بين النبوة والفلسفة
بقلم الأخ مهاجر
بقلم الأخ مهاجر
من المسائل الفارقة في باب النبوات ، ولها أثر ظاهر في زماننا في المعركة المحتدمة الآن بين الوحي الظاهر أبدا بحجته وبرهانه ، والعقل والذوق ، فبهما تفسد قوى العلم والعمل ، فيعارض العقل إن فسد قياسه علم النبوات النافع ، ويعارض الذوق إن فسد وجدانه عمل النبوات الصالح ، فتتسلط الشبهات على قوى التصور العلمي ، وتتسلط الشهوات على قوى الحكم العملي ، فتفسد حال المكلف باطنا بالشبهة وظاهرا بالشهوة ، وذلك من شؤم النكول عن منهاج النبوة إلى غيره من مناهج حادثة في العلم والعمل ، من تلك المسائل التي نجد لها أثرا في صراع التيار الإسلامي فسلاحه الوحي الصحيح والعقل الصريح المواطئ له الشاهد بصدق ألفاظه وصحة معانيه ، والتيار العلماني في الطرف المقابل فسلاحه العقل الفاسد الذي يعارض نص الوحي النازل ، بل ويزدريه وربما كفر به صراحة ، من تلك المسائل :
مسألة النبوة في مقابل الفلسفة :
فإن قوى النبوة عند الفلاسفة ثلاث :
القوى النفسانية العلمية ، والقوى النفسانية التخييلية والقوى النفسانية التأثيرية في هيولى العالم ، وتلك قوى قد تحصل للساحر أو الكاهن ، فالفرق بين جنس النبوة وجنس الكهانة عند أولئك : أن النبي يقصد الخير ، والساحر يقصد الشر ، مع تساويهما في القوى والملكات المكتسبة ، فجوزوا اكتساب النبوة ، فــ : "إن كان واضع الناموس مختصا بقوة قدسية ينال بها العلم بسهولة وقوة نفسية يتصرف فيها تصرفات خارجة عن العادة ويكون له قوة تخييلية تمثل له في نفسه أشكالا نورانية وأصواتا يسمعها في داخل نفسه فإن هذه الخواص الثلاثة هي التي يقول ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة إنها خواص النبي ومن قامت به كان نبيا والنبوة مكتسبة عندهم ولكن لما كانت هذه موجودة لكثير من الخلق ولم يصل بها إلى قريب من درجة الصديقين أتباع الأنبياء كالخلفاء الراشدين وحواريي عيسى وأصحاب موسى جعلناها من هذا القسم ، (أي قسم الملك العادل ، فالأقسام ثلاثة : نبوة صادقة ، وملك عادل برسم الإسلام ، ودعوى كاذبة كدعوى المتنبئ الكذاب) ، إذ صاحب هذا قد يكون فيه عدل وسياسة بحسب ما معه من العلم والعدل" . اهــ
بتصرف من : "الجواب الصحيح" ، (3/302) .
وقد اصطلح أهل العلم على تسميتهم بأهل التخييل فمقالتهم لا تعدو أن تكون قدحا بل وهضما لمقالة النبوة ، فليس لها حقيقة وإنما هي محض تخييل على رسم ضرب المثال العلمي تقريبا للمعنى إلى الذهن ، أو تأليفا لأصحاب الطبائع الكثيفة والنفوس الغليظة التي لا تستصلح إلا بوعود ، ولو زائفة ، بما يشبع غرائزها الطينية وشهواتها السفلية ! .
فــ : "أهل التخييل : من الملاحدة المتفلسفة والباطنية الذين يقولون إن الرسل أخبروا من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر بما يخالف الحق في نفس الأمر ليخيلوا إلى الجمهور ما ينتفعون به ويعدون هذا من فضائل الرسل !" . اهــ
"الجواب الصحيح" ، (3/565) .
فصار الأنبياء عليهم السلام من جنس ساسة الأعصار المتأخرة فتقاس حنكتهم بمدى براعتهم في الكذب لا سيما في الحملات الانتخابية ! ، فالسياسي البارع هو الكاذب المخادع ، الانتهازي الميكيافيللي الذي لا يعنيه إلا تحقيق غرضه ، فدائرة المصلحة عنده ضيقة لا تتعدى حدود المصلحة العاجلة ، وذلك أمر ظاهر في سياسة الدول في زماننا فأقصى طموح كل ملك أو أمير أو رئيس أو قائد ! : استقرار مصره ولو اشتعلت بقية الأمصار ! ، فلا يعنيه إلا سلامة ملكه ! ، ولا يؤرقه إراقة الدماء وانتهاك الحرمات في دول الجوار طالما كان مصره ساكنا ، ولو في الظاهر ، فذلك مما يحل عرى الولاء والبراء في القلب فلا يعنى المسلم بشان إخوانه ، فليس له هم إلا في تحصيل أمور معاشه ، ولو فضول مباحات يشبع بها غرائزه ، فيصالح الملوك بعضهم بعضا وإن شئت الدقة فقل يتصالحون على قاعدة : الشيطان الأخرس ! ، فيسكت كل ملك عن مظالم ومفاسد غيره لئلا يفتضح أمره فالمنكر على شاكلة المنكر عليه وكل يعمل على شاكلته ! ، فهل ذلك المسلك النفعي الانتهازي مما يليق بصفوة الخلق من رسل الرب ، جل وعلا ، وأي قدح في النبوة أعظم من ذلك ، وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مئنة من جهل عظيم ، بمقالة النبوة ، ومقالة الفلاسفة عمدة في هذا الباب فليس لهم من علوم النبوات حظ ، فليس لهم إلا جملة نافعة من علوم الطبيعيات ، فجل علومهم في الإلهيات محض كهانة وتخرص وقول بلا عمل فرعا على قياس بلا فقه ، فقد أجروا سنن الطبيعيات على حقائق الإلهيات فقاسوا علوم الغيب على علوم الشهادة ، وذلك من القياس الفاسد ، للقدر الفارق بين الأصل والفرع ، فكيف تقاس حقائق لا يدركها العقل على أخرى يباشرها الحس ! ، وذلك مناط انحراف كل من سلك غير جادة النبوة في علم أو عمل ، في شرع أو حكم ، فهل وقع العلمانيون في زماننا ، وهم ورثة أصحاب المذاهب العقلية التي اندثرت وبقيت مقالاتها مبثوثة في كلام كل من ازدرى الوحي وعارض النقل بالعقل الفاسد ، فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح ، كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم ، وإنما يعارضه عقل قد فسد قياسه فظن السعادة والنجاة في غير سبيل الوحي ، فانتقص من قدر النبوة ، فهل وقع العلمانيون في زماننا فيما وقعوا فيه من ازدراء حكم الشرع وتعظيم حكم العقل بتقديم الشرائع الحادثة على الشرائع النازلة فذلك ملمح رئيس في طريقتهم الغالية في عزل الوحي وتولية العقل ، فلا دور للدين في الحياة : تقنينا وتنظيما وإنما دوره فقط : شعائر مختزلة في دور أعدت لها فلا يتعدى أثره جدرانها ، فمناط الفساد عند الجميع : هجر الوحي الأعلى وانتحال بديل أدنى ، فعليهم يصدق إنكار وتوبيخ الكليم عليه السلام : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) .
ويزيد ابن تيمية ، رحمه الله ، المقال بيانا في موضع آخر بقوله : "أَهْلُ التَّخْيِيلِ : هُمْ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَمُتَصَوِّفٍ وَمُتَفَقِّهٍ . فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِلْحَقَائِقِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَا أَنَّهُ بَيَّنَ بِهِ الْحَقَّ وَلَا هَدَى بِهِ الْخَلْقَ وَلَا أَوْضَحَ بِهِ الْحَقَائِقَ . ثُمَّ هُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَعْلَمْ الْحَقَائِقَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ . وَيَقُولُونَ : إنَّ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ مَنْ عَلِمَهَا وَكَذَلِكَ مِنْ الْأَشْخَاصِ لَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ الْأَوْلِيَاءَ مَنْ عَلِمَهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ الْمُرْسَلِينَ . وَهَذِهِ مَقَالَةُ غُلَاةِ الْمُلْحِدِينَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ : بَاطِنِيَّةِ الشِّيعَةِ وَبَاطِنِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ ، (وتلك أيضا من جنس مقالة العلمانيين في زماننا فلسان حالهم بل ولسان مقال كثير منهم أن النبوات لم تدرك من حقائق الكون والشرع التي تستقيم بها أمور الحياة ما أدركته عقولهم وما أحدثته فهومهم من الشرائع الحادثة والمناهج الباطلة التي يرد فيها الأمر إلى الهوى والذوق برسم الإصلاح فلسان حالهم لسان مقال المنافقين زمن الرسالة : "إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا") . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ الرَّسُولُ عَلِمَهَا لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِمَا يُنَاقِضُهَا وَأَرَادَ مِنْ الْخَلْقِ فَهْمَ مَا يُنَاقِضُهَا ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي لَا تُطَابِقُ الْحَقَّ . وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ : يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إلَى اعْتِقَادِ التَّجْسِيمِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِلَى اعْتِقَادِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ . قَالُوا : لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَةُ الْخَلْقِ إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ" . اهــ بتصرف من : "مجموع الفتاوى" .
فتلك القوى عندهم ، قوى كسبية لا وهبية ، فتحصل للنبي وغيره ، والفرق بينهما ، كما تقدم ، قصد المكتسِب ، فإن أراد خيرا فهو نبي ، وإن أراد شرا فهو ساحر ، فتنال بأجناس التهذيب لأخلاق النفوس ، لتصير محلا قابلا لآثار العلم الذي صيروه غاية مطلقة ، وإن لم يقترن بالعمل الذي يصدقه ، فالمقصود بالعبادات عندهم : "تهذيب أخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك للعلم وليست هي مقصودة في نفسها ويجعلونها من قسم الأخلاق وهذا قول متفلسفة اليونان وقول من اتبعهم من الملاحدة والإسماعيلية وغيرهم من المتفلسفة الإسلاميين كالفارابي وابن سينا وغيرهما ومن سلك طريقهم من متكلم ومتصوف ومتفقه كما يوجد مثل ذلك في كتب أبي حامد والسهروردي المقتول وابن رشد الحفيد وابن عربي وابن سبعين لكن أبو حامد يختلف كلامه تارة يوافقهم وتارة يخالفهم وهذا القدر فعله ابن سينا وأمثاله ممن رام الجمع بين ما جاءت به الأنبياء وبين فلسفة المشائين أرسطو وأمثاله ولهذا تكلموا في الآيات وخوارق العادات وجعلوا لها ثلاثة أسباب : القوى الفلكية والقوى النفسانية والطبيعية إذ كانت هذه هي المؤثرات في هذا العالم عندهم وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات وما للسحرة من العجائب هو من قوى النفس لكن الفرق بينهما أن ذلك قصده الخير وهذا قصده الشر وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء ....... فإنه مبني على إنكار الملائكة وإنكار الجن وعلى أن الله لا يعلم الجزئيات ولا يخلق بمشيئته وقدرته ولا يقدر على تغيير العالم" . اهــ
بتصرف من : "الجواب الصحيح" ، (3/290) .
فلم يذكر الفلاسفة إلا مجملات يحصل بها نوع صلاح للنفس ولكنه ليس الصلاح الكامل ، فلا يتلقى ذلك إلا من دين الأنبياء الجامع وشرعهم الكامل ، ففي دينهم كمال الحكمة العلمية تصورا ، وفي شرعهم كمال الحكمة العملية حكما ، فــ : "ما ذكره المتفلسفة من الحكمة العملية ليس فيها من الأعمال ما تسعد به النفوس وتنجو من العذاب كما أن ما ذكروه من الحكمة النظرية ليس فيها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فليس عندهم من العلم ما تهتدي به النفوس ولا من الأخلاق ما هو دين حق ولهذا لم يكونوا داخلين في أهل السعادة في الآخرة المذكورين في قوله تعالى : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، وهذه الفضائل الأربع التي ذكرها المتفلسفة ، (وهي : العفة في المطعم ، والعفة في المنكح ، والشجاعة فذلك من تهذيب القوى الشهوانية الغضبية ، والحكمة فهي من تهذيب القوى العلمية) ، لا بد منها في كمال النفس وصلاحها وتزكيتها .
والمتفلسفة لم يحدوا ما يحتاج إليه بحد يبين مقدار ما تحصل به النجاة والسعادة ولكن الأنبياء بينوا ذلك ....... فالقوة العملية تستلزم أن يكون للإنسان مراد وذلك المراد لنفسه هو علة فاعلة للعلة الفاعلة ولهذا قيل : العامة تقول : "قيمة كل امرىء ما يحسنه" ، والعارفون يقولون : "قيمة كل امرىء ما يطلب" وفي بعض الكتب المتقدمة : "إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته" .
وهؤلاء المتفلسفة لم يذكروا هذا في كمال النفس وإنما جعلوا كمالها العملي في تعديل الشهوة والغضب بالعفة والحلم وهذا غايته ترك الإسراف في الشهوة والغضب والشهوة هي جلب ما ينفع البدن ويبقي النوع . والغضب : دفع ما يضر البدن ولم يتعرضوا لمراد الروح الذي يحبه لذاته مع أنهم إنما تكلموا فيما يعود إلى البدن وجعلوا ذلك إصلاحا للبدن الذي هو آلة للنفس وجعلوا كمال النفس في مجرد العلم ........ (وهذا غلط بين فــ : إن النفس لها كمال في العمل والإرادة كما أن لها كمالا في العلم وإن العلم المجرد ليس كمالا لها ولا صلاحا ولو كان كمالا لم يكن ما عندهم من العلم ما هو كمال النفس و : (به يظهر) غلط الجهمية الذين قالوا الإيمان هو مجرد العلم ، (فذلك وجه شبه ظاهر بين مقالة الفلاسفة ومقالة الجهمية فقد تشابهت مقالتهما ، أيضا ، في نفي صفات الرب المعبود ، جل وعلا ، وإن كان الفلاسفة في ذلك أعرق فمقالتهم في الإلهيات أفحش فليس لهم من النبوات حظ ، فكلما اقتربت المقالة من النبوات صار لها من الحق حظ ، ولو ضئيلا ، فالباطل دركات كما الحق درجات ، فبقدر الاعتصام بحبل النبوة العاصم من الزلل في العلم والعمل تعلو درجة المستمسك ، وبقدر النكول عن منهاج النبوة تسفل دركة الناكل ، وهذا أمر ظاهر في كل عقد أو عمل ، في كل مقال أو حال ، فالعلمانية في زماننا على سبيل المثال قد اشتركت في أصل فاسد هو تنحية الوحي وتولية العقل والذوق فجمعت ، كما تقدم فساد العلم والإرادة والعمل ، ولكنها مع ذلك تتفاوت فمنها المهادن ، ولو في الظاهر ، للدين بإظهار رسوم التعظيم والتبجيل ! ، ومنها السافر الكاشف عن عداوته ! ، بل ومنها العريق في الانحراف العلمي برسم الإلحاد ، والعريق في الانحراف العملي برسم الليبرالية المطلقة التي تفضي بصاحبها إلى ارتكاب الفواحش ، أو على أقل التقدير : الرضا بها بترك الإنكار على فاعلها فذلك رسم الحرية التي يروج لها الليبراليون في زماننا) ... فــ : الصواب قول السلف والأئمة : إن الإيمان قول وعمل أصله قول القلب وعمل القلب المتضمن علم القلب وإرادته وإذا كان لا بد للنفس من مراد محبوب لذاته لا تصلح إلا به ولا تكمل إلا به وذلك هو إلهها فليس لها إله يكون به صلاحا إلا الله ولهذا قال الله تعالى : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ، وليس ذلك للإنسان فقط بل للملائكة والجن فإنهم كلهم أحياء عقلاء ناطقون لهم علم وعمل اختياري ولا صلاح لهم إلا بمرادهم المحبوب لذاته وهو معبودهم ولا يجوز أن يكون معبودا محبوبا لنفسه إلا الله فلو كان في السماوات والأرض إله إلاالله لفسدتا فلهذا كان دين جميع الرسل عبادة الله وحده لاشريك له وهؤلاء المتفلسفة لا يعرفون ذلك فليس عندهم من صلاح النفس وكمالها في العلم والعمل ما تنجو به من الشقاء فضلا عما تسعد به" . اهــ
بتصرف واسع من : "الجواب الصحيح" ، (3/294_297) .
فلا يحصل بمقالتهم إلا نوع هدى جزئي في رياضة النفوس وسياسة الأمم بما وضعوه من طرائق في الرياضة والسياسة ، فذلك من قبيل ما وضعه المتشرعون في زماننا من دساتير وقوانين فما كان فيها من صلاح فمرده ، عند التدبر والنظر ، إلى ما وافقوا فيه النبوات ولو عرضا ! ، فلم يريدوا السير على جادتها ابتداء فلو أرادوا ذلك ما عارضوها بقياس العقل الحائر وحكمه الجائر الذي يضاهي أصحابه به حكم النبوة العادل ، فذلك ، كما تقدم ، من اتخاذ البشر أربابا تشرع فلازمه اتخاذهم آلهة تعبد ، على ما تقرر مرارا ، من التلازم الوثيق بين الربوبية إيجادا وتدبيرا ، ومن أجناسه : التدبير الحكمي بشرع ملزم يبيح ويحظر ، يأمر وينهى ، ولا يكون ذلك لمن هدي ووفق ، لا يكون ذلك إلا من مشكاة الوحي المنزل ، فــ : (مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، فكل حكم سوى حكمه فهو حكم جاهلية مذموم ، والشاهد أن التلازم بين الربوبية : تدبيرا وتشريعا ، والألوهية : تعبدا وتأويلا للحكم امتثالا بفعل المأمور وترك المحظور ، تلازم وثيق ، فما وضعه الفلاسفة من رياضات وسياسات ، هو من جنس ما وضعه المتشرعون في زماننا من قوانين وأحكام ، فما في طرائق كليهما من هدى فقد جاءت به النبوات بل وزادت عليه ما لم يعلموه ، فعقولهم قاصرة عن درك أسباب الكمال تفصيلا ، فليس ذلك إلا للرسالات التي جاءت ببيان مجمل ما استقر في النفوس من معاني التوحيد والعدل ، فعلوم الفلاسفة مجملة ناقصة تفتقر إلى البيان ، وفيها من الباطل ما تزل به الأقدام وتضل فيه الأفهام ، فالإلهيات والسمعيات ودقائق الحكميات مما لا يتلقى إلا من مشكاة النبوات ، لا سيما التي لا يدرك العقل وجه المصلحة فيها ، فهي من أحكام التعبد المحض الذي يدرك المكلف أثره النافع دون أن يعلم وجه الحكمة فيه ، فقد ابتلي بالتصديق والامتثال وإن لم يعلم وجه الحكمة ، وذلك لا يكون بداهة إلا في الفروع ، علوما أو أعمالا ، فلا يكون في الأصول ، فالحكمة فيها ظاهرة ، فذلك من نعمة الرب ، جل وعلا ، السابغة ، ورحمته البالغة ، أن هيأ لنا معرفة التوحيد : أصل السعادة والنجاة ، بخبر الصدق الصحيح ، وقياس العقل الصريح ، فواطأ خبر النبوات : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) : قياس العقل الصريح ، فــ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فدلالة التمانع ، كما تقدم ، تقضي بامتناع تعدد الآلهة المعبودة فرعا على امتناع تعدد الأرباب الخالقة المدبرة .
وقل مثله في رسوم العلمانية في زماننا ، فلسان حال أصحابها كما تقدم : (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ، فقد يحصل بالفعل نوع صلاح في فعلهم ، ولكنه صلاح ناقص لا يخلو من فساد ظاهر ، ولو سلم بخلوصه من المفسدة ، فلا يعدل صلاح النبوة الكامل السالم من شوب الانحراف العلمي والعملي فبه تحصل السعادة في الدنيا ، فــ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فيحصل الأمن النفساني فــ : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، والأمن الاجتماعي ، وشاهد الحال على عدل الشريعة الخاتمة فهي لسياسة الدنيا صالحة ، بل ومقدمة على كل شرع محدث بشهادة من أنصف من أرباب القوانين والدساتير المعاصرة فالمجامع القانونية بذلك قد أقرت ولما يقر العلمانيون الذين ينتسبون إلى الإسلام بعد ! ، ومجتمعات المسلمين وإن نحي الشرع في أكثرها ، لا تزال في الجملة خيرا من مجتمعات الكفار الأصليين ، فمعدل الجرائم لا سيما الأخلاقية فيها أدنى ، بل هي في نفسها تتفاوت فكلما كانت بالشرع ألصق ، بتطبيق جملة من أحكامه ، أو اتخاذه دستورا عاما ، أو حتى النص على ذلك في دساتيرها من باب ذر الرماد في العيون ، كلما كانت كذلك كانت آمن وأسعد ، والشريعة الخاتمة مع كل ذلك معدن النجاة في الآخرة ، فهي صلاح للدين والدنيا معا وذلك مما فارقت به الشرائع المحدثة فغاية الأخيرة أن تحدث نوع صلاح في أمر الدنيا بدرء مفسدة طارئة ، فلا تعدو أن تكون رد فعل يفتقر على الدوام إلى تعديل وربما استبدال ! ، كما نرى في قوانين ودساتير الدول في زماننا ! ، فواضعوها قد قصرت عقولهم وعلومهم عن درك المصلحة المطلقة ، فلا يدركون إلا المصلحة العاجلة ، فأين ذلك من شرع العليم اللطيف الخبير : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، فيعلم من حالهم الباطنة والظاهرة ما يشرع لهم به ما يلائم حالهم العاجلة والآجلة .
ومما يؤسف في هذه الآونة وقد راجت دعاية الديمقراطية الزائفة ، مما يؤسف أنها بما لها من بريق خداع ولسان عليم بفنون الجدال ، فيحسن المناورة ، وينتقي من الألفاظ ما يثير كوامن الإعجاب بمنطق عذب وإن كانت حقائقه مرة ، فيثير في النفوس كوامن الإعجاب فليس لها من حقائق التنزيل قدر يعصم ، فلو عُرِف الحق لزهق الباطل ، وإنما حل الباطل في كؤوس شاغرة ، ، ومما يؤسف أكثر ، أن ينخدع بهذه الدعاية فضلاء لهم قدر من الديانة ، بل ومنهم من يحمل آي التنزيل في صدره ، فهو من حفاظ الوحي بل ومن معلميه للناس ومقرئيه ، فقد أصابه ما أصاب كثيرا منا من عزوف وانصراف عن أهل العلم فخطابهم لما تتنوع أساليب الجذب فيه بعد ، فغالبا ما يأتي متأخرا ، وإن كان ذلك في أحوال كثيرة ، مئنة من التأني فلا عجلة ، فلا يعني الإنسان أن يصلح غيره ولو بإفساد نفسه ، فالكلمة أمانة فلا يتلفظ بها العاقل إلا بعد أن يزنها بميزان الشرع الصحيح والعقل الصريح ، ولكن عجلة الأحداث تدور بسرعة ، وليس عند كثير من النظار من الورع ما عند أهل العلم فيبادرون إلى الكلام ، لفتا للأنظار ، وإثارة للاهتمام ، ولو بكلمات مفتعلة وأخبار مصطنعة ، فقلة الورع في هذا الباب : مظنة الكذب والتلفيق إرادةَ النشر والترويج ، فلما كانت الحال كذلك وقع من وقع من الفضلاء في شرك الديمقراطية فراح ينافح عنها ، وينتصر لها ، ولو كان الخصم هو الإسلام ، وإن لم تكن الخصومة في ذهنه قد تمحضت فهو يروم الجمع بينهما ، فذلك من جنس ما رامه الفلاسفة من الجمع بين الحكمة البشرية والحكمة الإلهية ، أو الفلسفات الحادثة والنبوات النازلة ، والحكم على الشيء فرع على تصوره ، فقبل الحكم على الديمقراطية لا بد من تصورها تصورا كاملا لا تصورا مبتورا ناقصا بتسليط الضوء على ما فيها من حق ، فلا تخلو مقالة حادثة رائجة من حق وإلا لو كانت باطلا محضا ما التبست على أحد ، كما يقول بعض أهل التحقيق ، ففي الديمقراطية بؤر لامعة ونقاط مضيئة ، ولكنها لا تعدل ما فيها من مساحات مظلمة ، فنقاط ضوء في بحور ظلام دامس ، فقبل الحكم عليها بقبول أو رد ، لا بد من تصورها تصورا صحيحا باستقراء موادها استقراء كاملا ، ومعرفة أوجه الاشتراك بينها وبين الإسلام ، فإنها ، كما تقدم ، لا تخلو من حق واطأت فيه النبوة ، فتتقاطع دائرتها مع دائرة الوحي في قدر ، وتفترق في آخر ، فيلزم قبل كل ذلك : تعيين المنطلق الفكري والمرجعية للتصور والحكم في هذا الباب ، هل هي لنص الوحي النازل أو لقياس العقل الحادث ، ولو قياسا فاسد الاعتبار يخالف ما قد نص عليه الوحي المعصوم وأجمع عليه الأنبياء عليهم السلام وورثتهم من أهل العلم الشرعي المنقول ، ويلزم النظر في مقرراتها : هل في الإسلام مثلها ، ففيه غنية عنها ، فإن الدين الخاتم قد حفظ برسم العصمة فسلم مقاله من الكذب والخطأ ، خلافا لمقالات البشر ، فإنها وإن صلحت في جملة منها لم يؤمن الكذب والخطأ فيها ، ولو احتمالا ، فهي عن العصمة قد حجبت ، فالنظر في دلائل النبوة الكلية أولى من النظر في أحكامها الجزئية ، فإذا ثبت الأصل برسم التواتر ، سلم العقل للفروع فلم يجادل ، وعلم أن فيها غنية عن كل مقالة بشرية فما كان في كلام البشر من صدق وما كان في أحكامهم من عدل فالنبوة قد استغرقته بل وزادت عليه ، علم ذلك من علمه وجهله من جهله ، فأدلة النبوة قد بلغت من التواتر مبلغه فأفادت العلم الضروري الجازم بصدق دعوى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فما تقاطعت فيه الديمقراطية مع الإسلام من نقاط صدق وعدل لا تخلو منها مقالة ، وإلا ما اشتبهت على أحد ، كما تقدم ، فما تقاطعت فيه الديمقراطية مع الإسلام من ذلك ، ففي الإسلام غنية عنه بل وزيادة ، ومن استقرأ تاريخ أمة الإسلام الديني والسياسي والعسكري ........ إلخ ، علم يقينا سنة الرب ، جل وعلا ، فيها فهي أمة لا تحصل لها الريادة في الدين والدنيا ، في السلم والحرب ، في علوم الشريعة وعلوم الطبيعة ........ إلخ ، لا تحصل لها الريادة في ذلك إلا في ظل النبوة المحفوظة ، فإن دين الإسلام قد سلمت مقالته مما لم تسلم منه بقية الرسالات ، ومما لا تسلم منه جميع المقالات من الكذب والخطأ والدس والتحريف ، فلئن تسلط بعض رءوس الضلالة كابن سبأ فأفسد على فئام من الغلاة دينهم فإنه لم يتسلط على جوهر الديانة كما تسلط بولس على جوهر دين المسيح التوحيدي السماوي فصيره تثليثيا أرضيا ، فقد استعار له جملة من المقالات والفلسفات والرياضات صيرته مزيجا من الوثنيات القديمة ! ، فجرف سيل التشريك والتثليث آثار التوحيد في دين المسيح عليه السلام ، فصيره على الضد مما بعثت به الرسل وأنزلت الكتب ، فــ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) وذلك مما سلم منه المسلمون ، فقد سلم دينهم من التبديل ولم تمر أمتهم بنفس الظرف الكوني القاهر الذي مرت به أوروبا في عصورها المظلمة لما كان الشعب أسيرا في قيد الدين المحرف والسياسة الملكية الجائرة فقامت الثورة على دين محرف وسياسة جائرة ، فهل كان دين الإسلام كذلك ، وإن انحرف أتباعه في الأعصار المتأخرة عن منهاجه ، وهل انحرافهم عنه يسوغ طرحه ونبذه دون النظر في مقرراته بعرضها على ميزان النقل الصحيح والعقل الصريح ، فهل كان في الإسلام الصحيح المحفوظ : إقطاع وعبيد أرض وحق للسيد على عبده في الليلة الأولى مع زوجه يشتريها الزوج البائس ، فيفتدي عرضه بماله ! ، هل كان في الإسلام شيء من ذلك لتصير الديمقراطية هي طوق النجاة من استبداده وظلمه كما كانت كذلك للأوروبيين الذين انتفضوا وثاروا على ظلم الكنيسة في أمر الدين وظلم الإمبراطور في أمر الدنيا برسم التآمر مع رجال الدين المحرف ، فكان يكتسب شرعية جوره من إقرارهم له عليه في مقابل ما يمنحهم من امتيازات صيرتهم من جملة الإقطاعيين بل ومن أكابرهم مع أنهم رجال دين التزهد والرهبانية ! ، فهل الظرف واحد لتقتبس التجربة الديمقراطية برمتها دون نظر في مقرراتها التفصيلية ، وهل تقاطعها مع الإسلام في بعض النقاط المضيئة ، مع أن الإسلام إليها أسبق ، هل تقاطعها معه في هذه النقاط يسوغ قبولها مطلقا فيغض الطرف عن مساوئها التي سلم منها الإسلام ، فهو دين منزل برسم الحفظ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، والعصمة ، فــ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) .
والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .
Comment