفيدنا التنكر للمعتزلة، لأنهم أوغلوا في بنية الفكر الإسلامي بايجابية، وهذا التحامل عليهم دليل على ضيق الأفق واحتكار الفضيلة، هذه المنهجية التي لا تستسيغ تقبل أي خلاف مهما كان صغيراً وهامشياً، وعلى الرغم من خانيات الفكر السلفي في تصنيف قراءة الرأي في تفسير الرازي، لم يجد السلفيون بداً من الاستئناس به حينما واجهتهم معضلات مهلكة. وأعني تماماً القرارات الفقهية للمجامع التي تخضع لإسلام مؤسسي، التي تنهار كل محاذيرها وتحريماتها أمام واقع مداهم أو طقس سياسي متطلب.
قد ينتابنا الاستلاب تجاه السيل المعرفي الجارف الذي نحن على هامشه، ولكن الاستلاب الحقيقي هو ذلك الاستلاب للموتى والتفسير المحكم والجامع والمانع الذي يمنع أي تجديد حقيقي في النفاذ إلينا، ولن أناقشك في مسألة البرهاني والعرفاني فأنت جعلت مرجعيتي في هذا الجابري، وما كنت لألجأ إليه، لذلك في زعمي السلفية ليست بيانية إنما عرفانية، وهذا التفريق الذي وضعه الجابري كان لكسب ود سلفيي الخليج لاحقاً وهذا ما ظهر بوضوح وجلاء اليوم إذ نكاد نرى الجابري يرتدي دشداشة قصيرة وغترة لا يربطها عقال، فمحبالته تلك غير ذي بال…بل ربما راقت لك من حيث التصنيف وخاصة أنها وضعت كل الفرق الإسلامية في إطار عرفاني، وميزت المدرسة التي تنتمي إليها بالبيان، ولعلها دغدغت أحلام الكثيرين ممن يظنون أنهم الفرقة الناجية.
مع أن السلفية بمجملها لا تختلف في بنيتها مع أي فكر صوفي وخاصة في تقديس عالم الأشخاص، فإلى اليوم لم أجد سلفيا يخرج على ابن تيمية أو محمد بن عبدالوهاب أو ينتقدهما بصدق، مع أنه يشكك فيك إذا بالغت في حب محمد
بعض الشيء بل قد يجعلك من المشركين.وتقول: “أحتاج هنا إلى ملاحقة أفكار الأخ ملاحقة لأنها غير مترابطة في بعض فقراتها ” لا مشكلة لدي في اتهامك هذا…ولكنه رأيك وحسب.
أما ما اختتمت به ردك علي فأنا وقفت لك احتراما وتقديراً ، والله على ما أقول شهيد.. إذ أنني قرأت فيها سمات ليبرالية رائعة…
أطل إقامتك هنا يا صاح فلديك ما نستفيد منه بالتأكيد ولدينا ما تستفيد منه الكثير ولن تخرج كما دخلت… أنا على ثقة من ذلك
تحية مودة .
د.استفهام
الاخ الكريم مهيار ..
القسم الأول
سأتجاوز مقدمتك الجميلة والتي تحمل الكثير من تشخيص حالة من تناقشه أو تتحاور معه ، وهذا جيد في تقريب وجهات النظر ، وفي إزالة ما قد يعلق من صورة نمطية معينة على شخص معين بمجرد أن ينسب إلى تيار أو توجه ، فأنا حقيقة أؤيد عملية ” الفلترة ” و ” الفرز ” للناس كل على حده ، حتى لا نقطع الطريق علينا في عدم التواصل من خلال رؤى غارقة أحيانا في الوهم ….
لحظت في كلامك أنك تحشد المصطلحات حشدا يجعل الإنسان يقف كثيرا أمام الفروق بينها من خلال سياق كلامك ، وعندي أن المشكلة الكبرى التي نعانيها أننا نتبادح بالمصطلحات ثم نكتشف أننا لم نتفق على أي منها ، فالليبرالية والعقيدة والأيديلوجيا ، والمينافيزيقيا واللامعقول الديني والمنهجية كلها مصطلحات بسيطة لكنها تحمل ” مضامين ” كبيرة تشكل أحيانا على المراد من استخدامها .
أنت ترى ان ” الليبرالية ” منهجية ، وعندي أنه في علم ” الأفكار ” أن المنهجية الفكرية لا بد أن تتميز بالصرامة والانضباطية في عملها ، وإلا اختل شرط من شروطها ، ولذلك فأنت ترى أن ” الليبرالية ” منهجية لا عقيدة ، باعتبار أن العقيدة تحتمل الميتافيزيقيا ، والمنهجية لا تحتمل ، ولكن الليبرالية إن كانت منهجية في الفكر والحياة ، فهي لابد أن تقوم بعملية الفرز بين ” اللامعقول العقلي ” ، وبين المعقول العقلي ” ، وهنا انتقلت مباشرة من كونها وسيلة لتحقيق غاية ، إلى كونها منتجة للأفكار في ذاتها ، ثم تتقارب مباشرة وفلسفيا مع أي عقيدة أخرى ، لان من شرط المنهجية أن ترد على السؤال ، وتزيل الإشكال العقلي والمادي ، وخاصة إن استخدمت كمنجية في التفكير ..
ثم إن الذي يشكل على الليبرالية – وأنا أؤمن بضبابيتها إلى الآن – أنها خضعت لعملية ترحل تاريخي ومعرفي ، فصورتها الناجزة في أوروبا جاءت بعد فعل معرفي تراكمي ، وحصل فيها سجال طويل ،سواء في جانبها الاقتصادي او جانبها السياسي وفيما يتعلق بنظرية ” السيادة ” ، والصراع والاختلاف بين مدرسة هوبز ، وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم من المفكرين الغربيين ، فولدت في الغرب بعد عمليات كثيرة لا تزال إلى الآن يعتورها شي من الخداج ، ولذلك فأزمة الليبرالية في الغرب قائمة إلى الآن ، وخاصة بين ” الديمقراطيين ” الذين يريدون تفعيل الطبقة العامة ، والليبراليين الرأسماليين الذين يريدون ” الاحتكارية ” في تحرك رؤوس الأموال والاستبدادية التي هي سمة الرأسمالي ، وكان من إفرازاتها الأزمة العالمية المالية التي يحاول البعض أن يجعلها مثل الشيوعية التي قيل عند سقوطها ، سقط النظام ولم تسقط الفكرة ..
المشكلة في عملية ” الترحيل ” لليبرالية أننا نتعامل معها على أنها ” نموذج ناجز “، ثم نبدأ في تحسين الصورة، وفي عمليات الترميم والمكياج ، وفي البتر أحيانا كثيرة حتى تتم عملية الموائمة بينها وبين الواقع المنقولة إليه ، ثم لا تتمفس إلا باكسجين صناعي ..فهي كمن يريد أن ينقل نبته لا تنمو إلا في جبال الروكي ، ليزرعها في الصمان ، وهنا تكمل عملية الترحيل ، ثم محاولة ” الأقلمة ” بالقسر والقوة ..
من المشكلات التي تواجه الليبرالية وتجعلها غير صالحة هي أنها ولدت في مجتمع له ظروفه التاريخية والثقافية ، فهي ” فصلت ” على مقاس محدد ، ولأشخاص محددين ، ولا يمكن ان تركب على غير نموذجها الخاص ، ولذلك تجد أن ليبرالي قومنا يحاولون تضييع هذه الحقائق بالاستعاضة أحيانا عن تلك المفاهيم بأشياء تمثل ” أشواقا ” للسامعين ، ثم يصابون بنوع من الاستلاب حين يسمعون مثل هذه الكلمات ، وخاصة حين يكونون قابعين في ظل أنظمة شمولية ، فيطرب البعض للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، ثم تجمع كل هذه القيم العليا وتقدم على أنها هي ( الليبرالية ) ، أو يأتون لأجمل ما في الإسلام ثم يشيرون إليه أن انطلق .. هذه هي الليبرالية ، والحقيقة أن القيم العليا في الإسلام وغيره من الأديان ، والقيم العقلية الكلية المتفق عليها ليست من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف ، ولذلك تجد ان بعض الليبراليين عقولهم أكبر من ” الليبرالية ” نفسها ، ولو خرجوا من قشر الجوزة التي علقوا به لاستطاعوا إن ينظروا إلى الأفكار نظرة أشمل ، ولكان فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات .. ولكن هذه القيم تصيب البعض أحيانا بتضخم الذات ، وامتلاك أكسير الحياة ومشكلاتها ، فهم أشبه بالفلاسفة الذين درسوا الاسطوطاليسية وثقافة اليونان ، ثم أخذوا ينظرون للناس على انهم مجموعة من الدراويش .. وفي نهاية المطاف يكتشف الفيلسوف العظيم أن مقدمات الناس البديهية توصلهم إلى الحقائق والتصورات بأسر طريق وأيسر سبيل ، وفي النهاية النتيجة واحدة .
أعذرني أخي الكريم سأتوقف هنا وسأكمل .. فأجفاني وصلت إلى حروف الكيبورد
القسم الثاني
طبعا إلى الآن وأنا اتحدث عن الإشكالية ” المعرفية ” التي تكتنف الليبرالية من حيث نشأتها وترحلها وترحيلها ، ثم المشكلة في ” هويتها “، فالبعض يعرضها على انها ” عقيدة ” ، ولذلك يقوم بعملية ( المقارنة ) بين فكرتها وبين ( الدين ) من جهة ، أو أي فكرة من جهة أخرى ، ودليل ذلك ان كثيرا من الذيت يتحدثون عن الليبرالية يقولون دائما ( الليبرالية تعني ) ، ( الليبرالية تقول ) ، ( الليبرالية تقوم على ) ، وهذا يعني أنها مرجعية فكرية تحكم على الواقع والمستقبل ..ولذلك أنت تقول هنا أنها ” تتوافق ” مع الإسلام في قضايا ، فهل هي أصلا متعالية عليه حتى تتوافق معه ؟ هل هي ضده حتى توافقه في بعض الأشياء ؟ أنت تفسر هذا بان ” الإسلام ” ليبرالي الروح ، وهذه محاولة من محاولات توفيقية كثيرة بين الإسلام والأفكار الأخرى ، فقد رأينا ( اشتراكية الإسلام ) ، ورأينا ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فأي إسلام هذا الذي جمع كل هذه الأفكار في طياته ، وخاصة أنهم ينسبون إلى الإسلام أفضل مافي تلك الأفكار ، فالقيم العليا في الليبرالية يقولون هي إسلامية ، والاشتراكية الفاعلة في الشيوعية يقولون أنها إسلامية ، والتعددية الديمقراطية يقولون هي روح الإسلام .. وهذا حقيقة إعلان عظمةالإسلام .. وتبقى المشكلة أن الفكرة نعتبرها قوية إذا انتجها الرجل الأشقر ثم وجدنا لها طرفا في الإسلام .. وهذا يشبه إلى حد بعيد إقحام بعض الأسماء الغربية في أي دراسة أو استبانة حتى يكون لها قبولها ورواجها ..
لا يمكن أبدا لرجل مثل محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي بهذه القيم العليا التي يدعيها كل معتنق لفكرة يراها نافعة للناس إلا ان يكون من عند الله ، وهذا يقضي على نظرية ( اللامعقول الديني ) التي أشرت إليها في بداية مداخلتك ، فكيف لي أن أتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني ) ، فإن كنت تقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم فهذا لا يوجد في الإسلام ، وإن كنت تقصد اللامعقول بمعنى أنه جاء عن طريق ( السمع ) = النص ، ولم يات عن طريق العقل ، فثق أن كل قضية غيبية سمعية هي في حقيقتها قضية عقلية ، لأنها انتجت من قضية كلية عقلية وهي مسألة ” الوجود والألوهية ) ، وهنا تنتهي فكرة ( اللامعقول الديني ) .
طبعا أنت ستقول الآن بأنا لا نريد أن نرجع إلى سجالات الفلاسفة وتهتفتهم وتهافت التهافت، ولكن للأسف ناقشت كثيرا من ” الليبراليين ” وهم يستجرون تلك القضايا الفلسفية في كل تأصيلهم لمبادئهم الليبرالية ، بل لاثبات الليبرالية نفسها ، فالموقف من ( النص الديني ) يقوم على أسس فلسفية او كلامية ، والموقف من ( الأفكار ) يعتمد على فكرة العقلية الارسطوطاليسية ، ومقدماتها المنطقية ، والنظرة للوجود تعتمد في أحيان على فلسفة القدماء من الملاحدة ، أو على أفكار الغرب مثل الدارونية وغيرها من الأفكار الالحادية والتي هي امتداد للفلسفات القديمة … فهم لم ينعتقوا إلى الآن من اليونان وتاريخهم .. ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها ، ولكن البعض لا يزال سجينا في فكرة ارسطو التي هي كلحم جمل غث على جبل وعر ، لا سمين فينتقي ولا سهل فيرتقى ، وسبقنا الغرب الذي جعل تحييد النظرية العقلية لارسطو بداية النهضة ، حيث قام ديكارت بفرز المقدمات العقلية التي لم تعرف إلا بالفكر الإسلامي ، ثم انزال التجارب على الواقع ليكون هو المنتج للأفكار ، ويكون العقل دوره دور الآلة الفاعلة في الانتاج وفرز النتائج فقط .. ولكن المشكلة الكبرى ان ” اللحظة الحضارية الغربية ” جاءت لتقطف ثمار هذا التراكم المعرفي ، وتدخل في عصر الصناعة والتقنية .. والا لكان الوضع مختلفا ..
ولا يوجد فكر ولا منهج يطلق للعقل العنان مع ضبط جماحه في نقس الوقت كما يوجد في الإسلام وحضارته ، وسقوط أهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي دليل على أن المنهج القرآني كان الامكن في الرؤية الحضارية ، ودعوى كبح جماح العقل موجودة في التاريخ الإسلام دعوى لا دليل عليها ، إنما القضية هي ترتيب دور العقل وما يخصه ، ووضع الأطر للحدود التأملات العقلية وخاصة فيما يتعلق بقضايا الغيب والألوهية ، وذها يتفق فيه أهل العقول جميعا عن حدود قدرة العقل على الاستكشاف ، وأنه إن كان آلة عجيبة من خلق الله تعالى ، إلا أنه ليس ألها يفعل ما يشاء ، وليس له قوة خارخة تخترق حجب الغيب لتطلع على ما لا يعلمه إلا الله .. فقط هذا هو الدور السجالي الذي كان في الفكر الإسلامي السني فيما يتعلق بالعقل ، أما فيما سوى ذلك من التأمل والابتكار والإبداع الفكري والتفكر في ملكوت السموات والأرض ، والفهم والاستنباط والاجتهاد ، وتمييز الكليات والمطلقات عن الجزئيات والفروعيات كانت حاضرة في التاريخ الإسلام والا لما ظهر هذا التراث الكبير من العلوم والمعارف .. فحتى منهج المحدثين هو منهج عقلي في القبول والاثبات ، وتأصيل قضايا الاصول هي قضايا عقلية كلية ، أما فيما يتعلق بعلوم الاجتماع والحضارة فهي قليلة مقارنة بغيرها لان بدايتها كانت في الاندلس البعيد ، مع ابن خلدون ، وهي لم تأخذ حقها من الدراسة .. وهذا حق اعترف فيه .. ولكن يكفينا ان مجموع التراث تجربة حضارية فريدة ..
سأعود إن شاء الله للحديث عن قضية ” حرية الاعتقاد ” التي تشكل هاجسا لأي ليبرالي ، وقد ختمت بها فقرتك هذه ..
شكرا لك ولسجالك الجميل .
القسم الثالث
الأستاذ الكريم مهيار ..
أرجوا أن يتسع صدرك لإطالتي في بعض النقاط ، لأني أرى أن تمرير بعض المفاهيم من دون نقاش لا يخدم موضوع السجال ، ولعلك لا تلقاني بعد مقالي هذا ، فلتعذرني …
الليبرالية مفهوم ” شمولي ” ، من حيث كونها لا إكراه ، وأنا اعود وأؤكد على المشكلة المعرفية التي تكتنف الليبراليين ، وهذا ما يجعلني أكشف سر كيف ان المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية ” لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك ” هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ، ولأن المفكرين يحتاجون إلى منهجية معرفية وعلمية ، وهم يدركون أن الفكرة الليبرالية هي في أصلها فكرة ” عدمية ” لا تقدم حلا ، ولا تصنع شيئا ، ولكن تقول للناس ، قولوا ما تشاءون دون أن تتدخل فيما يقولون ، وأفعلوا ما تشاءون دون ان تتدخل فيما يفعلون ، فهي بهذا فكرة محايدة لا تحمل في جوفها أي مضمون ، وفي مقابل ذلك هي صالحة لأن ” تسرق ” لنفسها أي قيمة ، فبما أنها بهذه الحيادية فهي تدعي ان كل حق وخير هو من إنتاجها وصنيعتها ، ولعل هذا هو قصدك في مسألة ” شمولية المفهوم الليبرالي ” ، لأن التأكيد على احترام التجربة الإنسانية في النزوع نحو الأفضل والأسمى هو شعور إنساني يكتنف الجميع سواء كانوا ليبراليين أو غير ليبراليين ..
أما فيما يتعلق بتقارب ” النصرانية ” مع ” الفكر العلماني ” ، فهذا ليس عجبا أخي الكريم ، لأن العلمانية الشمولية تفصل ما بين المجالات ، والنصرانية في تكوينها الأساسي لا تقوم على الشمولية للروح والمادة ، بل هي تقوم على السمو وتعتبر المادة من المرذولات ، ولذلك تنتزع الدين من الشؤون الحياتية ، ولذلك لا تجد مدونة ” فقهية ” في التعاملات انتجها الدين المسيحي ، والحضارة الغربية المعاصرة في منظومتها الحضارية لا تقوم على مكون واحد ، بل هي مزيج من الدين النصراني المحرف ، مع البعد ” القانوني ” الروماني ، مع المنهج التأملي الفلسفي اليوناني ، وهذا جعلها تتقبل ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها ، ولم يكن الصراع بين الأوروبيين من أجل التحرر على الدين نفسه من حيث اعتبار تدخله في الشؤون الحياتية ، بل على الثيوقراطيين الذين يتكلمون باسم الله ، وهم من هذا المنحى فيضيون ، فتحييد النصرانية بهذا الاعتبار عن سياق الحياة هو تحييد لرجال الدين فقط ، وأما شؤون الحياة المختلفة فقد حل ” العقل الوضعي ” محل الرجل الديني ، وبهذا المستوى هي متصالحة مع العلمانية بشكل كبير ، ولذلك فالعلمانية لم تؤثر في ” الطقوس ” النصرانية التعبدية ، ولم تزح أي مفهوم ديني نصراني .. بينما ” العلمانية ” تقف موقف الند والخصم مع الإسلام باعتبارها شمولية في مقابل شمولية ، فالاسلام عنده بعد ” حقوقي مدني ” ، وعنده مدونة قضائية وأحكام فقهية ، وعنده تدخل في تفاصيل كثيرة من باب المعاملات والمال ، وله نظرة سياسية ، ومنظومة قيم أخلاقية ، ويتحكم في تفاصيل الأحوال الشخصية ، فتحييد الإسلام عن كل هذه المجالات وحصره في الجانب التعبدي لا يمكن ، ولكن النصرانية أصلا لا تعارض هذا .. بل ترى أن مجالات الحياة لقيصر ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) . بينما في الإسلام ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) .
ولذلك فإن منحى ” التطمينية ” هذه على أن الإسلام لا يعارض ” العلمانية ” من جهة ، ولا يعارض ” الليبرالية ” من جهة أخرى هي دعوى لا تصمد أمام الدخول في التفاصيل ، إلا من خلال فهم يقوم أصلا على النظرة للدين قاصرة ، تجعله يتعلق بالشعائر التعبدية فقط والعلاقة بين العبد وربه دون أن يكون مهيمنا على جميع الحياة ، وهذا الأمر أخي الكريم يحتم علينا إعلان الموقف من الإسلام صراحة ، وترك التوريات او التطمينات ، فمن يؤمن بالإسلام دينا من عند الله سوف يجد في القرآن أحكاما لا يمكن أن تحيد عن التأثير الاجتماعي ، وسوف يجد قيما اقتصادية لا يمكن أن تترك باعتبار عدم الصلاحية ، وسيجد أن الحكم بــ الشريعة فرض لازم ، بل وتركة طاغوتية ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ، وهذا الحرج هو الذي يسيطر على الكثير الآن عندما يتوهم أن أحكام الإسلام تقف أمام شهواته من جهة ، او تكون عائقا للنهضة والتقدم من جهة أخرى ..
هنا نأتي إلى ” إشكالية ” النص والقراءة ، ولا شك أن السجال حول النص قد أفرز مذاهب نقدية، ودراسات أدبية ، ومناهج فكرية كلها تحول حول النص وآليات القراءة ، ودخل التأويل في هذا الباب دخولا أوليا ، فأصبح النص ما بين ظاهرية تقضي على روحه ومقصده ، وتستلب التأمل العقلي من أي نص ، وما بين إشارية وتقويضية وتفكيكية تهدم النص من داخله ، وما بين هيرومنوطيقية تسبح في الفضاءات التأويلية بلا حدود ، حتى لكأنك ترى النص في وسط ظلمة شديدة كوميض لا يكاد يرى ، فيبنى على النص من الكلام والفهوم والتأويلات جبالا من المفاهيم ، ومع هذا يعمل عليه بانتزاعه من قائلة ( موت المؤلف ) في الفكر الحداثي و ( موت الإله ) بالتفكيك وما بعد الحداثة ، وهذه العبثية بالنص لم تكن وليدة اليوم ، بل بدأت مع أهل الكلام وتلقفها الفلاسفة فصار الضحية في هذا كله هو النص ..
إن الفرق بين التفكير ” السلفي ” في التعاطي مع النص ، وبين غيره من المدارس القديمة والمحدثة هو ” قداسة ” النص ، ويعنون بالنص هنا ما ثبت عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بطريق يفيد العلم النظري واليقيني ، ومن الطبيعي جدا أن يسبح الإنسان في الفضاء التأويلي إذا نزع هذه القداسة عن النص ، لأنه سوف يتعاطى مع النص على أنه منتج تاريخي إنساني ، له ظاهر وباطن ، يقرأ بأي شكل من أشكال القراءة ، وكل ما ينتج من قراءة لهذا النص فهو مراد قائله ، حتى لو نتج عنه آلاف القراءات والتأويلات .. بينما ترى السلفية أن النص الثابت عن المشرع على قسمين :
1- النص القطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، وهذا لا يجوز حمله إلا على قطعيته ، ولا يجوز العبث به او الاجتهاد معه، ويدخل في ذلك موارد القطع الشرعية ، والأحكام المستقرة ، والعبادات اليقينية ، أو ما يسمى في علم الأصول والعقائد ( ما يعرف من الدين بالضرورة ) ، وبعض هذه المسائل يعرف حتى غير المسلمين أن القرآن جاء بها ، ومن ضمن ذلك ( المحرمات القطعية ) التي ثبت النص القطعي بها .
2- النص قطعي الدلالة ظني الثبوت ، وهذا يجتهد فيه من خلال الكلام في ثبوته وعدم ثبوته ، فمن رأى ثبوته أخذ بقطيته ، ومن رأى ضعفه لم يأخذ بقطعيته .
3- النص ظني الدلالة قطعي الثبوت ، والنقاش حوله في دلالته لا في ثبوته .
4- النص ظني الدلالة والثبوت .. وهذا يناقش من خلال ثبوته من جهة ومن خلال قطعيته من جهة أخرى ..
واختلاف هذه المستويات في مناقشة قضية الإسلام هي التي أشكلت على الموقف منه ، فكلام الشافعي الذي ذكرته ( قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) ، هو فيما هو من موارد الاجتهاد ، أما فيما يتعلق بالمسلمات والمطلقات ، فهو يدخل في الحق مقابل الباطل ، والهدى مقابل الضلال ، والاسلام في مقابل الكفر ، وليست المشكلة مع التيارات في نقاش مورد من موارد الاجتهاد والظن ، وإنما المشكلة مع الليبراليين والعقلانيين وغيرهم تكمن في قضيتين :
الأولى : الاجتهاد في القطعيات ومحاولة إزاحتها وابطالها .
الثانية : استخدام آليات في القراءة للنص خارجه عن إطار التراث نفسه ، واستعارة مناهج ألسنية او بنيوية او تاريخية او إشارية او تفكيكية تؤدي في النهاية إلى إبطال النص ودلالاته الشرعية ، وتسمح للجميع بالعبث فيه ، والعجيب أن مفكرا هولنديا اظنه قرأ مشروع محمد أركون ومنهجيته في قراءة القرآن ، ووصل إلى أن هذا المنهج لا يقضي على ” الإسلام ” فقط ، بل يقضي على اليهودية والنصرانية وكل الأديان كذلك .. لانه يقوم على ان لكل نص منشأ ثم سيرورة ، ثم انهدام ثم يقوم على أنقاضه معنى جديد ، وهكذا في تعملية ترحلية للمعاني لا تقف عند حد ..
فالقضية يا اخي الكريم مهيار ليست في احتكارية قراءة النص ، ولا في غلق باب الاجتهاد ، بل في الوقوف أمام العبثية التي فعلها المفكرون المحدثون في النص حتى ابطلوه ولم يعد له معنى ، ونزعوا منه قدسيته حتى أصبح قول الله وقول أي سياسي في منزلة واحدة .. وخرجوا في فهمه عن قواعده التي تخرج عن إطار اللغة العربية إلى قراءته حتى باللغات الأخرى بدعوى عالمية اللغة ومعياريتها .
الاخ الكريم مهيار ..
القسم الأول
سأتجاوز مقدمتك الجميلة والتي تحمل الكثير من تشخيص حالة من تناقشه أو تتحاور معه ، وهذا جيد في تقريب وجهات النظر ، وفي إزالة ما قد يعلق من صورة نمطية معينة على شخص معين بمجرد أن ينسب إلى تيار أو توجه ، فأنا حقيقة أؤيد عملية ” الفلترة ” و ” الفرز ” للناس كل على حده ، حتى لا نقطع الطريق علينا في عدم التواصل من خلال رؤى غارقة أحيانا في الوهم ….
لحظت في كلامك أنك تحشد المصطلحات حشدا يجعل الإنسان يقف كثيرا أمام الفروق بينها من خلال سياق كلامك ، وعندي أن المشكلة الكبرى التي نعانيها أننا نتبادح بالمصطلحات ثم نكتشف أننا لم نتفق على أي منها ، فالليبرالية والعقيدة والأيديلوجيا ، والمينافيزيقيا واللامعقول الديني والمنهجية كلها مصطلحات بسيطة لكنها تحمل ” مضامين ” كبيرة تشكل أحيانا على المراد من استخدامها .
أنت ترى ان ” الليبرالية ” منهجية ، وعندي أنه في علم ” الأفكار ” أن المنهجية الفكرية لا بد أن تتميز بالصرامة والانضباطية في عملها ، وإلا اختل شرط من شروطها ، ولذلك فأنت ترى أن ” الليبرالية ” منهجية لا عقيدة ، باعتبار أن العقيدة تحتمل الميتافيزيقيا ، والمنهجية لا تحتمل ، ولكن الليبرالية إن كانت منهجية في الفكر والحياة ، فهي لابد أن تقوم بعملية الفرز بين ” اللامعقول العقلي ” ، وبين المعقول العقلي ” ، وهنا انتقلت مباشرة من كونها وسيلة لتحقيق غاية ، إلى كونها منتجة للأفكار في ذاتها ، ثم تتقارب مباشرة وفلسفيا مع أي عقيدة أخرى ، لان من شرط المنهجية أن ترد على السؤال ، وتزيل الإشكال العقلي والمادي ، وخاصة إن استخدمت كمنجية في التفكير ..
ثم إن الذي يشكل على الليبرالية – وأنا أؤمن بضبابيتها إلى الآن – أنها خضعت لعملية ترحل تاريخي ومعرفي ، فصورتها الناجزة في أوروبا جاءت بعد فعل معرفي تراكمي ، وحصل فيها سجال طويل ،سواء في جانبها الاقتصادي او جانبها السياسي وفيما يتعلق بنظرية ” السيادة ” ، والصراع والاختلاف بين مدرسة هوبز ، وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم من المفكرين الغربيين ، فولدت في الغرب بعد عمليات كثيرة لا تزال إلى الآن يعتورها شي من الخداج ، ولذلك فأزمة الليبرالية في الغرب قائمة إلى الآن ، وخاصة بين ” الديمقراطيين ” الذين يريدون تفعيل الطبقة العامة ، والليبراليين الرأسماليين الذين يريدون ” الاحتكارية ” في تحرك رؤوس الأموال والاستبدادية التي هي سمة الرأسمالي ، وكان من إفرازاتها الأزمة العالمية المالية التي يحاول البعض أن يجعلها مثل الشيوعية التي قيل عند سقوطها ، سقط النظام ولم تسقط الفكرة ..
المشكلة في عملية ” الترحيل ” لليبرالية أننا نتعامل معها على أنها ” نموذج ناجز “، ثم نبدأ في تحسين الصورة، وفي عمليات الترميم والمكياج ، وفي البتر أحيانا كثيرة حتى تتم عملية الموائمة بينها وبين الواقع المنقولة إليه ، ثم لا تتمفس إلا باكسجين صناعي ..فهي كمن يريد أن ينقل نبته لا تنمو إلا في جبال الروكي ، ليزرعها في الصمان ، وهنا تكمل عملية الترحيل ، ثم محاولة ” الأقلمة ” بالقسر والقوة ..
من المشكلات التي تواجه الليبرالية وتجعلها غير صالحة هي أنها ولدت في مجتمع له ظروفه التاريخية والثقافية ، فهي ” فصلت ” على مقاس محدد ، ولأشخاص محددين ، ولا يمكن ان تركب على غير نموذجها الخاص ، ولذلك تجد أن ليبرالي قومنا يحاولون تضييع هذه الحقائق بالاستعاضة أحيانا عن تلك المفاهيم بأشياء تمثل ” أشواقا ” للسامعين ، ثم يصابون بنوع من الاستلاب حين يسمعون مثل هذه الكلمات ، وخاصة حين يكونون قابعين في ظل أنظمة شمولية ، فيطرب البعض للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، ثم تجمع كل هذه القيم العليا وتقدم على أنها هي ( الليبرالية ) ، أو يأتون لأجمل ما في الإسلام ثم يشيرون إليه أن انطلق .. هذه هي الليبرالية ، والحقيقة أن القيم العليا في الإسلام وغيره من الأديان ، والقيم العقلية الكلية المتفق عليها ليست من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف ، ولذلك تجد ان بعض الليبراليين عقولهم أكبر من ” الليبرالية ” نفسها ، ولو خرجوا من قشر الجوزة التي علقوا به لاستطاعوا إن ينظروا إلى الأفكار نظرة أشمل ، ولكان فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات .. ولكن هذه القيم تصيب البعض أحيانا بتضخم الذات ، وامتلاك أكسير الحياة ومشكلاتها ، فهم أشبه بالفلاسفة الذين درسوا الاسطوطاليسية وثقافة اليونان ، ثم أخذوا ينظرون للناس على انهم مجموعة من الدراويش .. وفي نهاية المطاف يكتشف الفيلسوف العظيم أن مقدمات الناس البديهية توصلهم إلى الحقائق والتصورات بأسر طريق وأيسر سبيل ، وفي النهاية النتيجة واحدة .
أعذرني أخي الكريم سأتوقف هنا وسأكمل .. فأجفاني وصلت إلى حروف الكيبورد
القسم الثاني
طبعا إلى الآن وأنا اتحدث عن الإشكالية ” المعرفية ” التي تكتنف الليبرالية من حيث نشأتها وترحلها وترحيلها ، ثم المشكلة في ” هويتها “، فالبعض يعرضها على انها ” عقيدة ” ، ولذلك يقوم بعملية ( المقارنة ) بين فكرتها وبين ( الدين ) من جهة ، أو أي فكرة من جهة أخرى ، ودليل ذلك ان كثيرا من الذيت يتحدثون عن الليبرالية يقولون دائما ( الليبرالية تعني ) ، ( الليبرالية تقول ) ، ( الليبرالية تقوم على ) ، وهذا يعني أنها مرجعية فكرية تحكم على الواقع والمستقبل ..ولذلك أنت تقول هنا أنها ” تتوافق ” مع الإسلام في قضايا ، فهل هي أصلا متعالية عليه حتى تتوافق معه ؟ هل هي ضده حتى توافقه في بعض الأشياء ؟ أنت تفسر هذا بان ” الإسلام ” ليبرالي الروح ، وهذه محاولة من محاولات توفيقية كثيرة بين الإسلام والأفكار الأخرى ، فقد رأينا ( اشتراكية الإسلام ) ، ورأينا ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فأي إسلام هذا الذي جمع كل هذه الأفكار في طياته ، وخاصة أنهم ينسبون إلى الإسلام أفضل مافي تلك الأفكار ، فالقيم العليا في الليبرالية يقولون هي إسلامية ، والاشتراكية الفاعلة في الشيوعية يقولون أنها إسلامية ، والتعددية الديمقراطية يقولون هي روح الإسلام .. وهذا حقيقة إعلان عظمةالإسلام .. وتبقى المشكلة أن الفكرة نعتبرها قوية إذا انتجها الرجل الأشقر ثم وجدنا لها طرفا في الإسلام .. وهذا يشبه إلى حد بعيد إقحام بعض الأسماء الغربية في أي دراسة أو استبانة حتى يكون لها قبولها ورواجها ..
لا يمكن أبدا لرجل مثل محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي بهذه القيم العليا التي يدعيها كل معتنق لفكرة يراها نافعة للناس إلا ان يكون من عند الله ، وهذا يقضي على نظرية ( اللامعقول الديني ) التي أشرت إليها في بداية مداخلتك ، فكيف لي أن أتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني ) ، فإن كنت تقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم فهذا لا يوجد في الإسلام ، وإن كنت تقصد اللامعقول بمعنى أنه جاء عن طريق ( السمع ) = النص ، ولم يات عن طريق العقل ، فثق أن كل قضية غيبية سمعية هي في حقيقتها قضية عقلية ، لأنها انتجت من قضية كلية عقلية وهي مسألة ” الوجود والألوهية ) ، وهنا تنتهي فكرة ( اللامعقول الديني ) .
طبعا أنت ستقول الآن بأنا لا نريد أن نرجع إلى سجالات الفلاسفة وتهتفتهم وتهافت التهافت، ولكن للأسف ناقشت كثيرا من ” الليبراليين ” وهم يستجرون تلك القضايا الفلسفية في كل تأصيلهم لمبادئهم الليبرالية ، بل لاثبات الليبرالية نفسها ، فالموقف من ( النص الديني ) يقوم على أسس فلسفية او كلامية ، والموقف من ( الأفكار ) يعتمد على فكرة العقلية الارسطوطاليسية ، ومقدماتها المنطقية ، والنظرة للوجود تعتمد في أحيان على فلسفة القدماء من الملاحدة ، أو على أفكار الغرب مثل الدارونية وغيرها من الأفكار الالحادية والتي هي امتداد للفلسفات القديمة … فهم لم ينعتقوا إلى الآن من اليونان وتاريخهم .. ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها ، ولكن البعض لا يزال سجينا في فكرة ارسطو التي هي كلحم جمل غث على جبل وعر ، لا سمين فينتقي ولا سهل فيرتقى ، وسبقنا الغرب الذي جعل تحييد النظرية العقلية لارسطو بداية النهضة ، حيث قام ديكارت بفرز المقدمات العقلية التي لم تعرف إلا بالفكر الإسلامي ، ثم انزال التجارب على الواقع ليكون هو المنتج للأفكار ، ويكون العقل دوره دور الآلة الفاعلة في الانتاج وفرز النتائج فقط .. ولكن المشكلة الكبرى ان ” اللحظة الحضارية الغربية ” جاءت لتقطف ثمار هذا التراكم المعرفي ، وتدخل في عصر الصناعة والتقنية .. والا لكان الوضع مختلفا ..
ولا يوجد فكر ولا منهج يطلق للعقل العنان مع ضبط جماحه في نقس الوقت كما يوجد في الإسلام وحضارته ، وسقوط أهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي دليل على أن المنهج القرآني كان الامكن في الرؤية الحضارية ، ودعوى كبح جماح العقل موجودة في التاريخ الإسلام دعوى لا دليل عليها ، إنما القضية هي ترتيب دور العقل وما يخصه ، ووضع الأطر للحدود التأملات العقلية وخاصة فيما يتعلق بقضايا الغيب والألوهية ، وذها يتفق فيه أهل العقول جميعا عن حدود قدرة العقل على الاستكشاف ، وأنه إن كان آلة عجيبة من خلق الله تعالى ، إلا أنه ليس ألها يفعل ما يشاء ، وليس له قوة خارخة تخترق حجب الغيب لتطلع على ما لا يعلمه إلا الله .. فقط هذا هو الدور السجالي الذي كان في الفكر الإسلامي السني فيما يتعلق بالعقل ، أما فيما سوى ذلك من التأمل والابتكار والإبداع الفكري والتفكر في ملكوت السموات والأرض ، والفهم والاستنباط والاجتهاد ، وتمييز الكليات والمطلقات عن الجزئيات والفروعيات كانت حاضرة في التاريخ الإسلام والا لما ظهر هذا التراث الكبير من العلوم والمعارف .. فحتى منهج المحدثين هو منهج عقلي في القبول والاثبات ، وتأصيل قضايا الاصول هي قضايا عقلية كلية ، أما فيما يتعلق بعلوم الاجتماع والحضارة فهي قليلة مقارنة بغيرها لان بدايتها كانت في الاندلس البعيد ، مع ابن خلدون ، وهي لم تأخذ حقها من الدراسة .. وهذا حق اعترف فيه .. ولكن يكفينا ان مجموع التراث تجربة حضارية فريدة ..
سأعود إن شاء الله للحديث عن قضية ” حرية الاعتقاد ” التي تشكل هاجسا لأي ليبرالي ، وقد ختمت بها فقرتك هذه ..
شكرا لك ولسجالك الجميل .
القسم الثالث
الأستاذ الكريم مهيار ..
أرجوا أن يتسع صدرك لإطالتي في بعض النقاط ، لأني أرى أن تمرير بعض المفاهيم من دون نقاش لا يخدم موضوع السجال ، ولعلك لا تلقاني بعد مقالي هذا ، فلتعذرني …
الليبرالية مفهوم ” شمولي ” ، من حيث كونها لا إكراه ، وأنا اعود وأؤكد على المشكلة المعرفية التي تكتنف الليبراليين ، وهذا ما يجعلني أكشف سر كيف ان المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية ” لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك ” هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ، ولأن المفكرين يحتاجون إلى منهجية معرفية وعلمية ، وهم يدركون أن الفكرة الليبرالية هي في أصلها فكرة ” عدمية ” لا تقدم حلا ، ولا تصنع شيئا ، ولكن تقول للناس ، قولوا ما تشاءون دون أن تتدخل فيما يقولون ، وأفعلوا ما تشاءون دون ان تتدخل فيما يفعلون ، فهي بهذا فكرة محايدة لا تحمل في جوفها أي مضمون ، وفي مقابل ذلك هي صالحة لأن ” تسرق ” لنفسها أي قيمة ، فبما أنها بهذه الحيادية فهي تدعي ان كل حق وخير هو من إنتاجها وصنيعتها ، ولعل هذا هو قصدك في مسألة ” شمولية المفهوم الليبرالي ” ، لأن التأكيد على احترام التجربة الإنسانية في النزوع نحو الأفضل والأسمى هو شعور إنساني يكتنف الجميع سواء كانوا ليبراليين أو غير ليبراليين ..
أما فيما يتعلق بتقارب ” النصرانية ” مع ” الفكر العلماني ” ، فهذا ليس عجبا أخي الكريم ، لأن العلمانية الشمولية تفصل ما بين المجالات ، والنصرانية في تكوينها الأساسي لا تقوم على الشمولية للروح والمادة ، بل هي تقوم على السمو وتعتبر المادة من المرذولات ، ولذلك تنتزع الدين من الشؤون الحياتية ، ولذلك لا تجد مدونة ” فقهية ” في التعاملات انتجها الدين المسيحي ، والحضارة الغربية المعاصرة في منظومتها الحضارية لا تقوم على مكون واحد ، بل هي مزيج من الدين النصراني المحرف ، مع البعد ” القانوني ” الروماني ، مع المنهج التأملي الفلسفي اليوناني ، وهذا جعلها تتقبل ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها ، ولم يكن الصراع بين الأوروبيين من أجل التحرر على الدين نفسه من حيث اعتبار تدخله في الشؤون الحياتية ، بل على الثيوقراطيين الذين يتكلمون باسم الله ، وهم من هذا المنحى فيضيون ، فتحييد النصرانية بهذا الاعتبار عن سياق الحياة هو تحييد لرجال الدين فقط ، وأما شؤون الحياة المختلفة فقد حل ” العقل الوضعي ” محل الرجل الديني ، وبهذا المستوى هي متصالحة مع العلمانية بشكل كبير ، ولذلك فالعلمانية لم تؤثر في ” الطقوس ” النصرانية التعبدية ، ولم تزح أي مفهوم ديني نصراني .. بينما ” العلمانية ” تقف موقف الند والخصم مع الإسلام باعتبارها شمولية في مقابل شمولية ، فالاسلام عنده بعد ” حقوقي مدني ” ، وعنده مدونة قضائية وأحكام فقهية ، وعنده تدخل في تفاصيل كثيرة من باب المعاملات والمال ، وله نظرة سياسية ، ومنظومة قيم أخلاقية ، ويتحكم في تفاصيل الأحوال الشخصية ، فتحييد الإسلام عن كل هذه المجالات وحصره في الجانب التعبدي لا يمكن ، ولكن النصرانية أصلا لا تعارض هذا .. بل ترى أن مجالات الحياة لقيصر ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) . بينما في الإسلام ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) .
ولذلك فإن منحى ” التطمينية ” هذه على أن الإسلام لا يعارض ” العلمانية ” من جهة ، ولا يعارض ” الليبرالية ” من جهة أخرى هي دعوى لا تصمد أمام الدخول في التفاصيل ، إلا من خلال فهم يقوم أصلا على النظرة للدين قاصرة ، تجعله يتعلق بالشعائر التعبدية فقط والعلاقة بين العبد وربه دون أن يكون مهيمنا على جميع الحياة ، وهذا الأمر أخي الكريم يحتم علينا إعلان الموقف من الإسلام صراحة ، وترك التوريات او التطمينات ، فمن يؤمن بالإسلام دينا من عند الله سوف يجد في القرآن أحكاما لا يمكن أن تحيد عن التأثير الاجتماعي ، وسوف يجد قيما اقتصادية لا يمكن أن تترك باعتبار عدم الصلاحية ، وسيجد أن الحكم بــ الشريعة فرض لازم ، بل وتركة طاغوتية ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ، وهذا الحرج هو الذي يسيطر على الكثير الآن عندما يتوهم أن أحكام الإسلام تقف أمام شهواته من جهة ، او تكون عائقا للنهضة والتقدم من جهة أخرى ..
هنا نأتي إلى ” إشكالية ” النص والقراءة ، ولا شك أن السجال حول النص قد أفرز مذاهب نقدية، ودراسات أدبية ، ومناهج فكرية كلها تحول حول النص وآليات القراءة ، ودخل التأويل في هذا الباب دخولا أوليا ، فأصبح النص ما بين ظاهرية تقضي على روحه ومقصده ، وتستلب التأمل العقلي من أي نص ، وما بين إشارية وتقويضية وتفكيكية تهدم النص من داخله ، وما بين هيرومنوطيقية تسبح في الفضاءات التأويلية بلا حدود ، حتى لكأنك ترى النص في وسط ظلمة شديدة كوميض لا يكاد يرى ، فيبنى على النص من الكلام والفهوم والتأويلات جبالا من المفاهيم ، ومع هذا يعمل عليه بانتزاعه من قائلة ( موت المؤلف ) في الفكر الحداثي و ( موت الإله ) بالتفكيك وما بعد الحداثة ، وهذه العبثية بالنص لم تكن وليدة اليوم ، بل بدأت مع أهل الكلام وتلقفها الفلاسفة فصار الضحية في هذا كله هو النص ..
إن الفرق بين التفكير ” السلفي ” في التعاطي مع النص ، وبين غيره من المدارس القديمة والمحدثة هو ” قداسة ” النص ، ويعنون بالنص هنا ما ثبت عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بطريق يفيد العلم النظري واليقيني ، ومن الطبيعي جدا أن يسبح الإنسان في الفضاء التأويلي إذا نزع هذه القداسة عن النص ، لأنه سوف يتعاطى مع النص على أنه منتج تاريخي إنساني ، له ظاهر وباطن ، يقرأ بأي شكل من أشكال القراءة ، وكل ما ينتج من قراءة لهذا النص فهو مراد قائله ، حتى لو نتج عنه آلاف القراءات والتأويلات .. بينما ترى السلفية أن النص الثابت عن المشرع على قسمين :
1- النص القطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، وهذا لا يجوز حمله إلا على قطعيته ، ولا يجوز العبث به او الاجتهاد معه، ويدخل في ذلك موارد القطع الشرعية ، والأحكام المستقرة ، والعبادات اليقينية ، أو ما يسمى في علم الأصول والعقائد ( ما يعرف من الدين بالضرورة ) ، وبعض هذه المسائل يعرف حتى غير المسلمين أن القرآن جاء بها ، ومن ضمن ذلك ( المحرمات القطعية ) التي ثبت النص القطعي بها .
2- النص قطعي الدلالة ظني الثبوت ، وهذا يجتهد فيه من خلال الكلام في ثبوته وعدم ثبوته ، فمن رأى ثبوته أخذ بقطيته ، ومن رأى ضعفه لم يأخذ بقطعيته .
3- النص ظني الدلالة قطعي الثبوت ، والنقاش حوله في دلالته لا في ثبوته .
4- النص ظني الدلالة والثبوت .. وهذا يناقش من خلال ثبوته من جهة ومن خلال قطعيته من جهة أخرى ..
واختلاف هذه المستويات في مناقشة قضية الإسلام هي التي أشكلت على الموقف منه ، فكلام الشافعي الذي ذكرته ( قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) ، هو فيما هو من موارد الاجتهاد ، أما فيما يتعلق بالمسلمات والمطلقات ، فهو يدخل في الحق مقابل الباطل ، والهدى مقابل الضلال ، والاسلام في مقابل الكفر ، وليست المشكلة مع التيارات في نقاش مورد من موارد الاجتهاد والظن ، وإنما المشكلة مع الليبراليين والعقلانيين وغيرهم تكمن في قضيتين :
الأولى : الاجتهاد في القطعيات ومحاولة إزاحتها وابطالها .
الثانية : استخدام آليات في القراءة للنص خارجه عن إطار التراث نفسه ، واستعارة مناهج ألسنية او بنيوية او تاريخية او إشارية او تفكيكية تؤدي في النهاية إلى إبطال النص ودلالاته الشرعية ، وتسمح للجميع بالعبث فيه ، والعجيب أن مفكرا هولنديا اظنه قرأ مشروع محمد أركون ومنهجيته في قراءة القرآن ، ووصل إلى أن هذا المنهج لا يقضي على ” الإسلام ” فقط ، بل يقضي على اليهودية والنصرانية وكل الأديان كذلك .. لانه يقوم على ان لكل نص منشأ ثم سيرورة ، ثم انهدام ثم يقوم على أنقاضه معنى جديد ، وهكذا في تعملية ترحلية للمعاني لا تقف عند حد ..
فالقضية يا اخي الكريم مهيار ليست في احتكارية قراءة النص ، ولا في غلق باب الاجتهاد ، بل في الوقوف أمام العبثية التي فعلها المفكرون المحدثون في النص حتى ابطلوه ولم يعد له معنى ، ونزعوا منه قدسيته حتى أصبح قول الله وقول أي سياسي في منزلة واحدة .. وخرجوا في فهمه عن قواعده التي تخرج عن إطار اللغة العربية إلى قراءته حتى باللغات الأخرى بدعوى عالمية اللغة ومعياريتها .
مهيار
د استفهام…
تحية لروحك الكفاحية..
وأشجب كل ما يطال شخصك بالإساءة
وسأدخل في الموضوع مباشرة بعد أن جمعت شتات ردك وقرأته ثانية ودفعة واحدة، ولعلي أنفي بداية صفة السجال عن القصدية، فأنا أروم أن أتفاعل مع آرائك، لأنها أفكار شريحة كبيرة في واقعنا، ولكن سرني أنك تتميز عنهم باطلاع أوسع بكثير، وقدرة على التفاعل والاستماع لطالما افتقدتها فيهم.
ليست المصطلحات من باب البذخ والترف ولا المبادحة، هي لغة العصر يا سيدي، ففي حين ترى كلامي مليئا بالمصطلحات، غيرك يرى أنها لغة بسيطة خالية من المصطلحات، وأظن أن المشكلة تكمن في مدى تفاعلنا مع التطورات خاصة في الحقلين الفكري والاجتماعي، فالتطورات العلمية، بما تأتي به من براهين دامغة قابلة للقياس عبر الحواس الخمس ترغم أنوف المؤسساتيين على تعديل بيانهم الفقهي وتفسيراتهم التوقيفية، لأن هناك ما لا يقبل التأويل والمخاتلة والالتفاف، أما الحقائق الاجتماعية المستجدة، فبينهم وبينها سنين ضوئية، وتستعصي عليهم بدافع توقيفي، وهم نائمون على المعنى الرابض على الصدور منذ قرون كثيرة، تتطور المجتمعات وتتخذ أساليب حياة أكثر رفاهية وحركية وإنتاجية، بينما لا نزال نختزل الإسلام في دشداشة ولحية كثة تزاحم الكروش وسيقان كسيقان الجمال لابد أن تبدو للناظرين حتى يكتمل الإيمان، ولابد من لعق الصحن وغمر اليد في دسم الطعام حتى نكون أوفياء لسنة شكلية، لا سنة قصدية.
المصطلحات التي تشتكي منها يا سيدي ليست غريبة عليك كما أظن ولكنك تتبرم منها لأن معظم التيار الذي تنافح عنه ربما لم يسمعوا بها ولم يحاولوا أن يقرؤوا جديداً، ولا يقدرون على مغادرة الكتب الصفراء خشية أن تتوه بهم السبل، ولكنها أصبحت لغة أبسط المطلعين على التراث الإنساني الحديث وخاصة في الحقول الاجتماعية والفلسفية، وعموما هي لم تعد غريبة حتى في واقعنا، بل عبئت بالدلالات وأصبحت مستساغة في المجال الثقافي، ولكن متخصصو الإسلام المؤسسي غير قادرين على مغادرة كهوف الغابرين.
ولعلك يا أخي لو كنت تقر أن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بموقف فلسفي للحياة، لوجدت أن ما من وعي ينشأ بعيداً عن الفلسفة، ولا معنى يتم تأسيسه بمعزل عن الفلسفة، وما من شريعة قامت إلا وسبقتها دواع فلسفية، ولعل موقفك هذا كان عوناً لك على تفهم المصطلح بدلأ من الشك فيه واعتباره سبة أو ربما استهزاء، فاللامعقول الديني حقيقة واقعة وتفقأ العين، وإلا لكنا نتنكر للغيب، ولقلنا لمن لم يدرك مسائل الإيمان بالله أو أداء الصلاة: انتظر ريثما تأتيك الحقائق العلمية الحسية لكي تؤمن أو تؤدي الصلاة… الأديان تقول على عناصر غيبية جمة، ولكن التصديق يختزل الطريق، لاشك أن الإيمان بحد ذاته مسألة فلسفية، فالنظر في الكون والآفاق هي من أسس الفطرة، التي تشعر بوجود خالق من خلال موقف فلسفي أصلاً، أما الرسالة والرسول والكتاب، فهي تقابل بالتصديق دون طلب براهين حسية على كل شيء، ليستقر المعنى في القلب فيصدقه العقل دون استخدام أدوات.
اللامعقول الديني ليست صفة للوهم…بل هذا اللامعقول لا يجافي الحقيقة بالضرورة، بل ربما يطابق الحقيقة في كثير من الاكتشافات والتطورات التي تحدث عبر الزمان، لذلك أرجو أن لا نفهمها دوما بالمعنى السلبي، إنما بالمعنى التشخيصي وحسب.
الليبرالية صارمة ومنضبطة، وإلا لما كانت منهجية، ولما وقفت في وجه المنفلتين، الليبرالية صارمة في فهم حرية الاعتقاد والرأي، ومنضبطة في مسائل المساواة والعدالة الإنسانية، وليس من قاض ليبرالي يفصل بين زوجين متحابين بدعوى النسب ويشرد الأطفال، الليبرالية هي احترام الإنسان ما بقي محترماً، فإن لم يكن فكف يده عن الأذى، فإن لم يكن فرهن مصيره لمؤسسة قانونية تتطور باضطراد وتتكامل رؤيتها عبر الزمان، فلا تستكين لتوقيف، ولا تستذل لمذهب. الليبرالية تكفل لك حرية اعتقادك، ولكنك لن تكفل لليبرالي والمسيحي ومخالفك في المذهب أيضاً حرية الاعتقاد، بل كل تراث اللا إكراه العظيم يطوى تحت ثقل عقل تكفيري وتسفيهي واستعلائي ومستبد. الليبرالية تتخذ الحوار إستراتيجية، أما العقل الفقهي المؤسساتي حتى وإن تقبل الحوار فإنما يرضى به خياراً تكتيكياً في مرحلة الضعف، فإذا استقوى انقض على الآخر وأذله عرقياً ودينياً وثقافياً…
الليبرالية تفرز بين المعقول واللامعقول، ولكنها لا ترغمك على التنكر لـ (لامعقولك) الديني أو حتى الثقافي أو حتى الخرافي .. ولكنها ترفض فرض لامعقولك على أي إنسان.
تبيح لك الدعوة إلى رأيك ورؤيتك ورؤياك، ولا تغمط أي أحد هذا الحق، بمعنى أنها لا تؤثرك على سواك لأسباب غيبية أو ثقافية، إنما بقدر ما تقدمه للبشر من فائدة.
الليبرالية ليست خروجا عن الإسلام، بل هي هجرة إلى الإسلام، هجرة إلى الإسلام الفضاء الكوني الملهم الذي أعلن نهاية الطفولة البشرية، وختم الرسالات بما يعني أن البشرية قد بلغت النضج، وباتت قادرة على اكتشاف الأفضل من خلال العاقبة، فلننظر يا سيدي كيف هي عاقبة الليبراليين وغير الليبراليين… ومن الذي يسود في عالم اليوم!
ما تشعر به من ضبابية الليبرالية هي نتاج تآلفك للمذهب الذي يرى وجها وحيدا للحقائق وزاوية وحيدة لا محيد عنها، فتلك الضبابية ليست مثلبة، بل هي منقبة عزت اليوم علينا بعدما كانت واقعا ومطلباً في بواكير الإسلام اللامؤسسي، والتي مهدت للمذاهب المتعددة أن تتشكل وتختلف لتكون رحمة بالعباد.
الليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
ليس في الليبرالية من أمر ناجز، إنما هي تقف في وجه أي أمر ناجز وتوقيفي بمعنى آخر، فكل شيء يتطور ويتكامل ويتبدل ويتغير، قد يكون الترميم شأناً ليبرالياً، ولكن التجديد يزاحمه، فالمهم هو غد أكثر معرفة وعلماً وتجربة، وليست الليبرالية نبتة قطبية، إنما سلوك إنساني، وإنسان بادية الحماد لم يجد مشكلة في السياحة في السويد، ولا في الإقامة في تورنتو حيث درجة الحرارة تهبط دون 40 درجة مئوية. فالحرية هي هي سواء في الروكي أو في الصمان، والكرامة الإنسانية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير هي هي من واشينجوكو إلى خليج سان فرانسيسكو، مرورا بحوطة بني تميم، والقويعية والباحة ونجران…..، لذلك لا أقلمة ولا قسر، وهي تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة أو المناخات الجغرافية او التاريخية او الثقافية. وإذ كانت جغرافية النشأة حجة لعدم قبول الليبرالية، فلعلك توحي للأعاجم من المسلمين وغيرهم أن الإسلام نشأ في مكة على حافة صحراء كالجحيم، وفي مجتمع بدوي قائم على بطركية أبوية موغلة في الظلم والاستبداد، ولعله لا يكون صالحا لهند أو سند أو أندلس…
نعم يا سيدي أنا من البعض الذي يطرب للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، وهي مطالب ليبرالية حقاً، والإسلام لم يخلو من الدعوة إليها، وهذه القيم وإن لم تكن من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف، فيكفي أن تكون مهوى أفئدة الليبراليين، وقد يكون هناك عيوب في فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين، ولكنهم حكما أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات من المؤسساتيين لذلك عز التجديد على يد الفقيه المنعزل عن الفيلسوف والمثقف ..
الليبرالية لا تكون ليبرالية عندما تتعالى على أي مبدأ أو اعتقاد، ولست من أبواق ( اشتراكية الإسلام ) ، ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فهي ليست محاولات توفيقية، إنما هي محاولات تلفيقية، ولكني أجد أن الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات بشرط زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم، فلا مبرر لهما وخاصة في ضوء معايير دقيقة في النص الأصل بأن لا ينتاب هذا المعنى تأويل غرضي أو فيه زيغ، وأن لا يحتكر معنى مؤسس (بفتح السين الأولى) الأساس الذي قام عليه.لا يمكنك أن تتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني )، أدرك ذلك وخاصة أن صفة اللامعقول ذات مردود سلبي بنظرك، ولكنه في المحصلة لا معقول لا يمكن تقبله برهاناً، إنما يتم قبوله تصديقاً، فعندما سخرت قريش من محمد صلى الله عليه وسلم وقالت للصديق أن صاحبك يزعم إسراء ومعراجاً، كان رد الصديق أنه طالما قد صدق أنه نبي، لذلك سيصدق كل أمر لاحق به…. هذا ما أعنيه بالتصديق حتى لا يلتبس الأمر ويغدو التصديق مصطلحا مختلفاً عليه!
وأنا أقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم وهو يوجد في الإسلام وغيره من الأديان، و كل قضية غيبية سمعية أو غير سمعية هي في حقيقتها ليست قضية عقلية ، وهي تختلف عن مسألة الألوهية، مع أن الألوهية بحد ذاتها تراوح في المجال الذهني، فتوصيف الإله توصيف ذهني في النهاية، وإن كان للإيمان به جل جلاله طريق عقلي على نحو تجربة النبي إبراهيم عليه السلام.
اختزال الفلسفة على الملاحدة ، وجعلها الحادية المنشأ والمصب هي علة مؤسساتية مستديمة لذلك سأتجاوزها وقد قلت فيها ما يكفي في رد سابق، واستغرب من قولك : “ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها” اسمح لي يا سيدي بأن أقرأ تناقضات حادة هنا بين البرهان والبيان من جهة وبين المعرفة الحسية، بين ادعاء المنهج البرهاني ورفض المنهج التجريبي… وهما لا ينفصلان إلا في ذهن مشوش… وفي زعمي أن القرآن قد ركز على التجربة والعاقبة أكثر من كل المعارف اللدنية والإعجازية.
للأسف سجناء أرسطو هم من لم يرتقوا إلى اليوم إلى مستوى المنجز الحضاري لحضارة اليوم والتي هي الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، هم الذين لا يزالون يتشاجرون على الاستنباطات المبكرة في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، غير متنبهين إلى أن حضارة اليوم قد تجاوزت الأرسطية والارسطوطاليسية والاريستوفانية وكل من استفاد منهم، حتى الفقهاء منهم. ولا زالوا يرددون أقاويل ابن خلدون في مآلات الحضارة غير متنبهين أن حضارة اليوم لا يحكمها مفهوم خلدوني، بل لا يرتقي إلى فهمها من توقف عند ابن خلدون الذي لم يعد يصلح حتى لتفسير البداوة.
لقد قطف الغرب ثمار معرفتنا، وهذه منقبة، فلمَ نرعوي عن قطف ثماره ؟ أليست هذه مثلبتنا يا سيدي الموقر.وأهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي لم يسقطوا يا سيدي، وإلا لما شكلوا إلى اليوم قلقاً للعقل النقلي…والإسلام ليس فيه دعوى لكبح جماح العقل ولكن حيلة ترتيب دور العقل وما يخصه كان مدخلاً لإقالة العقل ومحاكمته بشدة، إلى درجة اعتبار التفكير صنواً للإلحاد…. لاشك إن المجموع الحضاري للإسلام الحضاري مذهل ولكنه للأسف مات مذ سيطر التوقيف والنقل والتخصص وكل وسائل الإسلام المؤسسي.
دعني يا سيدي أن أكشف أنا لك سر كيف أن المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية “… لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك “تحصيل حاصل طالما قرر إعمال العقل والفكر، وليس من باب هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ولا أدري كيف تكون الفكرة الليبرالية في أصلها فكرة ” عدمية “، وهي التي تدعو إلى واقع إنساني لا مكان فيه للاستعلاء أو الظلم. أرجو أن تزودني بأسماء مفكرين (كبار) تنكروا لليبرالية أو تبرؤوا منها وسنكون لك من الشاكرين.
ولست أدري بالضبط من أين تستمد معرفتك بالنصرانية حتى تهاجمها باستمرار بهذه الطريقة من التأويل ولي العنق، مع أن ما تنتقده فيها موجود بشكل ما في الإسلام بحد ذاته… كما أني أستغرب منك أن تدعوني إلى تصديق تقبل المسيحية لـ ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها، لاغياً من معرفتي كل ذلك الصراع الدموي الباهظ الذي كان كلفة ذاك الاصطدام.
الطابع الثيوقراطي هل يغيب عن رؤيتك يا أخي الفاضل، إنه واضح وجلي في تعاملك وتحاملك على كل الاتجاهات، ووصفها على نحو فيه الكثير من الاستخفاف، وعلى أية حال فالشمولية التي تراها في النهج الليبرالي هي شمولية إنسانية لا دخل لها بأسباب السماء، بل لا تتدخل إلا لمنع الظلم باسم السماء.
ولست ادري أين التضاد بين الرؤية المسيحية: ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) والرؤية الإسلامية: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا موضوع القولين واحد، ولانعدم داخل الأدبيات الإسلامية ما يطابق الرؤية المسيحية، ولانعدم أيضاً داخل الأدبيات المسيحية ما يطابق الرؤية الإسلامية! فلم استباحة الآخر في حين نشدد على حفظه لنا!
لا يا سيدي ليست التطمينات من أجل قصر الإسلام على الجوانب التعبدية، بل يقيناً هو من أجل جعل الإسلام حاضراً في كل شيء، حاضراً بروحه، بوحيه، باجتهاداته، بتجديده بحركيته وديناميته، بقابليته للتكيف مع الشرط المعرفي والظرفي … وليس بنسقيته الموغلة شكلانية فارغة، وتوقيفية قاتلة.
وما زعمته من عبثية في رؤية النص ربما ليس هنا مجال الرد عليها، ولكن لا بأس بتفصيل صغير، فالعقل المؤسساتي لم يحترم النص ولا منزله جل جلاله، عندما احتكر المعنى، وكأنما العلي القدير كان عاجزاً(حاشا وكلا) عن بيان نهاية المقصد إلى أن تفضل الطبري وبين لنا لمرة واحدة وإلى الأبد المعنى النهائي، وكأن الإسلام كان بحاجة إلى الشافعي حتى يكتمل بشكل كامل ليس من بعده ضرورة لنسقية جديدة في الفهم.. الإسلام المأسور للفقهاء لن يتقبل أي مبدأ يدعو إلى حرية الفكر والعقيدة، ولذلك سيجابه بالحوار مداهنة إذ يضعف، أو بالصدام مقارعة إذ يقوى…
ومسألة قداسة النص يا سيدي مسألة حساسة، فالتقديس صنو الإقالة، وكل ما تقدسه أنت تقصيه عن شؤونك، وكلما بالغت في التقديس كلما عنى ذلك أنك تتحرر مما تقدسه أكثر، إلى أن يتحول إلى تعويذة أو حجاب أو رقية (وياللسخرية: شرعية؟!)… النص قانون الله في الأرض، والفضاء الكوني الرحب الذي تتماثل في رحابه النفوس للشفاء، ما لم يتوسط أدعياء الوصاية على معناه…. ما جدوى نص لا يستجيب لقارئه إلا إذا بورك من قبل مؤسسة؟
لذلك أقول لك أن القداسة لا علاقة لها بالتصديق والتدبر والتأمل، والقرآن لا يحتاج إلى قداسات تحتكر معناه، إنما هو دستور يرتقي بروح قارئه كلما تمكن من تحرير نفسه من رسوبيات الفقه النقلي، ليس بتدمير تلك الرسوبيات وما دعا إليه بعضهم بنوع من القطيعة المعرفية مع التفسيرات المتراكمة، إنما من خلال الدراسة والتفهم وإدراك أنه ما من تفسير مقدس، وما من تفسير يجب تقديسه بدعوى تقديس النص الأصل.
1- النص القطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، و النص قطعي الدلالة ظني الثبوت والنص ظني الدلالة قطعي الثبوت و النص ظني الدلالة والثبوت .. وكل هذه الاختراعات التي اخترعها المؤسساتيون، ويتحامى بها خريجو العقل السلفي والنقلي، هي تصنيفات لاحقة لا تحدد بالضرورة المقصد النهائي للمعنى. لذلك لا أود المضي في بسط رؤيتي لهذا الأمر فهو حقل معرفي بحد ذاته ويتطلب حواراً خاصاً.
بل القضية يا أخي الكريم د استفهام هي في احتكارية قراءة النص ، و في غلق باب الاجتهاد ، فهذا الاحتكار وهذا الإغلاق هما سبب كل القراءات العبثية للنص وما يحف به، لأن العصر يتطلب، والعقل النقلي يحرم كل شيء، لذلك ينمو التلفيق وينحاز الناس إلى الزيغ الذي لطالما لعنوه….
ولا يمكن للاحتكار والإغلاق أن ينتهيا ما لم نبادر بروح ليبرالية إلى تفهم حق الجميع في البحث والفهم والتدبر…. بل حتى التجديد بأدوات متجددة.
النقاط كثيرة والحوار متشعب… والواجبات أكثر من الأوقات….
شكرا لاهتمامك .
د استفهام…
تحية لروحك الكفاحية..
وأشجب كل ما يطال شخصك بالإساءة
وسأدخل في الموضوع مباشرة بعد أن جمعت شتات ردك وقرأته ثانية ودفعة واحدة، ولعلي أنفي بداية صفة السجال عن القصدية، فأنا أروم أن أتفاعل مع آرائك، لأنها أفكار شريحة كبيرة في واقعنا، ولكن سرني أنك تتميز عنهم باطلاع أوسع بكثير، وقدرة على التفاعل والاستماع لطالما افتقدتها فيهم.
ليست المصطلحات من باب البذخ والترف ولا المبادحة، هي لغة العصر يا سيدي، ففي حين ترى كلامي مليئا بالمصطلحات، غيرك يرى أنها لغة بسيطة خالية من المصطلحات، وأظن أن المشكلة تكمن في مدى تفاعلنا مع التطورات خاصة في الحقلين الفكري والاجتماعي، فالتطورات العلمية، بما تأتي به من براهين دامغة قابلة للقياس عبر الحواس الخمس ترغم أنوف المؤسساتيين على تعديل بيانهم الفقهي وتفسيراتهم التوقيفية، لأن هناك ما لا يقبل التأويل والمخاتلة والالتفاف، أما الحقائق الاجتماعية المستجدة، فبينهم وبينها سنين ضوئية، وتستعصي عليهم بدافع توقيفي، وهم نائمون على المعنى الرابض على الصدور منذ قرون كثيرة، تتطور المجتمعات وتتخذ أساليب حياة أكثر رفاهية وحركية وإنتاجية، بينما لا نزال نختزل الإسلام في دشداشة ولحية كثة تزاحم الكروش وسيقان كسيقان الجمال لابد أن تبدو للناظرين حتى يكتمل الإيمان، ولابد من لعق الصحن وغمر اليد في دسم الطعام حتى نكون أوفياء لسنة شكلية، لا سنة قصدية.
المصطلحات التي تشتكي منها يا سيدي ليست غريبة عليك كما أظن ولكنك تتبرم منها لأن معظم التيار الذي تنافح عنه ربما لم يسمعوا بها ولم يحاولوا أن يقرؤوا جديداً، ولا يقدرون على مغادرة الكتب الصفراء خشية أن تتوه بهم السبل، ولكنها أصبحت لغة أبسط المطلعين على التراث الإنساني الحديث وخاصة في الحقول الاجتماعية والفلسفية، وعموما هي لم تعد غريبة حتى في واقعنا، بل عبئت بالدلالات وأصبحت مستساغة في المجال الثقافي، ولكن متخصصو الإسلام المؤسسي غير قادرين على مغادرة كهوف الغابرين.
ولعلك يا أخي لو كنت تقر أن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بموقف فلسفي للحياة، لوجدت أن ما من وعي ينشأ بعيداً عن الفلسفة، ولا معنى يتم تأسيسه بمعزل عن الفلسفة، وما من شريعة قامت إلا وسبقتها دواع فلسفية، ولعل موقفك هذا كان عوناً لك على تفهم المصطلح بدلأ من الشك فيه واعتباره سبة أو ربما استهزاء، فاللامعقول الديني حقيقة واقعة وتفقأ العين، وإلا لكنا نتنكر للغيب، ولقلنا لمن لم يدرك مسائل الإيمان بالله أو أداء الصلاة: انتظر ريثما تأتيك الحقائق العلمية الحسية لكي تؤمن أو تؤدي الصلاة… الأديان تقول على عناصر غيبية جمة، ولكن التصديق يختزل الطريق، لاشك أن الإيمان بحد ذاته مسألة فلسفية، فالنظر في الكون والآفاق هي من أسس الفطرة، التي تشعر بوجود خالق من خلال موقف فلسفي أصلاً، أما الرسالة والرسول والكتاب، فهي تقابل بالتصديق دون طلب براهين حسية على كل شيء، ليستقر المعنى في القلب فيصدقه العقل دون استخدام أدوات.
اللامعقول الديني ليست صفة للوهم…بل هذا اللامعقول لا يجافي الحقيقة بالضرورة، بل ربما يطابق الحقيقة في كثير من الاكتشافات والتطورات التي تحدث عبر الزمان، لذلك أرجو أن لا نفهمها دوما بالمعنى السلبي، إنما بالمعنى التشخيصي وحسب.
الليبرالية صارمة ومنضبطة، وإلا لما كانت منهجية، ولما وقفت في وجه المنفلتين، الليبرالية صارمة في فهم حرية الاعتقاد والرأي، ومنضبطة في مسائل المساواة والعدالة الإنسانية، وليس من قاض ليبرالي يفصل بين زوجين متحابين بدعوى النسب ويشرد الأطفال، الليبرالية هي احترام الإنسان ما بقي محترماً، فإن لم يكن فكف يده عن الأذى، فإن لم يكن فرهن مصيره لمؤسسة قانونية تتطور باضطراد وتتكامل رؤيتها عبر الزمان، فلا تستكين لتوقيف، ولا تستذل لمذهب. الليبرالية تكفل لك حرية اعتقادك، ولكنك لن تكفل لليبرالي والمسيحي ومخالفك في المذهب أيضاً حرية الاعتقاد، بل كل تراث اللا إكراه العظيم يطوى تحت ثقل عقل تكفيري وتسفيهي واستعلائي ومستبد. الليبرالية تتخذ الحوار إستراتيجية، أما العقل الفقهي المؤسساتي حتى وإن تقبل الحوار فإنما يرضى به خياراً تكتيكياً في مرحلة الضعف، فإذا استقوى انقض على الآخر وأذله عرقياً ودينياً وثقافياً…
الليبرالية تفرز بين المعقول واللامعقول، ولكنها لا ترغمك على التنكر لـ (لامعقولك) الديني أو حتى الثقافي أو حتى الخرافي .. ولكنها ترفض فرض لامعقولك على أي إنسان.
تبيح لك الدعوة إلى رأيك ورؤيتك ورؤياك، ولا تغمط أي أحد هذا الحق، بمعنى أنها لا تؤثرك على سواك لأسباب غيبية أو ثقافية، إنما بقدر ما تقدمه للبشر من فائدة.
الليبرالية ليست خروجا عن الإسلام، بل هي هجرة إلى الإسلام، هجرة إلى الإسلام الفضاء الكوني الملهم الذي أعلن نهاية الطفولة البشرية، وختم الرسالات بما يعني أن البشرية قد بلغت النضج، وباتت قادرة على اكتشاف الأفضل من خلال العاقبة، فلننظر يا سيدي كيف هي عاقبة الليبراليين وغير الليبراليين… ومن الذي يسود في عالم اليوم!
ما تشعر به من ضبابية الليبرالية هي نتاج تآلفك للمذهب الذي يرى وجها وحيدا للحقائق وزاوية وحيدة لا محيد عنها، فتلك الضبابية ليست مثلبة، بل هي منقبة عزت اليوم علينا بعدما كانت واقعا ومطلباً في بواكير الإسلام اللامؤسسي، والتي مهدت للمذاهب المتعددة أن تتشكل وتختلف لتكون رحمة بالعباد.
الليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
ليس في الليبرالية من أمر ناجز، إنما هي تقف في وجه أي أمر ناجز وتوقيفي بمعنى آخر، فكل شيء يتطور ويتكامل ويتبدل ويتغير، قد يكون الترميم شأناً ليبرالياً، ولكن التجديد يزاحمه، فالمهم هو غد أكثر معرفة وعلماً وتجربة، وليست الليبرالية نبتة قطبية، إنما سلوك إنساني، وإنسان بادية الحماد لم يجد مشكلة في السياحة في السويد، ولا في الإقامة في تورنتو حيث درجة الحرارة تهبط دون 40 درجة مئوية. فالحرية هي هي سواء في الروكي أو في الصمان، والكرامة الإنسانية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير هي هي من واشينجوكو إلى خليج سان فرانسيسكو، مرورا بحوطة بني تميم، والقويعية والباحة ونجران…..، لذلك لا أقلمة ولا قسر، وهي تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة أو المناخات الجغرافية او التاريخية او الثقافية. وإذ كانت جغرافية النشأة حجة لعدم قبول الليبرالية، فلعلك توحي للأعاجم من المسلمين وغيرهم أن الإسلام نشأ في مكة على حافة صحراء كالجحيم، وفي مجتمع بدوي قائم على بطركية أبوية موغلة في الظلم والاستبداد، ولعله لا يكون صالحا لهند أو سند أو أندلس…
نعم يا سيدي أنا من البعض الذي يطرب للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، وهي مطالب ليبرالية حقاً، والإسلام لم يخلو من الدعوة إليها، وهذه القيم وإن لم تكن من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف، فيكفي أن تكون مهوى أفئدة الليبراليين، وقد يكون هناك عيوب في فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين، ولكنهم حكما أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات من المؤسساتيين لذلك عز التجديد على يد الفقيه المنعزل عن الفيلسوف والمثقف ..
الليبرالية لا تكون ليبرالية عندما تتعالى على أي مبدأ أو اعتقاد، ولست من أبواق ( اشتراكية الإسلام ) ، ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فهي ليست محاولات توفيقية، إنما هي محاولات تلفيقية، ولكني أجد أن الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات بشرط زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم، فلا مبرر لهما وخاصة في ضوء معايير دقيقة في النص الأصل بأن لا ينتاب هذا المعنى تأويل غرضي أو فيه زيغ، وأن لا يحتكر معنى مؤسس (بفتح السين الأولى) الأساس الذي قام عليه.لا يمكنك أن تتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني )، أدرك ذلك وخاصة أن صفة اللامعقول ذات مردود سلبي بنظرك، ولكنه في المحصلة لا معقول لا يمكن تقبله برهاناً، إنما يتم قبوله تصديقاً، فعندما سخرت قريش من محمد صلى الله عليه وسلم وقالت للصديق أن صاحبك يزعم إسراء ومعراجاً، كان رد الصديق أنه طالما قد صدق أنه نبي، لذلك سيصدق كل أمر لاحق به…. هذا ما أعنيه بالتصديق حتى لا يلتبس الأمر ويغدو التصديق مصطلحا مختلفاً عليه!
وأنا أقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم وهو يوجد في الإسلام وغيره من الأديان، و كل قضية غيبية سمعية أو غير سمعية هي في حقيقتها ليست قضية عقلية ، وهي تختلف عن مسألة الألوهية، مع أن الألوهية بحد ذاتها تراوح في المجال الذهني، فتوصيف الإله توصيف ذهني في النهاية، وإن كان للإيمان به جل جلاله طريق عقلي على نحو تجربة النبي إبراهيم عليه السلام.
اختزال الفلسفة على الملاحدة ، وجعلها الحادية المنشأ والمصب هي علة مؤسساتية مستديمة لذلك سأتجاوزها وقد قلت فيها ما يكفي في رد سابق، واستغرب من قولك : “ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها” اسمح لي يا سيدي بأن أقرأ تناقضات حادة هنا بين البرهان والبيان من جهة وبين المعرفة الحسية، بين ادعاء المنهج البرهاني ورفض المنهج التجريبي… وهما لا ينفصلان إلا في ذهن مشوش… وفي زعمي أن القرآن قد ركز على التجربة والعاقبة أكثر من كل المعارف اللدنية والإعجازية.
للأسف سجناء أرسطو هم من لم يرتقوا إلى اليوم إلى مستوى المنجز الحضاري لحضارة اليوم والتي هي الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، هم الذين لا يزالون يتشاجرون على الاستنباطات المبكرة في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، غير متنبهين إلى أن حضارة اليوم قد تجاوزت الأرسطية والارسطوطاليسية والاريستوفانية وكل من استفاد منهم، حتى الفقهاء منهم. ولا زالوا يرددون أقاويل ابن خلدون في مآلات الحضارة غير متنبهين أن حضارة اليوم لا يحكمها مفهوم خلدوني، بل لا يرتقي إلى فهمها من توقف عند ابن خلدون الذي لم يعد يصلح حتى لتفسير البداوة.
لقد قطف الغرب ثمار معرفتنا، وهذه منقبة، فلمَ نرعوي عن قطف ثماره ؟ أليست هذه مثلبتنا يا سيدي الموقر.وأهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي لم يسقطوا يا سيدي، وإلا لما شكلوا إلى اليوم قلقاً للعقل النقلي…والإسلام ليس فيه دعوى لكبح جماح العقل ولكن حيلة ترتيب دور العقل وما يخصه كان مدخلاً لإقالة العقل ومحاكمته بشدة، إلى درجة اعتبار التفكير صنواً للإلحاد…. لاشك إن المجموع الحضاري للإسلام الحضاري مذهل ولكنه للأسف مات مذ سيطر التوقيف والنقل والتخصص وكل وسائل الإسلام المؤسسي.
دعني يا سيدي أن أكشف أنا لك سر كيف أن المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية “… لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك “تحصيل حاصل طالما قرر إعمال العقل والفكر، وليس من باب هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ولا أدري كيف تكون الفكرة الليبرالية في أصلها فكرة ” عدمية “، وهي التي تدعو إلى واقع إنساني لا مكان فيه للاستعلاء أو الظلم. أرجو أن تزودني بأسماء مفكرين (كبار) تنكروا لليبرالية أو تبرؤوا منها وسنكون لك من الشاكرين.
ولست أدري بالضبط من أين تستمد معرفتك بالنصرانية حتى تهاجمها باستمرار بهذه الطريقة من التأويل ولي العنق، مع أن ما تنتقده فيها موجود بشكل ما في الإسلام بحد ذاته… كما أني أستغرب منك أن تدعوني إلى تصديق تقبل المسيحية لـ ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها، لاغياً من معرفتي كل ذلك الصراع الدموي الباهظ الذي كان كلفة ذاك الاصطدام.
الطابع الثيوقراطي هل يغيب عن رؤيتك يا أخي الفاضل، إنه واضح وجلي في تعاملك وتحاملك على كل الاتجاهات، ووصفها على نحو فيه الكثير من الاستخفاف، وعلى أية حال فالشمولية التي تراها في النهج الليبرالي هي شمولية إنسانية لا دخل لها بأسباب السماء، بل لا تتدخل إلا لمنع الظلم باسم السماء.
ولست ادري أين التضاد بين الرؤية المسيحية: ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) والرؤية الإسلامية: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا موضوع القولين واحد، ولانعدم داخل الأدبيات الإسلامية ما يطابق الرؤية المسيحية، ولانعدم أيضاً داخل الأدبيات المسيحية ما يطابق الرؤية الإسلامية! فلم استباحة الآخر في حين نشدد على حفظه لنا!
لا يا سيدي ليست التطمينات من أجل قصر الإسلام على الجوانب التعبدية، بل يقيناً هو من أجل جعل الإسلام حاضراً في كل شيء، حاضراً بروحه، بوحيه، باجتهاداته، بتجديده بحركيته وديناميته، بقابليته للتكيف مع الشرط المعرفي والظرفي … وليس بنسقيته الموغلة شكلانية فارغة، وتوقيفية قاتلة.
وما زعمته من عبثية في رؤية النص ربما ليس هنا مجال الرد عليها، ولكن لا بأس بتفصيل صغير، فالعقل المؤسساتي لم يحترم النص ولا منزله جل جلاله، عندما احتكر المعنى، وكأنما العلي القدير كان عاجزاً(حاشا وكلا) عن بيان نهاية المقصد إلى أن تفضل الطبري وبين لنا لمرة واحدة وإلى الأبد المعنى النهائي، وكأن الإسلام كان بحاجة إلى الشافعي حتى يكتمل بشكل كامل ليس من بعده ضرورة لنسقية جديدة في الفهم.. الإسلام المأسور للفقهاء لن يتقبل أي مبدأ يدعو إلى حرية الفكر والعقيدة، ولذلك سيجابه بالحوار مداهنة إذ يضعف، أو بالصدام مقارعة إذ يقوى…
ومسألة قداسة النص يا سيدي مسألة حساسة، فالتقديس صنو الإقالة، وكل ما تقدسه أنت تقصيه عن شؤونك، وكلما بالغت في التقديس كلما عنى ذلك أنك تتحرر مما تقدسه أكثر، إلى أن يتحول إلى تعويذة أو حجاب أو رقية (وياللسخرية: شرعية؟!)… النص قانون الله في الأرض، والفضاء الكوني الرحب الذي تتماثل في رحابه النفوس للشفاء، ما لم يتوسط أدعياء الوصاية على معناه…. ما جدوى نص لا يستجيب لقارئه إلا إذا بورك من قبل مؤسسة؟
لذلك أقول لك أن القداسة لا علاقة لها بالتصديق والتدبر والتأمل، والقرآن لا يحتاج إلى قداسات تحتكر معناه، إنما هو دستور يرتقي بروح قارئه كلما تمكن من تحرير نفسه من رسوبيات الفقه النقلي، ليس بتدمير تلك الرسوبيات وما دعا إليه بعضهم بنوع من القطيعة المعرفية مع التفسيرات المتراكمة، إنما من خلال الدراسة والتفهم وإدراك أنه ما من تفسير مقدس، وما من تفسير يجب تقديسه بدعوى تقديس النص الأصل.
1- النص القطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، و النص قطعي الدلالة ظني الثبوت والنص ظني الدلالة قطعي الثبوت و النص ظني الدلالة والثبوت .. وكل هذه الاختراعات التي اخترعها المؤسساتيون، ويتحامى بها خريجو العقل السلفي والنقلي، هي تصنيفات لاحقة لا تحدد بالضرورة المقصد النهائي للمعنى. لذلك لا أود المضي في بسط رؤيتي لهذا الأمر فهو حقل معرفي بحد ذاته ويتطلب حواراً خاصاً.
بل القضية يا أخي الكريم د استفهام هي في احتكارية قراءة النص ، و في غلق باب الاجتهاد ، فهذا الاحتكار وهذا الإغلاق هما سبب كل القراءات العبثية للنص وما يحف به، لأن العصر يتطلب، والعقل النقلي يحرم كل شيء، لذلك ينمو التلفيق وينحاز الناس إلى الزيغ الذي لطالما لعنوه….
ولا يمكن للاحتكار والإغلاق أن ينتهيا ما لم نبادر بروح ليبرالية إلى تفهم حق الجميع في البحث والفهم والتدبر…. بل حتى التجديد بأدوات متجددة.
النقاط كثيرة والحوار متشعب… والواجبات أكثر من الأوقات….
شكرا لاهتمامك .
د استفهام
أهلا بك أستاذ مهيار …
يسعدني الحوار معك في هذا الموضوع ..
لكني أؤكد على رفض قضية ” التجاوز ” ، وخاصة في الأفكار الأساسية التي نتناقش حولها ، فحين آتي بقاعدة كلية تنقض أو تؤثر على رؤية المقابل ، فلا يصح أن يتجاوزها بناء على أن المسألة حوار ثقافي ، أو سجال فكري ، لأننا إن انطلقنا من هذا سوف نبدأ هنا في الكلام ولا نقف إلا على سواحل نيويورك ..
سوف أعود لأبدأ معك الحوار من آخر فقرة كتبتها .
شكرا لك على ثنائك ، وأنا أحيي فيك خلقك وأدبك في الحوار .. وفكرتك التي تنافح عنها ، ولكني أرد فقط أن لا تأخذك الليبرالية بنسبيتها ، فتتيح لك الترحل والقفز في مسارات فكرية كثيرة بحجة ” الحرية الفكرية ” ..
شكرا لك أخرى !
أهلا بك أستاذ مهيار …
يسعدني الحوار معك في هذا الموضوع ..
لكني أؤكد على رفض قضية ” التجاوز ” ، وخاصة في الأفكار الأساسية التي نتناقش حولها ، فحين آتي بقاعدة كلية تنقض أو تؤثر على رؤية المقابل ، فلا يصح أن يتجاوزها بناء على أن المسألة حوار ثقافي ، أو سجال فكري ، لأننا إن انطلقنا من هذا سوف نبدأ هنا في الكلام ولا نقف إلا على سواحل نيويورك ..
سوف أعود لأبدأ معك الحوار من آخر فقرة كتبتها .
شكرا لك على ثنائك ، وأنا أحيي فيك خلقك وأدبك في الحوار .. وفكرتك التي تنافح عنها ، ولكني أرد فقط أن لا تأخذك الليبرالية بنسبيتها ، فتتيح لك الترحل والقفز في مسارات فكرية كثيرة بحجة ” الحرية الفكرية ” ..
شكرا لك أخرى !
مهيار
أهلا بك عزيزي د استفهام في حوار أتمنى أن يضيف الكثير إلى كل منا…
أشاركك الرأ]ي في مسألة عدم التجاوز، وأنتظر تعليقك على الجزء الأخير من ردي الثاني، بالاضافة إلى تفاعلي الثالث مع آرائك… وليس لدي من مشكلة في مناقشة كل جانب على حدة…
وأشكرك على ثنائك بالمقابل… ونصيحتك حول الترحل… وأؤكد لك أني اجتهد في سبيل مناقشة ما تطرحه أنت.. ولكن مثلما تجد في حديثي مسلمات لايصح القفز عليها، أجد لديك مسلمات لايمكن المرور عليها مرور الكرام وكأنها مسلمات لدي أيضا… المشكلة تكمن في أن المسلمة تمر لدى كل منا سريعاً… ولكنها تستشكل على الطرف المقابل… ففي ردك الأخير تزاحمت هذه الأفكار التي تسلم بها وتمر بها سريعاً، وهي بالنسبة لي ليست مسلمات إنما قضايا يجب إعادة النظر فيها… والحديث فيها طويل وشائك ومعقد لايمكن معالجتها بجمل مقتضبة.
وما تجده يمثل قاعدة كلية قد لا يكون بنظري كذلك، فقد أراه مشكلة جزئية من مشكلة أكبر، بمعنى أن المعالجة يجب أن تتجه نحو كلية أخرى تضم هذه القاعدة..
ما أتمناه حقيقة وأنا أطرح فكرة، لا أن أنتصر لها كيفما اتفق، أنما أبحث عن كونها تستحق أن أنتصر لها… وأرجو أن يكون واضحاً أنني هنا لا أنافح عن كل ما صنف على أنه ليبرالي عبر العصور.. ولكني يقيناً استفدت من جون لوك في تشكيل نظرة إنسانية تحترم الآخر المختلف عقدياً أو ثقافياً أو غير ذلك… أكثر من كل تراث الاستعجام في تراثنا الفقهي الشاسع…
كل التقدير والمودة.
أهلا بك عزيزي د استفهام في حوار أتمنى أن يضيف الكثير إلى كل منا…
أشاركك الرأ]ي في مسألة عدم التجاوز، وأنتظر تعليقك على الجزء الأخير من ردي الثاني، بالاضافة إلى تفاعلي الثالث مع آرائك… وليس لدي من مشكلة في مناقشة كل جانب على حدة…
وأشكرك على ثنائك بالمقابل… ونصيحتك حول الترحل… وأؤكد لك أني اجتهد في سبيل مناقشة ما تطرحه أنت.. ولكن مثلما تجد في حديثي مسلمات لايصح القفز عليها، أجد لديك مسلمات لايمكن المرور عليها مرور الكرام وكأنها مسلمات لدي أيضا… المشكلة تكمن في أن المسلمة تمر لدى كل منا سريعاً… ولكنها تستشكل على الطرف المقابل… ففي ردك الأخير تزاحمت هذه الأفكار التي تسلم بها وتمر بها سريعاً، وهي بالنسبة لي ليست مسلمات إنما قضايا يجب إعادة النظر فيها… والحديث فيها طويل وشائك ومعقد لايمكن معالجتها بجمل مقتضبة.
وما تجده يمثل قاعدة كلية قد لا يكون بنظري كذلك، فقد أراه مشكلة جزئية من مشكلة أكبر، بمعنى أن المعالجة يجب أن تتجه نحو كلية أخرى تضم هذه القاعدة..
ما أتمناه حقيقة وأنا أطرح فكرة، لا أن أنتصر لها كيفما اتفق، أنما أبحث عن كونها تستحق أن أنتصر لها… وأرجو أن يكون واضحاً أنني هنا لا أنافح عن كل ما صنف على أنه ليبرالي عبر العصور.. ولكني يقيناً استفدت من جون لوك في تشكيل نظرة إنسانية تحترم الآخر المختلف عقدياً أو ثقافياً أو غير ذلك… أكثر من كل تراث الاستعجام في تراثنا الفقهي الشاسع…
كل التقدير والمودة.
د.استفهام
الاستاذ الكريم مهيار ..
بداية فيما يتعلق بمسألة ” التبادح ” بالمصطلحات ، أذكر الأستاذ عبدالعزيز حمودة ، وهو صاحب مشروع الخروج من التيه والمرايا المقعرة والمحدبة عاش في ظل الحداثة قرابة الثلاثين عاما ، وكان النسق الكلامي والمعرفي مشكله عليه وصعب من باب حشد المصطلحات العائمة ، وكثرتها التي تحتاج إلى وقفة مع كل مصطلح ، والعمر ينفذ ولم ينتهي التأمل في المصطلحات المولدة التي يفهم كل مفكر معنى خاص به ، ويقول أنه كان يظن ان المشكلة في ” نافوحه ” الذي لا يفهم ، ثم اكتشف بعد تأمل أن المشكلة ان الكلام لا معنى له !
وأنا حقيقة لست ضد استعمال أي مصطلح ، لكن هذا المصطلح لابد أن تتوفر فيه شروط ، ومن هذه الشروط أن يكون متداولا يعبر عن معنى محدد ، أو يكون خاصا فلابد أن يبين الإنسان مقصده منه ، فلا مشاحة في الاصطلاح عند الاصوليين إذا كان المصطلح متعارفا عليه ، أو مبين المعنى حتى يفهم مراد القائل .. هذه مقدمة فقط !
ولعلي أبدأ مبصطلح” الإسلام المؤسساتي ” ، فحقيقة لا أخفيك أني وقفت عاجزا عن تحديد معنى لهذا المصطلح ، وقلت لعل أقرب معنى في كتب الفكر الحديثة هو مصطلح ” المدرسيّة ” ، وقلبها الأخ إلى مؤسساتية ، لأن المؤسسة حتى بالعرف اللغوي والحديث تدل على مجموعة تعمل سويا ، ولها وجود موضوعي في وقت ما ، فإن كنت تقصد بالمؤسساتية أي أنها تقوم على ” اسس ” من أسس سؤسس تأسيسا ، فهذا ليس مذمة أبدا ، فمن شروط المنهج الإنطلاق من أسس معينة في تعاطيه مع حقله المعرفي ، وأعتقد أن الفكر الإسلامي له تراث قويم في هذا لا يستطيع أحد أن يسلبه قيمته بإطلاق حكم ” منفر” عليه ، فألفاظ ” الماضوية ” ، و ” الرجعية ” ، و ” الأصولية ” لم تعد مجدية في التعاطي مع ” التراث الإسلامي ” ، لأنها أحكام معلبة وجاهزة ، ويقصد فيها الإنزال من القيمة ، والغريب أن هذه السمة موجودة في كتابات المفكرين العرب ، بينما تجد المستشرقين أكثر إنصافا للتراث الإسلامي وحتى للنص الشرعي المؤسس من المفكرين العرب ، لانهم ينطلقون من منهج ابستمولوجي معرفي ، وقد سلم البعض منهم من المنطلق الايدلوجي في تعاطيه مع هذا التراث ، وخدموه بشكل منقطع النظير ، واكتشفوا جوانب عظيمة في تاريخه ، فالمستشرقون الذين اعتنوا بالسنة مثلا ، ودرسوا علم ” الحرج والتعديل ” و ” الحكم على الرجال والأسانيد ” أقروا بعبقرية الرجل المسلم في وضع منهجية منضبطة في الحكم على التراث وتنقيته ، الأمر الذي لم تعرفه البشرية لا قبل الإسلام ولا بعده ، من خلال اشتراط السلسلة الموصلة إلى المتن والقول ، وفحصها ومقارنتها بغيرها من الأسانيد ، واستخراج العلل والشذوذ ، ومعرفة اللفظ ” المدرج ” الذي أضافه الراوي بلا وعي ، من خلال مقارناته بالمرويات الأخرى ، ومعرفة الضعيف من الثقة من خلال سبر مرويات الرواي ومخالفاته لغيره ، فكان منهجا عظيما وعقليا في الوصول إلى صحة القول قبل بناء الأحكام عليه … فهل يوجد هذا النهج في تراث غير التراث الإسلامي ؟؟
تقول يا أستاذ مهيار :
ليست المصطلحات من باب البذخ والترف ولا المبادحة، هي لغة العصر يا سيدي، ففي حين ترى كلامي مليئا بالمصطلحات، غيرك يرى أنها لغة بسيطة خالية من المصطلحات، وأظن أن المشكلة تكمن في مدى تفاعلنا مع التطورات خاصة في الحقلين الفكري والاجتماعي، فالتطورات العلمية، بما تأتي به من براهين دامغة قابلة للقياس عبر الحواس الخمس ترغم أنوف المؤسساتيين على تعديل بيانهم الفقهي وتفسيراتهم التوقيفية، لأن هناك ما لا يقبل التأويل والمخاتلة والالتفاف، أما الحقائق الاجتماعية المستجدة، فبينهم وبينها سنين ضوئية، وتستعصي عليهم بدافع توقيفي، وهم نائمون على المعنى الرابض على الصدور منذ قرون كثيرة، تتطور المجتمعات وتتخذ أساليب حياة أكثر رفاهية وحركية وإنتاجية، بينما لا نزال نختزل الإسلام في دشداشة ولحية كثة تزاحم الكروش وسيقان كسيقان الجمال لابد أن تبدو للناظرين حتى يكتمل الإيمان، ولابد من لعق الصحن وغمر اليد في دسم الطعام حتى نكون أوفياء لسنة شكلية، لا سنة قصدية.
وأنا أقول ليست المشكلة في سهولة العبارة ولا في تعقيدها ، بل في وضوحها وعدم خفائها ، فإن كنت تصطلح على شي ثم يكون المعنى مخبئا في ضميرك فلن استطيع أن أتعاطى معك فيه ، فإن لم تبين لي مثلا معنى ” الإسلام المؤسساتي ” بشكل اضح ، لا استطيع ان اتعاطى معك في نقاشه ولا في فهمه ، وخاصة هذه المعاني ” المركبة ” التي ينتجها الفكر الخاص .
ثم إني أخي الكريم أكره ” اللغة الهجائية ” في النقاش المعرفي ، فانا معك في خلل” احتكار ” الإسلام في مظاهر ، وأكره تبسيط فاعليته بالحياة من خلال تطبيقات لبعض السنن المختلف فيها ، ولكني في مقابل ذلك لا يحق لي أن أخذ من الإسلام ما أهوى بناء على رغباتي الخاصة ، أو أقلل من شأن وارد فيه بناء على أنه لا يدخل في صلب قناعاتي الشخصية ، والمشكلة ان الرجل الليبرالي الآن لا يقرأ الإسلام إلا من خلال ما يجده هنا وهناك من نصوص قد تدعم موقفه الفكري ، والرجل العقلي لا يعرف الإسلام إلا من خلال بعض البراهين العقلية التي عرضت فيه على اثبات الألوهية اوالنبوة ، والجيلوجي همه أن يكتشف معرفة علمية يثبتها من خلال القرآن ، والطبيب يبحث عن ما يؤيد نظرياته الطبية من خلال الإسلام ، وغيرهم كثير كل واحد يحاول ان يجعل القرآن ينطق بما يريد ، وليست هذه المشكلة ، بل المشكلة هي في الاستهانة بشأن ما سواه ، فالرجل المادي الذي يقيس الناس بمستويات الانتاج والرفاهية والتقدم لا يريد إلا إسلاما يتكلم بهذا ، ولو حصل له أن يمسح الآيات التي تعكر على صفوه الدنيوي من ذكر الموت والقيامة والآخرة والحساب ، أو بعض الأمور التي لا يراها مهمة مثل التفصيل في المواريث او في الوضوء او في العلاقة الزوجية ، لفعل هذا ، وهو شبيه جدا بالجماعات التي جعلت “الحاكمية ” هي الإسلام ، فلا تنظر للمجتمع ولا للحكومات إلا من خلال ” الحاكم وطريقة التعامل معه ” ، ومثله الخطاب الوعظي الذي يشعرك بأن الإسلام جاء فقط ليخوف الناس من النار ، ويدخلهم الجنة فقط ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في جانب الوعظ كان ” يتخول الصحابة بالموعظة مخافة السآمة عليهم “، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف من كثرة الوعظ حتى لا يسأم الصحابة ، فكيف بمن جاء بعده ممن هو أقل منه علما وتقوى وخشية وفصاحة ؟ ولذلك مرت عائشة رضي الله عنها يوما على قاص يقص بالحرم وقد أكثر الحديث فقالت : ( يا بني اقصر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كلمات لو أراد العاد أن يعدها لعدها ) .
ولذلك أراك أخي مهيار وقعت بهذه الإشكالية من خلال نزولك على بعض من يمارس قناعاته بتقصير الثوب وإطالة اللحية ولعق القصعة وذلك من جانبين :
الأول : أن هذا خارج إطار العلمية ، فهؤلاء يعتمدون على نصوص صريحة في سنية هذه الأمور ، ولو خالفهم أحد فيها فسيكون على الأكثر قولا ثانيا .. فهم متسقون مع منهجهم المعرفي ولا يحق لك مصادرة اختيارهم بهذه الطريقة ..
الثاني : من منطلق ” ليبرالي ” فهم أحرار فيما يختارون لأنفسهم من معتقدات أو سنن او طريقة في التعاطي مع المسائل ، فالمجتمع الليبرالي أتاح للناس التعري إلا بحدود ضيقة .. فكيف يضيق الليبراليون برجل قد قصر ثوبة .. فإن كانوا يتضايقون من رؤيته فليغمضوا أعينهم عنه ..وأراك هنا خرجت عن العلمية من جهة ، وعن دعوى الليبرالية من جهة أخرى .
تقول هنا :
المصطلحات التي تشتكي منها يا سيدي ليست غريبة عليك كما أظن ولكنك تتبرم منها لأن معظم التيار الذي تنافح عنه ربما لم يسمعوا بها ولم يحاولوا أن يقرؤوا جديداً، ولا يقدرون على مغادرة الكتب الصفراء خشية أن تتوه بهم السبل، ولكنها أصبحت لغة أبسط المطلعين على التراث الإنساني الحديث وخاصة في الحقول الاجتماعية والفلسفية، وعموما هي لم تعد غريبة حتى في واقعنا، بل عبئت بالدلالات وأصبحت مستساغة في المجال الثقافي، ولكن متخصصو الإسلام المؤسسي غير قادرين على مغادرة كهوف الغابرين.
ولعلك يا أخي لو كنت تقر أن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بموقف فلسفي للحياة، لوجدت أن ما من وعي ينشأ بعيداً عن الفلسفة، ولا معنى يتم تأسيسه بمعزل عن الفلسفة، وما من شريعة قامت إلا وسبقتها دواع فلسفية، ولعل موقفك هذا كان عوناً لك على تفهم المصطلح بدلأ من الشك فيه واعتباره سبة أو ربما استهزاء، فاللامعقول الديني حقيقة واقعة وتفقأ العين، وإلا لكنا نتنكر للغيب، ولقلنا لمن لم يدرك مسائل الإيمان بالله أو أداء الصلاة: انتظر ريثما تأتيك الحقائق العلمية الحسية لكي تؤمن أو تؤدي الصلاة… الأديان تقول على عناصر غيبية جمة، ولكن التصديق يختزل الطريق، لاشك أن الإيمان بحد ذاته مسألة فلسفية، فالنظر في الكون والآفاق هي من أسس الفطرة، التي تشعر بوجود خالق من خلال موقف فلسفي أصلاً، أما الرسالة والرسول والكتاب، فهي تقابل بالتصديق دون طلب براهين حسية على كل شيء، ليستقر المعنى في القلب فيصدقه العقل دون استخدام أدوات.
فيما يتعلق بالمصطلحات .. فقد بينت وجهة نظري في الأعلي وموقفي منها ، ولكني أخالفك في وجهة نظرك حول أن المعنى لابد أن يسبق بموقف فلسفي ، وهنا سوف ندخل في إشكالية الإسبقية بين الوعي أم الواقع ، ولكني الحظ فيك نزوعا إلى جعل ” المعرفة ” القائمة على التصور والتصديق معتمدة على ” المادة ” ومن ثم أسباغ الحكم عليها بالمعقولية ، والصحيح أن المعقول ياتي من خلال التصورات الأولية الفطرية التي لا يحتاج الإنسان إلى الاستدلال عليها ، فهي تنشأ معه منذ الولادة ، ولو اشترطنا المعقولية في هذا فلن يفسر الإنسان سببا معقولا لوجوده الخاص ، مع أن ديكارت يرى ان كل ما في الوجود معقول ، والثاني المعارف التي تنشأ من خلال تفاعل الإنسان مع الواقع ، وهذه القضايا العقلية النسبية تختلف من شخص لآخر باختلاف نظراتهم للواقع ، فما تراه أنت معقولا ، يراه غيرك غير معقول ، وهذه إشكالية كبرى حصلت مع كثير من معاني الشريعة عند الاتجاه العقلي العربي ، فبمجرد أن يرفضها ” ذوقه ” ، أو عقله ” النسبي ” يضرب عليها بختم عدم المعقولية ، ولذلك فمسائل الإيمان وقضايا الغيب وأحكام الشرع هي تابعة في أصلها للإيمان بالنبوة التي تقوم على أدلة عقلية في صدق النبوة ودلائلها ، وهي تحتاج لمبحث خاص ، فإذا ثبت صدق النبوة ثبت عقلا كل تبعات هذا الصدق ، لأن الشريعة لم تأت بما يحيل العقل وقوعه ، بل أتت بما لا يستطيع العقل دركه ، وفرق بين الاستحالة العقلية ، وبين عدم القدرة على الإدراك، وذلك بسبب ” قصور ” العقل عن الإحاطة بالأشياء ، وهذا هو ” مأزق ” المادية الحديثة التي وقعت في ورطة ” الغيب ” من خلال كشوفاتها العلمية التي أثبتت أن مقدار ما يرى إلى مالا يرى في الكون لا يتجاوز العشرة بالمائة ، فهم يبصمون بوجود أشياء كثيرة من خلال إدراك آثارها لا كنهها وماهيتها ، ولذلك فجعل ” المادية والحس ” هي مصدرية المعرفة وحصرها فيها قضي عليه بالانشطار الذري الذي أثبت وجود الآثار المرئية من أشياء لا ترى .. وهكذا هو الغيب الذي فتح الله للرسول صلى الله عليه وسلم بابه له .. فعدم إمكانية الاطلاع عليه ماديا لا يعني عدم وجوده حقيقة ..
أرجو يا استاذ مهيار أن تتيح لي فرصة إكمال باقي النقاط .. حتى ترد علي بانتظام بلا تداخل .
شكرا لك .. ولي عودة قريبة إن شاء الله !
الاستاذ الكريم مهيار ..
بداية فيما يتعلق بمسألة ” التبادح ” بالمصطلحات ، أذكر الأستاذ عبدالعزيز حمودة ، وهو صاحب مشروع الخروج من التيه والمرايا المقعرة والمحدبة عاش في ظل الحداثة قرابة الثلاثين عاما ، وكان النسق الكلامي والمعرفي مشكله عليه وصعب من باب حشد المصطلحات العائمة ، وكثرتها التي تحتاج إلى وقفة مع كل مصطلح ، والعمر ينفذ ولم ينتهي التأمل في المصطلحات المولدة التي يفهم كل مفكر معنى خاص به ، ويقول أنه كان يظن ان المشكلة في ” نافوحه ” الذي لا يفهم ، ثم اكتشف بعد تأمل أن المشكلة ان الكلام لا معنى له !
وأنا حقيقة لست ضد استعمال أي مصطلح ، لكن هذا المصطلح لابد أن تتوفر فيه شروط ، ومن هذه الشروط أن يكون متداولا يعبر عن معنى محدد ، أو يكون خاصا فلابد أن يبين الإنسان مقصده منه ، فلا مشاحة في الاصطلاح عند الاصوليين إذا كان المصطلح متعارفا عليه ، أو مبين المعنى حتى يفهم مراد القائل .. هذه مقدمة فقط !
ولعلي أبدأ مبصطلح” الإسلام المؤسساتي ” ، فحقيقة لا أخفيك أني وقفت عاجزا عن تحديد معنى لهذا المصطلح ، وقلت لعل أقرب معنى في كتب الفكر الحديثة هو مصطلح ” المدرسيّة ” ، وقلبها الأخ إلى مؤسساتية ، لأن المؤسسة حتى بالعرف اللغوي والحديث تدل على مجموعة تعمل سويا ، ولها وجود موضوعي في وقت ما ، فإن كنت تقصد بالمؤسساتية أي أنها تقوم على ” اسس ” من أسس سؤسس تأسيسا ، فهذا ليس مذمة أبدا ، فمن شروط المنهج الإنطلاق من أسس معينة في تعاطيه مع حقله المعرفي ، وأعتقد أن الفكر الإسلامي له تراث قويم في هذا لا يستطيع أحد أن يسلبه قيمته بإطلاق حكم ” منفر” عليه ، فألفاظ ” الماضوية ” ، و ” الرجعية ” ، و ” الأصولية ” لم تعد مجدية في التعاطي مع ” التراث الإسلامي ” ، لأنها أحكام معلبة وجاهزة ، ويقصد فيها الإنزال من القيمة ، والغريب أن هذه السمة موجودة في كتابات المفكرين العرب ، بينما تجد المستشرقين أكثر إنصافا للتراث الإسلامي وحتى للنص الشرعي المؤسس من المفكرين العرب ، لانهم ينطلقون من منهج ابستمولوجي معرفي ، وقد سلم البعض منهم من المنطلق الايدلوجي في تعاطيه مع هذا التراث ، وخدموه بشكل منقطع النظير ، واكتشفوا جوانب عظيمة في تاريخه ، فالمستشرقون الذين اعتنوا بالسنة مثلا ، ودرسوا علم ” الحرج والتعديل ” و ” الحكم على الرجال والأسانيد ” أقروا بعبقرية الرجل المسلم في وضع منهجية منضبطة في الحكم على التراث وتنقيته ، الأمر الذي لم تعرفه البشرية لا قبل الإسلام ولا بعده ، من خلال اشتراط السلسلة الموصلة إلى المتن والقول ، وفحصها ومقارنتها بغيرها من الأسانيد ، واستخراج العلل والشذوذ ، ومعرفة اللفظ ” المدرج ” الذي أضافه الراوي بلا وعي ، من خلال مقارناته بالمرويات الأخرى ، ومعرفة الضعيف من الثقة من خلال سبر مرويات الرواي ومخالفاته لغيره ، فكان منهجا عظيما وعقليا في الوصول إلى صحة القول قبل بناء الأحكام عليه … فهل يوجد هذا النهج في تراث غير التراث الإسلامي ؟؟
تقول يا أستاذ مهيار :
ليست المصطلحات من باب البذخ والترف ولا المبادحة، هي لغة العصر يا سيدي، ففي حين ترى كلامي مليئا بالمصطلحات، غيرك يرى أنها لغة بسيطة خالية من المصطلحات، وأظن أن المشكلة تكمن في مدى تفاعلنا مع التطورات خاصة في الحقلين الفكري والاجتماعي، فالتطورات العلمية، بما تأتي به من براهين دامغة قابلة للقياس عبر الحواس الخمس ترغم أنوف المؤسساتيين على تعديل بيانهم الفقهي وتفسيراتهم التوقيفية، لأن هناك ما لا يقبل التأويل والمخاتلة والالتفاف، أما الحقائق الاجتماعية المستجدة، فبينهم وبينها سنين ضوئية، وتستعصي عليهم بدافع توقيفي، وهم نائمون على المعنى الرابض على الصدور منذ قرون كثيرة، تتطور المجتمعات وتتخذ أساليب حياة أكثر رفاهية وحركية وإنتاجية، بينما لا نزال نختزل الإسلام في دشداشة ولحية كثة تزاحم الكروش وسيقان كسيقان الجمال لابد أن تبدو للناظرين حتى يكتمل الإيمان، ولابد من لعق الصحن وغمر اليد في دسم الطعام حتى نكون أوفياء لسنة شكلية، لا سنة قصدية.
وأنا أقول ليست المشكلة في سهولة العبارة ولا في تعقيدها ، بل في وضوحها وعدم خفائها ، فإن كنت تصطلح على شي ثم يكون المعنى مخبئا في ضميرك فلن استطيع أن أتعاطى معك فيه ، فإن لم تبين لي مثلا معنى ” الإسلام المؤسساتي ” بشكل اضح ، لا استطيع ان اتعاطى معك في نقاشه ولا في فهمه ، وخاصة هذه المعاني ” المركبة ” التي ينتجها الفكر الخاص .
ثم إني أخي الكريم أكره ” اللغة الهجائية ” في النقاش المعرفي ، فانا معك في خلل” احتكار ” الإسلام في مظاهر ، وأكره تبسيط فاعليته بالحياة من خلال تطبيقات لبعض السنن المختلف فيها ، ولكني في مقابل ذلك لا يحق لي أن أخذ من الإسلام ما أهوى بناء على رغباتي الخاصة ، أو أقلل من شأن وارد فيه بناء على أنه لا يدخل في صلب قناعاتي الشخصية ، والمشكلة ان الرجل الليبرالي الآن لا يقرأ الإسلام إلا من خلال ما يجده هنا وهناك من نصوص قد تدعم موقفه الفكري ، والرجل العقلي لا يعرف الإسلام إلا من خلال بعض البراهين العقلية التي عرضت فيه على اثبات الألوهية اوالنبوة ، والجيلوجي همه أن يكتشف معرفة علمية يثبتها من خلال القرآن ، والطبيب يبحث عن ما يؤيد نظرياته الطبية من خلال الإسلام ، وغيرهم كثير كل واحد يحاول ان يجعل القرآن ينطق بما يريد ، وليست هذه المشكلة ، بل المشكلة هي في الاستهانة بشأن ما سواه ، فالرجل المادي الذي يقيس الناس بمستويات الانتاج والرفاهية والتقدم لا يريد إلا إسلاما يتكلم بهذا ، ولو حصل له أن يمسح الآيات التي تعكر على صفوه الدنيوي من ذكر الموت والقيامة والآخرة والحساب ، أو بعض الأمور التي لا يراها مهمة مثل التفصيل في المواريث او في الوضوء او في العلاقة الزوجية ، لفعل هذا ، وهو شبيه جدا بالجماعات التي جعلت “الحاكمية ” هي الإسلام ، فلا تنظر للمجتمع ولا للحكومات إلا من خلال ” الحاكم وطريقة التعامل معه ” ، ومثله الخطاب الوعظي الذي يشعرك بأن الإسلام جاء فقط ليخوف الناس من النار ، ويدخلهم الجنة فقط ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في جانب الوعظ كان ” يتخول الصحابة بالموعظة مخافة السآمة عليهم “، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف من كثرة الوعظ حتى لا يسأم الصحابة ، فكيف بمن جاء بعده ممن هو أقل منه علما وتقوى وخشية وفصاحة ؟ ولذلك مرت عائشة رضي الله عنها يوما على قاص يقص بالحرم وقد أكثر الحديث فقالت : ( يا بني اقصر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كلمات لو أراد العاد أن يعدها لعدها ) .
ولذلك أراك أخي مهيار وقعت بهذه الإشكالية من خلال نزولك على بعض من يمارس قناعاته بتقصير الثوب وإطالة اللحية ولعق القصعة وذلك من جانبين :
الأول : أن هذا خارج إطار العلمية ، فهؤلاء يعتمدون على نصوص صريحة في سنية هذه الأمور ، ولو خالفهم أحد فيها فسيكون على الأكثر قولا ثانيا .. فهم متسقون مع منهجهم المعرفي ولا يحق لك مصادرة اختيارهم بهذه الطريقة ..
الثاني : من منطلق ” ليبرالي ” فهم أحرار فيما يختارون لأنفسهم من معتقدات أو سنن او طريقة في التعاطي مع المسائل ، فالمجتمع الليبرالي أتاح للناس التعري إلا بحدود ضيقة .. فكيف يضيق الليبراليون برجل قد قصر ثوبة .. فإن كانوا يتضايقون من رؤيته فليغمضوا أعينهم عنه ..وأراك هنا خرجت عن العلمية من جهة ، وعن دعوى الليبرالية من جهة أخرى .
تقول هنا :
المصطلحات التي تشتكي منها يا سيدي ليست غريبة عليك كما أظن ولكنك تتبرم منها لأن معظم التيار الذي تنافح عنه ربما لم يسمعوا بها ولم يحاولوا أن يقرؤوا جديداً، ولا يقدرون على مغادرة الكتب الصفراء خشية أن تتوه بهم السبل، ولكنها أصبحت لغة أبسط المطلعين على التراث الإنساني الحديث وخاصة في الحقول الاجتماعية والفلسفية، وعموما هي لم تعد غريبة حتى في واقعنا، بل عبئت بالدلالات وأصبحت مستساغة في المجال الثقافي، ولكن متخصصو الإسلام المؤسسي غير قادرين على مغادرة كهوف الغابرين.
ولعلك يا أخي لو كنت تقر أن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بموقف فلسفي للحياة، لوجدت أن ما من وعي ينشأ بعيداً عن الفلسفة، ولا معنى يتم تأسيسه بمعزل عن الفلسفة، وما من شريعة قامت إلا وسبقتها دواع فلسفية، ولعل موقفك هذا كان عوناً لك على تفهم المصطلح بدلأ من الشك فيه واعتباره سبة أو ربما استهزاء، فاللامعقول الديني حقيقة واقعة وتفقأ العين، وإلا لكنا نتنكر للغيب، ولقلنا لمن لم يدرك مسائل الإيمان بالله أو أداء الصلاة: انتظر ريثما تأتيك الحقائق العلمية الحسية لكي تؤمن أو تؤدي الصلاة… الأديان تقول على عناصر غيبية جمة، ولكن التصديق يختزل الطريق، لاشك أن الإيمان بحد ذاته مسألة فلسفية، فالنظر في الكون والآفاق هي من أسس الفطرة، التي تشعر بوجود خالق من خلال موقف فلسفي أصلاً، أما الرسالة والرسول والكتاب، فهي تقابل بالتصديق دون طلب براهين حسية على كل شيء، ليستقر المعنى في القلب فيصدقه العقل دون استخدام أدوات.
فيما يتعلق بالمصطلحات .. فقد بينت وجهة نظري في الأعلي وموقفي منها ، ولكني أخالفك في وجهة نظرك حول أن المعنى لابد أن يسبق بموقف فلسفي ، وهنا سوف ندخل في إشكالية الإسبقية بين الوعي أم الواقع ، ولكني الحظ فيك نزوعا إلى جعل ” المعرفة ” القائمة على التصور والتصديق معتمدة على ” المادة ” ومن ثم أسباغ الحكم عليها بالمعقولية ، والصحيح أن المعقول ياتي من خلال التصورات الأولية الفطرية التي لا يحتاج الإنسان إلى الاستدلال عليها ، فهي تنشأ معه منذ الولادة ، ولو اشترطنا المعقولية في هذا فلن يفسر الإنسان سببا معقولا لوجوده الخاص ، مع أن ديكارت يرى ان كل ما في الوجود معقول ، والثاني المعارف التي تنشأ من خلال تفاعل الإنسان مع الواقع ، وهذه القضايا العقلية النسبية تختلف من شخص لآخر باختلاف نظراتهم للواقع ، فما تراه أنت معقولا ، يراه غيرك غير معقول ، وهذه إشكالية كبرى حصلت مع كثير من معاني الشريعة عند الاتجاه العقلي العربي ، فبمجرد أن يرفضها ” ذوقه ” ، أو عقله ” النسبي ” يضرب عليها بختم عدم المعقولية ، ولذلك فمسائل الإيمان وقضايا الغيب وأحكام الشرع هي تابعة في أصلها للإيمان بالنبوة التي تقوم على أدلة عقلية في صدق النبوة ودلائلها ، وهي تحتاج لمبحث خاص ، فإذا ثبت صدق النبوة ثبت عقلا كل تبعات هذا الصدق ، لأن الشريعة لم تأت بما يحيل العقل وقوعه ، بل أتت بما لا يستطيع العقل دركه ، وفرق بين الاستحالة العقلية ، وبين عدم القدرة على الإدراك، وذلك بسبب ” قصور ” العقل عن الإحاطة بالأشياء ، وهذا هو ” مأزق ” المادية الحديثة التي وقعت في ورطة ” الغيب ” من خلال كشوفاتها العلمية التي أثبتت أن مقدار ما يرى إلى مالا يرى في الكون لا يتجاوز العشرة بالمائة ، فهم يبصمون بوجود أشياء كثيرة من خلال إدراك آثارها لا كنهها وماهيتها ، ولذلك فجعل ” المادية والحس ” هي مصدرية المعرفة وحصرها فيها قضي عليه بالانشطار الذري الذي أثبت وجود الآثار المرئية من أشياء لا ترى .. وهكذا هو الغيب الذي فتح الله للرسول صلى الله عليه وسلم بابه له .. فعدم إمكانية الاطلاع عليه ماديا لا يعني عدم وجوده حقيقة ..
أرجو يا استاذ مهيار أن تتيح لي فرصة إكمال باقي النقاط .. حتى ترد علي بانتظام بلا تداخل .
شكرا لك .. ولي عودة قريبة إن شاء الله !
د.استفهام
قال الاستاذ مهيار :
الليبرالية صارمة ومنضبطة، وإلا لما كانت منهجية، ولما وقفت في وجه المنفلتين، الليبرالية صارمة في فهم حرية الاعتقاد والرأي، ومنضبطة في مسائل المساواة والعدالة الإنسانية، وليس من قاض ليبرالي يفصل بين زوجين متحابين بدعوى النسب ويشرد الأطفال، الليبرالية هي احترام الإنسان ما بقي محترماً، فإن لم يكن فكف يده عن الأذى، فإن لم يكن فرهن مصيره لمؤسسة قانونية تتطور باضطراد وتتكامل رؤيتها عبر الزمان، فلا تستكين لتوقيف، ولا تستذل لمذهب. الليبرالية تكفل لك حرية اعتقادك، ولكنك لن تكفل لليبرالي والمسيحي ومخالفك في المذهب أيضاً حرية الاعتقاد، بل كل تراث اللا إكراه العظيم يطوى تحت ثقل عقل تكفيري وتسفيهي واستعلائي ومستبد. الليبرالية تتخذ الحوار إستراتيجية، أما العقل الفقهي المؤسساتي حتى وإن تقبل الحوار فإنما يرضى به خياراً تكتيكياً في مرحلة الضعف، فإذا استقوى انقض على الآخر وأذله عرقياً ودينياً وثقافياً…
نعم .. لك أن تقول في الليبرالية ما تشاء ، وتظفي عليها صنوف المدائح التي لا تنتهي ، ولكن هذا لا يغني عن البحث المعرفي شيئا ، فأنت تتكلم عن ” الليبرالية ” وكأنها شي كلي خارج الذهن ، ولا تتكلم عنها باعتبارها ” فكرة ” لها نشأتها وظروفها الموضوعية ، ولها منظروها الذين لم يجتمعوا في مجلس ليقرروا مبادئها الأساسية ، بل كانت خليطا من الأفكار التي تولدت في تعاقب تاريخي ، فهي خليط من أفكار جون لوك السياسية ، وبين المدرسة النفعية القائمة على المتعة واللذة ، عند بنتام ، ووجودية ديوي ، وغيرها من الأفكار ، ولذلك لا تجد كتابا واحدا يتحدث عن الليبرالية كمنهجية في التفكير ، صحيح أن إطلاق العنان للأفراد ان يفعلوا ما يشاءون هو مبدأ ليبرالي ، ولكنه ليس مبدأ مكلفا ، بل هو مبدأ طبيعي لأي فوضوي في الحياة ، فهي مثل الرجل الذي يترك أبناءه يفعلون ما يشاءون حتى لو كانوا سيهلكون في الاختيارات بحجة الحرية .. ومبدأ التحرر .
الغريب في الأمر أخوي مهيار أنك ترى ” الليبرالية ” منهجية صارمة ومنضبطة ، ومن أسس الصرامة والانضباط الثبوت والاستقرار المعرفي ، فلا يمكن لقاعدة حاكمة على الفكر أن تكون مترحلة ، ومع ذلك ترى ان الليبرالية من ميزاتها الترحل والتبدل والتغير ، وهنا يقع الليبرالي في فخ ” النسبية ” ، أو لعلها أقرب إلى مفهوم ” الثابت والمتحول ” ، فيقع في ” الفلسفة العدمية ” ، فعلماء الأصول في الإسلام قرروا قواعد تضبط النظر والاستدلال الشرعي قبل ألف سنة ، ويستطيع ان يستخدمها الإنسان الآن بأي ظرف من الظروف ، وهنا يصدق عليها الانضباط والصرامة ، والقواعد العقلية الكلية المبدئية تكلم عنها افلاطون ، وقررها ابن تيمية ، وهي إلى الآن تعيش مع كل شخص ، ولكن قضية ” النسبية ” الليبرالية ترفض ” الثبات ” في الفكرة بناء على غياب الحقائق المطلقة في أي شي ، وهذه مشكلة الليبرالية المعرفية .
الذي لم يدركه الليبراليون الذي لا زالوا يحتفظون بالانتماء للإسلام أن الجو الذي صنعت فيه الليبرالية وطبخت في الغرب ، ونتجت من خلاله الأفكار التحررية هو جو ” الألحاد والمادة ” ، وكل فكرة ليبرالية خرجت في الغرب هي فكرة مادية إلحادية في أصلها ، فالدارونية هي في أصلها وقوف أمام قضية خلق آدم التي جاءت به الأديان ، والفكرة الماركسية قامت بناء على أزلية المادة وفكرة انكار الخالق ، فكانت هناك ” إشكالية بن العلم والدين ” وبين ” الدين والحياة ” ، فكان الموقف من ( الدين ) في الغرب هو المهيمن على نشوء الأفكار التحررية الليبرالية التي صنعت الغرب ما بعد النهضة ، ولذلك فمحاولة التوفيق بين الليبرالية والإسلام هو محاولة توفيق في الأصل بين الاسلام والمادية الإلحادية .
ولذلك فاعتبار ” مركزية الإنسان ” في التفكير الغربي هو من باب إحلال ( المخلوق ) مكان ( الخالق ) ، وكسر الجانب الخلقي ومعايير الشرع الاقتصادية هي ناتجه من تحييد الدين عن العمل في جوانب الحياة ، وطرح قضية المساواة بين البشر هي من باب مركزية الانسان في الواقع ، ولذلك فتعريف الليبرالية لا يمكن ان يحصر في نطاق إلا من خلال ما تضاف إليه ، فالليبرالية السياسية لها مفهومها الخاص ، والليبرالية الاجتماعية لها مفهومها الخاص ، والليبرالية القيمية لها مفهومها الخاص ، يجمع هذه الليبراليات مفهوم جامع هو ” التحرر ” من كل قيد خلقي او اجتماعي او اقتصادي .. وتعظيم دور الفرد في الحياة .. بناء على مركزيته فيها ..
سوف أعود إن شاء الله لإكمال بقية النقاط في مداخلتي القادمة إن شاء الله ..
واعتذر عن التأخر بسبب بعض المشاغل
قال الاستاذ مهيار :
الليبرالية صارمة ومنضبطة، وإلا لما كانت منهجية، ولما وقفت في وجه المنفلتين، الليبرالية صارمة في فهم حرية الاعتقاد والرأي، ومنضبطة في مسائل المساواة والعدالة الإنسانية، وليس من قاض ليبرالي يفصل بين زوجين متحابين بدعوى النسب ويشرد الأطفال، الليبرالية هي احترام الإنسان ما بقي محترماً، فإن لم يكن فكف يده عن الأذى، فإن لم يكن فرهن مصيره لمؤسسة قانونية تتطور باضطراد وتتكامل رؤيتها عبر الزمان، فلا تستكين لتوقيف، ولا تستذل لمذهب. الليبرالية تكفل لك حرية اعتقادك، ولكنك لن تكفل لليبرالي والمسيحي ومخالفك في المذهب أيضاً حرية الاعتقاد، بل كل تراث اللا إكراه العظيم يطوى تحت ثقل عقل تكفيري وتسفيهي واستعلائي ومستبد. الليبرالية تتخذ الحوار إستراتيجية، أما العقل الفقهي المؤسساتي حتى وإن تقبل الحوار فإنما يرضى به خياراً تكتيكياً في مرحلة الضعف، فإذا استقوى انقض على الآخر وأذله عرقياً ودينياً وثقافياً…
نعم .. لك أن تقول في الليبرالية ما تشاء ، وتظفي عليها صنوف المدائح التي لا تنتهي ، ولكن هذا لا يغني عن البحث المعرفي شيئا ، فأنت تتكلم عن ” الليبرالية ” وكأنها شي كلي خارج الذهن ، ولا تتكلم عنها باعتبارها ” فكرة ” لها نشأتها وظروفها الموضوعية ، ولها منظروها الذين لم يجتمعوا في مجلس ليقرروا مبادئها الأساسية ، بل كانت خليطا من الأفكار التي تولدت في تعاقب تاريخي ، فهي خليط من أفكار جون لوك السياسية ، وبين المدرسة النفعية القائمة على المتعة واللذة ، عند بنتام ، ووجودية ديوي ، وغيرها من الأفكار ، ولذلك لا تجد كتابا واحدا يتحدث عن الليبرالية كمنهجية في التفكير ، صحيح أن إطلاق العنان للأفراد ان يفعلوا ما يشاءون هو مبدأ ليبرالي ، ولكنه ليس مبدأ مكلفا ، بل هو مبدأ طبيعي لأي فوضوي في الحياة ، فهي مثل الرجل الذي يترك أبناءه يفعلون ما يشاءون حتى لو كانوا سيهلكون في الاختيارات بحجة الحرية .. ومبدأ التحرر .
الغريب في الأمر أخوي مهيار أنك ترى ” الليبرالية ” منهجية صارمة ومنضبطة ، ومن أسس الصرامة والانضباط الثبوت والاستقرار المعرفي ، فلا يمكن لقاعدة حاكمة على الفكر أن تكون مترحلة ، ومع ذلك ترى ان الليبرالية من ميزاتها الترحل والتبدل والتغير ، وهنا يقع الليبرالي في فخ ” النسبية ” ، أو لعلها أقرب إلى مفهوم ” الثابت والمتحول ” ، فيقع في ” الفلسفة العدمية ” ، فعلماء الأصول في الإسلام قرروا قواعد تضبط النظر والاستدلال الشرعي قبل ألف سنة ، ويستطيع ان يستخدمها الإنسان الآن بأي ظرف من الظروف ، وهنا يصدق عليها الانضباط والصرامة ، والقواعد العقلية الكلية المبدئية تكلم عنها افلاطون ، وقررها ابن تيمية ، وهي إلى الآن تعيش مع كل شخص ، ولكن قضية ” النسبية ” الليبرالية ترفض ” الثبات ” في الفكرة بناء على غياب الحقائق المطلقة في أي شي ، وهذه مشكلة الليبرالية المعرفية .
الذي لم يدركه الليبراليون الذي لا زالوا يحتفظون بالانتماء للإسلام أن الجو الذي صنعت فيه الليبرالية وطبخت في الغرب ، ونتجت من خلاله الأفكار التحررية هو جو ” الألحاد والمادة ” ، وكل فكرة ليبرالية خرجت في الغرب هي فكرة مادية إلحادية في أصلها ، فالدارونية هي في أصلها وقوف أمام قضية خلق آدم التي جاءت به الأديان ، والفكرة الماركسية قامت بناء على أزلية المادة وفكرة انكار الخالق ، فكانت هناك ” إشكالية بن العلم والدين ” وبين ” الدين والحياة ” ، فكان الموقف من ( الدين ) في الغرب هو المهيمن على نشوء الأفكار التحررية الليبرالية التي صنعت الغرب ما بعد النهضة ، ولذلك فمحاولة التوفيق بين الليبرالية والإسلام هو محاولة توفيق في الأصل بين الاسلام والمادية الإلحادية .
ولذلك فاعتبار ” مركزية الإنسان ” في التفكير الغربي هو من باب إحلال ( المخلوق ) مكان ( الخالق ) ، وكسر الجانب الخلقي ومعايير الشرع الاقتصادية هي ناتجه من تحييد الدين عن العمل في جوانب الحياة ، وطرح قضية المساواة بين البشر هي من باب مركزية الانسان في الواقع ، ولذلك فتعريف الليبرالية لا يمكن ان يحصر في نطاق إلا من خلال ما تضاف إليه ، فالليبرالية السياسية لها مفهومها الخاص ، والليبرالية الاجتماعية لها مفهومها الخاص ، والليبرالية القيمية لها مفهومها الخاص ، يجمع هذه الليبراليات مفهوم جامع هو ” التحرر ” من كل قيد خلقي او اجتماعي او اقتصادي .. وتعظيم دور الفرد في الحياة .. بناء على مركزيته فيها ..
سوف أعود إن شاء الله لإكمال بقية النقاط في مداخلتي القادمة إن شاء الله ..
واعتذر عن التأخر بسبب بعض المشاغل
مواصلة للحوار مع الأخ الكريم مهيار ، أحب أن أشير إلى عدم إمكانية كل فكرة يقولها المقابل من باب تذمر بعض الإخوة المتابعين من الإطالة والتعقيد في بعض المصطلحات ، ولكني أؤكد على ضرورة العناية بالمسائل الكلية في النزاع ، فالرجل الليبرالي الذي يقف موقفا من ” الدين ” ولا يرى مرجعيته للحياة لا يمكن أن يناقش في أي جزئية فقهية او عقدية أو تاريخية حتى يتم الحوار معه من خلال ” المرجعية ” الدينية ، وإلا لكان الأمر عبثا وتطويلا للكلام بلا فائدة ..
وأنا هنا أعلن مرجعيتي للإسلام ، وأعلن كذلك أن موقفي من الليبرالية لسببين :
الأول : أنها تخالف الأسلام من حيث منطلقاتها ورؤيتها للأمور ..
الثانية : أنها منزوعة القيمة الأخلاقية ، ولا تؤسس لأي فكرة تستحق التأمل ، وكل الأفكار المدعاة ملكيتها لليبرالية ، فهي قد سبقت الليبرالية واتفقت عليها عقول البشر قبل الليبرالية وبعدها ..
والذي أعجبني في حوار الأخ مهيار هو في ” اعتباريته للإسلام كمرجعية ” ، ولكنه في مقابل ذلك يقع في تحييده عن أشياء كثيرة .. فكأنه يقول هو مرجعية لا يرجع إليها .. وهذه مشكلة كبرى تجعل الحوار فيه مشقة من هذا الجانب ، ولذلك أرجو من الأخ تجلية هذه القضية بشكل واضح ، فإن كان يعتبر ( الوحي ) مرجعية فليخبرنا ، ثم يحدثنا عن حدود هذه المرجعية … وإن كان لا يعتبره مرجعية … فأعتقد أن الحوار معه سيتحنى منحى آخر يتجاوز المحاولة التوفيقية بين الاسلام والليبرالية ..
يقول الإستاذ مهيار :
الليبرالية تفرز بين المعقول واللامعقول، ولكنها لا ترغمك على التنكر لـ (لامعقولك) الديني أو حتى الثقافي أو حتى الخرافي .. ولكنها ترفض فرض لامعقولك على أي إنسان.
تبيح لك الدعوة إلى رأيك ورؤيتك ورؤياك، ولا تغمط أي أحد هذا الحق، بمعنى أنها لا تؤثرك على سواك لأسباب غيبية أو ثقافية، إنما بقدر ما تقدمه للبشر من فائدة.
الليبرالية ليست خروجا عن الإسلام، بل هي هجرة إلى الإسلام، هجرة إلى الإسلام الفضاء الكوني الملهم الذي أعلن نهاية الطفولة البشرية، وختم الرسالات بما يعني أن البشرية قد بلغت النضج، وباتت قادرة على اكتشاف الأفضل من خلال العاقبة، فلننظر يا سيدي كيف هي عاقبة الليبراليين وغير الليبراليين… ومن الذي يسود في عالم اليوم!
ما تشعر به من ضبابية الليبرالية هي نتاج تآلفك للمذهب الذي يرى وجها وحيدا للحقائق وزاوية وحيدة لا محيد عنها، فتلك الضبابية ليست مثلبة، بل هي منقبة عزت اليوم علينا بعدما كانت واقعا ومطلباً في بواكير الإسلام اللامؤسسي، والتي مهدت للمذاهب المتعددة أن تتشكل وتختلف لتكون رحمة بالعباد.
الليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
لو استطعنا ان نحصر التعريفات التي ذكرها الأخ مهيار لليبرالية في مداخلاته سوف نجدها كثيرة ومختلفة ، لأن المصطلح أصلا عصي عن التعريف ، وهو مفهوم له قدرة على التشكل بكثير من الظروف ، ولكن القضية التي لم استوعبها في قضية الليبرالية وأرى انها متناقضة جدا هي أن الليبرالية في أصلها هي دعوة إلى ” التحرر ” ، والتحرر يعني كسر القيود والمرجعيات والأعراف والسائد الاجتماعي ، وهذه كانت من سمات الليبرالية في بواكيرها وترحلها التاريخي ، ثم هي تعرض نفسها على أنها أيدلوجيا أو فكرة صارمة ومنهجية منضبطة ، فكيف يتم التوفيق بين هاتين الفكرتين ، فكيف لليبرالية أن تؤسس قيمة أخلاقية وهي في نفس الوقت تدعو إلى التحرر من قيود الأخلاق ، وهي في هذا الوقت تخرج الناس من الأنساق ، ولا تدخلهم في أي نسق ، وكيف لليبرالي السعودي المسلم أن يوفق بين ” الليبرالية ” التي تكسر السائد ، ويستطيع في نفس الوقت أن يحافظ على قيم الإسلام الصارمة ، وخاصة فيما يتعلق بالشأن العام ؟ وكيف له ان يقرر أحقية الناس بالترحل من الإسلام إلى أي دين وفكرة ، في الوقت الذي يرى الإسلام شريعة إلهية قطعية لا تقبل المساومة ؟ وإن كان ينكر أن يقتل ” المرتد ” ، فكيف يتعامل مع ترتبات الردة الشرعية من الطلاق بحكم الإجماع على عدم جواز مكوث المرأة مع زوجها المرتد ، وعدم دفنه في مقابر المسلمين ، بل ونزع ولايته .. فكيون الخيار في هذه المرحلة صعب بين الإسلام والليبرالية .
القضية يا استاذ مهيار الآن بيننا ليس في ممارسات متعسفة في فهم النص هنا وهناك ، ولا في السقوط الحضاري الذي انتاب الأمة في كثير من مجالات حياتها ، وليست في غياب البعد الحقوقي والقانوني ،ومؤسسات المجتمع المدني ، وغيرها من المتطلبات الحضارية .. القضية هي في الموقف من ” الإسلام ” نفسه ، حيث يقع الليبرالي في إشكالية الرفض والقبول للإسلام لأنه لا محالة سوف يصطدم بالنص مباشرة وليس في تفسيره ، وخاصة النصوص التي ليس عليها مدار الخلاف الفقهي ، وهذه المهمة التلفيقية تجعل الليبراليين في خيار صعب جدا في محاولة الموائمة بين الاسلام والليبرالية ..
ثم الإدعاء بأن الليبرالية عندها القدرة على التفريق بين المعقول وغير المعقول هذه دعوى ولكنها تحتاج لإثبات ، لأننا نجد فلاسفة غربيون وشرقيون يجعلون مدار المسائل العقلية هي مشروعهم الفكري ومع ذلك يرفضون الليبرالية رفضا قاطعا ، فكيف تكون الليبرالية بهذه المثابة وهي أصلا تقوم على أساس ( الحقائق النسبية ) التي هي أقرب إلى مذهب السفسطائية القدامى الذين كانوا هم مضحكة التاريخ الفلسفي ، وكيف لها ان تفرق بين المعقول وغير المعقول وهي تطرح نفسها على انها ليست حاكمة على الأفكار ، بل هي معطية الحق للناس أن تفكر ؟ فهي لا تضيف أي قيمة معرفية ، بل تقول للناس فكروا .. ولو كانت لها قيمها الفكرية والأخلاقية لم تكن ليبرالية تحررية ، بل أصبحت فلسفة مثل أي فلسفة بشرية لها قواعدها ومبادئها الوثوقية التي تبشر بها وتدعي صحتها وإطلاقها ..
ثم إنك تجعل الضبابية في المفهوم الليبرالي ممدحة وليس مثلبة ، فكيف نستطيع ان نوفق بين هذا وبين كونها منهجية صارمة ، فلا يمكن ان تتوافق الضبابية مع الصرامة المنهجية ..
ثم أن هناك توهما أو تعمدا لاثارة موضوع الموقف الإسلامي من ” الحداثة ” باعتباره يرفض الحداثة بكليتها ، وهذه قضية غير صحيحة ، فالتفاعل الإسلامي مع الجديد ليس جديدا ، بل الخليفة عمر رضي الله عنه دون الدواوين ، وجعل للبريد مؤسسة ، وكلها كانت تجارب بشرية محيطة اكتسبها المسلمون من تماسهم الحضاري مع الأمم الجديدة ، فلا مشكلة بين الإسلام والتقنية ، ولا مشكلة بينه وبين التحديث والتطوير ، وإنما المشكلة مع الحداثة المادية التي تقضي على الأسس الأخلاقية ، وتؤثر على العبودية لله تعالى ، وتهدم الأسرة وقيمتها ، وتدعو للفحش والرذيلة ، واما الوسائل المجردة والمحايدة في طبيعتها فلم يقف أمامها أحد من المسلمين إلا الندر اليسير الذين لا يشكلون تيارا بل ولا جماعة صغيرة ، وهم أقرب إلى ” الآميش ” في امريكا والذين يرفضون كل منتجات الحضارة المعاصرة ..
ولا أعتقد أن هناك مذهبا من المذاهب ولا دينا من الأديان دعى إلى ” التفكر ” في ملكوت السموات والأرض ، ودعى الى السعي في الأرض لاكتشاف كيف بدأ الخلق مثل القرآن : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) ، فإن كان القرآن قد قرر إمكانية ان يكتشف الناس بداية الخلق ، فما دون هذه الحقيقة الكبرى كله داخل في الدعوة القرآنية إلى اكتشاف حقائق الكون كلها .. واكتساب المنعة والقوة المادية التي تنهض بالأمة ..
إننا ضد الحداثة التي تذيب الهوية الإسلامية ، وتقضي على التحدي والتميز الحضاري بالامة ، وضد الحداثة التي تجعل الإنسان مسلوب الإرادة والكينونة ، وضد الحداثة التي تحيل الإنسان إلى مادة صامتة جادمة لا روح فيه ولا إيمان ولا تقوى ولا انسانية ، التي تجعل المنفعة هي الهدف ، واللذة هي المقصد ، والحياة الدنيا هي دار القرار ..
ساعود قريبا إن شاء الله .. مع اعتذاري !
لليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
ليس في الليبرالية من أمر ناجز، إنما هي تقف في وجه أي أمر ناجز وتوقيفي بمعنى آخر، فكل شيء يتطور ويتكامل ويتبدل ويتغير، قد يكون الترميم شأناً ليبرالياً، ولكن التجديد يزاحمه، فالمهم هو غد أكثر معرفة وعلماً وتجربة، وليست الليبرالية نبتة قطبية، إنما سلوك إنساني، وإنسان بادية الحماد لم يجد مشكلة في السياحة في السويد، ولا في الإقامة في تورنتو حيث درجة الحرارة تهبط دون 40 درجة مئوية. فالحرية هي هي سواء في الروكي أو في الصمان، والكرامة الإنسانية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير هي هي من واشينجوكو إلى خليج سان فرانسيسكو، مرورا بحوطة بني تميم، والقويعية والباحة ونجران…..، لذلك لا أقلمة ولا قسر، وهي تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة أو المناخات الجغرافية او التاريخية او الثقافية. وإذ كانت جغرافية النشأة حجة لعدم قبول الليبرالية، فلعلك توحي للأعاجم من المسلمين وغيرهم أن الإسلام نشأ في مكة على حافة صحراء كالجحيم، وفي مجتمع بدوي قائم على بطركية أبوية موغلة في الظلم والاستبداد، ولعله لا يكون صالحا لهند أو سند أو أندلس…
هذا النص من من الأخ مهيار يحمل فيه أفكارا كثيرة جديرة بالنقاش :
الأولى : ( الليبرالية تجربة غربية ) ، ولا بأس أن ننهل منها لأن الحكمة ضالة المؤمن ..
وحقيقة الليبرالية ليست تجربة غربية فحسب ، بل هي ” فكرة ” غربية والتجربة هي ” نتيجة ” للتأسيس الفلسفي الذي جاء عن تراكم تاريخي ومعرفي كان المحرك له الأول ” القطيعة مع الدين والميتافيزيقيا ” ، والنقاش هنا ليس في أخذ التجربة الغربية في جوانب الحياة ، بل في الحمولة الفكرية والمضامين لليبرالية ، وترحيل الفكرة الفلسفية للوصول إلى التجربة ، فإن التجربة لابد أن تنزل على واقع يتقبلها ، ولا يمكن لتمرير الفكرة الليبرالية إلا من خلال خلق الجو الذي يتقبلها ، ولا يمكن في واقعنا أن يتقبل الفكرة الليبرالية إلا أن يحسم وضعه مع ” النص ” والشرع ، وهذا هو الخلاف الجذري الذي سيستنزف الطاقات ، ويفتح باب المعركة على مصراعيه ، وعليه فإن الليبراليين إن لم يحددوا موقفهم من ” النص ” ، فإنهم سيدخلون في ” النفاق ” المعرفي الذي يظهر مالا يبطن ، وخاصة في مجالات الفكر والحركة التي تتعلق بالممارسات المجتمعية المحسومة شرعا ، ولذلك فالخلاف مع ” الليبرالية ” ليست في ” النهل ” من معطيات الحضارة المعاصرة بما يتوافق مع الشريعة ، بل القضية هي في ” الإحلال المعرفي ” لفكرة تعارض الإسلام في أصوله وفروعه ، وهي بهذا تعارض الأسس التي قامت عليها الدولة .. وهذا يعني مصادم السياسة والاجتماع في وقت واحد .
الثانية : ( السلفية = إغلاق العقل والفهم في وجه العصر ) :
وهذه دعوى ليست بالجديدة ، بل هي دعوى كل التيارات المناهضة للفكرة الإسلامية والمنفتحة على اللحظة الحضارية الغربية المعاصرة ، مع أن السلفية في تكوينها الفكري تقف أمام الخرافات والضلالات والبدع والمحدثات فيما يتعلق بتغييب العقل عن التأمل ، ويقف أمام الخرافة والشعوذة ، وتفارق غيرها في كسر ” المرجعية المطلقة ” إلا للنص الإلهي ، وهذا في أصله وقوف أمام ” الكهنوت ” الذي أذل الرقاب ، فهي دعوة تحريرية ، تحرر الإنسان من التبعية ، وتحرره من العبودية لغير الله ، وتحرره من الشهوة الجامحة ، وتجعل الحق والصواب هو المقياس لما يأخذ وما يذر ، ولذلك فإن الجابري في مشروعه لم يصنف السلفية والسنة في ضمن المناهج العرفانية التي تغلب العقل ، وإن كان أخطأ في إخراجها عن ” البرهان ” الذي احتكره للمغاربة ، وليست الممارسات السلفية التي شطت عن الطريق الصحيح هي التي تحكم السلفية ، بل يحكمها المنهج المعرفي الذي أصله علماؤها على مدار التاريخ الإسلامي .. وأنا اتحدى ان يأتي رجل واحد بنص أو موقف تأصيلي او قاعدة كلية تقف أمام أي منجز حضاري ، بل إني اجزم أن السلفية فيها من الدافعية إلى العلوم بمختلف مجالاتها ، والموقف الحاد من السلفية تجاه العلوم الفلسفية حين دخلت الفلسفة في قضية ” الإلهيات ” فأفسدت أديان الناس بحجج واهية ، وأقحمت العقل في غير مجالاته المعرفية ، ولم تكن هناك نتيجة إلا ” التيه ” الذي أحدثته الفلسفة في جانب الرسالة والنبوة والألوهية .
الإشكالية في ليبرالي قومنا انهم ينطلقون من ” تأزم ” نفسي تجاه السلفية والتيار الديني ، وهذا التأزم قطع عليهم التفريق بين الممارسات والأخطاء والاجتهادات ، وبين الأصول المعرفية التي يحملها أناس يقدمون صورة مشرقة للسلفية التي تحافظ على الأصالة وتنفتح على العصر بثقة ، ولذلك يعرضون السلفية كما يفعل الاستاذ مهيار هنا على أنها سيقان بادية ، وصراخ وعويل ، فهو ينظر إلى المقطع السيئ في المشهد ، ويتعامى عن الجوانب الأخرى ، وهذا كمن يدرس الليبرالية ويفهمها من خلال بعض السفهاء الذين جعلوا منها طريقا للتشويه والسب والشتائم والاستعداء .. فأقول في نفسي : هل المكائن واحدة ؟
الثالثة : ( ليست الليبرالية نبته قطبية .. بل سلوك إنساني ) :
هنا .. عدنا إلى إشكالية المصطلح ، فالآن أصبحت الليبرالية هي سلوك إنساني ، فما بالنا نرى الآن أن الإنسانية كلها ترجع إلى ” الأصولية ” ، وتنكفئ حول هواياتها الخاصة ، وتقف أمام دعوات العولمة الليبرالية التي تريد استذلال الشعوب باسم العدالة والحريات والديمقراطية التي يريدون ان يتجرعها الناس ولا يسيغونها ؟ وأين هذه الليبرالية العالمية التي تشكل السلوك الإنساني حين تفرض على الناس أنماطا بالقسر ، كما حصل في فلسطين والعراق وأفغانستان ، مع ان من المبادئ الأساسية لليبرالية الحرية للناس في اختيار طريقة العيش التي يريدون ، ثم هم يسلطون ترسانتهم الإعلامية لايهام الناس باليوتيوبيا الغربية التي هي نعيم على أهلها جحيم على الآخرين ..
الرابعة : ( الليبرالية تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة ) :
هنا مشكلة مصطلحية ، فهل الليبرالية محتوى يعبأ ؟ ووعاء حامل ؟ أم هي منتجة للأفكار ؟ وأنها صالحة للزمان والمكان ، فكيف نفهم أن الليبرالية ما دخلت في مكان إلا وحطمت قيمة الأخلاقية من خلال انتزاعها من أصحابها ، فهي تضرب في عمل المسلمات لأي مجتمع ، لأنها دعوة تحررية من كل قيد ، وهذا لا يمكن أن تتوافق مع أي قيمة ، وأي عقيدة ، بينما الإسلام جاء بما يتوافق مع الفطرة والعقل وهو دين إلهي محفوظ ، وليس من إنتاج مجموعة من الكتاب الغربيين المعتوهين الذين لم يستطيعوا أن يصنعوا لأنفسهم الحياة اللائقة فضلا أن يبشروا بها غيرهم ، ولذلك فأنا أرى ان الليبرالية من مصائب الحياة البشرية التي تقضي على كل نمط اجتماعي محكم ، وتنزع من المجتمع استقراره وكيانه من خلال إحلال بديل معرفي جديد لا يتوافق مع نسقه .. ثم هي ليبرالية ظالمة لأنها ليبرالية الرجل الأبيض النفعي الذي يتنازل عنها متى ما رأى في الاضطهاد سبيلا إلى توسعاته الاستبدادية والامبريالية .
سأكمل .. إن شاء الله !
وأنا هنا أعلن مرجعيتي للإسلام ، وأعلن كذلك أن موقفي من الليبرالية لسببين :
الأول : أنها تخالف الأسلام من حيث منطلقاتها ورؤيتها للأمور ..
الثانية : أنها منزوعة القيمة الأخلاقية ، ولا تؤسس لأي فكرة تستحق التأمل ، وكل الأفكار المدعاة ملكيتها لليبرالية ، فهي قد سبقت الليبرالية واتفقت عليها عقول البشر قبل الليبرالية وبعدها ..
والذي أعجبني في حوار الأخ مهيار هو في ” اعتباريته للإسلام كمرجعية ” ، ولكنه في مقابل ذلك يقع في تحييده عن أشياء كثيرة .. فكأنه يقول هو مرجعية لا يرجع إليها .. وهذه مشكلة كبرى تجعل الحوار فيه مشقة من هذا الجانب ، ولذلك أرجو من الأخ تجلية هذه القضية بشكل واضح ، فإن كان يعتبر ( الوحي ) مرجعية فليخبرنا ، ثم يحدثنا عن حدود هذه المرجعية … وإن كان لا يعتبره مرجعية … فأعتقد أن الحوار معه سيتحنى منحى آخر يتجاوز المحاولة التوفيقية بين الاسلام والليبرالية ..
يقول الإستاذ مهيار :
الليبرالية تفرز بين المعقول واللامعقول، ولكنها لا ترغمك على التنكر لـ (لامعقولك) الديني أو حتى الثقافي أو حتى الخرافي .. ولكنها ترفض فرض لامعقولك على أي إنسان.
تبيح لك الدعوة إلى رأيك ورؤيتك ورؤياك، ولا تغمط أي أحد هذا الحق، بمعنى أنها لا تؤثرك على سواك لأسباب غيبية أو ثقافية، إنما بقدر ما تقدمه للبشر من فائدة.
الليبرالية ليست خروجا عن الإسلام، بل هي هجرة إلى الإسلام، هجرة إلى الإسلام الفضاء الكوني الملهم الذي أعلن نهاية الطفولة البشرية، وختم الرسالات بما يعني أن البشرية قد بلغت النضج، وباتت قادرة على اكتشاف الأفضل من خلال العاقبة، فلننظر يا سيدي كيف هي عاقبة الليبراليين وغير الليبراليين… ومن الذي يسود في عالم اليوم!
ما تشعر به من ضبابية الليبرالية هي نتاج تآلفك للمذهب الذي يرى وجها وحيدا للحقائق وزاوية وحيدة لا محيد عنها، فتلك الضبابية ليست مثلبة، بل هي منقبة عزت اليوم علينا بعدما كانت واقعا ومطلباً في بواكير الإسلام اللامؤسسي، والتي مهدت للمذاهب المتعددة أن تتشكل وتختلف لتكون رحمة بالعباد.
الليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
لو استطعنا ان نحصر التعريفات التي ذكرها الأخ مهيار لليبرالية في مداخلاته سوف نجدها كثيرة ومختلفة ، لأن المصطلح أصلا عصي عن التعريف ، وهو مفهوم له قدرة على التشكل بكثير من الظروف ، ولكن القضية التي لم استوعبها في قضية الليبرالية وأرى انها متناقضة جدا هي أن الليبرالية في أصلها هي دعوة إلى ” التحرر ” ، والتحرر يعني كسر القيود والمرجعيات والأعراف والسائد الاجتماعي ، وهذه كانت من سمات الليبرالية في بواكيرها وترحلها التاريخي ، ثم هي تعرض نفسها على أنها أيدلوجيا أو فكرة صارمة ومنهجية منضبطة ، فكيف يتم التوفيق بين هاتين الفكرتين ، فكيف لليبرالية أن تؤسس قيمة أخلاقية وهي في نفس الوقت تدعو إلى التحرر من قيود الأخلاق ، وهي في هذا الوقت تخرج الناس من الأنساق ، ولا تدخلهم في أي نسق ، وكيف لليبرالي السعودي المسلم أن يوفق بين ” الليبرالية ” التي تكسر السائد ، ويستطيع في نفس الوقت أن يحافظ على قيم الإسلام الصارمة ، وخاصة فيما يتعلق بالشأن العام ؟ وكيف له ان يقرر أحقية الناس بالترحل من الإسلام إلى أي دين وفكرة ، في الوقت الذي يرى الإسلام شريعة إلهية قطعية لا تقبل المساومة ؟ وإن كان ينكر أن يقتل ” المرتد ” ، فكيف يتعامل مع ترتبات الردة الشرعية من الطلاق بحكم الإجماع على عدم جواز مكوث المرأة مع زوجها المرتد ، وعدم دفنه في مقابر المسلمين ، بل ونزع ولايته .. فكيون الخيار في هذه المرحلة صعب بين الإسلام والليبرالية .
القضية يا استاذ مهيار الآن بيننا ليس في ممارسات متعسفة في فهم النص هنا وهناك ، ولا في السقوط الحضاري الذي انتاب الأمة في كثير من مجالات حياتها ، وليست في غياب البعد الحقوقي والقانوني ،ومؤسسات المجتمع المدني ، وغيرها من المتطلبات الحضارية .. القضية هي في الموقف من ” الإسلام ” نفسه ، حيث يقع الليبرالي في إشكالية الرفض والقبول للإسلام لأنه لا محالة سوف يصطدم بالنص مباشرة وليس في تفسيره ، وخاصة النصوص التي ليس عليها مدار الخلاف الفقهي ، وهذه المهمة التلفيقية تجعل الليبراليين في خيار صعب جدا في محاولة الموائمة بين الاسلام والليبرالية ..
ثم الإدعاء بأن الليبرالية عندها القدرة على التفريق بين المعقول وغير المعقول هذه دعوى ولكنها تحتاج لإثبات ، لأننا نجد فلاسفة غربيون وشرقيون يجعلون مدار المسائل العقلية هي مشروعهم الفكري ومع ذلك يرفضون الليبرالية رفضا قاطعا ، فكيف تكون الليبرالية بهذه المثابة وهي أصلا تقوم على أساس ( الحقائق النسبية ) التي هي أقرب إلى مذهب السفسطائية القدامى الذين كانوا هم مضحكة التاريخ الفلسفي ، وكيف لها ان تفرق بين المعقول وغير المعقول وهي تطرح نفسها على انها ليست حاكمة على الأفكار ، بل هي معطية الحق للناس أن تفكر ؟ فهي لا تضيف أي قيمة معرفية ، بل تقول للناس فكروا .. ولو كانت لها قيمها الفكرية والأخلاقية لم تكن ليبرالية تحررية ، بل أصبحت فلسفة مثل أي فلسفة بشرية لها قواعدها ومبادئها الوثوقية التي تبشر بها وتدعي صحتها وإطلاقها ..
ثم إنك تجعل الضبابية في المفهوم الليبرالي ممدحة وليس مثلبة ، فكيف نستطيع ان نوفق بين هذا وبين كونها منهجية صارمة ، فلا يمكن ان تتوافق الضبابية مع الصرامة المنهجية ..
ثم أن هناك توهما أو تعمدا لاثارة موضوع الموقف الإسلامي من ” الحداثة ” باعتباره يرفض الحداثة بكليتها ، وهذه قضية غير صحيحة ، فالتفاعل الإسلامي مع الجديد ليس جديدا ، بل الخليفة عمر رضي الله عنه دون الدواوين ، وجعل للبريد مؤسسة ، وكلها كانت تجارب بشرية محيطة اكتسبها المسلمون من تماسهم الحضاري مع الأمم الجديدة ، فلا مشكلة بين الإسلام والتقنية ، ولا مشكلة بينه وبين التحديث والتطوير ، وإنما المشكلة مع الحداثة المادية التي تقضي على الأسس الأخلاقية ، وتؤثر على العبودية لله تعالى ، وتهدم الأسرة وقيمتها ، وتدعو للفحش والرذيلة ، واما الوسائل المجردة والمحايدة في طبيعتها فلم يقف أمامها أحد من المسلمين إلا الندر اليسير الذين لا يشكلون تيارا بل ولا جماعة صغيرة ، وهم أقرب إلى ” الآميش ” في امريكا والذين يرفضون كل منتجات الحضارة المعاصرة ..
ولا أعتقد أن هناك مذهبا من المذاهب ولا دينا من الأديان دعى إلى ” التفكر ” في ملكوت السموات والأرض ، ودعى الى السعي في الأرض لاكتشاف كيف بدأ الخلق مثل القرآن : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) ، فإن كان القرآن قد قرر إمكانية ان يكتشف الناس بداية الخلق ، فما دون هذه الحقيقة الكبرى كله داخل في الدعوة القرآنية إلى اكتشاف حقائق الكون كلها .. واكتساب المنعة والقوة المادية التي تنهض بالأمة ..
إننا ضد الحداثة التي تذيب الهوية الإسلامية ، وتقضي على التحدي والتميز الحضاري بالامة ، وضد الحداثة التي تجعل الإنسان مسلوب الإرادة والكينونة ، وضد الحداثة التي تحيل الإنسان إلى مادة صامتة جادمة لا روح فيه ولا إيمان ولا تقوى ولا انسانية ، التي تجعل المنفعة هي الهدف ، واللذة هي المقصد ، والحياة الدنيا هي دار القرار ..
ساعود قريبا إن شاء الله .. مع اعتذاري !
لليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
ليس في الليبرالية من أمر ناجز، إنما هي تقف في وجه أي أمر ناجز وتوقيفي بمعنى آخر، فكل شيء يتطور ويتكامل ويتبدل ويتغير، قد يكون الترميم شأناً ليبرالياً، ولكن التجديد يزاحمه، فالمهم هو غد أكثر معرفة وعلماً وتجربة، وليست الليبرالية نبتة قطبية، إنما سلوك إنساني، وإنسان بادية الحماد لم يجد مشكلة في السياحة في السويد، ولا في الإقامة في تورنتو حيث درجة الحرارة تهبط دون 40 درجة مئوية. فالحرية هي هي سواء في الروكي أو في الصمان، والكرامة الإنسانية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير هي هي من واشينجوكو إلى خليج سان فرانسيسكو، مرورا بحوطة بني تميم، والقويعية والباحة ونجران…..، لذلك لا أقلمة ولا قسر، وهي تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة أو المناخات الجغرافية او التاريخية او الثقافية. وإذ كانت جغرافية النشأة حجة لعدم قبول الليبرالية، فلعلك توحي للأعاجم من المسلمين وغيرهم أن الإسلام نشأ في مكة على حافة صحراء كالجحيم، وفي مجتمع بدوي قائم على بطركية أبوية موغلة في الظلم والاستبداد، ولعله لا يكون صالحا لهند أو سند أو أندلس…
هذا النص من من الأخ مهيار يحمل فيه أفكارا كثيرة جديرة بالنقاش :
الأولى : ( الليبرالية تجربة غربية ) ، ولا بأس أن ننهل منها لأن الحكمة ضالة المؤمن ..
وحقيقة الليبرالية ليست تجربة غربية فحسب ، بل هي ” فكرة ” غربية والتجربة هي ” نتيجة ” للتأسيس الفلسفي الذي جاء عن تراكم تاريخي ومعرفي كان المحرك له الأول ” القطيعة مع الدين والميتافيزيقيا ” ، والنقاش هنا ليس في أخذ التجربة الغربية في جوانب الحياة ، بل في الحمولة الفكرية والمضامين لليبرالية ، وترحيل الفكرة الفلسفية للوصول إلى التجربة ، فإن التجربة لابد أن تنزل على واقع يتقبلها ، ولا يمكن لتمرير الفكرة الليبرالية إلا من خلال خلق الجو الذي يتقبلها ، ولا يمكن في واقعنا أن يتقبل الفكرة الليبرالية إلا أن يحسم وضعه مع ” النص ” والشرع ، وهذا هو الخلاف الجذري الذي سيستنزف الطاقات ، ويفتح باب المعركة على مصراعيه ، وعليه فإن الليبراليين إن لم يحددوا موقفهم من ” النص ” ، فإنهم سيدخلون في ” النفاق ” المعرفي الذي يظهر مالا يبطن ، وخاصة في مجالات الفكر والحركة التي تتعلق بالممارسات المجتمعية المحسومة شرعا ، ولذلك فالخلاف مع ” الليبرالية ” ليست في ” النهل ” من معطيات الحضارة المعاصرة بما يتوافق مع الشريعة ، بل القضية هي في ” الإحلال المعرفي ” لفكرة تعارض الإسلام في أصوله وفروعه ، وهي بهذا تعارض الأسس التي قامت عليها الدولة .. وهذا يعني مصادم السياسة والاجتماع في وقت واحد .
الثانية : ( السلفية = إغلاق العقل والفهم في وجه العصر ) :
وهذه دعوى ليست بالجديدة ، بل هي دعوى كل التيارات المناهضة للفكرة الإسلامية والمنفتحة على اللحظة الحضارية الغربية المعاصرة ، مع أن السلفية في تكوينها الفكري تقف أمام الخرافات والضلالات والبدع والمحدثات فيما يتعلق بتغييب العقل عن التأمل ، ويقف أمام الخرافة والشعوذة ، وتفارق غيرها في كسر ” المرجعية المطلقة ” إلا للنص الإلهي ، وهذا في أصله وقوف أمام ” الكهنوت ” الذي أذل الرقاب ، فهي دعوة تحريرية ، تحرر الإنسان من التبعية ، وتحرره من العبودية لغير الله ، وتحرره من الشهوة الجامحة ، وتجعل الحق والصواب هو المقياس لما يأخذ وما يذر ، ولذلك فإن الجابري في مشروعه لم يصنف السلفية والسنة في ضمن المناهج العرفانية التي تغلب العقل ، وإن كان أخطأ في إخراجها عن ” البرهان ” الذي احتكره للمغاربة ، وليست الممارسات السلفية التي شطت عن الطريق الصحيح هي التي تحكم السلفية ، بل يحكمها المنهج المعرفي الذي أصله علماؤها على مدار التاريخ الإسلامي .. وأنا اتحدى ان يأتي رجل واحد بنص أو موقف تأصيلي او قاعدة كلية تقف أمام أي منجز حضاري ، بل إني اجزم أن السلفية فيها من الدافعية إلى العلوم بمختلف مجالاتها ، والموقف الحاد من السلفية تجاه العلوم الفلسفية حين دخلت الفلسفة في قضية ” الإلهيات ” فأفسدت أديان الناس بحجج واهية ، وأقحمت العقل في غير مجالاته المعرفية ، ولم تكن هناك نتيجة إلا ” التيه ” الذي أحدثته الفلسفة في جانب الرسالة والنبوة والألوهية .
الإشكالية في ليبرالي قومنا انهم ينطلقون من ” تأزم ” نفسي تجاه السلفية والتيار الديني ، وهذا التأزم قطع عليهم التفريق بين الممارسات والأخطاء والاجتهادات ، وبين الأصول المعرفية التي يحملها أناس يقدمون صورة مشرقة للسلفية التي تحافظ على الأصالة وتنفتح على العصر بثقة ، ولذلك يعرضون السلفية كما يفعل الاستاذ مهيار هنا على أنها سيقان بادية ، وصراخ وعويل ، فهو ينظر إلى المقطع السيئ في المشهد ، ويتعامى عن الجوانب الأخرى ، وهذا كمن يدرس الليبرالية ويفهمها من خلال بعض السفهاء الذين جعلوا منها طريقا للتشويه والسب والشتائم والاستعداء .. فأقول في نفسي : هل المكائن واحدة ؟
الثالثة : ( ليست الليبرالية نبته قطبية .. بل سلوك إنساني ) :
هنا .. عدنا إلى إشكالية المصطلح ، فالآن أصبحت الليبرالية هي سلوك إنساني ، فما بالنا نرى الآن أن الإنسانية كلها ترجع إلى ” الأصولية ” ، وتنكفئ حول هواياتها الخاصة ، وتقف أمام دعوات العولمة الليبرالية التي تريد استذلال الشعوب باسم العدالة والحريات والديمقراطية التي يريدون ان يتجرعها الناس ولا يسيغونها ؟ وأين هذه الليبرالية العالمية التي تشكل السلوك الإنساني حين تفرض على الناس أنماطا بالقسر ، كما حصل في فلسطين والعراق وأفغانستان ، مع ان من المبادئ الأساسية لليبرالية الحرية للناس في اختيار طريقة العيش التي يريدون ، ثم هم يسلطون ترسانتهم الإعلامية لايهام الناس باليوتيوبيا الغربية التي هي نعيم على أهلها جحيم على الآخرين ..
الرابعة : ( الليبرالية تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة ) :
هنا مشكلة مصطلحية ، فهل الليبرالية محتوى يعبأ ؟ ووعاء حامل ؟ أم هي منتجة للأفكار ؟ وأنها صالحة للزمان والمكان ، فكيف نفهم أن الليبرالية ما دخلت في مكان إلا وحطمت قيمة الأخلاقية من خلال انتزاعها من أصحابها ، فهي تضرب في عمل المسلمات لأي مجتمع ، لأنها دعوة تحررية من كل قيد ، وهذا لا يمكن أن تتوافق مع أي قيمة ، وأي عقيدة ، بينما الإسلام جاء بما يتوافق مع الفطرة والعقل وهو دين إلهي محفوظ ، وليس من إنتاج مجموعة من الكتاب الغربيين المعتوهين الذين لم يستطيعوا أن يصنعوا لأنفسهم الحياة اللائقة فضلا أن يبشروا بها غيرهم ، ولذلك فأنا أرى ان الليبرالية من مصائب الحياة البشرية التي تقضي على كل نمط اجتماعي محكم ، وتنزع من المجتمع استقراره وكيانه من خلال إحلال بديل معرفي جديد لا يتوافق مع نسقه .. ثم هي ليبرالية ظالمة لأنها ليبرالية الرجل الأبيض النفعي الذي يتنازل عنها متى ما رأى في الاضطهاد سبيلا إلى توسعاته الاستبدادية والامبريالية .
سأكمل .. إن شاء الله !
د . استفهام
هذه المرة ” كحشت ” كلاما كثيرا للأخ مهيار حتى أستيطع أن آتي على أغلب مسائله السجالية والتي تحتاج إلى وقت أوسع من طبيعة المنتديات الحوارية التي في الغالب تعتمد على الأفكار الــ” فاست فود ” ، وسأحاول أن ألتزم بعدم ” التجاوز ” الذي ناديت به قبلا .
يقول الإستاذ مهيار :
نعم يا سيدي أنا من البعض الذي يطرب للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، وهي مطالب ليبرالية حقاً، والإسلام لم يخلو من الدعوة إليها، وهذه القيم وإن لم تكن من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف، فيكفي أن تكون مهوى أفئدة الليبراليين، وقد يكون هناك عيوب في فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين، ولكنهم حكما أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات من المؤسساتيين لذلك عز التجديد على يد الفقيه المنعزل عن الفيلسوف والمثقف ..
الليبرالية لا تكون ليبرالية عندما تتعالى على أي مبدأ أو اعتقاد، ولست من أبواق ( اشتراكية الإسلام ) ، ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فهي ليست محاولات توفيقية، إنما هي محاولات تلفيقية، ولكني أجد أن الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات بشرط زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم، فلا مبرر لهما وخاصة في ضوء معايير دقيقة في النص الأصل بأن لا ينتاب هذا المعنى تأويل غرضي أو فيه زيغ، وأن لا يحتكر معنى مؤسس (بفتح السين الأولى) الأساس الذي قام عليه.لا يمكنك أن تتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني )، أدرك ذلك وخاصة أن صفة اللامعقول ذات مردود سلبي بنظرك، ولكنه في المحصلة لا معقول لا يمكن تقبله برهاناً، إنما يتم قبوله تصديقاً، فعندما سخرت قريش من محمد صلى الله عليه وسلم وقالت للصديق أن صاحبك يزعم إسراء ومعراجاً، كان رد الصديق أنه طالما قد صدق أنه نبي، لذلك سيصدق كل أمر لاحق به…. هذا ما أعنيه بالتصديق حتى لا يلتبس الأمر ويغدو التصديق مصطلحا مختلفاً عليه!
وأنا أقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم وهو يوجد في الإسلام وغيره من الأديان، و كل قضية غيبية سمعية أو غير سمعية هي في حقيقتها ليست قضية عقلية ، وهي تختلف عن مسألة الألوهية، مع أن الألوهية بحد ذاتها تراوح في المجال الذهني، فتوصيف الإله توصيف ذهني في النهاية، وإن كان للإيمان به جل جلاله طريق عقلي على نحو تجربة النبي إبراهيم عليه السلام.
اختزال الفلسفة على الملاحدة ، وجعلها الحادية المنشأ والمصب هي علة مؤسساتية مستديمة لذلك سأتجاوزها وقد قلت فيها ما يكفي في رد سابق، واستغرب من قولك : “ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها” اسمح لي يا سيدي بأن أقرأ تناقضات حادة هنا بين البرهان والبيان من جهة وبين المعرفة الحسية، بين ادعاء المنهج البرهاني ورفض المنهج التجريبي… وهما لا ينفصلان إلا في ذهن مشوش… وفي زعمي أن القرآن قد ركز على التجربة والعاقبة أكثر من كل المعارف اللدنية والإعجازية.
للأسف سجناء أرسطو هم من لم يرتقوا إلى اليوم إلى مستوى المنجز الحضاري لحضارة اليوم والتي هي الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، هم الذين لا يزالون يتشاجرون على الاستنباطات المبكرة في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، غير متنبهين إلى أن حضارة اليوم قد تجاوزت الأرسطية والارسطوطاليسية والاريستوفانية وكل من استفاد منهم، حتى الفقهاء منهم. ولا زالوا يرددون أقاويل ابن خلدون في مآلات الحضارة غير متنبهين أن حضارة اليوم لا يحكمها مفهوم خلدوني، بل لا يرتقي إلى فهمها من توقف عند ابن خلدون الذي لم يعد يصلح حتى لتفسير البداوة.
لقد قطف الغرب ثمار معرفتنا، وهذه منقبة، فلمَ نرعوي عن قطف ثماره ؟ أليست هذه مثلبتنا يا سيدي الموقر.وأهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي لم يسقطوا يا سيدي، وإلا لما شكلوا إلى اليوم قلقاً للعقل النقلي…والإسلام ليس فيه دعوى لكبح جماح العقل ولكن حيلة ترتيب دور العقل وما يخصه كان مدخلاً لإقالة العقل ومحاكمته بشدة، إلى درجة اعتبار التفكير صنواً للإلحاد…. لاشك إن المجموع الحضاري للإسلام الحضاري مذهل ولكنه للأسف مات مذ سيطر التوقيف والنقل والتخصص وكل وسائل الإسلام المؤسسي.
دعني يا سيدي أن أكشف أنا لك سر كيف أن المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية “… لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك “تحصيل حاصل طالما قرر إعمال العقل والفكر، وليس من باب هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ولا أدري كيف تكون الفكرة الليبرالية في أصلها فكرة ” عدمية “، وهي التي تدعو إلى واقع إنساني لا مكان فيه للاستعلاء أو الظلم. أرجو أن تزودني بأسماء مفكرين (كبار) تنكروا لليبرالية أو تبرؤوا منها وسنكون لك من الشاكرين.
ولست أدري بالضبط من أين تستمد معرفتك بالنصرانية حتى تهاجمها باستمرار بهذه الطريقة من التأويل ولي العنق، مع أن ما تنتقده فيها موجود بشكل ما في الإسلام بحد ذاته… كما أني أستغرب منك أن تدعوني إلى تصديق تقبل المسيحية لـ ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها، لاغياً من معرفتي كل ذلك الصراع الدموي الباهظ الذي كان كلفة ذاك الاصطدام.
الطابع الثيوقراطي هل يغيب عن رؤيتك يا أخي الفاضل، إنه واضح وجلي في تعاملك وتحاملك على كل الاتجاهات، ووصفها على نحو فيه الكثير من الاستخفاف، وعلى أية حال فالشمولية التي تراها في النهج الليبرالي هي شمولية إنسانية لا دخل لها بأسباب السماء، بل لا تتدخل إلا لمنع الظلم باسم السماء.
ولست ادري أين التضاد بين الرؤية المسيحية: ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) والرؤية الإسلامية: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا موضوع القولين واحد، ولانعدم داخل الأدبيات الإسلامية ما يطابق الرؤية المسيحية، ولانعدم أيضاً داخل الأدبيات المسيحية ما يطابق الرؤية الإسلامية! فلم استباحة الآخر في حين نشدد على حفظه لنا!
الفكرة الأولى : التعددية ، الحرية .. المحاسبة .. العدالة ليست من إنتاج الليبرالية ، ولكنها مهوى أفئدة الليبراليين :
وهذه الفكرة حقيقة من أعجب الأفكار التي ذكرها الأخ مهيار ، فحتى السمو القلبي المتوجه إلى القيم العليا جعله لليبراليين ، ففعلا هؤلاء الليبراليون هم أنبياء العصر ، فحتى نزعاتهم وأشواقهم تختلف عن أشواق غيرهم ، فهم يعشقون التعددية والمحاسبة والعدالة ، وغيرهم يحب التسلط والاستبداد والكبت والظلم .. فهنا لم يقتصر الليبراليون على امتلاكهم للقيم العليا ، بل امتلكوا أصلا التوجه إليها ، وعندي أن هذه ” رومانسية حالمة ” أكثر من كونها من باب ” التوصيف والتحليل ” الفكري ، لأن إثبات أن هذه القيم ليست من منتجات الليبرالية يقضي على الزعم بأن الليبرالية هي المنهج القويم والراشد الذي يبشر به الليبراليون في كل مكان ، وهي أشبه بــ” عملية السطو على التاريخ والدين والحضارة والقيم الإنسانية المشتركة ” ، واحتكارها باسم الليبرالية ، فإن كانت هذه القيم هي قيم ” عقلية ” فهذا يعني أن العقل البشري هو المرجعية وليست الليبرالية ، وإن كانت الأديان هي المرجع ، فهذا يعني ان هذه القيم من إنتاج الأديان ، ويبقى ان الرجل الليبرالي هو الذي يتاجر أحيانا بهذه القيم أكثر من غيره ، أو هو يتطعم ويتلذذها أكثر من غيره ، فيرجع إلى ان يكون رجلا ذوقيا أكثر منه رجلا منتجا للقيم .. وباعترافك أن هذه القيم ليست من إنتاج الليبرالية .. ولكنها كعبة الليبراليين المعبودة !
ثم إن الصراع والخلاف مع الليبراليين ليس حول قيمية هذه القيم ، ولا حول عدم نفعها للإنسان ومعارضتها لفطرته السوية ، وإنما الخلاف هو في ” حمولتها الفكرية ” التي تصطدم مع العقل والشرع ، فالتعددية مثلا ليست مطلبا في ذاتها ، لأن الناس لو استقاموا على رأي واحد في حياتهم كان أصلح لهم من أن يكونوا شيعا وأحزابا ، وخاصة التعددية السياسية التضادية ، التي تجعل المجتمع مشطرا بين أحزاب كل حزب يلعن أخوه ، ولا أقصد بهذا التعددية التنوعية المنتجة التي تثري الواقع بالأفكار والرؤى والمشروعات ، ولذا القرآن حذر من ” التفرق ” ( ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ، وللأسف فحتى في الدول الليبرالية الغربية أصبحت التعددية بدلا من كونها تحقيقا للرفاه والاثراء الاجتماعي تحولت لتكون وسيلة للنفوذ ، وتسخير الإعلام والرساميل لتسليط الرسائل الإعلامية على الناس ليسيروهم على أهوائهم ، ومن كان جيبه مليئا بالمال كان هو الواصل للسلطة ، فبوش مثلا الذي وصل من خلال انتخاب ليبرالي حر صار نقمة على الولايات المتحدة ، لأنه جاء لأنه من آل بوش ، وتحالف مع هوامير الرساميل الذين جعلوه يفوز بالغصب .. فتشطر المجتمع ليكون هناك حكومة ظل باستمرار ..
أنظر إلى التعددية في الكويت مثلا التي جعلت منه دولة متراجعة إلى الوراء بدلا من التقدم للإمام ، ووضعهم السياسي والاجتماعي قبل هذه التعددية أفضل من هذا الوضع المحير ، وهذه التعددية لابد ان تتخذ من ” الديمقراطية ” وسيلة للتعبير عن النفس ، ولربما يزعل مني جموع الليبراليين في هذه المنتدى إن قلت بأن الليبرالية هي أفشل فكرة عرفها التاريخ ، بل هي قتل للعقل الاجتماعي ، وتسوية بين البليد والذكي ، وتهميش لدور العلماء والمفكرين ، وقتل للمثقف ، وتحكيم للرعاع ، ووسيلة لاختلاط الأدوار الاجتماعية ، وإقحام للناس في غير شؤونهم وأدوارهم الحقيقية ، ووسيلة للاستبداد باسم العدل، وهذا ليس رأيي فقط ، بل هو رأي عقلاء المفكرين الغربيين الذين يرون ان الديمقراطية بلاء على الإنسانية ، ونحن لا زلنا نتطلع إليها بشوق ، كأنها حبيب طال فراقه وحانت ساعة اللقاء !
لن آتي إلى بقية المصطلحات لأن كل واحدة منها تحتاج إلى إفراد لازالة اللبس بين ( اللفظ ) الذي يتمناه الأخ مهيار ، وبين ( الحمولة الفكرية ) التي تشوه هذا اللفظ وتخرجه من معناه الصحيح ، وفي هذا يكون المصطلح لا قيمة له البتة ، فالعبرة بالمعاني والحقائق لا بالألفاظ والرسوم .
ثانيا : ( الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات شريطة زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم ) :
وهذه حقيقة من أروع الجمل التي مرت علي في نقاشي مع الأستاذ وفقه الله ، إلا أن الإشكالية التي نكدت على جماله هو قوله ( زحزحة المعنى الصارم ) ، والأستاذ أظنه يقصد بالمعنى الصارم ما يسمى بـ ( الثوابت ) في مقابل المتغيرات وهو مصطلح عصري ، أو يقابل ( القطعي ) في مقابل ( الظني ) بناء على المصطلح الأصولي ، ولا أدري حقيقة ماهو ” الإسلام ” إذا أزحنا كل المعاني الصارمة منه ، وأنا أوافق الأخ مهيار على أن جعل الإسلام كله من المعاني الصارمة يخالف منطوق القرآن ، لأن الله تعالى يقول : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .. وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) ، فالقرأن بين ان في القرآن معان وأحكام محكمة ، لا خلاف عليها ولا تبديل فيها ، فتحريم الشرك وما يتعلق بأسماء الله وصفاته وربوبيته والفواحش الظاهرة ، والامر بالواجبات المتحتمة ، والقيم الأخلاقية العليا التي جاءت بها الشريعة وغيرها لا يستطيع الإنسان ان ينتزع منها ثبوتها إلا أن يكذب بالرسالة ، وهناك موارد اجتهاد وظن ، تختلف فيها أنظار الناس فهي نسبية من حيث الحكم ، ولا يقول الإنسان بانها من قبيل القطعيات الصارمة التي لا يجوز فيها الاجتهاد ولا التأويل .
أما قضية الاحتكار لفهم هذه المعاني سواء صارمها او ظنيها فلا أظن أحدا يجادل في كون الفقهاء الإسلاميين على مدار التاريخ أعملوا الاجتهاد في النصوص في حركة استنباطية اجتهادية كبيرة ، وتراث عظيم خلفوه ، ولم يقولوا للناس لا يجوز لكم ان تطلبوا العلم او تتعلمواكيف تجتهدون ، بل قالوا قولوا ما تشاءون بقواعد المعرفة ، حتى لا يتاح العبث في كلام الله تعالى وكلام رسوله : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا ، وان تقولوا على الله مالا تعلمون ) ، فحتى العامي إن أمكنه ان يجتهد في الشريعة فله ذلك لأن الاجتهاد عند العلماء يتجزأ ، ولا يشترطون بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق حتى يتأهل الإنسان له ، ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله : ( وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل، جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزؤ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرا في بعض، عاجزا في بعض ) ، وهذا يقضي على دعوى الوساطة الكهنوتية ، أو الاحتكارية التي ذكرها الأخ في كلامه عن المؤسساتية الإسلامية ، وقد كان هذا التحرر في فهم الكلام المقدس هو الذي مهد للحركة اللوثرية ان تنشأ بسبب التماس الحضاري بين الإسلام والنصرانية في المغرب العربي ، لأنهم أدركوا ان المسلم يقرأ القرآن مباشرة ، ويفهم منه معان وقيم بلا واسطة بين المخلوق والخالق ..
يا حيي سأعود !
هذه المرة ” كحشت ” كلاما كثيرا للأخ مهيار حتى أستيطع أن آتي على أغلب مسائله السجالية والتي تحتاج إلى وقت أوسع من طبيعة المنتديات الحوارية التي في الغالب تعتمد على الأفكار الــ” فاست فود ” ، وسأحاول أن ألتزم بعدم ” التجاوز ” الذي ناديت به قبلا .
يقول الإستاذ مهيار :
نعم يا سيدي أنا من البعض الذي يطرب للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، وهي مطالب ليبرالية حقاً، والإسلام لم يخلو من الدعوة إليها، وهذه القيم وإن لم تكن من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف، فيكفي أن تكون مهوى أفئدة الليبراليين، وقد يكون هناك عيوب في فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين، ولكنهم حكما أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات من المؤسساتيين لذلك عز التجديد على يد الفقيه المنعزل عن الفيلسوف والمثقف ..
الليبرالية لا تكون ليبرالية عندما تتعالى على أي مبدأ أو اعتقاد، ولست من أبواق ( اشتراكية الإسلام ) ، ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فهي ليست محاولات توفيقية، إنما هي محاولات تلفيقية، ولكني أجد أن الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات بشرط زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم، فلا مبرر لهما وخاصة في ضوء معايير دقيقة في النص الأصل بأن لا ينتاب هذا المعنى تأويل غرضي أو فيه زيغ، وأن لا يحتكر معنى مؤسس (بفتح السين الأولى) الأساس الذي قام عليه.لا يمكنك أن تتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني )، أدرك ذلك وخاصة أن صفة اللامعقول ذات مردود سلبي بنظرك، ولكنه في المحصلة لا معقول لا يمكن تقبله برهاناً، إنما يتم قبوله تصديقاً، فعندما سخرت قريش من محمد صلى الله عليه وسلم وقالت للصديق أن صاحبك يزعم إسراء ومعراجاً، كان رد الصديق أنه طالما قد صدق أنه نبي، لذلك سيصدق كل أمر لاحق به…. هذا ما أعنيه بالتصديق حتى لا يلتبس الأمر ويغدو التصديق مصطلحا مختلفاً عليه!
وأنا أقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم وهو يوجد في الإسلام وغيره من الأديان، و كل قضية غيبية سمعية أو غير سمعية هي في حقيقتها ليست قضية عقلية ، وهي تختلف عن مسألة الألوهية، مع أن الألوهية بحد ذاتها تراوح في المجال الذهني، فتوصيف الإله توصيف ذهني في النهاية، وإن كان للإيمان به جل جلاله طريق عقلي على نحو تجربة النبي إبراهيم عليه السلام.
اختزال الفلسفة على الملاحدة ، وجعلها الحادية المنشأ والمصب هي علة مؤسساتية مستديمة لذلك سأتجاوزها وقد قلت فيها ما يكفي في رد سابق، واستغرب من قولك : “ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها” اسمح لي يا سيدي بأن أقرأ تناقضات حادة هنا بين البرهان والبيان من جهة وبين المعرفة الحسية، بين ادعاء المنهج البرهاني ورفض المنهج التجريبي… وهما لا ينفصلان إلا في ذهن مشوش… وفي زعمي أن القرآن قد ركز على التجربة والعاقبة أكثر من كل المعارف اللدنية والإعجازية.
للأسف سجناء أرسطو هم من لم يرتقوا إلى اليوم إلى مستوى المنجز الحضاري لحضارة اليوم والتي هي الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، هم الذين لا يزالون يتشاجرون على الاستنباطات المبكرة في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، غير متنبهين إلى أن حضارة اليوم قد تجاوزت الأرسطية والارسطوطاليسية والاريستوفانية وكل من استفاد منهم، حتى الفقهاء منهم. ولا زالوا يرددون أقاويل ابن خلدون في مآلات الحضارة غير متنبهين أن حضارة اليوم لا يحكمها مفهوم خلدوني، بل لا يرتقي إلى فهمها من توقف عند ابن خلدون الذي لم يعد يصلح حتى لتفسير البداوة.
لقد قطف الغرب ثمار معرفتنا، وهذه منقبة، فلمَ نرعوي عن قطف ثماره ؟ أليست هذه مثلبتنا يا سيدي الموقر.وأهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي لم يسقطوا يا سيدي، وإلا لما شكلوا إلى اليوم قلقاً للعقل النقلي…والإسلام ليس فيه دعوى لكبح جماح العقل ولكن حيلة ترتيب دور العقل وما يخصه كان مدخلاً لإقالة العقل ومحاكمته بشدة، إلى درجة اعتبار التفكير صنواً للإلحاد…. لاشك إن المجموع الحضاري للإسلام الحضاري مذهل ولكنه للأسف مات مذ سيطر التوقيف والنقل والتخصص وكل وسائل الإسلام المؤسسي.
دعني يا سيدي أن أكشف أنا لك سر كيف أن المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية “… لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك “تحصيل حاصل طالما قرر إعمال العقل والفكر، وليس من باب هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ولا أدري كيف تكون الفكرة الليبرالية في أصلها فكرة ” عدمية “، وهي التي تدعو إلى واقع إنساني لا مكان فيه للاستعلاء أو الظلم. أرجو أن تزودني بأسماء مفكرين (كبار) تنكروا لليبرالية أو تبرؤوا منها وسنكون لك من الشاكرين.
ولست أدري بالضبط من أين تستمد معرفتك بالنصرانية حتى تهاجمها باستمرار بهذه الطريقة من التأويل ولي العنق، مع أن ما تنتقده فيها موجود بشكل ما في الإسلام بحد ذاته… كما أني أستغرب منك أن تدعوني إلى تصديق تقبل المسيحية لـ ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها، لاغياً من معرفتي كل ذلك الصراع الدموي الباهظ الذي كان كلفة ذاك الاصطدام.
الطابع الثيوقراطي هل يغيب عن رؤيتك يا أخي الفاضل، إنه واضح وجلي في تعاملك وتحاملك على كل الاتجاهات، ووصفها على نحو فيه الكثير من الاستخفاف، وعلى أية حال فالشمولية التي تراها في النهج الليبرالي هي شمولية إنسانية لا دخل لها بأسباب السماء، بل لا تتدخل إلا لمنع الظلم باسم السماء.
ولست ادري أين التضاد بين الرؤية المسيحية: ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) والرؤية الإسلامية: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا موضوع القولين واحد، ولانعدم داخل الأدبيات الإسلامية ما يطابق الرؤية المسيحية، ولانعدم أيضاً داخل الأدبيات المسيحية ما يطابق الرؤية الإسلامية! فلم استباحة الآخر في حين نشدد على حفظه لنا!
الفكرة الأولى : التعددية ، الحرية .. المحاسبة .. العدالة ليست من إنتاج الليبرالية ، ولكنها مهوى أفئدة الليبراليين :
وهذه الفكرة حقيقة من أعجب الأفكار التي ذكرها الأخ مهيار ، فحتى السمو القلبي المتوجه إلى القيم العليا جعله لليبراليين ، ففعلا هؤلاء الليبراليون هم أنبياء العصر ، فحتى نزعاتهم وأشواقهم تختلف عن أشواق غيرهم ، فهم يعشقون التعددية والمحاسبة والعدالة ، وغيرهم يحب التسلط والاستبداد والكبت والظلم .. فهنا لم يقتصر الليبراليون على امتلاكهم للقيم العليا ، بل امتلكوا أصلا التوجه إليها ، وعندي أن هذه ” رومانسية حالمة ” أكثر من كونها من باب ” التوصيف والتحليل ” الفكري ، لأن إثبات أن هذه القيم ليست من منتجات الليبرالية يقضي على الزعم بأن الليبرالية هي المنهج القويم والراشد الذي يبشر به الليبراليون في كل مكان ، وهي أشبه بــ” عملية السطو على التاريخ والدين والحضارة والقيم الإنسانية المشتركة ” ، واحتكارها باسم الليبرالية ، فإن كانت هذه القيم هي قيم ” عقلية ” فهذا يعني أن العقل البشري هو المرجعية وليست الليبرالية ، وإن كانت الأديان هي المرجع ، فهذا يعني ان هذه القيم من إنتاج الأديان ، ويبقى ان الرجل الليبرالي هو الذي يتاجر أحيانا بهذه القيم أكثر من غيره ، أو هو يتطعم ويتلذذها أكثر من غيره ، فيرجع إلى ان يكون رجلا ذوقيا أكثر منه رجلا منتجا للقيم .. وباعترافك أن هذه القيم ليست من إنتاج الليبرالية .. ولكنها كعبة الليبراليين المعبودة !
ثم إن الصراع والخلاف مع الليبراليين ليس حول قيمية هذه القيم ، ولا حول عدم نفعها للإنسان ومعارضتها لفطرته السوية ، وإنما الخلاف هو في ” حمولتها الفكرية ” التي تصطدم مع العقل والشرع ، فالتعددية مثلا ليست مطلبا في ذاتها ، لأن الناس لو استقاموا على رأي واحد في حياتهم كان أصلح لهم من أن يكونوا شيعا وأحزابا ، وخاصة التعددية السياسية التضادية ، التي تجعل المجتمع مشطرا بين أحزاب كل حزب يلعن أخوه ، ولا أقصد بهذا التعددية التنوعية المنتجة التي تثري الواقع بالأفكار والرؤى والمشروعات ، ولذا القرآن حذر من ” التفرق ” ( ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ، وللأسف فحتى في الدول الليبرالية الغربية أصبحت التعددية بدلا من كونها تحقيقا للرفاه والاثراء الاجتماعي تحولت لتكون وسيلة للنفوذ ، وتسخير الإعلام والرساميل لتسليط الرسائل الإعلامية على الناس ليسيروهم على أهوائهم ، ومن كان جيبه مليئا بالمال كان هو الواصل للسلطة ، فبوش مثلا الذي وصل من خلال انتخاب ليبرالي حر صار نقمة على الولايات المتحدة ، لأنه جاء لأنه من آل بوش ، وتحالف مع هوامير الرساميل الذين جعلوه يفوز بالغصب .. فتشطر المجتمع ليكون هناك حكومة ظل باستمرار ..
أنظر إلى التعددية في الكويت مثلا التي جعلت منه دولة متراجعة إلى الوراء بدلا من التقدم للإمام ، ووضعهم السياسي والاجتماعي قبل هذه التعددية أفضل من هذا الوضع المحير ، وهذه التعددية لابد ان تتخذ من ” الديمقراطية ” وسيلة للتعبير عن النفس ، ولربما يزعل مني جموع الليبراليين في هذه المنتدى إن قلت بأن الليبرالية هي أفشل فكرة عرفها التاريخ ، بل هي قتل للعقل الاجتماعي ، وتسوية بين البليد والذكي ، وتهميش لدور العلماء والمفكرين ، وقتل للمثقف ، وتحكيم للرعاع ، ووسيلة لاختلاط الأدوار الاجتماعية ، وإقحام للناس في غير شؤونهم وأدوارهم الحقيقية ، ووسيلة للاستبداد باسم العدل، وهذا ليس رأيي فقط ، بل هو رأي عقلاء المفكرين الغربيين الذين يرون ان الديمقراطية بلاء على الإنسانية ، ونحن لا زلنا نتطلع إليها بشوق ، كأنها حبيب طال فراقه وحانت ساعة اللقاء !
لن آتي إلى بقية المصطلحات لأن كل واحدة منها تحتاج إلى إفراد لازالة اللبس بين ( اللفظ ) الذي يتمناه الأخ مهيار ، وبين ( الحمولة الفكرية ) التي تشوه هذا اللفظ وتخرجه من معناه الصحيح ، وفي هذا يكون المصطلح لا قيمة له البتة ، فالعبرة بالمعاني والحقائق لا بالألفاظ والرسوم .
ثانيا : ( الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات شريطة زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم ) :
وهذه حقيقة من أروع الجمل التي مرت علي في نقاشي مع الأستاذ وفقه الله ، إلا أن الإشكالية التي نكدت على جماله هو قوله ( زحزحة المعنى الصارم ) ، والأستاذ أظنه يقصد بالمعنى الصارم ما يسمى بـ ( الثوابت ) في مقابل المتغيرات وهو مصطلح عصري ، أو يقابل ( القطعي ) في مقابل ( الظني ) بناء على المصطلح الأصولي ، ولا أدري حقيقة ماهو ” الإسلام ” إذا أزحنا كل المعاني الصارمة منه ، وأنا أوافق الأخ مهيار على أن جعل الإسلام كله من المعاني الصارمة يخالف منطوق القرآن ، لأن الله تعالى يقول : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .. وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) ، فالقرأن بين ان في القرآن معان وأحكام محكمة ، لا خلاف عليها ولا تبديل فيها ، فتحريم الشرك وما يتعلق بأسماء الله وصفاته وربوبيته والفواحش الظاهرة ، والامر بالواجبات المتحتمة ، والقيم الأخلاقية العليا التي جاءت بها الشريعة وغيرها لا يستطيع الإنسان ان ينتزع منها ثبوتها إلا أن يكذب بالرسالة ، وهناك موارد اجتهاد وظن ، تختلف فيها أنظار الناس فهي نسبية من حيث الحكم ، ولا يقول الإنسان بانها من قبيل القطعيات الصارمة التي لا يجوز فيها الاجتهاد ولا التأويل .
أما قضية الاحتكار لفهم هذه المعاني سواء صارمها او ظنيها فلا أظن أحدا يجادل في كون الفقهاء الإسلاميين على مدار التاريخ أعملوا الاجتهاد في النصوص في حركة استنباطية اجتهادية كبيرة ، وتراث عظيم خلفوه ، ولم يقولوا للناس لا يجوز لكم ان تطلبوا العلم او تتعلمواكيف تجتهدون ، بل قالوا قولوا ما تشاءون بقواعد المعرفة ، حتى لا يتاح العبث في كلام الله تعالى وكلام رسوله : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا ، وان تقولوا على الله مالا تعلمون ) ، فحتى العامي إن أمكنه ان يجتهد في الشريعة فله ذلك لأن الاجتهاد عند العلماء يتجزأ ، ولا يشترطون بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق حتى يتأهل الإنسان له ، ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله : ( وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل، جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزؤ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرا في بعض، عاجزا في بعض ) ، وهذا يقضي على دعوى الوساطة الكهنوتية ، أو الاحتكارية التي ذكرها الأخ في كلامه عن المؤسساتية الإسلامية ، وقد كان هذا التحرر في فهم الكلام المقدس هو الذي مهد للحركة اللوثرية ان تنشأ بسبب التماس الحضاري بين الإسلام والنصرانية في المغرب العربي ، لأنهم أدركوا ان المسلم يقرأ القرآن مباشرة ، ويفهم منه معان وقيم بلا واسطة بين المخلوق والخالق ..
يا حيي سأعود !
د.استفهام
ثالثا : ( اللامعقول الديني لا يمكن تقبله برهانا ، وإنما يتم قبوله تصديقا ) :
طبعا لن أطيل في هذا المنحى الفلسفي ، ولكني أريد الإشارة إلى الفلاسفة يجعلون التصديق هو خلاصة العلم ، إلا أنهم يحصرونه بالقياس ، فهم يجعلونه لا ينال إلا بالقياس ، فالتصديق عند المناطقة هو قضية عقلية ثابتة ، لأن إدراك الشي على ماهو عليه سواء العقل او الحس هو ” تصديق ” ، فجعل ” التصديق ” هو خال من العلل العقلية غير صحيح ، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ” صدق ” قصة الإسراء والمعراج حين عرضها عليه قريش ، كانت قضيته عقلية قياسية كلية ، وهو ما يسمى بقياس الأولى ، فالثبوت البرهاني الدلالي على نزول الوحي من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم من ارتحاله عليه الصلاة والسلام إلى السماء او الى بيت المقدس ، فمن أثبت الألوهية عقليا ، أثبت الرسالة عقليا ، وأثبت تبعات صدق النبوة عقليا .. فجعل قضايا الغيب ( غير معقولة ) هم الذين يحصرون المعرفة الإنسانية بــ( الحس والمادة ) ، وهؤلاء قد تجاوزهم الزمن ، لان الكليات تنال بالعقل وبالحس بناء على المشاهدة او التأمل العقلي ، فكثيرا من الأمور القطعية المتقررة عقلا فيها مالم يشاهده الإنسان ويصدق ويؤمن بوجودها ، فالقناعة العقلية بوجود العلة الفاعلة تنتج المعلول بداهة ، وهي قضايا عقلية تدل على الألوهية بمنطق عقلي ، وليس فقط بتسليم متجرد عن العلة العقلية .. وهكذا كل قضايا الشريعة الإسلامية .
ولذلك فالفرق بين المسلم الذي يؤمن بوجود ” إله واحد للكون ” ، وبين النصراني الذي يؤمن بثلاثة لا يمكن أن يجعلوا في سلة واحدة من باب ( اللامعقول الديني ) ، لأن الوحدانية ضرورة عقلية ، بينما التثليث أمر يستحيله العقل ، ولا يمكن أن الواحد يكون ثلاثة ، فالمسلم يؤمن بإله تدل عليه الفطرة والعقل ، والنصراني يؤمن بثلاثة آلهه يتحدون ( الناسوت في اللاهوت ) ، ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا .. فسبحان الله )
ثالثا : ( اللامعقول الديني لا يمكن تقبله برهانا ، وإنما يتم قبوله تصديقا ) :
طبعا لن أطيل في هذا المنحى الفلسفي ، ولكني أريد الإشارة إلى الفلاسفة يجعلون التصديق هو خلاصة العلم ، إلا أنهم يحصرونه بالقياس ، فهم يجعلونه لا ينال إلا بالقياس ، فالتصديق عند المناطقة هو قضية عقلية ثابتة ، لأن إدراك الشي على ماهو عليه سواء العقل او الحس هو ” تصديق ” ، فجعل ” التصديق ” هو خال من العلل العقلية غير صحيح ، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ” صدق ” قصة الإسراء والمعراج حين عرضها عليه قريش ، كانت قضيته عقلية قياسية كلية ، وهو ما يسمى بقياس الأولى ، فالثبوت البرهاني الدلالي على نزول الوحي من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم من ارتحاله عليه الصلاة والسلام إلى السماء او الى بيت المقدس ، فمن أثبت الألوهية عقليا ، أثبت الرسالة عقليا ، وأثبت تبعات صدق النبوة عقليا .. فجعل قضايا الغيب ( غير معقولة ) هم الذين يحصرون المعرفة الإنسانية بــ( الحس والمادة ) ، وهؤلاء قد تجاوزهم الزمن ، لان الكليات تنال بالعقل وبالحس بناء على المشاهدة او التأمل العقلي ، فكثيرا من الأمور القطعية المتقررة عقلا فيها مالم يشاهده الإنسان ويصدق ويؤمن بوجودها ، فالقناعة العقلية بوجود العلة الفاعلة تنتج المعلول بداهة ، وهي قضايا عقلية تدل على الألوهية بمنطق عقلي ، وليس فقط بتسليم متجرد عن العلة العقلية .. وهكذا كل قضايا الشريعة الإسلامية .
ولذلك فالفرق بين المسلم الذي يؤمن بوجود ” إله واحد للكون ” ، وبين النصراني الذي يؤمن بثلاثة لا يمكن أن يجعلوا في سلة واحدة من باب ( اللامعقول الديني ) ، لأن الوحدانية ضرورة عقلية ، بينما التثليث أمر يستحيله العقل ، ولا يمكن أن الواحد يكون ثلاثة ، فالمسلم يؤمن بإله تدل عليه الفطرة والعقل ، والنصراني يؤمن بثلاثة آلهه يتحدون ( الناسوت في اللاهوت ) ، ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا .. فسبحان الله )
Comment