بسم الله الرحمن الرحيم
تُعتبر عائشة -رضي الله عنها- مِن أبرز الصحابة الكرام، وأسماهم مكانةً، وأعلاهم شأنًا، وأكثرهم إطلاعًا على أحوال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وشمائله.
حظيتْ بمكانة خاصَّة عند النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم.
كانت -رضي الله عنها-: "بحرًا زاخرًا في الدِّين، وخزانة حِكمة وتشريع، وكانت مدرسةً قائمة بذاتها، حيثما سارتْ يسير في ركابها العِلم والفضل والتُّقى".
اسمها ونسبها:
تُعتبر عائشة -رضي الله عنها- مِن أبرز الصحابة الكرام، وأسماهم مكانةً، وأعلاهم شأنًا، وأكثرهم إطلاعًا على أحوال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وشمائله.
حظيتْ بمكانة خاصَّة عند النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم.
كانت -رضي الله عنها-: "بحرًا زاخرًا في الدِّين، وخزانة حِكمة وتشريع، وكانت مدرسةً قائمة بذاتها، حيثما سارتْ يسير في ركابها العِلم والفضل والتُّقى".
اسمها ونسبها:
عائشة: هي بنت أبي بكر الصِّدِّيق بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، القرشية التيمية، المكيَّة النبوية، أم المؤمنين، زوجُ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أفقه نساء الأمَّة على الإطلاق، وأمُّها أمُّ رومان بنت عمير بن عامر بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة.
وقد أشرقتْ أنوار بيت الصِّدِّيق، وأمِّ رومان بمولد عائشة بعدَ المبعث بأربع سنين أو خمس.
رضي الله عنها وأرضاها.
علم عائشة رضي الله عنها :-
إن عائشة رضي الله عنها قد كان الرجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشكل عليهم الأمر وأعجزتهم المسألة رجعوا إلى عائشة رضي الله عنها، فأخبرتهم حكم وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.
فلذلك قال الذهبي رحمة الله عليه: إن عائشة أفقه نساء الأمة على الإطلاق.
وذكر أن مسند عائشة من الأحاديث يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري و مسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثاً، وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثاً، ولا يوجد في النساء من هي أكثر رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة ، ولم يكن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالعدد الكثير من النساء عبثاً؛ وإنما كان ليطلعن على ما لا يطلع عليه إلا المرأة من زوجها في شأن الأمور الدقيقة؛ فينقلن هذا العلم والأحكام الشرعية المتعلقة بأخص خصائص ما بين الرجل وزوجته لنساء الأمة ورجالها على حد سواء، ولذلك قال الذهبي : لا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بل ولا في النساء مطلقاً امرأة أعلم منها.
وقال الزهري : لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزوجه وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.
وقال عطاء بن أبي رباح : كانت عائشة رضي الله عنها أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة، وتأمل هذه الجملة الأخيرة، بل تأمل هذا النص كله: كانت أفقه الناس، وأعلم الناس، فالفقه غير العلم، العلم حفظ، والفقه استنباط، فقد جمعت بين الأمرين معاً، وأحسن الناس رأياً في العامة، أي: أنها تعرف أمور الناس ومجريات الحياة، وما ينبغي أن يكون من التوجيه، وكيف تكون هذا الأساليب.
وقد ورد في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: (أن عائشة رضي الله عنها استدعت قاص أهل مكة الذي كان يقص لهم القصص ويعظهم بالمواعظ، وقالت له: لتعاهدني أو لأقاطعنك، قال: علام يا أم المؤمنين أو زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألا تمل الناس وألا تقنطهم وإذا حدثتهم فحدثهم يوماً ويوماً) يعني: لا تملهم في الحديث، وقالت له: (لا تملهم بطول حديثك وتكراره، ولا تقنطهم بتأييسهم من رحمه الله عز وجل وإكثار الخوف عليهم، دون أن تفتح لهم باب الرجاء) وتلك العبارة تدلنا على أنها كانت أحسن الناس رأياً في العامة.
وقال عروة : ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة رضي الله عنها، وهذه الرواية عن عروة تروى بوجه آخر مفصل يبين لنا أن عائشة كانت على ذكاء وافر وفطنة عجيبة، يقول عروة وهو ابن أختها: صحبت عائشة رضي الله عنها فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بقضاء ولا طب منها.
فانظر فقد كانت تعرف الأنساب ولا غرو في ذلك فهي ابنة نسابة قريش أبي بكر رضي الله عنه.
وكونها تعلم علم القرآن والسنة والفقه لا غرو في ذلك فقد كانت زوجة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
يقول عروة : { قلت لها: يا خالة! الطب من أين علمتيه عرفنا أنك علمت الفقه والأحكام من الرسول عليه الصلاة والسلام، والنسب من أبي بكر ، والشعر من حسان ، لكن الطب من أين لك هذا الطب؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء لأتعالج به، ويمرض المريض فينعت له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه }، فكانت رضي الله عنها طبيبة قلوب وطبيبة أبدان، فهذا يدل على الفطنة، ويدل على أن عائشة لم تكن اهتماماتها اهتمامات سطحية كحال بعض نسائنا اليوم.
فإن بعض النساء اليوم عندها فطنة، وعندها ذكاء، وعندها سرعة حافظة، لكنها موجهة توجيهاً غير سليم، فتراها تمزج بين الموديلات للملابس بين هذا وهذا، وتحفظ ذاك، والأول والثاني، وتعرف أن هذا طراز قديم وهذا طراز حديث، بينما عائشة رضي الله عنها كانت لها أذن واعية وقلب مستقبل لكل ما فيه منفعة في هذه الدنيا وفي الدين على وجه الخصوص، ولذلك قال عروة : فلقد ذهب عامة علمها لم أسأل عنه.
عروة هو ابن أختها، والذي كان ملازماً لها، والذي روى كثيراً من علمها يقول لكثرة علمها وتشعبه يقول: إنها ماتت وتوفيت وذهب عامة علمها ولم يستطع أن يسألها عنه؛ لكثرته، مضى الزمان وانتهى عمرها قبل أن يأخذ علمها الغزير.
وكانت تحفظ الشعر وترويه كأحسن ما يروي الناس الشعر، ولا تنسوا أن هذا كله والنبي عليه الصلاة والسلام توفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، هذا العمر الذي اليوم ربما ابنة الثامنة عشرة لا هم لها إلا أن تحسن وجهها، وتنعم صوتها، وتتكسر في مشيتها، لا تعرف اهتماماً من أمور الدنيا ولا من أمور الدين، ولا تفكر في آخرة، ولا تحوز علماً، ولا تتأهل إلى تربية، ولا تتصدى لفتيا، ولا شيئاً من ذلك مطلقاً، وهذا يدلنا على البون الشاسع بين ما كانت عليه أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ونساء المؤمنين، وبين ما آل إليه الحال في نساء هذا الزمان إلا من رحم الله في عصرنا هذا، ولذلك ينبغي للمرأة أن تفطن إلى ما يتعلق بتحصيل العلم، فقد كانت عائشة رضي الله عنها على هذا النحو الواسع من العلم.
وعن الشعبي أن عائشة رضي الله عنها قالت: (رويت للبيد نحواً من ألف بيت) وكان الشعبي يذكرها أي: عائشة فيتعجب من فقهها وعلمها ويقول: إذا كان هذا العلم الذي تحفظه فما ظنكم بالتربية العلمية والعملية التي تلقتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا لجأ إليها الصحابة رضوان الله عليهم ونهلوا من علمها وأخذوا من فقهها كثيراً.
قال ابن سعد في الطبقات: كانت عائشة رضي الله عنها أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أيضاً: ما كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يشكون في شيء إلا سألوا عنه عائشة ، فيجدون عندها من ذلك علماً.
بل قد صنف الزركشي كتاباً كاملاً سماه: "الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة" أي: فيما استدركت عليهم من الأخطاء التي وقعوا فيها، أو الأقوال التي خالفتهم فيها بحجة ودليل من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما ورد في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال عمر رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: { إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه } فقالت عائشة رضي الله عنها: { رحم الله ابن الخطاب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما قال: إن الكافر ليعذب ببكاء أهله عليه } وكانت تستدرك وتقول: (حسبكم كتاب الله ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ))[الأنعام:164]).
فكان عندها فقه عجيب، وبصر نافذ، وإحاطة شاملة بكثير مما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكما قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أفقه في رأي إذا احتيج إلى رأيه، ولا أعلم بآية نزلت ولا فريضة من عائشة رضي الله عنها.
ومسائلها في هذا الباب كثيرة، فلذلك ينبغي للمرأة المسلمة أن تعرف أنها على قدم سواء مع الرجل في التكليف، وفي الفضائل المتعلقة بتحصيل الثواب من كثرة العبادات، ومن تحصيل العلم وطلبه فإن ذلك خير عظيم لها ولمن ورائها من النساء.
وأؤكد على هذه النقطة كثيراً للرجال والنساء؛ لأننا في الحقيقة مقصرون في تمكين المرأة من أن تحوز العلم، ومن أن تحصل ما تحتاج إليه وتنتفع به، وكما أشرت فإن الأب قد يحرص على ابنه أن يدفعه إلى من يحفظه القرآن ويعلمه، بينما لا يلتفت في ذلك إلى ابنته، مع أن الأمر لو قيل بالمفاضلة لكانت البنت أولى؛ لأنها أكثر تعرضاً للفتنة، وبحكم عاطفتها أكثر تعرضاً للإغواء والإغراء، بينما ليس كذلك الفتى، وإن كان المسلم مطالباً بأن يعنى بتربية أبنائه ذكوراً وإناثاً، وتعليمهم على نفس المستوى قدر المستطاع .
( ههنا الفتنة ، ههنا الفتنة ، ههنا الفتنة ، من حيث يطلع قرن الشيطان )) .
Comment