بقلم : علاء الدين عبد الرزاق جنكو
سؤال خارج الدرس:
"عندي سؤال خارج الدرس يا أستاذ" قالها طالب يشع من عينيه بريق الذكاء والشقاء، وفي تلك اللحظة عادت بي الأيام إلى الوراء، عندما كنا نختبر الأستاذ حين دخوله علينا في بداية مشواره، بطرح سؤال - في ظننا - أنه يعجز عن الإجابة عنه لنكشف مستواه العلمي - طبعاً - والشخصي، ابتسمت له مجيباً: ولكننا لم نبدأ بالدراسة أصلاً، تلك العبارات الأولى في أول حوار لي مع الطلاب؛ بعد أن اخترت لنفسي مهمة التدريس الشاقة مشقة صعود جبال همالايا!!
أجبت الطالب بما كنت أعلمه؛ بعد أن قارنت له ولزملائه - مستخدماً السبورة - بين متطلبات الرجل والمرأة، حينها توقف الجميع ينتظرون مني أن أتكلم؛ كما أني لاحظت أن المسلمين قد تأثروا بالشبهة التي أثارها المستشرقون ومن سار على دربهم من أبناء المسلمين، ودأبوا على ترديدها وعدُّوها من المثالب والطعون التي يرمونه بها؛ وهي قضية ميراث المرأة، فالرأي الشائع بين أولئك الطاعنين بالإسلام: أن الإسلام ظلم المرأة واستهان بها حين جعل ميراثها نصف ميراث الرجل، فرأيت لزاماً عليَّ أن أوضح - حسب قدرتي - بعض الجوانب المهمة في نظام الميراث في الإسلامي؛ لإزالة اللبس عن عقول شبابنا المنخدع بما يسمعه من الآخرين، وبيان الكنز الذي بين أيديهم؛ ليملؤوا منها عقولهم وأفكارهم.
فلسفة الميراث في الإسلام:
عند الحديث عن فلسفة الميراث في الإسلام لا بد ولو بإشارة بسيطة للتنويه إلى حال المرأة قبل الإسلام بل وبعده، فعرب الجاهلية قبل الإسلام وضعوا المرأة في أخس وأحقر مكانة في المجتمع، فما أن يسمع أحدهم بأنه رزق بطفلة حتى يتوارى من القوم بسبب ما بشر به، يقول الله - تعالى-: (( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ))(النحل:58) كما كانوا يدفنون الطفلة وهي حية يقول تعالى: (( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ))(التكوير: 8- 9).
وكانت المرأة تورَث كما يورَث المتاع، وكانوا لا يرثون النساء والأطفال؛ لأن أساس التوريث عندهم كان الرجولة والفحولة والقوة، فورَّثوا الأقوى والأقدر من الرجال على الدفاع عن الديار؛ لأنهم كانوا يميلون إلى الحرب والنهب، وكانوا أهل فرٍّ وكرٍّ وغارات من أجل الغنائم.
أما بعد الإسلام: فالمرأة قديماً كانت تباع وتشترى، فلا إرث لها ولا ملك، وإن بعض الطوائف اليهودية كانت تمنع المرأة من الميراث مع إخوتها الذكور، وكانت الزوجة في انجلترا تُبَاع حتى القرن الحادي عشر، وفي سنة 1567م صدر قرار من البرلمان الاسكتلندي يحظر على المرأة أن يكون لها سلطة على أي شيء من الأشياء، أما الإسلام فقد عامل المرأة معاملة كريمة وسامية، وأنصفها إنصافاً لا تجد له مثيلاً في العالم القديم والحديث وخاصة في نظام الإرث، حيث حدد الشرع لها نصيباً في الميراث سواءٌ قلَّ الميراث أو كثُرَ، حسب درجة قرابتها من الميت، فالمرأة إما أن تكون أماً أو زوجةً أو ابنةً أو أختاً شقيقة أو لأبٍ أو بنت ابنٍ أو جدةً وفي كل هذه الحالات حدد الإسلام لهن نصيباً مفروضاً من التركة، قال الله - سبحانه وتعالى -: ((لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ))(النساء: 7)، وبهذا المبدأ أعطى الإسلام الحنيف منذ أكثر من أربعة عشر قرناً حق النساء في الإرث مثل الرجال، ويكفي المرأة المسلمة فخراً أن الإسلام قرر مبدأ المساواة في الاستحقاق بينها وبين الرجل، بل وساوى بينهما في الحكم التكليفي أيضاً.
إذاً فلماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟
إذا كان الإسلام سوَّى بين الرجل والمرأة في الاستحقاق فلماذا فرق في قَدْر الميراث؟ ولماذا تأخذ المرأة نصف ما يأخذه الرجل؟
إن أعداء الإسلام الذين يهاجمون نظام الإرث في الإسلام، ويدَّعون أن المرأة مظلومة؛ لأن للذكر مثل حظ الأنثيين، لا يستندون على أساسٍ من منطلق أو تفكير، فهو إدعاء باطل المقصود منه التهجم على الإسلام، وهؤلاء هم أجهل الناس بتوزيع الحقوق، وإلا فأنا أتحداهم أن يكونوا على قدْر - ولو بسيط - من معرفةٍ بالنظام الميراثي الإسلامي المثالي الذي يقرر أن للمرأة نصف ما للرجل، إن الناظر في حكمة هذا التفريق بين نصيب الرجل والمرأة سيعلم أن الإسلام بذلك قد حقق العدالة الاجتماعية في عالمٍ كل من فيه ينادي بها، ثم إن الإسلام لم يجعل ميراث المرأة نصف ميراث الرجل كقاعدة عامة في الميراث؛ حيث يتساوى نصيبهما في بعض الحالات، بل يزيد نصيبها عن نصيب الذكر أحياناً إلى ثلاثة أضعاف، وأحياناً أخرى ترث المرأة والرجل لا يرث!! فأين جهَّال الشريعة من عظمة الشريعة؟
الحكمة من إعطاء المرأة نصف نصيب الرجل:
مما سبق يتبين أن سبب نقص ميراث المرأة في بعض الحالات عن الرجل لا يعود لكونها امرأة، وإلا كيف يفسِّرُ أعداء الإسلام تساوي المرأة مع الرجل في بعض الحالات، وزيادتها في حالات أخرى؛ بل هذا النقص يعود لاعتبارات أخرى تخص الميراث والتوزيع، والعدالة الاجتماعية ودرجة القربى، وعدد الورثة... إلخ، ويمكن وضع الأسباب والاعتبارات التي جعلت نصيب المرأة نصف نصيب الرجل بما يلي:
1- الرجل عليه أعباء مالية ليست على المرأة مطلقاً، فالرجل يدفع المهر قال - تعالى-: ((وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ))(النساء:4)، ومعنى كلمة نحلة: أي فريضة مسماة يمنحها الرجلُ المرأةَ بطيب نفسٍ، والمهر حقٌ خالص للزوجة وحدها لا يشاركها فيه أحد، فتتصرف فيه كما تتصرف في أموالها الأخرى كما شاءت متى كانت بالغة عاقلة راشدة، فالمرأة مكفولة، والرجل مسؤول عن نفسه ومن يعول.
2- الرجل مكلف بالنفقة على زوجته وأولاده: لأن الإسلام لم يوجب على المرأة أن تنفق على الرجل ولا على البيت حتى ولو كانت غنية، إلا أن تتطوع بمالها عن طيب نفس قال تعالى: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ))(الطلاق:7)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع كما ورد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)(رواه مسلم برقم 1218)، فمال الرجل مستهلك، ومال المرأة موفور.
3- كما أن الرجل مكلف أيضاً بجانبٍ من النفقة على الأهل والأقرباء وغيرهم ممن تجب عليه نفقته، حيث يقوم بالأعباء العائلية، والالتزامات الاجتماعية التي كان يقوم بها المورِّث بعد موته، باعتباره جزءاً منه، وامتداداً له، أو عاصباً من عصبته.
هذه هي أهم الاعتبارات التي من أجلها جعل الشرع نصيب المرأة نصف نصيب الرجل، وعند فقدان هذه العبارات والأسباب نجد أن نصيبها يختلف بحسب وجودها وفقدانها.
تتساوى مع الرجل:
كما أسلفنا أن هناك حالات تأخذ فيها المرأة من الميراث بقْدرٍ مساوٍ لما يأخذه الرجل، وهذه الحالات هي:
- في ميراث الأب والأم، فلكل واحد منها السدس، إن كان للميت فرع وارث مذكر وهو الابن أو ابن الابن وإن نزل، كما في قوله تعالى: ((وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ))(النساء:11).
- ويكون ميراث الأخوة لأم؛ ذكرهم وأنثاهم سواء في الميراث كما قال - سبحانه وتعالى -: وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ))(النساء:12).
وهنا تتفوق على الرجل في الميراث:
وهناك صور في الميراث تأخذ المرأة أضعاف ما يأخذه الرجل وهي:
- كما في قوله تعالى: ((فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ))(النساء:11)، فالأب يأخذ السدس وهو أقل بكثير مما تأخذه البنت أو البنات، ومع ذلك لم يقل أحد أن كرامة الأب منقوصة بهذا الإرث.
- وقد تتفوق المرأة على الرجل في الميراث إذا كانت في درجة متقدمة مثل: البنت مع الأخوة الأشقاء، أو البنت مع الأعمام، وهنا ترث المرأة والرجل لا يرث!! وذلك في حال موت الرجل عن ابن وابنة، وأخوين شقيقين: فالابن والابنة لهما كل التركة، والأخوة الأشقاء ليس لهم شيء منها، فالأنثى ترث وهي: البنت، والذكر لا يرث وهو: الأخ الشقيق.
عدل وانصاف:
مما سبق نستنتج أن المرأة غُمِرَت برحمة الإسلام وفضله فوق ما كانت تتصور، وحفظ حقها على أساسٍ من العدل والإنصاف والموازنة، وعلى الرغم من أن الإسلام أعطى الذكر ضعف الأنثى فهي مرفهة ومنعمة أكثر من الرجال؛ لأنها تشاركه في الإرث دون أن تتحمل أية تبعات، فهي تأخذ ولا تعطي، وتغنم ولا تغرم، وتدخر المال دون أن تدفع شيئاً من النفقات، أو تشارك الرجل في تكاليف العيش ومتطلبات الحياة، ولربما تقوم بتنمية مالها في حين أن ما ينفقه أخوها وفاء بالالتزامات الشرعية والاجتماعية قد يستغرق الجزء الأكبر من نصيبه في الميراث.
فالتشريع الإسلامي وضعه رب العالمين الذي خلق الرجل والمرأة، وهو العليم الخبير بما يصلح شأنهم من تشريعات، وهو القائل جل شأنه: ((أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ))(الملك:14)، وليس لله مصلحة في تمييز الرجل على المرأة، أو المرأة على الرجل يقول الله - تعالى-: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ))(فاطر:15).
سؤال خارج الدرس:
"عندي سؤال خارج الدرس يا أستاذ" قالها طالب يشع من عينيه بريق الذكاء والشقاء، وفي تلك اللحظة عادت بي الأيام إلى الوراء، عندما كنا نختبر الأستاذ حين دخوله علينا في بداية مشواره، بطرح سؤال - في ظننا - أنه يعجز عن الإجابة عنه لنكشف مستواه العلمي - طبعاً - والشخصي، ابتسمت له مجيباً: ولكننا لم نبدأ بالدراسة أصلاً، تلك العبارات الأولى في أول حوار لي مع الطلاب؛ بعد أن اخترت لنفسي مهمة التدريس الشاقة مشقة صعود جبال همالايا!!
أجبت الطالب بما كنت أعلمه؛ بعد أن قارنت له ولزملائه - مستخدماً السبورة - بين متطلبات الرجل والمرأة، حينها توقف الجميع ينتظرون مني أن أتكلم؛ كما أني لاحظت أن المسلمين قد تأثروا بالشبهة التي أثارها المستشرقون ومن سار على دربهم من أبناء المسلمين، ودأبوا على ترديدها وعدُّوها من المثالب والطعون التي يرمونه بها؛ وهي قضية ميراث المرأة، فالرأي الشائع بين أولئك الطاعنين بالإسلام: أن الإسلام ظلم المرأة واستهان بها حين جعل ميراثها نصف ميراث الرجل، فرأيت لزاماً عليَّ أن أوضح - حسب قدرتي - بعض الجوانب المهمة في نظام الميراث في الإسلامي؛ لإزالة اللبس عن عقول شبابنا المنخدع بما يسمعه من الآخرين، وبيان الكنز الذي بين أيديهم؛ ليملؤوا منها عقولهم وأفكارهم.
فلسفة الميراث في الإسلام:
عند الحديث عن فلسفة الميراث في الإسلام لا بد ولو بإشارة بسيطة للتنويه إلى حال المرأة قبل الإسلام بل وبعده، فعرب الجاهلية قبل الإسلام وضعوا المرأة في أخس وأحقر مكانة في المجتمع، فما أن يسمع أحدهم بأنه رزق بطفلة حتى يتوارى من القوم بسبب ما بشر به، يقول الله - تعالى-: (( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ))(النحل:58) كما كانوا يدفنون الطفلة وهي حية يقول تعالى: (( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ))(التكوير: 8- 9).
وكانت المرأة تورَث كما يورَث المتاع، وكانوا لا يرثون النساء والأطفال؛ لأن أساس التوريث عندهم كان الرجولة والفحولة والقوة، فورَّثوا الأقوى والأقدر من الرجال على الدفاع عن الديار؛ لأنهم كانوا يميلون إلى الحرب والنهب، وكانوا أهل فرٍّ وكرٍّ وغارات من أجل الغنائم.
أما بعد الإسلام: فالمرأة قديماً كانت تباع وتشترى، فلا إرث لها ولا ملك، وإن بعض الطوائف اليهودية كانت تمنع المرأة من الميراث مع إخوتها الذكور، وكانت الزوجة في انجلترا تُبَاع حتى القرن الحادي عشر، وفي سنة 1567م صدر قرار من البرلمان الاسكتلندي يحظر على المرأة أن يكون لها سلطة على أي شيء من الأشياء، أما الإسلام فقد عامل المرأة معاملة كريمة وسامية، وأنصفها إنصافاً لا تجد له مثيلاً في العالم القديم والحديث وخاصة في نظام الإرث، حيث حدد الشرع لها نصيباً في الميراث سواءٌ قلَّ الميراث أو كثُرَ، حسب درجة قرابتها من الميت، فالمرأة إما أن تكون أماً أو زوجةً أو ابنةً أو أختاً شقيقة أو لأبٍ أو بنت ابنٍ أو جدةً وفي كل هذه الحالات حدد الإسلام لهن نصيباً مفروضاً من التركة، قال الله - سبحانه وتعالى -: ((لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ))(النساء: 7)، وبهذا المبدأ أعطى الإسلام الحنيف منذ أكثر من أربعة عشر قرناً حق النساء في الإرث مثل الرجال، ويكفي المرأة المسلمة فخراً أن الإسلام قرر مبدأ المساواة في الاستحقاق بينها وبين الرجل، بل وساوى بينهما في الحكم التكليفي أيضاً.
إذاً فلماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟
إذا كان الإسلام سوَّى بين الرجل والمرأة في الاستحقاق فلماذا فرق في قَدْر الميراث؟ ولماذا تأخذ المرأة نصف ما يأخذه الرجل؟
إن أعداء الإسلام الذين يهاجمون نظام الإرث في الإسلام، ويدَّعون أن المرأة مظلومة؛ لأن للذكر مثل حظ الأنثيين، لا يستندون على أساسٍ من منطلق أو تفكير، فهو إدعاء باطل المقصود منه التهجم على الإسلام، وهؤلاء هم أجهل الناس بتوزيع الحقوق، وإلا فأنا أتحداهم أن يكونوا على قدْر - ولو بسيط - من معرفةٍ بالنظام الميراثي الإسلامي المثالي الذي يقرر أن للمرأة نصف ما للرجل، إن الناظر في حكمة هذا التفريق بين نصيب الرجل والمرأة سيعلم أن الإسلام بذلك قد حقق العدالة الاجتماعية في عالمٍ كل من فيه ينادي بها، ثم إن الإسلام لم يجعل ميراث المرأة نصف ميراث الرجل كقاعدة عامة في الميراث؛ حيث يتساوى نصيبهما في بعض الحالات، بل يزيد نصيبها عن نصيب الذكر أحياناً إلى ثلاثة أضعاف، وأحياناً أخرى ترث المرأة والرجل لا يرث!! فأين جهَّال الشريعة من عظمة الشريعة؟
الحكمة من إعطاء المرأة نصف نصيب الرجل:
مما سبق يتبين أن سبب نقص ميراث المرأة في بعض الحالات عن الرجل لا يعود لكونها امرأة، وإلا كيف يفسِّرُ أعداء الإسلام تساوي المرأة مع الرجل في بعض الحالات، وزيادتها في حالات أخرى؛ بل هذا النقص يعود لاعتبارات أخرى تخص الميراث والتوزيع، والعدالة الاجتماعية ودرجة القربى، وعدد الورثة... إلخ، ويمكن وضع الأسباب والاعتبارات التي جعلت نصيب المرأة نصف نصيب الرجل بما يلي:
1- الرجل عليه أعباء مالية ليست على المرأة مطلقاً، فالرجل يدفع المهر قال - تعالى-: ((وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ))(النساء:4)، ومعنى كلمة نحلة: أي فريضة مسماة يمنحها الرجلُ المرأةَ بطيب نفسٍ، والمهر حقٌ خالص للزوجة وحدها لا يشاركها فيه أحد، فتتصرف فيه كما تتصرف في أموالها الأخرى كما شاءت متى كانت بالغة عاقلة راشدة، فالمرأة مكفولة، والرجل مسؤول عن نفسه ومن يعول.
2- الرجل مكلف بالنفقة على زوجته وأولاده: لأن الإسلام لم يوجب على المرأة أن تنفق على الرجل ولا على البيت حتى ولو كانت غنية، إلا أن تتطوع بمالها عن طيب نفس قال تعالى: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ))(الطلاق:7)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع كما ورد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)(رواه مسلم برقم 1218)، فمال الرجل مستهلك، ومال المرأة موفور.
3- كما أن الرجل مكلف أيضاً بجانبٍ من النفقة على الأهل والأقرباء وغيرهم ممن تجب عليه نفقته، حيث يقوم بالأعباء العائلية، والالتزامات الاجتماعية التي كان يقوم بها المورِّث بعد موته، باعتباره جزءاً منه، وامتداداً له، أو عاصباً من عصبته.
هذه هي أهم الاعتبارات التي من أجلها جعل الشرع نصيب المرأة نصف نصيب الرجل، وعند فقدان هذه العبارات والأسباب نجد أن نصيبها يختلف بحسب وجودها وفقدانها.
تتساوى مع الرجل:
كما أسلفنا أن هناك حالات تأخذ فيها المرأة من الميراث بقْدرٍ مساوٍ لما يأخذه الرجل، وهذه الحالات هي:
- في ميراث الأب والأم، فلكل واحد منها السدس، إن كان للميت فرع وارث مذكر وهو الابن أو ابن الابن وإن نزل، كما في قوله تعالى: ((وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ))(النساء:11).
- ويكون ميراث الأخوة لأم؛ ذكرهم وأنثاهم سواء في الميراث كما قال - سبحانه وتعالى -: وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ))(النساء:12).
وهنا تتفوق على الرجل في الميراث:
وهناك صور في الميراث تأخذ المرأة أضعاف ما يأخذه الرجل وهي:
- كما في قوله تعالى: ((فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ))(النساء:11)، فالأب يأخذ السدس وهو أقل بكثير مما تأخذه البنت أو البنات، ومع ذلك لم يقل أحد أن كرامة الأب منقوصة بهذا الإرث.
- وقد تتفوق المرأة على الرجل في الميراث إذا كانت في درجة متقدمة مثل: البنت مع الأخوة الأشقاء، أو البنت مع الأعمام، وهنا ترث المرأة والرجل لا يرث!! وذلك في حال موت الرجل عن ابن وابنة، وأخوين شقيقين: فالابن والابنة لهما كل التركة، والأخوة الأشقاء ليس لهم شيء منها، فالأنثى ترث وهي: البنت، والذكر لا يرث وهو: الأخ الشقيق.
عدل وانصاف:
مما سبق نستنتج أن المرأة غُمِرَت برحمة الإسلام وفضله فوق ما كانت تتصور، وحفظ حقها على أساسٍ من العدل والإنصاف والموازنة، وعلى الرغم من أن الإسلام أعطى الذكر ضعف الأنثى فهي مرفهة ومنعمة أكثر من الرجال؛ لأنها تشاركه في الإرث دون أن تتحمل أية تبعات، فهي تأخذ ولا تعطي، وتغنم ولا تغرم، وتدخر المال دون أن تدفع شيئاً من النفقات، أو تشارك الرجل في تكاليف العيش ومتطلبات الحياة، ولربما تقوم بتنمية مالها في حين أن ما ينفقه أخوها وفاء بالالتزامات الشرعية والاجتماعية قد يستغرق الجزء الأكبر من نصيبه في الميراث.
فالتشريع الإسلامي وضعه رب العالمين الذي خلق الرجل والمرأة، وهو العليم الخبير بما يصلح شأنهم من تشريعات، وهو القائل جل شأنه: ((أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ))(الملك:14)، وليس لله مصلحة في تمييز الرجل على المرأة، أو المرأة على الرجل يقول الله - تعالى-: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ))(فاطر:15).
Comment