هل تذوقت بلاغة القرآن من قبل ؟!!!..
الإخوة الكرام ..
منذ أن استحكمت مخططات إفساد التعليم في بلاد الإسلام ..
فسقط بذلك شقيها البحثي العلمي والأدبي للأسف ..
فكان من أعظم الآثار ضررا ًهو تهميش اللغة العربية لغة القرآن من مناهج أبناء المسلمين !
حتى صارت مشاريع جعلها مادة غير ذات رسوب : حديث المُهتمين !
فويل ٌللتغريبيين والحداثيين وأتباع المستعمرين من مالك يوم الدين !
لقد بات يخرج علينا من أبناء المسلمين مَن يسأل (ظانا ًأنها شبهة تطعن في القرآن) :
" مَن هو القائل كذا وكذا في آية كذا وكذا " ؟!!!..
فننذهل نحن : ليس من السؤال نفسه (فقد اعتدنا مثله من سفلة المستشرقين النصارى والمُبشرين الضالين : بجهلهم المدقع باللغة العربية) ولكن ننذهل من :
خروج مثل ذلك السؤال من ناطق ٍباللغة العربية : فضلاً عن كونه مسلم !!!..
لقد بات من أبناء المسلمين للأسف : مَن لا يمسك كتاب الله يقرأه : لا تدبرا ًولا تعبدا ًولا تلاوةً ولا حتى استمتاعا ًكما كان يفعل المسلمون من قبل !!!..
فوالداه لم يعلماه ذلك ولم يهتما به أصلا ً(أعتقد أن درجات الرياضيات والعلوم والفيزياء والكيمياء والأحياء والإنجليزي .. إلخ : أولى من ذلك لتحصيل المجموع الدراسي) !!..
فلما لم يتعود تلاوته صغيرا ًفتندمج روحه بكلام ربه وخالقه :
صار يمسكه كبيرا ًلتتبع شبهات النصارى المتهافتة وغيرهم منه :
ليأتينا بها رافعا ًيده : وكأنه قد وقع على ما لم يقع عليه أحد من المسلمين من أخطاء (( فادحة )) في القرآن : كانت خافيةً عنا لأكثر من 1400 عام !!!!..
فعز ذلك عليّ كثيرا ً....
وصار القرآن الذي وصل ببلاغته لأن يحذف كلمات ٍوعبارات ٍ: ليحمل القاريء له على استكمالها بعقله : فيضمن دوام يقظته في التلاوة الحقة : ويضمن جمال تذوقه البياني لكل راغب :
صارت مثل هذه الأشياء في عقول الممسوحين دينيا ً: شبهات وطعونات !!!..
وكأنه لم ينكسر على عتبة بلاغة القرآن هذه ومحاولات تأليف مثله :
عشرات المحاولات من أكابر اللغويين والشعراء (عربا ًوعجما) :
ومئات المحاولات من أصاغر الملحدين واللادينيين في كل مكان ٍوزمان : وآخرها ما صارت تكتظ به منتدياتهم ومواقعهم على النت ببذيء الكلمات وساقط العبارات ومُضحك المعاني والدلالات !
فرأيت لذلك أن أكتب هذا الموضوع على مشاركتين والله المستعان ...
الأولى ...
فيها بيان نواح ٍبلاغية عديدة لمَن أراد أن يتذوق القرآن حقا ً..
ولطولها فسوف تأتي في أكثر من مشاركة كيفما تيسر ..
والثانية ...
وسأنقل فيها أخيرا ًآراء غير مسلمين (ومنهم متخصصين في اللغة العربية) في القرآن وإعجازه !!..
مع ترك الباب مفتوحا ًلمَن أراد الإضافة أو التعديل فإنما هي تذوقات بلاغية ..
والله المستعان ..
----------------
1)) الحديث عن الأساليب البلاغية في القرآن ...
< منقول بتصرف >
1... الاكتفاء
وهو أن السياق يقتضي ذكر متقابلين اثنين، فيكتفي بأحدهما عن الآخر ويترك الذهن يتملى الموقف ويضيف ما يناسبه. كقوله تعالى "سرابيل تقيكم الحر". (النحل 81) أي والبرد، وتعليل هذا لأن الخطاب موجه للبيئة العربية الحارة فاكتفى بذكر الحر : وعُلم أنها تقي البرد بالأولى.
ومنه قوله تعالى "وله ما سكن في الليل والنهار" (الأنعام 13) أي وما تحرك. ومنه قوله "رب المشارق" (الصافات 45) أي والمغارب.
----
2... الاحتباك
وهو ما يقع في متقابلين حذف من كل منهما ما ذكر في مقابله في الجانب الآخر.
ومنه قوله تعالى:" وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا" (التوبة 102) أي خلطوا عملا صالحا بسيء وآخر سيئا بصالح.
ومنه "فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة" (آل عمران 13) .
فحذف من تقاتل في سبيل الله : صفة أنها مؤمنة : وعُلم ذلك من قوله عن الأخرى كافرة !
وحذف من كافرة : صفة أنها تقاتل في سبيل الطاغوت : وعُلم ذلك من قوله عن الأولى أنها تقاتل في سبيل الله !!!..
----
3... الحذف
وهو حذف جملة كان يقتضي السياق بيانها : ولكن كان تركها لخيال القاريء أبلغ من ذكرها بتحديد !!!.. مثل قوله تعالى :
"وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" (الزمر 73)
حيث نجد أن القاريء لم يجد تحديدا ًلما سيراه المؤمنون في الجنة بعد قوله تعالى :
حتى إذا جاؤوها وفـُتحت أبوابها !!!.. فتـُرك ذلك لخياله وهو أبلغ ..
قال السيوطي : " فحذف الجواب ، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى ، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه ، وتركت النفوس تقدر ما شأنه ، ولا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك ، لقوله عليه الصلاة والسلام: فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر".
----
4... الحكم التكليفي
ومنه قول الحق سبحانه عن البيت الحرام : "ومَن دخله كان آمنا" (آل عمران 97) فهناك فرق بين إخبار الحق بواقع حدث أو يحدث، وبين إخبار بتكليف. فكان الإخبار هنا معناه ألا يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو يهاجمه أحد أبدا ويقصد به تكليف خلقه به، والتكليف عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فهذا معناه :
يأيها المؤمنون ، مَن دخل البيت الحرام فامنوه . ولله المثل الأعلى تقول أنت لولدك : يا بنى هذا بيت يفتح للضيوف. أهذا يدل على إنجاز الإكرام لكل من دخل هذا البيت وحصوله له بحيث لايتخلف أبدا أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه ؟ ومثاله قول الله تعالى : "الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم" (النور 26)
----
5... حول الجواب بـ "قل" في القرآن ...
إذا استعرضت كل "قل" في القرآن وردت بعد سؤال تجدها على نمط، هذا النمط موجود فيه "قل" لكن مرة تأتي بالفاء و مرة تأتي بغير الفاء…
"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"، "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير" ، "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير" كل شيء أتى دون فاء إلا في موضع واحد "و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا" جاء بالفاء لأن هذا السؤال لن يرى السائل إجابته بعد !!.. فكأن المعنى إذا سألوك عن الجبال فقل…
ومرة أخيرة يأتي الجواب عن السؤال بدون "قل" لا بالفاء ولا بغيرها…! فإذا أردنا أن نفهم الأساليب نجد الحق سبحانه و تعالى قالها في "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب" فتم حذف "قل" من الآية دلالة على مدى القرب بيننا وبين الله بحيث لا نحتاج لوسيط لمناجاته. حيث حتى كلمة "قل" ستطيل المسافة بيننا وبينه !
----
6... الأسئلة في القرآن
يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1 الأنفال)
السؤال يقتضى مسئولا ًعنه .. والمسئول عنه قد يكون واضحا ًبنص السؤال ، مثلما نسأل صديقنا : ماذا أكلت اليوم ؟ و قد يكون واضحا ًبنص الجواب كما فى قول الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن (من الآية 222 سورة البقرة)، فهم لم يسالوا عن أسباب المحيض ، أو لماذا ينقطع عن الحامل أو من بلغت الكبر، لكن كان موضوع السؤال الذى هو واضح من إجابة الحق تبارك وتعالى : أيجوز أن يباشر الرجل المرأة أثناء المحيض أم لا ؟
وسؤال آخر سألوه للرسول صلى الله عليه وسلم عن اليتامى ، يحدد الجواب فيه موضوع السؤال : يقول الله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم (من الاية 220 من سورة البقرة) لأنهم كانوا يتخوفون من مخالطة اليتامى في الأموال ومن مؤاكلتهم ، وغير ذلك من ألوان التعامل ، ورعا ًوبُعدا عن الشبهات وجاءت الإجابة لتحدد موضوع السؤال
ومرة يأتى السؤال وفيه تحديد مناط الإجابة لأنها عامة مثل قوله الحق تبارك وتعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج (من الآية 189 من سورة البقرة) فهم سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم : لماذا يبدأ الهلال صغيرا ولماذا يكبر، ولماذا يختفى فى المحاق ؟ وهذا سؤال فى الفلك : فأتت الإجابة هنا فى الحدود التى يستفيدون منها وهى القيمة النفعية العملية ، وجاءت الإجابة : قل هى مواقيت للناس والحج . لأننا ورغم وجودنا فى هذا القرن العشرين إلا أن البعض من الناس مازال يكذب الحقيقة العلمية التى ثبتت بما لا بأتي مجالا للشك . ونقول للعامة : إن الهلال يشبه قلامة الظفر ثم يكبر ليستدير ثم يختفى قليلا قليلا. ولو قال لهم : إن الهلال يظهر حين تتوسط الأرض بين الشمس والقمر ثم يبدأ فى الاكتمال تباعا، لما استطاعت عقولهم جميعا ًأن تستوعب هذه المسالة !
< أقول أنا أبو حب الله : لقد مررت بمثل هذا فعلا ًحينما كان يطلب مني بعض غير المتعلمين البسطاء شرح تتابع الليل والنهار والشمس والقمر: فلم يفهموا مهما شرحت لهم > !!
فجاء لهم بالحكمة المباشرة النفعية التي تدركها عقولهم تماما ، ثم ارتقت عقول البشر بالعلم بعد ذلك فوصلنا إلى دراسة حركة الأفلاك التى توضح كل التفاصيل الفلكية .
وهناك سؤال يجىء فى أمر محدد، مثل قول الحق : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل (من الأية 217 من سورة البقرة) وهكذا عرفنا أن موضوع السؤال هو عن حكم القتال فى الأشهر الحرام ، لا طلب تحديد الأشهر الحرم بالذات .
----
7... استعمال الضمير
حين يتكلم الحق سبحانه عن ذاته ، قد يتكلم بضمير المتكلم . فيقول : "إنني أنا الله" (من الآية 14 سورة طه) وقد يقول سبحانه : "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون" (سورة الحجر) ، ومرة يتكلم عن ذاته بما نسميه نحن ضمير الغيبة مثل قوله "وهو القاهر فوق عباده" (من الآية 61 سورة الأنعام)
1-ضمير المتكلم معه دليله ، إن المتكلم يقول : أنا ، ويخاطبك فيقول : أنت. لكن الذي يتكلم بضمير الغيبة لابد أن يعود الضميرعلى مرجع لهذا الضمير . وحين يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه - سبحانه - يريد أن يبين لنا أنه في أجلى مجال المشاهدة والحضور. سبحانه يقول : " هو " قبل أن يذكر المرجع ، وهو " الله "، مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم ، فكأنه إذا أطلق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته العليا، فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو، ولذلك يقول : "قل هو الله أحد"
2- فإذا قال سبحانه : "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون". إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه ، لأنه يتطلب علما بما يتكلم به ، ويتطلب قدرة لإبرازه ، ويتطلب حكمة ، ويتطلب صفات كثيرة ، فإذا قال سبحانه : "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون". ( سورة الحجر ) فالتنزيل فعل ، والفعل يقتضى صفات متعددة . فلابد أن يأت بضمير التعظيم وهو الجمع لأن كل صفات الكمال متجلية فى التنزيل .
3- ولكن إن تكلم عن الذات فى التوحيد لا يأت بضمير الجمع أبدا لأنه يريد أن تنفى عن ذاته أنه متعدد.لأنه هو الواحد الذي لا شريك له ، فحين يتكلم عن الذات يقول "إنني أنا الله".
----
8... صفات الجلال وصفات الجمال
1- واتقوا النار التي أعدت للكافرين (آل عمران 131) / يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (التوبة 119)
كيف نوفق بين الأمر بأن نتقي النار أي العذاب و بين أن نتقي الله رب العالمين؟
اتقوا الله أي اتقوا صفات الجلال عند الله فالنار من متعلقات جلال الله وقدرته , إذن فالله أحق أن نخشاه من النار لأنه خالق النار ،ولكن كل شيء تخشاه تفر منه إلا الله تخشاه فتفر إليه. "ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين" وذلك لأنك لن تستطيع أن تفر منه !
2- إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (الأنفال 2) / الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (الرعد 28)
كيف نوفق بين كون القلوب تطمئن بذكر الله و بين كونها تخشاه ؟
إن المراد بالذكر ذكر عظمة الله وجلاله ومنها شدة انتقامه ممن عصى أمره لأن الآية نزلت عند اختلاف الصحابة في غنائم بدر فناسب ذكر التخويف (يسألونك عن الأنفال) أما آية الرعد : فنزلت فيمَن هداه الله وأناب إليه (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)، فكان الغالب في الذكر هنا ذكر رحمته وعفوه ولطفه لمن أطاعه وأناب إليه.
وجمع بينهما في "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (الزمر 23)
أي تقشعر عند ذكر عظمته وجلاله وعقابه، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمته وعفوه وكرمه.
يُـتبع إن شاء الله ..
Comment