هذه مقتطفات من الفصل المخصص عن ايمانويل كانت في كتاب تاريخ الفلسفة الحديثة للفيلسوف المصري يوسف كرم
حياته و مصنفاته
قيل عن سقراط أنه يشطر الفلسفة اليونانية شطرين : ما قبله و ما بعده ، و دعي ديكارت أبا الفلسفة الحديثة و اعتبر الحد الفاصل بين القديم و الجديد في تطور الفكر الأوروبي. كذلك نقول عن كنط إنه يشطر الفلسفة الحديثة نفسها شطرين . أجل لقد أخذ الشي الكثير عمن سبقوه ، من ديكارت إلى هيوم و روسو، و جرى في تيارهم ، و لكن تفكيره أدى به إلى وجهة جديدة شيطرت على القرن التاسع و لن تبدأ العقول بالتحرر منها إلا منذ عقخ قريب .
ولد كنط بكونجسبرغ من أبوين فقيرين على جانب عظيم من التقوى و الفضيلة ، ينتميان إلى شيعة بروتستانتية تدعى الشيعة التقوية pietisme تتمسك بالعقيدة اللوثرية الأساسية القائلة إن الإيمان يبرر المؤمن ، و ترى أن محل الدين الإرادة لا العقل ، و تعلي من شأن القلب و الحياة الباطنة ، و من ثمة تقول إن الإيمان الحق هو الذي تؤيده الأعمال ، و تعتبر المسيحية في جوهرها تقوى و محبة الله ، و تعتبر اللاهوت تفسيرا مصطنعا أقحم عليها اقحاما .
نشأ كنط على هذا المذهب و تشبع به في المنزل و المدرسة و الجامعة ، فكان لذلك أثره في توجيه فكره حتى كون فلسفة تميز تمييزا باتا بين صورة خالصة و مادة ، و حتى قال في وصف هذه الفلسفة :" أردت أن أهدم العلم (بما بعد الطبيعة ) لأقيم الإيمان ".
دخل في الثامنة إحدى المدارس التابعة للشيعة التقوية ، و أتم برنامجها في السادسة عشرة .... و بعد المدرسة انجه إلى كلية الفلسفة بجامعة مدينته يقصد دراسة اللاهوت ليصير قسيسا ، و لكنه عدل عن هذا القصد فيما بعد . تتلمذ لأستاذ بالكلية للرياضيات و الفلسفة من أتباع التقوية و من أتباع فولف ناشر فلسفة ليبنتز الموسومة بالعقلية ، فعرف بواسطته مؤلفات نيوتن ، فكانت عنصرا آخر هاما من عناصر فكره ، و لكنه حار بين التقوية و العقلية ، الأولى تشيد بالإرادة و العاطفة و الثانية تشيد بالعقل و العلم القياسي و تؤلف التقوى الحقة من" نور و فضيلة" و تعلن أن من الخطأ على السواء " الاعتقاج بأن المرء يستطيع أن يحب أخاه دون أن يخدمه ، و بأنه يستطيع أن يحب الله دون أن يعرفه " ، و في عام 1746 تقدم برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين ديكارت و ليبنتز في مسألة قياس قوة جسم المتحرك.
توفي والده فرأى أن يكسب رزقه بالتعليم في أسرة غنية ، و زال هذا العمل في ثلاث أسر على التوالي من أهل المنطقة قضى في ذلك تسع سنين لم ينقطع أثنااءها عن التفكير و التحصيل و نشر في نهايتها (1755) كتابا في " التاريخ العام للطبيعة و نظرية السماء . و في تلك السنة استطاع أن يستقر بكونجسبرغ و حصل على دجتين جامعيتين أولاهما برسالة في النار و الثانية برسالة في المبادئ الأولى للمعرفة الميتافيزيقية : يقبل فيها دليل العلل الغائية علة وجود الله بدون تحفظ . ثم عين استاذا خاصا في الجامعة .
إلى ذلك الوقت كان تحت تأثير فولف و نيوتن ميتافيزيقيا و عالما طبيعيا ، ففي رسالة نشرها سنة 1755 دافع عن تصور ليبنتز للحرية و قال أن الارادة لا تشذ عن مبأ السبب الكافي و قي سنة 1758 نشر رسالة أيد فيها تفاؤل ليبنتز القائل أن الله لكماله خلق بالضرورة خير العوالم الممكنة . ثم بعد ذلك قرأ شفتسبري و هاتشيسون و هيوخم و قرأ روسو فتغير تفكيره تغيرا عميقا .
....
و كان تأثير هيوم أبعد مدى و قد قال كنط فيما بعد أن هيوم أيقظه من سباته الاعتقادي ( الدجماطيقي ) و كان ذلك برايه في مبدأ العلية بنوع خاص ، إذا كان قد قال إن مبدأ العلية ليس قضية تحليلية ، أي أن المعلول ليس متضمنا في العلة أو مرتبطا فيها ارتباطا ضروريا ، و أن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون بتكرار التجربة .
سلم كنط بالملاحظة الأولى و لكنه فطن إلى أن التجربة لا تولد ضرورة بمعنى الكلمة و أن العلم قائم على مثل هذه الضرورة . و أن قيام العلم أمر واقع يمنع من قبول الشك و الاكتفاء بالتجربة فحسب ، فيجب أن يكون مبدأ العلية مبدأ أوليا في العقل و بفضله تتحول الالقضية التجريبية إلى قضية أولية كلية ضرورية ، و يجب إذن الفحص عن سائر المبادئ المطوية في العقل ة تعيين وظائفها في المعرفة العلمية ، و تلك هي الفكرة النقدية التي بنى عليها كنط فلسفته النقدية و لكنها لن تنضج عنده إلأا بعد زمن غير قصير .
حياته و مصنفاته
قيل عن سقراط أنه يشطر الفلسفة اليونانية شطرين : ما قبله و ما بعده ، و دعي ديكارت أبا الفلسفة الحديثة و اعتبر الحد الفاصل بين القديم و الجديد في تطور الفكر الأوروبي. كذلك نقول عن كنط إنه يشطر الفلسفة الحديثة نفسها شطرين . أجل لقد أخذ الشي الكثير عمن سبقوه ، من ديكارت إلى هيوم و روسو، و جرى في تيارهم ، و لكن تفكيره أدى به إلى وجهة جديدة شيطرت على القرن التاسع و لن تبدأ العقول بالتحرر منها إلا منذ عقخ قريب .
ولد كنط بكونجسبرغ من أبوين فقيرين على جانب عظيم من التقوى و الفضيلة ، ينتميان إلى شيعة بروتستانتية تدعى الشيعة التقوية pietisme تتمسك بالعقيدة اللوثرية الأساسية القائلة إن الإيمان يبرر المؤمن ، و ترى أن محل الدين الإرادة لا العقل ، و تعلي من شأن القلب و الحياة الباطنة ، و من ثمة تقول إن الإيمان الحق هو الذي تؤيده الأعمال ، و تعتبر المسيحية في جوهرها تقوى و محبة الله ، و تعتبر اللاهوت تفسيرا مصطنعا أقحم عليها اقحاما .
نشأ كنط على هذا المذهب و تشبع به في المنزل و المدرسة و الجامعة ، فكان لذلك أثره في توجيه فكره حتى كون فلسفة تميز تمييزا باتا بين صورة خالصة و مادة ، و حتى قال في وصف هذه الفلسفة :" أردت أن أهدم العلم (بما بعد الطبيعة ) لأقيم الإيمان ".
دخل في الثامنة إحدى المدارس التابعة للشيعة التقوية ، و أتم برنامجها في السادسة عشرة .... و بعد المدرسة انجه إلى كلية الفلسفة بجامعة مدينته يقصد دراسة اللاهوت ليصير قسيسا ، و لكنه عدل عن هذا القصد فيما بعد . تتلمذ لأستاذ بالكلية للرياضيات و الفلسفة من أتباع التقوية و من أتباع فولف ناشر فلسفة ليبنتز الموسومة بالعقلية ، فعرف بواسطته مؤلفات نيوتن ، فكانت عنصرا آخر هاما من عناصر فكره ، و لكنه حار بين التقوية و العقلية ، الأولى تشيد بالإرادة و العاطفة و الثانية تشيد بالعقل و العلم القياسي و تؤلف التقوى الحقة من" نور و فضيلة" و تعلن أن من الخطأ على السواء " الاعتقاج بأن المرء يستطيع أن يحب أخاه دون أن يخدمه ، و بأنه يستطيع أن يحب الله دون أن يعرفه " ، و في عام 1746 تقدم برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين ديكارت و ليبنتز في مسألة قياس قوة جسم المتحرك.
توفي والده فرأى أن يكسب رزقه بالتعليم في أسرة غنية ، و زال هذا العمل في ثلاث أسر على التوالي من أهل المنطقة قضى في ذلك تسع سنين لم ينقطع أثنااءها عن التفكير و التحصيل و نشر في نهايتها (1755) كتابا في " التاريخ العام للطبيعة و نظرية السماء . و في تلك السنة استطاع أن يستقر بكونجسبرغ و حصل على دجتين جامعيتين أولاهما برسالة في النار و الثانية برسالة في المبادئ الأولى للمعرفة الميتافيزيقية : يقبل فيها دليل العلل الغائية علة وجود الله بدون تحفظ . ثم عين استاذا خاصا في الجامعة .
إلى ذلك الوقت كان تحت تأثير فولف و نيوتن ميتافيزيقيا و عالما طبيعيا ، ففي رسالة نشرها سنة 1755 دافع عن تصور ليبنتز للحرية و قال أن الارادة لا تشذ عن مبأ السبب الكافي و قي سنة 1758 نشر رسالة أيد فيها تفاؤل ليبنتز القائل أن الله لكماله خلق بالضرورة خير العوالم الممكنة . ثم بعد ذلك قرأ شفتسبري و هاتشيسون و هيوخم و قرأ روسو فتغير تفكيره تغيرا عميقا .
....
و كان تأثير هيوم أبعد مدى و قد قال كنط فيما بعد أن هيوم أيقظه من سباته الاعتقادي ( الدجماطيقي ) و كان ذلك برايه في مبدأ العلية بنوع خاص ، إذا كان قد قال إن مبدأ العلية ليس قضية تحليلية ، أي أن المعلول ليس متضمنا في العلة أو مرتبطا فيها ارتباطا ضروريا ، و أن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون بتكرار التجربة .
سلم كنط بالملاحظة الأولى و لكنه فطن إلى أن التجربة لا تولد ضرورة بمعنى الكلمة و أن العلم قائم على مثل هذه الضرورة . و أن قيام العلم أمر واقع يمنع من قبول الشك و الاكتفاء بالتجربة فحسب ، فيجب أن يكون مبدأ العلية مبدأ أوليا في العقل و بفضله تتحول الالقضية التجريبية إلى قضية أولية كلية ضرورية ، و يجب إذن الفحص عن سائر المبادئ المطوية في العقل ة تعيين وظائفها في المعرفة العلمية ، و تلك هي الفكرة النقدية التي بنى عليها كنط فلسفته النقدية و لكنها لن تنضج عنده إلأا بعد زمن غير قصير .
Comment