تحرير موجز في مكانية العالم

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • عمرو بسيوني
    باحث شرعي
    • Aug 2011
    • 142

    #1

    تحرير موجز في مكانية العالم

    الحمد لله عزيز الجناب ، ملك الملوك ورب الأرباب ، قهر الأحياء بالموت وأخضع الرقاب ، لا حول ولا قوة إلا به وإليه المآب ، وصل يا مولانا على محمد ، وآله الطاهرين ، وصحبه الميامين ، ما طار ملَك وجاب ؛


    * محالّ الاتفاق :
    1 ـ كل جسم في مكان .

    2 ـ العالم ليس في مكان ؛ إذ لو كان في مكان = تسلسل ، وهو باطل .

    * تحرير :

    1 ـ لكل جسم مكان بإجماع العقلاء ، القائلين بحقية الوجود الواقعي في الخارج :

    أ ـ قال العلامة الطوسي : ( لكل جسم مكان طبيعي ، يطلبه عند الخروج على أقرب الطرق )

    ب ـ وقال الحلي : ( كل جسم على الإطلاق ؛ فإنه يفتقر إلى مكان يحل فيه ؛ لاستحالة وجود جسم مجرد عن كل الأمكنة ، ولا بد أن يكون ذلك المكان طبيعيا له )


    2 ـ العالم محدود :

    لأنه لا يخلو من جواهر وأعراض ، والأعراض تقوم بالجواهر ، وسوءا كان الجسم مركبا من الجواهر ، كما هو مذهب المتكلمين ، أو بسيط متصل كما هو مذهب الحكماء ، واختيار الطوسي وغيره ممن ينكر الجزء الذي لا يتجزأ ، فالحاصل أنه ثَمَّ جسم ، وما يقوم به ( ولذا أعرضت عن استعمال الجوهر والعرض وفضلت الجسم أو القائم به ) ، فعلى الطريقتين ، فالأجسام متناهية :

    أ ـ قال الطوسي : ( تشترك الأجسام في وجوب التناهي )

    ب ـ قال الحلي : ( اتفق أكثر العقلاء عليه ، وإنما خالف فيه حكماء الهند ) .


    3 ـ للعالم المحدود [ شكل ] ( بهيئته الاجتماعية التي تحوي الأجسام وما يقوم بها ) :

    الدليل عليه أن الأجسام متناهية ، والعالم متناه قطعا ، خلافا للملحدة ، فلزم أنه محدود ، فكل متناه محدود ، والمحدود وجب له شكل في الهندسة ، والفلك ، والمنطق .

    قال شيخ الإسلام : " إن العالم المشهود جسم تقوم به الحركات فإن الفلك جسم وكذلك الشمس والقمر والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات "

    أ ـ قال الحلي : ( كل جسم متناه ، على ما يأتي ، وكل متناه مشكل بالضرورة )

    ب ـ قال الطوسي : ( والشكل هيئة إحاطة الحد أو المحدود بالجسم )

    جـ قال الحلي : ( قيل في تعريف الشكل : أنه ما أحاط به حد واحد ، أو حدود ، وفي التحقيق : أنه من الكيفيات المختصة بالكميات ، وهو هيئة إحاطة الحد الواحد ، أو الحدود بالجسم ) .

    دـ قال الجرجاني : ( الشكل: هو الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة حدٍّ واحد بالمقدار، كما في الكرة، أو حدود، كما في المضلعات من المربع والمسدس ) .

    4 ـ الشكل منه طبيعي ، ومنه قسري ، والطبيعي هو الكرة :

    أ ـ قال الطوسي : ( والطبيعة منه الكرة ) .

    ب ـ قال الحلي : ( لا شكل أبسط من الاستدارة ، فيكون الشكل الطبيعي هو المستدير ، وباقي الأشكال قسري ) .

    ودل الكتاب والسنة وإجماع العلماء أن السماوات السبع وما فيهن كريات مستديرات ، قبتها عرش القدوس ، تبارك وتعالى ، فالعرش سقف العالم ، وهو أوسط الجنة وأعلاها كما في الحديث ، والأوسط والأعلى لا يكون ـ من حيث علم الهيئة والهندسة ـ إلا في الكرة .

    5 ـ محل الإشكال : كون كل جسم في مكان ، والعالم لو فرض كونه في مكان = لزم التسلسل ، فيلزم وجود الجسم لا في مكان ، وهو محال مخالف للفرض الأول من وجوب كون الجسم في المكان ،

    فالهيئة الكرية المحدودة المشكلة المتناهية للعالم ، بقبته ( عرش الرحمن ) ، أين تكون ؟

    لابد لها من مكان ، أو حيز .

    6ـ كل محدود فهو في حيز :

    قال الجرجاني : الحيز: عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد، كالجسم، أو غير ممتد، كالجوهر الفرد. وعند الحكماء: هو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى.
    الحيز الطبيعي: ما يقتضي الجسم بطبعه الحصول فيه.


    6 ـ حل الإشكال :

    أن للمكان ـ وللحيز ـ مفهومين ـ أو ثلاثة ـ في الاصطلاح :

    أ ـ البعد المساوي لبعد المتمكن : وهذا مذهب أفلاطون ، وأبي البركات بن ملكا البغدادي ، والطوسي ، والحلي .

    ب ـ السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي : وهو مذهب أرسطو ، وابن سينا .

    ج ـ الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم ، وتنفذ فيه أبعاده : وهو تعريف جمهور المتكلمين .

    والتعريف الثاني فاسد ، أقام المتكلمون والفلاسفة ـ كالطوسي والحلي والرازي وابن تيمية ـ الأدلة على بطلانه ، ومن تلك الأدلة : ( التسلسل ) .

    والتعريف الأول والثالث ، قريبان ، والخلاف بينهما شبه لفظي .

    فبقي أن العالم ليس في مكان : بالمعنى الثاني ، الوجودي ، لأنه يلزم عليه التسلسل .

    وهو في مكان : باعتبار الفراغ المتوهم ، الطبيعي الذي يحل فيه العالم ، لانه يلزم كل جسم ، أو كل مشكل ، أو كل محدود ، أو كل متناهٍ = أن يكون في مكان ، وفي حيز ، وهو ـ أي المكان والحيز ـ بهذا المعنى العدمي .

    قال ابن تيمية : المتكلمون يريدون بالتحيز ما شغل الحيز ، والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا ، فالعالم عندهم متحيز وليس في حيز وجودي .


    7 ـ هذا المكان العدمي أو الحيز العدمي ليس مخلوقا ، ولا قديما :

    لأنه عدم محض ، والعدم المحض يرتفع فيه النقيضان ، لأنه معدوم .

    قال الكفوي : " العدم الْمَحْض: هُوَ الَّذِي لَا يُوصف بِكَوْنِهِ قَدِيما وَلَا حَادِثا وَلَا شَاهدا وَلَا غَائِبا " ،

    ولا مخالف في ذلك من المتكلمين ، حتى من القائلين بشيئية المعدوم ، أو القائلين بالأحوال ، لأن كلامهم في الأعدام المخصوصة لا المحضة .


    وبذلك التقرير = ينكسر التسلسل ، ويستقيم الفهم للوجود ، والمكان .

    *الخلاصة :

    1 ـ كل جسم في مكان .
    2 ـ الأجسام متناهية .
    3 ـ العالم متناه محدود مشكل .
    4 ـ العالم في حيز ومكان عدمي ، هو فراغ متوهم ، ليس شيئا وجوديا ، وليس قدرا زائدا على المتمكن .
    5 ـ إثبات ما سبقت سياقته في الشكل البرهاني المختصر هو ما يكسر التسلسل ، ويحقق الوجود الواقعي الخارجي للعالم .
    Last edited by عمرو بسيوني; 11-08-2011, 05:09 PM.
  • عمرو بسيوني
    باحث شرعي
    • Aug 2011
    • 142

    #2
    ملاحظة منهجية :

    أغلب الاستدلال من كلام الطوسي والحلي ، مع بعض المواطن اليسيرة لابن تيمية ، وبعض متكلمة الأشعرية .

    والسبب في ذلك أن هذه الورقة البحثية كانت مكتوبة مخصصا لبعض الكلاميين من الإمامية ، وربما أنشط لتطعيمه ببعض نقول الجويني والرازي ، ومناقشات شيخ الإسلام ، وتعميق كلام الفلاسفة في المكان ، وأوسع فيه النفس في دراسة أكبر ، لكن لم أرد أن يحجز هذا عن الانتفاع بما فيه ، إذ ربما تشغل الشواغل عن ذلك .

    والله أعلم

    Comment

    • د. هشام عزمي
      باحث علمي
      • Dec 2003
      • 7007

      #3
      ورقة نافعة يا شيخ عمرو .. نفعنا الله بعلمك ..
      إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
      [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
      قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].

      Comment

      Working...