اللادينية العربية .. بوابة خلفية للتنصير

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • وصية المهدي
    طالب علم
    • May 2005
    • 498

    #1

    اللادينية العربية .. بوابة خلفية للتنصير

    بسم الله الرحمن الرحيم


    بحمد الله وفضله تم الانتهاء من كتابة مذكرة عن علاقة اللادينية العربية بالتنصير مدعماً بالشواهد العديدة ، وسيتم طرح البحث على مدار حلقات متواصلة . وأنوه إلى أنه التزاماً بقوانين المنتدى فلن يتم طرح وصلات روابط المواقع اللادينية أو التنصيرية المعادية للإسلام وسيكتفى بذكر أسماء المواضيع والمقالات عند الإشارة إليها .
    وأعتذر للأخوة عن التأخير في عرض البحث نظراً لتأخر العديد من المراجع التي كنت بانتظارها .
    وأسأل الله أن يكون في هذا الطرح ما ينفع به المسلمين ،

    ولله الحمد أولاً وأخيراً ...
    وصية المهدي
    هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
    بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
    ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس
  • وصية المهدي
    طالب علم
    • May 2005
    • 498

    #2
    مقدمة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وبعد
    ربما لا يشتهر في تاريخ نشر المعتقدات في العالم على مر التاريخ إلا معتقدين : الإسلام والنصرانية . وقد نتج عن طريق نشرهما التواجه والمجابهة في كثير من الأحيان . والمجابهة بين الإسلام والنصرانية منذ نشأة الإسلام كانت وما تزال تختلف باختلاف الأزمان والأحوال . وكلاهما له من وسائل المواجهة ونشر معتقده ما سطرت به كتب خلال القرون الطويلة . ولطالما كان الإسلام يعمل على مواجهة التنصير من خلال تقوية إيمان متبعيه من خلال التمسك بالقرآن وحفظه والعلم والتمسك بسنن المصطفى عليه الصلاة والسلام . أي أنه كان يعتمد على التربية الداخلية لمعتنقيه بغض النظر عما تدعوا إليه المعتقدات الأخرى . وفي نشره للإسلام كان أيضاً واضحاً بيناً صريحاً ، فكان دعوته إلى هدم الأوثان ليرى عابدوها أنها ليست أرباباً من دون الله ثم ليدركوا من خلال عقولهم أنهم إليهم لا يرجعون . لقد كان الإسلام يطرح المعتقد واضحاً بالأدلة والبراهين على كافة شعوب الأرض وربما هذا ما جعله أكثر الأديان سرعة في الانتشار في تاريخ البشرية ، ولعل في شهادة ريكولدو دي مونت كروتشي وهو أحد الحاقدين على الإسلام في العصور الوسطى أكبر دليل على ذلك عندما شاهد بأم عينه إقبال المغول على الإسلام حيث علل ذلك بأن " الإسلام أسهل في التصديق والتطبيق " (1).
    وإن شئنا المقارنة مع النصرانية ولا نعني بها طبعاً ديانة المسيح ، فهو منها براء . وإنما الديانة التي انحرفت عن طريقها فألهت البشر وعبدت أتباعها للصليب وقدست الأفراد بل والصور والتماثيل . فالمقارنة كانت جلية لما سلكه بعض أبناء النصرانية في سبيل نشرها أو حماية أبناءها من الإسلام . لقد كان الإسلام دائماً ومنذ بعث الله محمد عليه الصلاة والسلام مصدر خوف النصرانية وأربابها . فكان موقف القساوسة والأساقفة وأصحاب البابوية فيها هو تشويه صورة الإسلام لدى النصارى ليمنعوا الناس من الدخول فيه . كان هذا الموقف واضحاً منذ انتشار الإسلام في بلاد الشام في القرن الأول الهجري ثم انتقل إلى بيزنطة فأوروبا وكنائسها . لقد كان كره آباء الكنيسة الأوائل للإسلام عظيماً فما تركوا فرية ولا كذبة ولا سيئة إلا وألصقوها في الإسلام ليجعلوا من الإسلام شيطاناً يخافه البسطاء من النصارى فلا يؤمنوا به ولم يتركوا وسيلة لذلك إلا واتبعوها . لقد قامت الكنيسة بإبعاد الإسلام عن تابعيها بطريقة لا تخلو من سيئات الأعمال وبهتان القول وشهادة الزور ، وليس بالتحصين الداخلي من خلال المعتقد النصراني . لقد كان تشويه صورة الإسلام هو الحل في نظر الكنيسة لمنع النصارى من الإيمان به .
    أما عن نشر النصرانية بين المسلمين فكانت وللأسف لاتقل سوءاً في طرقها ووسائلها عن طرق الدفع . فما استخدم سابقاً في حماية أبناء النصارى من الإسلام ، استخدم أيضاً لتشويه صورة الإسلام أمام أبنائه ، وركزوا على الأركان التي يرون أن الإسلام قائم عليها وهي القرآن والرسول وجعلوهما هدف من أهداف التنصير الرئيسيين وهما : تنصير المسلم أو جعله بلا دين . ونشأت لذلك مؤسسة كبرى منذ قرون تسمى بالاستشراق ادعت العلمية ولكنها لبست لبوس الكنيسة ، فلم تترك دعوى من دعاوى المنصِّرين على القرآن والرسول والإسلام إلا وجعلت منها أطروحة علمية . حتى أن الأستاذ أنور الجندي يقول " بأن المستشرقين قدموا 60 ألف كتاب عن الإسلام مكتوبة من وجهة نظرهم ، وفيها معاداة للإسلام وتشويه للحقائق كتبت خلال المئة وخمسين عاماً الماضية ، وهي مصدر الغربيين والمسلمين في الغرب عن الإسلام اليوم " (*) . ومن هنا كان التنصير يعتمد على تشويه صورة الإسلام أمام متبعيه أولاً ، وليس من خلال المعتقد النصراني الذي لا تقبله الفطرة الصحيحة .
    ولكن هل انتهت بذلك أساليب التنصير وبالأخص في العالم الإسلامي ؟ كلا ، فكلما ظهرت وسيلة افتضح أمرها كالتعليم والمساعدات والتطبيب ورحلات الاستكشاف والاستعمار والحوار ، حتى لقد وضع بعضهم وهما المؤلفان النصرانيين دافيد باريت محرر دائرة المعارف المسيحية و مستشار الفاتيكان لشئون التنصير العالم وجيمز ريبسوم خبير شؤون التنصير كتاباً سمياه ( 700 خطة لتنصير العالم ) . وبطبيعة الحال فإن التنصير بين المسلمين له خطط وطرق خاصة تختلف عن تلك المستخدمة في تنصير أتباع باقي الأديان لدرجة أن المنصِّرين تجرأوا إلى أن يزعموا بأن الإسلام يقول بالدعاوى النصرانية كتأليه المسيح وصلبه والثالوث .... الخ ... بل وصلوا إلى استخدام الإلحاد والزندقة والعلمنة بين المسلمين كوسيلة من وسائل التنصير . ولعل أصدق من يعبر عن هذا ما يقوله الدكتور سلمان العودة في (مذكرة التنصير) بأن التنصير " اليوم يمد يديه ويكشُّر عن أنيابه ويفتل سواعده لحرب ضروس مع العقيدة الإسلامية فكان لابد أن تدق طبول الخطر ليسمع من يسمع ويعي من لم يعي خاصة إذا علمنا أن التنصير اليوم يتلصص بأساليب ماكرة خبيثة هي أحياناً أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ويرضى ولو باليسير من العمل " (2) .
    ولقد عمدت في هذه المذكرة إلى التركيز فقط على الموضوع وهو العلاقة بين اللادينية والتنصير في العالم الإسلامي دون الخروج إلى مواضيع أخرى رغم ارتباطها بالموضوع بصلة وثيقة كعلاقة التنصير بالاستعمار ، واستخدام المال والحاجات في التنصير ، وسواها . وكان منهجي في المذكرة هو الاستشهاد بما قيل عن استخدام اللادينية والعلمنة كوسائل من وسائل التنصير وارتباط التنصير بالفساد الخلقي الذي هو وجهاً آخر للزندقة واللادينية . بالإضافة إلى طرح المشاهدات العديدة التي يتشابه بها أسلوب وموضوع الطرح بين اللادينية والتنصير عند الحديث عن الإسلام وإرجاع المواضيع المطروحة لادينياً ضد الإسلام إلى أصولها التنصيرية تاريخياً بل وحاضراً من أقوال المنصِّرين ومواقع التنصير .
    ولا أزعم أن الجميع في المؤسسة التنصيرية يقرون استخدام اللادينية كوسيلة من وسائل التنصير . فقد يوجد بينهم من يتأفف من هذا الأسلوب اللاأخلاقي بل وربما استغرب منه . ولكن ما تكتبه الأقلام اللادينية العربية في تشويه الإسلام هو صورة لما كتبته وألفته الكتابات التنصيرية قديماً وحديثاً . أي أن مصدر التلفيق والكذب على القرآن ومحاولة تشويه رمز الرسالة إنما هو رجل الدين المسيحي ومكان التعليم المسيحي . فكيف إذن تتشابه أقوالهم مع أقوال اللادينيين العرب ؟
    إن الإجابة الوحيدة التي أعمل على إثباتها في هذه المذكرة هي : أن كليهما التنصير واللادينية العربية تخرجان من بوتقة واحدة وفم واحد . إن التنصير وبما يحمله من إرث طويل من العداء للإسلام والرسول والقرآن ، وبما أفرزه من كتابات كثيرة خلال تلك القرون الطويلة ، هو مصدر الكتابات اللادينية العربية ضد الإسلام ، مما يجعل هذه الكتابات ذات صلة وثيقة بالتنصير . وهذا ما سنراه مفصلاً في هذه المذكرة . كما لا أقصد في هذه المذكرة الرد على دعاوي المنصِّرين واللادينيين وافتراءاتهم على الإسلام أو القرآن والرسول ، فقد رد على هذه الدعاوى أهل العلم من المسلمين علماء وطلبة علم منذ القديم .
    ________________________
    (1) من مقدمة كتاب صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص117
    (*) المرأة المسلمة والفكر الاستشراقي، عقيلة حسين، ص 69
    (2) مذكرة التنصير ، د. سلمان بن فهد العودة ، http://www.saaid.net/book/open.php?cat=85&book=443
    وصية المهدي
    هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
    بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
    ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

    Comment

    • وصية المهدي
      طالب علم
      • May 2005
      • 498

      #3
      تعريف التنصير واللادينية

      يجدر أولاً أن نعرف التنصير وللادينية بصورة موجزة وبسيطة كمدخل لهذه المذكرة .
      فالتنصير في اللغة : هو الدعوة إلى اعتناق النصرانية .وجاء في لسان العرب " والتنصر هو الدخول في النصرانية ". وفي الصحيحين ، واللفظ للبخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " . والفطرة هنا هي الإسلام . أما التنصير اصطلاحاً فهو تحويل البشرية إلى النصرانية باستخدام جميع الوسائل والسبل المتعددة مشروعة كانت أم غير مشروعة . أما مصطلح التنصير كما يعرفه الدكتور سلمان بن فهد العودة فيقصد به " ذلك الجهد الكنسي الذي يقوم به الدعاة من النصارى في الدعوة والعمل ، والذي يهدفون من خلاله إلى إدخال الشعوب في الديانة النصرانية ؛ سواء الشعوب المسلمة ، أو الشعوب الوثنية ، أو غيرها . أو يهدفون إلى تشكيك المسلمين في دينهم، وإخراجهم منه ، أو إلى تثبيت النصارى على ملتهم ، ودعوتهم إلى مزيد من التدين " .وهذا التعريف كما سنرى شامل وافي موجز لقضية التنصير في العالم الإسلامي . ويوضح الدكتور العودة رأيه في أن إطلاق مسمى ( تنصير ) أفضل من مسمى (تبشير) بقوله " لأن لفظة (تبشير) فيه دلالة على أن هؤلاء القوم يدعون إلى البشارة وإلى الخير، ويبشرون الناس بالسلام، وبالرحمة ، وبالبر، وبالجود، وبالسعادة، وهم ليسوا كذلك، والأولى بلفظة (التبشير) هو المسلم؛ فهو المبشر حقاً لأننا أصحاب البشارة وليسوا هم كما يقول تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) الفتح:8 " (3) .
      وفي الجهة المقابلة فإن الدكتور عبدالراضي محمد عبدالمحسن يفضل استخدام كلمة( التبشير ) وليس التنصير لعدة أسباب لغوية وسواها . فهو يرى أن التبشير هو إحدى مؤسسات التنصير وليس كل التنصير ؛ مما يجعل من قصر مصطلح التنصير على العمل التبشيري وتخصيصه به تمويهاً على المستهدفين بالتنصير وتحويل أنظارهم بعيداً عن نشاط المؤسسات التنصيرية الأخرى ، التي ربما يفوق تأثيرها الهدَّام تأثير التبشير . بالإضفة إلى أن كل مبشِّر منصِّر ، لكن ليس كلُّ منصِّر مُبشِّراً (4).
      أما اللادينية في العالم العربي فتكاد لا تعثر لها على تعريف ، فلكل لاديني تعريف خاص به حولها . إلا أن ما يمكن الإجماع عليه هو أنها عدم الارتباط بأي دين من الأديان . وبذلك يكون اللاديني غير مرتبط بأي ارتباطات دينية كالمعتقد والعبادات أو الأخلاق أو السلوكيات ، ومن هنا يربط العديد من اللادينيين مفهوم اللادينية بالحرية التي تحرره من الضوابط المجتمعية والسلوكية أو الدينية التي قد تميز مجتمعاً ما كالمجتمع الإسلامي على سبيل المثال .
      وحيث أن اللادينية هي مسمى للإلحاد ومبادئ الشك واللاأدرية فقد كانت دائماً بمثابة بوابة للشر من وجهة النظر الإسلامية ووجهة نظر المسلمين . فاللادينية والإلحاد – في نظر المسلمين – إنما هي دعوات للتفلت والإنحلال ، ولعل الوصف الذي يوصف به من يقترف الأعمال غير الأخلاقية أو البعيدة عن الدين إنما هو (زنديق) أو (متزندق) تشبيهاً له بالزنادقة أو الملحدين .
      _____________________________
      (3) مذكرة التنصير ، د. سلمان بن فهد العودة ، http://www.saaid.net/book/open.php?cat=85&book=443
      (4) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 15- 16
      وصية المهدي
      هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
      بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
      ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

      Comment

      • وصية المهدي
        طالب علم
        • May 2005
        • 498

        #4
        موجز تاريخي لهجمة التشويه التنصيري ضد الإسلام

        إن للتنصير طرقاً وخططاً عدة . فمنها العسكري كالحروب الصليبية والاستعمار ، ومنها الذي يلجأ إلى السياسة والمهادنة فيستغل وسائل التعليم والإعلام والطب . وحيث أنني لا أتناول التنصير باستخدام القوة كما هو الحال في الحروب ومحاكم التفتيش والاستعمار ، بل أتناول التنصير باستخدام الخطط غير المباشرة وأحدها هو استخدام اللادينية والإلحاد والعلمنة وتمرير مقولات التنصير عن الإسلام من خلال الكتابات اللادينية لتشكيك المسلمين بدينهم .
        ولكي نتفهم أصول المقولة اللادينية ضد الإسلام فلا بد من النظر في التاريخ لكي نرى أصول هذه الأقوال ومن أين نشأت عبر التاريخ الطويل من المواجهة الإسلامية الصليبية وقراءة تاريخ الجدل النصراني مع الإسلام وموضوعاته وأطروحاته في التنصير وتشويه صورة الإسلام لنرى بصورة مبدئية كيف أن حرب الصليبيين ضد الإسلام لا تمانع من استخدام الكذب والتلفيق والتزوير وترويج الإشاعات الملفقة ، فما الذي يمنعها من أن تتخفى وراء اللادينية والإلحاد في هجومها على الإسلام؟ والغرض من هذه المقدمة التاريخية هو عرض لمفتريات التنصير على الإسلام والكذب الملفق على الإسلام على مدى قرون طويلة ، وأن كل تلك المفتريات انتقلت من المنصِّرين إلى اللادينيين . مع التنويه أن ما سيتم عرضه في هذا الموجز التاريخي ليس إلا اليسير جداً مما تحويه حواضر المؤسسات الكنسية في العالم مما كتب ضد الإسلام خلال قرون طويلة منذ ظهور الإسلام وبدء انتشاره إلى يومنا هذا ومما تسنى لي العثور عليه في حواشي الكتب .
        إن أوائل الجدل ضد الإسلام بدأت في المشرق حيث احتك المسلمون مع نصارى المشرق منذ وقت مبكر حيث لعب العامل اللغوي دوراً هاماً عند مجادلي التنصير المشرقيين وذلك بالاطلاع بيسر وسرعة على القرآن الكريم في لغته العربية ، والوقوف على ما احتواه من عقائد وشرائع وأخلاق وقصص بخلاف مجادلي الغرب اللاتين الذين احتاجوا إلى عدة قرون كي يتمكنوا من قراءة القرآن في إحدى ترجماته . لقد دشن حملات الإفك والافتراء النصرانية ضد الإسلام والقرآن والرسول عليه الصلاة والسلام ابتداءاً وقبيل الحروب الصليبية بقرون القديس يوحنا الدمشقي (توفي عام 750م) والذي ألف كتاباً جامعاً في اللاهوت أسماه (ينبوع الحكمة) (5) . بالإضافة لذلك فيوحنا الدمشقي يعتبرأحد أكبر آباء الكنيسة الأرثوذكسية وبسبب قيمته الدينية الكبرى نال لقبين ذوي شأن ، فلقِّب بــ (القديس يوحنا ) و ( يوحنا ينبوع الذهب) . وبحكم كونه في خط الصراع الأول ضد الإسلام فإنه سارع بالعكوف على القرآن الكريم تفلية ونبشاً ، مسخِّراً إتقانه العربية ، وموظِّفاً إلمامه بالبيئة الثقافية الإسلامية التي يعيش في رحابها ويُعايش أعلى مستوياتها العلمية والسلطوية حيث كان من كبار موظفي بلاط الخلافة الأموية . ويمكن القول بأنه لا خلاف على ريادة يوحنا الدمشقي للجدل التنصيري ضد الإسلام ، كذلك يمكننا القول بأن جدليات يوحنا ضد القرآن هي الأهم في تاريخ الجدل التنصيري ضد القرآن حيث وضع يوحنا الدمشقي آراءه في قوالب جدلية مكثفة أصبحت ركيزة الجدل التنصيري في كل أدواره ومراحله التالية ، فقد ردد جميع المجادلين بعده بعض أو كلّ قوالب الدمشقي هذه . وكما سبق ، قد وضع يوحنا الدمشقي آراءه ضد الإسلام والقرآن والرسول في كتابه (ينبوع الحكمة) حيث خصص الفصل (100/101) في قسم البدع للجدل ضد الإسلام . وتتلخص رؤية يوحنا الدمشقي للإسلام ونبيه وكتابه فيما يلى :
        أ ـ التشكيك في كون الإسلام امتداداً لحنيفية إبراهيم ، لذلك يصف المسلمين على نحو لا يخلو من الخبث ، بالسرازانيين ، ويعد أول كاتب مسيحى يستخدم هذا التشويه لأغراض الجدل العنيف ، كذلك يصف المسلمين بـ (المفسدين ) وهى التسمية التى ستكثر في الجدليات التالية ليوحنا .
        ب ـ يعالج الإسلام على أنه هرطقة مسيحية .
        جـ ـ يقدم الإسلام على أنه مُؤْذن بالمسيح الدجّال .
        د ـ يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أتباع آريوس ، كما يجعله على عقيدة المذهب النسطوري ، وذلك بسبب تأكيده على أن المسيح مخلوق وإنسان مجرد ، وذلك ما قال به آريوس ونسطور .
        هـ ـ يحصر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين ، أولهما : معرفته الضحلة بما قلَّتْ قيمته من أسفار العهدين القديم والجديد اللذين وقع عليهما النبي صلى الله عليه وسلم مصادفة ، والثاني : ما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم عن الراهب الأريوسي ( بحيرا ) .
        و ـ القرآن نتاج لأحلام اليقظة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تلقاه وهو نائم (6) .
        ثم يظهر تيودورأبو قرة ويكرر أقوال يوحنا الدمشقي من أن الإسلام هرطقة نسطورية (7) . وتيودور أبو قرة هو أسقف حران الذي كان يجادل المسلمين أمام الخليفة المأمون بصورة مباشرة (8) .
        ولا بد من القول أن أسطورة تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم براهب مسيحي تظل مسيطرة على الجدل المسيحي المعادي للإسلام وتلقى التأييد والاحتضان على هذا الجدل سواء كان بيزنطي أو لاتيني كما سنرى لاحقاً . فمثلاًُ تختلف تسميات هذا الراهب الأريوسي الذي يزعم يوحنا الدمشقي بأن الرسول أخذ عنه ، فيسمونه مثلاً : سرجيوس أو سركيس ، ونسطوريوس ، وجيورجيوس ، ونيقولاوس ، ويوحنا . وهذا الراهب في زعمهم لا بد أن يكون نسطورياً ، كما أنه من أصحاب الطبيعة الواحدة ، كما يظهر أيضاً مرتداً ومؤلفاً للقرآن .... الخ (9) . وليس أكثر دلالة على امتداد هذا الزعم على تاريخ الجدل النصراني ضد الإسلام مما قاله فوك هارنَك الذي ذكر في ثلاثينات القرن العشرين نحو الأربعمئة رد من جانب المسيحيين على الإسلام منذ يوحنا الدمشقي في القرن السابع/ الثامن للميلاد وحتى القس بفاندر في أواسط القرن التاسع عشر والردود المذكورة كثيراً ما يكرر بعضُها بعضاً كالأسطورة القائلة أن الإسلام هرطقة مسيحية تتكرر منذ يوحنا وحتى القس زويمر الذي كان يجادل الإسلام والمسلمين في بيروت اثناء الحرب الأولى وبعدها (10) . هذا وتستمر الكتابات اللادينية بتمرير ذات الأسطورة التنصيرية من كون الإسلام هرطقة مسيحية كما سنرى لاحقاً .
        وقد بدأ من بعد يوحنا الدمشقي الجدل البيزنطي المليئ بالافتراءات والتلفيق والذي انتقل إلى أوروبا اللاتينية لاحقاً . ومن أوائل هؤلاء الجدليين البيزنطيين المؤرخ البيزنطي ثيوفانوس المعترف (760 - 800م) الذي ألف بدوره كتاباً عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم عد مرجعاً معتمداً وموثقاً يستمد منه اللاحقون مادتهم عن الإسلام . جاء فيه عن الرسول أنه " ولما كان محمد المذكور فقيراً ويتيماً فإنه قرر أن يربط نفسه بامرأة ثرية من ذوي قرباه ، هي خديجة ، بأن جعل من نفسه وكيلاً لها لقاء أجر يتناوله ، يتولى شئون إبلها ويقوم بأشغالها في مصر وفلسطين . ولم يمض زمن طويل حتى فاز برضا السيدة ، وكانت أيما ، بفضل طرائقة الصريحة فاتخذها له زوجاً ، وبذلك حصل على إبلها وسائر ممتلكاتها . وقد اختلط في فلسطين باليهود والمسيحيين ، وبواسطتهم حصل على بعض الكتب المنزلة وأصيب كذلك بمرض عصبي" (11) . ثم ينتقل للحديث عن الوحي بأنه مرض أصاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول " فلما علمت زوجته بأمره ، حز في نفسها أنها وهي العريقة الأصل قد أصبحت اليوم مرتبطة بإنسان لا يقتصر أمره على أنه فقير ، بل هو أيضاً مريض ، فراح يهدئها بقوله : إني تلم بي رؤية ملك من الملائكة ، اسمه جبريل .. " (12) . كما قام ثيوفانوس بصياغة فكرة سلبية عن الإسلام وصورة ذهنية وحشية عن المسلمين . فقد قال عن النبي صلى الله عليه وسلم " وكان يعلم أنصاره أن من قتل عدوا أو قتله عدوه فهو داخل الجنة (13) . إن الأسطورة التي وضعها ثيوفانوس حول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تعد المصدر لتلك الأساطير التي ظهرت في أوروبا بعد ذلك ، فقد خلط ثيوفانوس سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعناصر منتزعة من سير الرهبان الذين كانت الكنيسة تعدهم مبتدعة . بل إن من المضحك أن الأساطير المختلقة في أوروبا عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد كانت تزعم أن النبي محمد من أسرة كولونا التي كانت تعادي البابا في روما ، أو أن النبي ولد في بولونيا بإيطاليا ، وأن الإسلام إنما نشأ عن تنازع الكاردينالات بعضهم وبعض وطمعهم في أن يصيروا باباوات (14) . كما قام البيزنطيون بحملة ضد القرآن والهجوم عليه بشكل مفصل في أعمال نيكتياس البيزنطي في مقدمة كتابه (نقد الأكاذيب الموجودة في كتاب العرب المحمديين) ، أما أكبر هجوم جدلي ضد القرآن فهو ما قام به إمبراطور بيزنطة جان كنتا كوزين في كتابيه (ضد تمجيد الملة المحمدية) ، (ضد الصلوات والتراتيل المحمدية) وكان باللغة اليونانية (15) . إن أعمال البيزنطيين وتحريفاتهم ضد القرآن والإسلام ونبيه كانت هي المصادر الأساسية للاوروبيين عن الإسلام حتى مطلع القرن الثالث عشر (16) ، وفيما يتصل بحياة النبي عليه الصلاة والسلام فإن المؤلفين الغربيين ورثوا ما يلي من معلومات مضللة من البيزنطيين : محمد رجل مسيحي الأصل ، تزوج أيماً ثرية ، وكان مصاباً بالصرع ، وتحدد هدفه بسحق السيحية عن طريق اشتراع حرية جنسية واسعة (17) .
        _______________________________

        (5)دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة ، د. عرفان عبدالحميد فتاح ، ص 111
        (6)الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 24 - 26
        (7)الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 26
        (8)أدب الجدل والدفاع في العربية بين المسلمين والمسيحيين واليهود ، موريتس شتينشنيدر ترجمة صلاح إدريس ، ص 112(9)مسيحية ضد الإسلام، لودفيغ هاغمن ، ص 46 – 47
        (10)من مقال : حديث المسيحية والإسلام... مواريث المواجهة وفرص التفاهم والمشاركة ، عن دار الحياة 2004/07/3 ، http://www.passia.org/meetings/rsuni...03-07-2004.htm
        (11)الاستشراق رسالة استعمار ، د . محمد الفيومي ، ص 363
        (12)الاستشراق رسالة استعمار ، د . محمد الفيومي ، ص 363
        (13)الاستشراق رسالة استعمار ، د . محمد الفيومي ، ص 364
        (14)موسوعة المستشرقين ، د. عبدالرحمن بدوي ، ص 243 – 244
        (15)الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 31
        (16)من مقدمة كتاب صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 17
        (17)صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 67
        وصية المهدي
        هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
        بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
        ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

        Comment

        • ابو مارية القرشي
          محاور
          • Dec 2004
          • 823

          #5
          أخي الحبيب وصية المهدي،
          بالأحضان يا رجل...
          جزاكم الله خيرا على هذه السلسلة الرائعة المتعوب عليها..جعلها الله في ميزان حسناتك.
          لا تتعجل بوضع حلقات السلسلة دفعة واحدة رجاء ، فالقارئ يمل من قراءة المواضيع الطويلة!
          Last edited by ابو مارية القرشي; 03-21-2006, 06:02 PM.
          اللهم فك أسر الشيخ المجاهد حامد العلي و اخوانه من العلماء المجاهدين الذين صدعوا بكلمة الحق عندما خرس الكثير
          موقع الشيخ حامد العلي
          http://h-alali.info/npage/index.php
          منبر التوحيد و الجهاد
          http://www.tawhed.ws/
          حمل موقع الشيخ علي الخضير فك الله اسره و أسر اخوته
          http://www.islammessage.com/books/ali_alkhudair/22.rar
          فلم وثائقي:براءة المجاهدين من تقصد سفك دماء المسلمين
          http://islammessage.com/vb//index.ph...=0&#entry41729

          Comment

          • وصية المهدي
            طالب علم
            • May 2005
            • 498

            #6
            أخي الحبيب أبو مارية القرشي حفظك الله

            الحقيقة أن المذكرة طويلة بعض الشيئ ، لكن سأكتفي بوضع صفحة ونصف فقط على الأكثر يومياً منذ الآن وبشكل لا ينقطع فيه حبل التواصل بين فقرات المذكرة .
            وأشكر لك ترحيبك ومرورك .

            ولك خالص محبتي واحترامي
            وصية المهدي
            هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
            بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
            ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

            Comment

            • وصية المهدي
              طالب علم
              • May 2005
              • 498

              #7
              تابع ....

              وظهر في القرن العاشر الميلادي عبد المسيح بن إسحاق الكندي الذي كان عاملاً في بلاط الخليفة المأمون والذي كتب ردَّاً على رسالة عبدالله الهاشمي التي يدعوه فيها إلى الإسلام (18) . وقد حوت رسالة الكندي الكثير من القدح في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن . ولهذا تمت ترجمة رسالة عبدالمسيح الكندي من العربية وضمها إلى مجموعة دير كلوني الشهيرة التي تشمل بضعة مؤلفات في الجدل مع المسلمين بأمر من بطرس المحترم في القرن الثاني عشر الميلادي حتى يتعلم منها الرهبان أساليب الرد على المسلمين والطعن في الإسلام . وقد تلقف كتاب القرون الوسطى هذه الرسالة بلهفة وأدرجوها في مؤلفاتهم ضد الإسلام وصارت ما تحويه من تشويه مفاهيم ثابتة في الفكر الأوروبي . وقد جرى نشر هذه الرسالة مرتين في لندن عامي 1880م و 1885م لاستعمال المنصِّرين (19) .

              وعبدالمسيح الكندي يخترع قصة أخرى عن مصدر الإسلام ، ففي رده على رسالة عبدالله الهاشمي التي يدعوه فيها للإسلام يقول الكندي عن القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم ومصدر القرآن وتحريفه : " وذلك أنه كان رجل من رهبان النصارى يعرف بسرجيوس أحدث حدثاً أنكره عليه أصحابه فحرموه وأخرجوه وقطعوه عن الدخول على الكنيسة وامتنعوا من كلامه ومخاطبته على ما جرت العادة منهم في مثل هذا الضرب . فندم على ما كان منه فأراد أن يفعل فعلاً يكون له به تمحيص ذنبه وحجة عند أصحابه النصارى . فصار على بلد تهامة حتى أفضى على برية مكة فنظر البلد غالباً عليه صنفان من الديانة . وكان الأكثر دين اليهودية والآخر عبادة الأصنام فلم يزل يتلطف ويحتال بصاحبك (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) حتى استماله وتُسمي بنسطوريوس وذلك أنه أراد بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتدين به فلم يزل يخلو به ويكثر مجالسته ومحادثته ويلقي إليه الشيء بعد الشيء على أن أزاله من عبادة الأصنام ثم سيره داعية وتلميذا له يدعو إلى دين نسطوريوس . فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة ، فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى . فلم يزل يترقى به الأمر إلى أن بلغ به ما بلغ . فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية والذب عنها ، وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودة ، وأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . فلما قوي الأمر بالنصرانية وكاد يتم ، توفي نسطوريوس هذا فوثب عبدالله بن سلام وكعب المعروف بالأحبار اليهوديان بخبثهما ومكرهما فأظهرا له أنهما قد تابعاه على رأيه وقالا بقوله . فلم يزالا على ذلك المكر والدهاء والتدبير عليه ، بكتنان ما في نفسيهما إلى أن وجدا الفرصة بعد موته . فلما توفي وارتد القوم وأفضى الأمر إلى أبي بكر جلس علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر ، علما أنهما قد ظفرا يطلبان ويريدان في نفسيهما . فاندسا إلى علي بن أبي طالب فقالا له : لم لا تدع النبوة ؟ ونحن نوقفك على مثل ما كان يؤدب به صاحبك نسطوريوس النصراني ، فلست بأخص منه . وكان علي بن أبي طالب قد أحس بما كان نسطوريوس الراهب عليه لأن علياً كان صغيراً وقتما صحبه . إلا أنه أوعز إليه ألا يعلم أحداً بموضعه ، ولا يطلع عليه أحداً من أهله . فقبل علي منهما ذلك لصغر سنه وقلة تجربته . فمال علي إلى قولهما بسلامة قلبه ، فلم يتمم الله لهما ذلك ولم يبلغهما إياه . لأنه اتصل بأبي بكر بعض خبرهما فبعث إلى علي فلما صار إليه ، ذكره الحرمة ، ونظر علي إلى أمر أبي بكر وإلى قوته فرجع عما كان عليه ووقع بقلبه . وقد كانا عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل فأدخلا فيه أخبار التوراة وشيئاً من أحكامها وأخبار بلدها ، وشنعا فيه ، وزادا ونقصا ، ودسا تلك الشناعات كقولهما ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) ومثل تلك الأعاجيب وذلك التناقض الذي لا يخيل على الناظر فيه أن المتكلمين به قوم حتى مختلفون ، كل منهم ينقض صاحبه ، مثل سورة النحل والعنكبوت ومثل هذه وشبهه . ألا ترى أن علياً حيث يئس من الأمر أن يصير إليه صار إلى أبي بكر بعد أربعين يوماً – وقال قوم بعد ستة شهور – فبايعه ووضع يده في يده . فقال له أبو بكر : ما حبسك عنا وعن مبايعتنا يا أبا الحسن ؟ فقال : كنت مشغولاً بجمع كتاب الله لأن النبي كان أوصاني بذلك . فأنظر أيها العاقل في هذا الكلام وتدبر ما معنى شغله بجمع كتاب الله . وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف كان قد جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة " (20) .
              كما يقول الكندي عن القرآن في رسالته : " أنه إنما هو كلام منثور لا نظام له ولا تأليف ولا معنى متسق بل هو متناقض كله ينقض بعضه بعضاً " (21) .
              ويقول عن الحج : " وأن ما يفعل فيه من فعل الشمسية والبراهمة الذين يسمونه النسك لأصنامهم في الهند ،فإنهم يفعلون في بلدهم هذا الفعل بعينه الذي يفعله المسلمون اليوم ، من الحلق والتعري الذي يسمونه الإحرام، والطواف ببيوت أصنامهم إلى هذا الوقت على هذه الحالة . فلم تزد أنت عليه شيئاً ولا نقصت منه ذرة . فأنت آخذ بذلك الفعل الذي سميته النسك ... " . كما يقول أيضاً للهاشمي : " وأنت وأصحابك عالمون أن العرب كانت تنسك مثل هذه المناسك وتفعل هذه الأفعال منذ قديم الزمان منذ بنت هذا البيت ، فلما جاء صاحبك بالإسلام ، لم نره زاد في هذه الأفعال ولا نقص منها شيئاً ، غير أنه لبعد المشقة وطول المسافة وتخفيف المؤونة جعله حج مرة واحدة في السنة ، وأسقط من التلبية ما كلن فيها شناعة . والقصة هي تلك القصة التي بعينها التي تفعلها الشمسةي والبراهمة ببلاد الهند إلى هذه الغاية وتنسك بها لأصنامها " (22) .

              والزعم أن الحج فريضة وثنية أخذها النبي عن الوثنيين العرب وجعلها فريضة في الإسلام يتكرر كثيراً في الكتابات التنصيرية كما تظهر أيضاً في الكتابات اللادينية بشكل واضح . [/size]

              يتبع إن شاء الله ........
              ________________________________

              [SIZE=4](18) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 27
              (19) رؤية إسلامية للاستشراق ، أحمد غراب ، ص 55 – 56
              (20) رسالتان في الحوار والجدل بين المسيحية والإسلام في عهد الخليفة المأمون، تحقيق وتقديم وشرح المستشرق جورج تارتار، ص 107 – 110
              (21) رسالتان في الحوار والجدل بين المسيحية والإسلام في عهد الخليفة المأمون، تحقيق وتقديم وشرح المستشرق جورج تارتار، ص 119
              (22) رسالتان في الحوار والجدل بين المسيحية والإسلام في عهد الخليفة المأمون ، تحقيق وتقديم وشرح المستشرق جورج تارتار، ص 140 – 141
              وصية المهدي
              هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
              بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
              ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

              Comment

              • ابو مارية القرشي
                محاور
                • Dec 2004
                • 823

                #8
                تنبيه:
                عبد المسيح الكندي المذكور هنا ليس هو الكندي الفيلسوف الشهير.
                اللهم فك أسر الشيخ المجاهد حامد العلي و اخوانه من العلماء المجاهدين الذين صدعوا بكلمة الحق عندما خرس الكثير
                موقع الشيخ حامد العلي
                http://h-alali.info/npage/index.php
                منبر التوحيد و الجهاد
                http://www.tawhed.ws/
                حمل موقع الشيخ علي الخضير فك الله اسره و أسر اخوته
                http://www.islammessage.com/books/ali_alkhudair/22.rar
                فلم وثائقي:براءة المجاهدين من تقصد سفك دماء المسلمين
                http://islammessage.com/vb//index.ph...=0&#entry41729

                Comment

                • الفاروق
                  محاور
                  • Apr 2005
                  • 308

                  #9
                  أخي الفاضل وصية المهدي
                  جزيت خيراً على هذا المجهود الرائع
                  عندي اقتراح لكم, هل بالامكان وضع الكتابة اللاتينية إلى جانب أسماء المستشرقين و غيرهم ؟
                  ننتظر الحلقات القادمة
                  قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً
                  الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
                  أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
                  فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا
                  ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا

                  Comment

                  • وصية المهدي
                    طالب علم
                    • May 2005
                    • 498

                    #10
                    السلام عليكم ورحمة الله
                    الأخ الفاضل أبو مارية القرشي :
                    تنبيهك في محله . وعبدالمسيح الكندي أسبق في الظهور من الفيلسوف الكندي .

                    الأخ الفاضل الفاروق :
                    أحاول ما أقدر عليه في ذلك ، والأسماء السابق ظهورها هي كما يلي :
                    يوحنا الدمشقي : John of Damascus
                    ثيوفانوس المعترف : Theophanes Confessor
                    بطرس المحترم : Peter The Venerable; Petrus Venerabilis
                    عبدالمسيح الكندي : D'AL-KINDI وذلك بحسب ظهوره في كتاب المستشرق الفرنسي جورج تارتار

                    ولكم خالص الشكر على تنبيهاتكم الجلية والمفيدة .
                    وصية المهدي
                    هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
                    بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
                    ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

                    Comment

                    • وصية المهدي
                      طالب علم
                      • May 2005
                      • 498

                      #11
                      تابع ....

                      وعمل الرهبان في غرب العالم الإسلامي ما عمله رهبان الشرق من تناول الإسلام والتلفيق عليه لتشويهه في أعين أهل البلاد من النصارى وبخاصة أن الأندلس ارتفع بها صوت الحرية الدينية والنقاش حول قضايا الأديان والعقائد ، فقد استغل المنصِّرون ذلك فصنفوا مؤلفات جدلية كثيرة ضد الإسلام وتصدى لهم علماء الإسلام رداً وتفنيدا ً، مثل ابن حزم والقرطبي وأبو الوليد الباجي .

                      وأبرز الأمثلة على كتابات المنصِّرين الأسبان كتاب (نقض الفقهاء) لأحد النصارى الأسبان ، الذي كان له تأثير بالغ فيما بعد في ريكولدو دي مونت كروتشي الحانق على الإسلام . وقد أفاد كروتشي من هذا الكتاب في تصنيف أشهر كتبه (تفنيد القرآن) الذي عُني به مارتن لوثر وسارع إلى ترجمته للألمانية عام 1542م (23) . كما جاء في كتاب لأحد مشاهير اللاهوتيين في الأندلس المدعو إليوجيس القرطبي Eulogius of Cordva (توفي 859م) قوله : " بأن محمداً أخبر قومه قبيل وفاته بأن الملائكة ستهبط من السماء لرفع جسده كي يبعث من جديد هناك ، ولبث القوم ينتظرون نزول الملائكة حتى نفذ صبرهم ، وفاحت ريحة كريهة من جثته الفاسدة ، وهاجمت جموع الكلاب المسعورة تنهش جسده الأفون ، ومن هنا فقد صار تقليداً متبعاً وإلفاً متعارفاً عليه بين قومه من العرب قتل أعداد من الكلاب في عرس سنوي انتقاماً لمحمد من الكلاب " .
                      وقد استبدل فيما بعد جيوبارت الناجينتي Guibert of Nagent (توفي 1124م) في كتاب له عن الحملة الصليبية الأولى جموع الكلاب المسعورة بحشد من الخنازير معللاً بذلك تحريم المسلمين أكل لحم الخنزير (24) . وهذه القصة الملفقة عن تعلق جسد الرسول صلى الله عليه وسلم بين السماء والأرض عند موته وافتراس الخنازير لجسده كانت أيضاً من التلفيقات البيزنطية الكريهة في الشرق (25) .

                      كما أن صفة الوثنية التي ألصقها الأوروبيون بالإسلام والمسلمين ترجع إلى عهود الفتح الإسلمي للأندلس فقد كانت تلفق حتى في انجلترا في عام 711م حيث دبجت كتابات عدة في الغرب عن المسلمين الأعداء المتصفين بالقسوة المفرطة . ومن أهم تلك الكتابات ، ما سطره المؤرخ الانكليزي بيديه (673-735م) إذ ساهم في تكريس وصف المسلمين بالأعداء الوثنيين ، الذين يجب محاربتهم لأنهم يكنون كراهية عميقة للرب المسيحي (26) . وبحسب ريتشارد سوذرن فإنه بالإمكان القول بأن أكثر أخبار وأفكار الأوروبيين عن المسلمين في القرون الأولى للعصور الوسطى في أوروبا كان إسباني المنشأ (27) .
                      وكما نرى فإن التلفيق والكذب من قبل المنصِّرين على الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم كان من القدم في شرق العالم الإسلامي وغربه ، بل الغريب أن يخرج هذا الكذب من أفواه من يفترض أن يتحلوا بالصدق . لقد أشاعت الكنيسة في زمن الحروب الصليبية الأولى في القرن الحادي عشر كل الأكاذيب عن الإسلام بين الجموع وبين مسالك الكهنوت في أوروبا لدرجة أن أحد اللاهوتيين الأوروبيين وهو غيبرت نوغنت Gulbert von Nogent كتب أول تقرير موجز عن سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام بما يمكن اعتباره أول سيرة أوروبية له خارج إسبانيا الإسلامية ، ولم يكن في مصادره التي كتب بها تقريره أي مصادر مكتوبة بل كانت مصادره هي الرأي العام السائد آنذاك حتى أنه يقول في ذلك عن الرسول عليه الصلاة والسلام " إن الباحث له الحق في أن يتحدث بشكل سلبي عن رجل فاقت سيئاته كل حد معقول ..... " (28) .

                      ومما يثير الانتباه أن التنصير بتشويه صورة الإسلام والاعتماد على الروايات الضعيفة والمكذوبة كان مكشوفاً لدى النابهين في العالم الإسلامي آنذاك ، فهذا الجاحظ يظهر لنا في كتاب رسائل الجاحظ مشاهداته بقوله : " على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود ولا المجوس ولا الصابئين كما ابتليت بالنصارى ‏.‏ وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا والضعيف بالأسناد من روايتنا والمتشابه من آي كتابنا ثم يخلون بضعفائنا ويسألون عنها عوامنا مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين والزنادقة الملاعين وحتى مع ذلك ربما تبرءوا إلى علمائنا وأهل الأقدار منا ويشغبون على القوي ويلبسون على ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد‏.‏ وبعد فلولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى أغبيائنا وظرفائنا ومجاننا وأحداثنا شيء من كتب المنانية والديصانية والمرقونية والفلانية ولما عرفوا غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها ومخلاة في أيدي ورثتها‏ .‏ فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها‏ .‏ وأنت إذا سمعت كلامهم في العفو والصفح وذكرهم للسياحة وزرايتهم على كل من أكل اللحمان ورغبتهم في أكل الحبوب وترك الحيوان وتزهيدهم في النكاح وتركهم لطلب الولد ومديحهم للجاثليق والمطران والأسقف والرهبان بترك النكاح وطلب النسل وتعظيمهم الرؤساء علمت أن بين دينهم وبين الزندقة نسباً وأنهم يحنون إلى ذلك المذهب‏ " .
                      ويقول الجاحظ أيضاً : " ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة ويناسب في بعض وجوهه قول الدهرية وهم من أسباب كل حيرة وشبهة‏ .‏ والدليل على ذلك أنا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى ولا أكثر متحيراً أو مترنحاً منهم‏ .‏ وكذلك شأن كل من نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة ،‏ ألا ترى أن أكثر من قتل في الزندقة ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى ‏.‏ على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك‏ " (29) .

                      يتبع إن شاء الله .......
                      _________________________

                      (23) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 31 - 32
                      (24) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 113 – 114
                      (25) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 67
                      (26) مقال : أوروبا والإسلام في العصور الوسطى: قضايا المجابهة والعلاقات السياسية والانسانية ، حاتم الطحاوي ، دارالحياة ، 2004/07/3 ، http://www.passia.org/meetings/rsuni...03-07-2004.htm
                      (27) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 55
                      (28) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 68
                      (29) موقع الإيمان http://www.al-eman.com/Islamlib/view...BID=192&CID=17
                      وصية المهدي
                      هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
                      بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
                      ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

                      Comment

                      • وصية المهدي
                        طالب علم
                        • May 2005
                        • 498

                        #12
                        تابع .......

                        وقد وصل مدى التشويه على الإسلام من قبل الكنيسة في أوروبا إلى ألمانيا ، حيث نتج عن التصورات الإسلامية الخاصة بالجنة وما فيها من حور العين ذوات البكارة الأبدية ، وكثرة زوجات النبي والحق الشرعي لكل مسلم في الزواج من أربع نساء ، أن القرون الوسطى المسيحية صورت الإسلام على أنه الوليد الشهواني للشيطان ، وصورت النبي محمد صلى الله عليه وسلم على أنه وحش جنسي آثم .
                        وهكذا كتب في نهاية القرن الحادي عشر رئيس كاتدرائية مدينة ماينتس في ألمانيا ايمبريخو Embricho يقول " أن المسلمين يحتفلون بجميع أشكال الزواج التي تحرمها الشريعة الإلهية ، ولأنهم جردوك أيتها الطبيعة من حقوقك غصباً ، تسعى المرأة إلى ممارسة السحاق مع نظيرتها ، ويمارس الرجل اللواط مع مثيله . بل وخلافاً للتقاليد يجامع الشقيق شقيقته ولا تمانع الأخت المتزوجة أن يباضعها أخوها الشيطان . الأبناء يهتكون عرض أمهم والبنت تغتصب أباها . وكل ما هو محبب على هذا المنوال كانت الشريعة الجديدة (الإسلام) تحلله " (30) . إن إطلاق الأكاذيب على الإسلام كان الأمر الشائع بين رواد الكنيسة في تلك العصور الأوروبية المظلمة كما نرى .

                        ومع بدء الحروب الصليبية واحتكاك النصارى اللاتين بالمسلمين بشكل كبير تتجدد هذه الأطروحات حول النبي محمد عليه الصلاة والسلام والقرآن والإسلام وكيف أنه عليه الصلاة والسلام تأثر بشخص مسيحي فيما تختلف الأطروحات حول هذا الشخص فتارة هو راهب حاول الوصول لمنصب بطرك القدس ، وتارة أخرى هو راهب نسطوري باسم جروجيوس أو سركيس ، وفي مؤلفات أخرى يظهر اسم الكاردينال نيقولاوس النيكولاييني وهو يتبع حركة تحررية غنوصية . وتصل قصة نيكولاوس هذا في مؤلفات لاتينية أخرى إلى درجة الوصول إلى بلاد فارس والتحالف مع محمد وراهب يسمى سيركيس ليتفقوا على نحلة جديدة . وكل هذا إنما كان الغرض من وراءه شيئاً واحداً وهو " تصوير الدين الإسلامي على أنه غير أصيل وغير عريق ، بل أنه صدى لتوجيه مسيحي هرطقي ووصمه بذلك ليتم تجريد القرآن من إدعائه الحق في أن يعد كتاباً من الكتب المنزلة ذات المصدر الإلهي" (31) . وكما سنرى لاحقاً فإن الكتابات اللادينية لا تخرج عن هذه الأطر والأهداف في نقدها للإسلام إذ تستمر في ترديد المقولات التنصيرية عن ورقة بن نوفل وأنه هو معلم النبي ومؤلف القرآن .

                        وفي القرن الثاني عشر الميلادي وخلال الحروب الصليبية ، ظهرت فكرة ترجمة القرآن الكريم للاتينية حتى يمكن فهم الإسلام ومعرفة تعاليمه ومجادلته وكان السبق في ذلك إلى رئيس دير كلوني بطرس المحترم Peter The Venerable في طليطلة ووكل بها الأنجليزي روبرت الكيتوني Robert von Ketton ، ونشأ بذلك فكر جديد بين الطبقة الكهنوتية المسيحية تفضل "مهاجمة الإسلام بالكلمة والعقل والمحبة بدلاً من الأسلحة والعنف والكراهية" كما يقول بطرس المحترم (32) . وقد استغرق العمل في الترجمة ثلاث سنوات من عام 1141م ، واتصفت هذه الترجمة بالتعليقات على القرآن الكريم بحيث أصبحت لا تنطبق والمعاني الواردة به لما شابها من تصرف وحذف وتغيير . كما اتسمت الترجمة بتعليقات وملاحظات لدحض الآيات القرآنية وتغيير أحكامها وبالتالي لم تكن ترجمة حرفية أو لفظية للقرآن ، كما لم تتناول معانيه طبقاً لما ورد به من أحكام يعتد بها ومعاملات دنيوية سطرها (33) .

                        وربما كان بطرس المحترم من أوائل من دعا إلى التبشير كوسيلة للهدم بدلاً من الحرب ، خاصة وأنه بحسب ريتشارد سوذرن ربما قرأ كتابات يوحنا الدمشقي عن الإسلام والتي ترجمت إلى اللاتينية في تلك الفترة (34) . وقد أوضح بطرس هدفه من نشر هذه الترجمة التي شحنت بالتعليقات التي رددت التهم على القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : " إن القرآن منبع الزندقات وسبب الحركات الهدامة التي تهدد كيان المسيحية فإذا أيد القضاء عليه فلا بد من دراسته والدعوة إلى أنه كتاب تعارض وتضارب وتناقض وأن ما فيه يرفضه العقل " (35) . كما يقول بطرس المحترم أيضاً عن الغرض من هذه الترجمة اللاتينية للقرآن : " إذا بدا أن العمل الذي أدعو له غير ضروري لأن العدو لن يتأثر بهذا السلاح ، أجيب أن بعض الأعمال التي تجري في مجال سلطة الملك الأفخم إنما تتم من أجل ضرورات الدفاع ، أما بعضها الآخر فليس له غير مهمة تزيينية ، والباقي يجري للمستقبل لا للحاضر . فسليمان المحب للسلام كان يصنع سلاحاً لم يستغل في أيامه ، وداود أمر بصنع زخارف للهيكل رغم عدم تبين معاصريه فائدة مثل هذا العمل .. وهذا هو الشأن في العمل الذي أقوم به هنا ، فإذا لم يمكن بهذه الطريقة إعادة المسلمين إلى المسيحية الصحيحة ، فلا أقل من أن يستفيد العلماء المسيحيون من عملنا في مجال دعم المسيحيين السذج الذي يمكن أن تضير هذه الصغائر عقيدتهم " (36) .
                        إذن فترجمة القرآن للاتينية كان الغرض منها تحريف صورة الإسلام لدى الشعوب الأوروبية وزعزعة صورة القرآن في نفوس المسلمين أيضاً . كما يقول المفكر الألماني هوبرت هيركومر Hubert Herkommer في مقالته (صورة الإسلام في الأدب الألماني الوسيط) عن هذه الترجمة : " كانت معرفة الصليبيين بالقرآن محدودة جداً . صحيح أن أول ترجمة لاتينية لمعاني القرآن ظهرت سنة 1143م بقلم روبرت الكيتوني ، ولكن الاوروبيون كانوا يتطلعون إلى توظيف ترجمة معاني القرآن للطعن في الإسلام " ، ثم يقول : " استغلت ترجمة روبرت الكيتوني اللاتينية لمعاني القرآن كمجرد ينبوع محبب للطعن في الإسلام على مدى قرون طويلة " (37) .

                        ومن هنا يبدأ تاريخ تشويه صورة القرآن في الترجمات القرآنية أمام الشعوب النصرانية في أوروبا ، ففي ترجمة روبيرت كيتون للآية القرآنية (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (38) قام بترجمتها على النحو التالي : " مجامعة الأبناء ومعانقتهم " !! . وهذه الترجمات المغلوطة يبدو أنها كانت مقصودة للتنفير من الإسلام وإطلاق التهم الشائنة على القرآن بل أنها كانت تنبئ عن حقد عميق في قلوب المنصِّرين والقساوسة (39) .

                        إن هذا الأسلوب في التهكم على القرآن نرى ما يشابهه الآن في كتابات اللادينيين الموجهة ضد الإسلام ، فقد نشر في أحد المواقع اللادينية العربية مقالاً بعنوان (غلمان في الجنة) حول الآيات القرآنية التي تتحدث عن غلمان الجنة وهي : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ) (40) ، (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً ) (41) ، (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ) (42) . وفي ختام المقال يقول الكاتب ما نصه " يبقى ربط القرآن بما هو متعي مع الغلمان – الولدان احتمالا قائما لا يمكن نسفه " (43) إشارة منه إلى أن القرآن يقول – بزعمه – بأن اللواط في الجنة من متع الجنة ، والهدف من ذلك كما هو عادة المنصِّرين تشويه صورة القرآن في نفس المسلم وبأنه يدعو للشذوذ . كما نجد مثل هذا الطرح يصدر من أحد مواقع التنصير العربية حيث يرد ذات الطرح في كتاب بعنوان (تعليقات على القرآن) في موضوع بعنوان (في القرآن تناقض) (44).

                        يتبع إن شاء الله ..........

                        ________________________________

                        (30) مقال (الإسلام والغرب – الجوار المفقود) للمستشرق الألماني جيرنوت روتر ، صورة الإسلام في التراث الغربي (دراسات ألمانية) ، ترجمة أز ثابت عيد، ص 51 – 52
                        (31) مسيحية ضد الإسلام – حوار انتهى إلى الفشل ، لودفيغ هاغمان ، ص 47-48
                        (32) مسيحية ضد الإسلام – حوار انتهى إلى الفشل ، لودفيغ هاغمان ، ص 63
                        (33) نقد الخطاب الاستشراقي – الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ج1، د. ساسي سالم الحاج، ص 258
                        (34) من مقدمة كتاب صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 18
                        (35) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 140
                        (36) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 81 - 82
                        (37) صورة الإسلام في التراث الغربي (دراسات ألمانية)، ترجمة أز ثابت عيد، ص 19 – 20
                        (38) سورة آل عمران آية 14
                        (39) مسيحية ضد الإسلام – حوار انتهى إلى الفشل ، لودفيغ هاغمان ، ص 68-69
                        (40) سورة الطور آية 24
                        (41) سورة الإنسان آية 19
                        (42) سورة الواقعة آية 17
                        (43) http://www.####.html
                        (44) http://####.htm
                        وصية المهدي
                        هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
                        بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
                        ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

                        Comment

                        • وصية المهدي
                          طالب علم
                          • May 2005
                          • 498

                          #13
                          تابع .....

                          إن ترجمات القرآن الكريم إلى اللاتينية في هذه الأزمنة المتقدمة كانت مشوبة بالتعصب الكنسي ضد الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام . وتميزت هذه الترجمات بالعديد من السقطات كاستنباط العديد من المبادئ الإسلامية التي تخالف الشريعة الإسلامية نتيجة للترجمة الفاسدة ، ومنها أيضاً كثرة التصرف في هذه الترجمات كالحذف والتغيير والتبديل والتقديم والتأخير طبقاً لهوى المترجمين . ومنها تصيد القراءات الشاذة ومحاولة تفسيرها بحجج تتلاءم وما جبلوا عليه من التهجم على الإسلام والرسول ، ومنها أن جل هذه الترجمات أكدت دون أي سند أن القرآن الكريم من وضع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس منزلاً ويشوبه التناقض (45) .
                          بل أن الكنيسة كانت تصاب بالرعب من وجود طبعات عربية للقرآن لخوفها من أن يطلع الأوروبيون على القرآن كما هو ، ولذلك نراها تسارع بإحراق جميع النسخ لأول طبعة عربية للقرآن التي طبعت في البندقية عام 1530 ، بل لم يعثر حتى الآن لأي أثر لهذه الطبعة (46) ، وهذا يدل على فداحة الجريمة التي اقترفت بحق القرآن من جراء الترجمات اللاتينية والأوروبية التي بدأت من ترجمة بطرس المحترم . فلا نعجب إذن من الكتابات اللادينية عندما يتفتق ذهن أحدهم بأن القرآن يقول بوجود آلهة أخرى عندما يقرأ قوله تعالى ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (47) . فهذا إنما هو إرث كنسي من جراء التعليم التنصيري الذي شوه تعاليم الإسلام بتلك الترجمات الغربية للقرآن الكريم .
                          ولقد صنف الدكتور إبراهيم عوض كتاباً عن الترجمات الفرنسية للقرآن عنوانه (المستشرقون والقرآن) فضح ما فيها من أخطاء وتلفيقات وتلاعبات كثيرة جداً ، كما ألفت الدكتورة زينب عبدالعزيز كتاباً آخر في فضح ترجمة جان بيرك الفرنسي للقرآن وبيان ما فيها من اخطاء وسقطات مريبة .

                          وبدءاً من القرن الثاني عشر الميلادي فإن أسطورة الغرب المعروفة ضد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أو تلك التي تضفي عليه صفة الاحتيال قد بدأت تكتسب شكل الإصرار المريض والملح . ونذكر من الأمثلة على ذلك جاك دي فيتري J.de Vitry (توفي 1244) الذي أكد أن الشيطان قد زود الرسول عليه الصلاة والسلام بسادة ومعاونين من الشياطين . ومارتيه بولنكو M. Polonco (توفي 1274) الذي أضفى على النبي صفة رئيس عصابة متحالف مع الشيطان الذي أملاه ديانته ، وفنسان دي بوفيه (1190-1264) V.de Bouvais صاحب موسوعة سبيكولوم Speculum والذي تناول سير النبي بوصفه " ذلك الأفاق واحتيالاته " ، وبيير بسكازيو (1228 – 1300) P. Pascasio الذي ابتدع قصة ذلك الذي حاول أن يصبح كردينالاً وفشل فابتدع عقيدة جديدة انتقاماً ، وهي فرية تناقلتها الأقلام طويلاً . وما أكثر الرهبان الذين تناولوا هذا المعطى السخيف والمبتذل معاً (48) . ونذكر كذلك بارشو لوميو الرهاوي من مدينة الرها (توفي في القرن الثاني عشر الميلادي) والذي تركزت جدليته في أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن عن راهب نسطوري حيث يقول الرهاوى : " فعندما شهد ذلك الراهب الفاسق سذاجة القوم رأى أن يمنحهم عقيدة وشريعة على غرار مذهب أريوس وغيره من ألوان الكفر والزندقة التي حرم من أجلها فراح يسطر كتابا هو الذي يسمونه القرآن ، وهو شريعة الله ناثراً فيه كل ما أودع من مروق .... وعند ذلك أعطى كتابه لتلميذه ( مؤمد ) وأبلغ أولئك البلهاء أن ذلك الكتاب أنزل على محمد من السماء حيث كان في حفظ جبريل الملك فصدقوه فيما قال ، وبذلك مكّن الراهب لذلك القانون الجديد " (49) .
                          وينضم القديس توما الأكويني (Thomas von Aquin (1226- 1274 وهو أحد أهم رجالات الكنيسة في أوروبا إلى قافلة الملفقين ، فها هو يصف الإسلام في كتاباته بأنه دين زائف وهرطقة ، وأنه يحتوي على الشهوانية ، ويمزج الحقيقة بالأساطير والعقائد الباطلة ، وأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم تؤيد بالمعجزات ، وأن أصحابه لم يكونوا على معرفة بالأمور الإلهية ، بل كانوا من الهمج المتوحشين والبدو ساكني الصحراء ، وأنه بالكثرة العددية لأتباعه استطاع أن يفرض الإسلام على الناس بالقوة الحربية (50) . وفي كتابه (الشامل في الرد على الكفرة) الذي مهد الطريق أمام العمل التبشيري في أسبانيا للدفاع عن المسيحية والطعن في الإسلام يقول توماس الأكويني : " أن ماحوميت (محمداً) قد أغوى الشعوب من خلال وعوده لها بالمتع الشهوانية " (51) .

                          أما أكبر قفزة وتطور في مستوى الجدل التنصيري ضد الإسلام في عهد الحروب الصليبية وانتقاله من مجرد الطعن في أصالة القرآن إلى محاولة المعارضة فكان من خلال الراهب المبشر ريموند مارتيني (1230–1284) Raimundo Martini الذي تخرج من مدرسة الدراسات الشرقية التي أنشئت في طليطلة عام 1250 والتي كانت تختص بإعداد المبشرين بين اليهود والمسلمين ، حيث تبحر ريموند في دراسة القرآن وحفظ البخاري ومسلم ، واجتهد في الجدل ضد الإسلام ، فألف كتاباً بعنوان (الخلاصة ضد القرآن) كما ألف كتاب (خنجر الإيمان في صدور المسلمين واليهود) يرد فيه على المسلمين واليهود . وبلغت به رغبته في تفنيد القرآن أن حاول معارضته بعد أن علم أنه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ، فوضع كلاماً يعارض فيه القرآن غاية في السخافة والسقامة يقول فيه : " بسم الله الغفور الرحيم ، أعارض قرآن مَنْ آخر اسمه الدال وأوله الميم ، بلسان فصيح عربي مبين ، لا يمنعني منه سيف ولا سكين ، إذ قال لي بلسان الإلهام سيد المرسلين : قل المعجزة لا شريك فيها لرب العالمين وفي الفصاحة يشترك كثير كثيرين يغلب فيها أحيانا الصالح الطالح والكافر المؤمنين ، فليست الفصاحة ولو في النهاية آية ولا معجزة اللهم إلا عند الذين أوطاهم عشوة معلم مجنون حتى قالوا عنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، مع أنه بإقراره في سورة الأحقاف لم يدر قط ما يُفْعل به ولا بتباعه أجمعين أكتعين ، فقل يامن اسمه رمند ولقبه مرَتْيِن : آه ، لقومٍ يقبل الباطل والخرافات والترهات كأنها اليقين ، وإن كنتم في شك مما ألهمنا إليه عبدنا يامعاشر المسلمين فأتوا بحلِّ هذه الحجة ، وبمثل هذه السورة وادعوا لذلك إخوانكم من الجن إن كنتم مهتدين . فإن لم تقدروا ، ولن تقدروا فقد زهق الباطل، وانتقام اليقين والحمد والشكر لله آمين ، آمين" (52) .

                          إن هذين العنصرين الهامين في وسائل المنصِّرين وهما : القول بتحريف القرآن ومعارضة القرآن يعتبران من أساسيات الهجوم على الإسلام التي استخدمها المنصِّرون منذ قديم وما يزالون ، والتي تعتبر أيضاً من أهم الكتابات اللادينية ضد الإسلام أيضاً كما سنرى

                          يتبع إن شاء الله ............

                          __________________________

                          (45) نقد الخطاب الاستشراقي–الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ج1، د. ساسي سالم الحاج، ص 260
                          (46) موسوعة المستشرقين ، د. عبدالرحمن بدوي ، ص 438
                          (47) سورة المؤمنون آية 14
                          (48) موقف الغرب من الإسلام _ محاصرة وإبادة ، أ.د زينب عبدالعزيز ، ص ص 46 – 47
                          (49) الغارة على القرآن الكريم ، د.عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 27
                          (50) رؤية إسلامية للاستشراق ، أحمد غراب ، ص 30
                          (51) مقالة صورة الإسلام في الأدب الالماني الوسيط للمفكر الألماني هوبرت هير كومر من كتاب صورة الإسلام في التراث الغربي (دراسات ألمانية)، ترجمة أز ثابت عيد، ص 32
                          (52) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 34 & نقد الخطاب الاستشراقي – الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ج1، د. ساسي سالم الحاج، ص 52
                          وصية المهدي
                          هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
                          بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
                          ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

                          Comment

                          • وصية المهدي
                            طالب علم
                            • May 2005
                            • 498

                            #14
                            تابع ........

                            وبعد الفشل الذي أصاب الحملات الصليبية انتهاءً بحملة لويس التاسع ملك فرنسا على مصر وأسره في المنصورة عام 1250 ، بدأت مرحلة جديدة من مراحل حرب التنصير ضد المسلمين . وقد جاء هذا التحول بناء على وصية القديس لويس التاسع نفسه ، وتلفت هذه الوصية الأنظار إلى صعوبة قهر المسلمين عن طريق القوة بسبب روح الجهاد لديهم ، وتوصي بتلمس طريق الغزو الفكري الهادف إلى دحض العقائد الإسلامية وتزييفها لقتل واغتيال المنطقة العربية ثقافياً وروحياً .
                            وكان بطل هذه المرحلة بلا منازع هو ريموند لول Raymundus Lullus (أو ريموندوس لولوس) (1235م – 1316م ) وهو مبشر حانق على الإسلام كان حلم حياته هدم الإسلام ، وصرف حياته لمهمة تنصير المسلمين ، وسعى جاهداً لتحقيق هدفه من طريقين : عن طريق تصنيف الكتب الجدلية ضد الإسلام والقرآن ، وعن طريق إنشاء كلية للثالوث لإعداد المبشرين للعمل ضد الإسلام . وقام بتقديم ثلاث عرائض إلى البابا كليمان الخامس لإنشاء كلية لدراسة العربية ، وعدد من كراسي تعليم اللغة العربية في الجامعات المختلفة لتكون من أهم وسائل الجدل ضد الإسلام والقرآن وأفضل الوسائل لتنصير المسلمين . وبالفعل نجحت مساعي ريموند لول فقد أمر يعقوب الأول ملك ميورقة بإنشاء كلية الثالوث المقدس في بلدة ميرمار عام 1267م لإعداد المبشرين للعمل في مجال التبشير ضد الإسلام وقام لولو بافتتاحها وإعداد المبشرين فيها بنفسه . وفي عام 1294م ظفر ريموند لول بمقابلة البابا سلستين الخامس وقدم له كتابين فيهما خطة للتبشير بين المسلمين ، وكانت خطته ذات شقين : أولهما أن تتخذ الكنيسة العلم والمدارس وسيلة للتبشير ، وثانيهما أن ينصر المسلمين بالقوة إذا لم تنجح فيهم الجهود السلمية . كما قرّر مجمع فيينا الكنسي نتيجية لجهود ريموند لول المتواصلة فيما بعد بين عامي 1311م و 1312م إنشاء خمسة كراسي لتعليم اللغة العربية في أكبر خمس جامعات في أوربا ( باريس ، أكسفورد ـ بولونيا ـ سلمنكا ـ جامعة الإدارة المركزية البابوية) وعين للتدريس فيها مدرسين كاثوليكيين . ويعد هذا القرار الكنسىّ البداية الرسمية للتنصير المؤسَّسي ، إذ أثمر عن ظهور أكبر مؤسستين تنصيريتين للعمل ضد الإسلام حتى اليوم ، وهما : التبشير والاستشراق . كما أنه ليس من شك في أن القصد من إقامة هذه المراكز العلمية المتخصصة تحت رعاية كنسية صارمة وبتوجيه منها لم يكن إلا مواجهة القوة العربية-الإسلامية وذلك عبر أسلوب دعائي اعتمد الإثارة والتحريض والتحريف ونشر المفتريات واختلاق الأكاذيب (53) .
                            ولا بد أن نشير إلى أهمية ريموند لول في تاريخ التنصير ضد الإسلام . فقد لخص أرنست رينان محاولات ريموند لول الرامية إلى استبدال الصليبية العسكرية بالصليبية الثقافية بقوله : " لا ريب في أن لول بطل هذه الحروب الصليبية ضد الرشدية ، فالرشدية عندهم هي الإسلام في حقل الفلسفة ، ومن المعلوم أن هدم الإسلام كان حلم جميع حياته . وقد قدم سنة 1311م ، وذلك في مجمع فيينا الديني ، ثلاث عرائض إلى كليمانس الخامس لإيجاد منظومة لهدم الإسلام وإنشاء كلية لدراسات العربية " (54) . بل إن أرنست رينان يعتبره (بطل الحرب الصليبية الثقافية) ضد الرشدية – أي فلسفة ابن رشد – التي كانت عند لول هي الإسلام (55) . كما ألف عنه صموئيل زويمر كتاب سماه ( أول منصِّر بين المسلمين ) ، وقال عنه : "وإلى يومنا هذا كل مستشرقي أوروبا وكتاباتهم مدينة لريموند لول لأن الفضل للمتقدم " ، وكان زويمر معجباً به لدرجة أنه سمى ابنه بـ (ريموند لول) إعجاباً به وتخليداً لذكراه (56) . وكما ذكرنا سابقاً فإن المنصِّرين الأوروبيين قد أصبحوا أكثر جرأة في الدعوة إلى النصرانية بين أظهر المسلمين وفي بلاد المسلمين ، وريموند لول كان أحد هؤلاء حيث استطاع في عام 1299م وعام 1300م أن يحصل على إذن من الملك يعقوب صاحب أراغون ليبشر في مساجد برشلونة محتمياً بالسلطة المسيحية في أسبانيا (57) واستمرت محاولاته في التنصير بين المسلمين إلى أن لاقى حتفه في الجزائر نظير استفزازه للمسلمين (58) عام 1316م .

                            إن مؤسستي التبشير والاستشراق تتفقان وتتحدان فى استلهام التراث التنصيرى وتكراره للمراحل السابقة فى أطروحاته الأساسية حول الإسلام من خلال الأطروحات الرئيسية الثلاثة : الإسلام هرطقة مسيحية ، محمد نبى مزيف لا أخلاقي ، القرآن تلفيق من كتب العهدين القديم والجديد . لذلك فإنه كما يقول إدوارد سعيد ساخراً عن المستشرقين " سيكون مستشرقاً بحاثة ومختصاً ألمعياً ذلقاً فى أيامنا هذه من يشير إلى الإسلام على أنه هرطقة آرية من الدرجة الثانية ، وأن محمداً نبي لا أخلاقي ، وأنه ألّف كتابه معتمداً على كتب التوارة والإنجيل " (59) .
                            وسنأتي إلى الطرح الاستشراقي التنصيري لاحقاً من هذا القسم .

                            يتبع إن شاء الله .......

                            ________________________

                            (53) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 108-110 & الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 35 – 36 & تاريخ حركة الاستشراق – الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن العشرين، يوهان فوك، تعريب عمر العالم، ص 27 & التبشير والاستعمار في البلاد العربية ، مصطفى خالدي و عمر فروخ ، ص 77 & مناهج البحث في الإسلاميات لدى المستشرقين وعلماء الغرب ، محمد البشير مغلي ، ص 47
                            (54) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 119
                            (55) الاستشراق والتاريخ الإسلامي (القرون الإسلامية الأولى) ، أزد فاروق عمر فوزي ، ص 34
                            (56) رؤية إسلامية للاستشراق ، أحمد غراب ، ص 58
                            (57) التبشير والاستعمار في البلاد العربية ، مصطفى خالدي و عمر فروخ ، ص 115
                            (58) نقد الخطاب الاستشراقي – الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ج1، د. ساسي سالم الحاج، ص 53
                            (59) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 41
                            وصية المهدي
                            هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
                            بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
                            ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

                            Comment

                            • وصية المهدي
                              طالب علم
                              • May 2005
                              • 498

                              #15
                              تابع ........

                              وهكذا بدأت مرحلة جديدة بعد الحروب الصليبية حيث قررت الكنيسة تحويل الصراع إلى صراع فكري وثقافي وتركيز الهجوم على الإسلام . كما شاعت في كتابات اللاهوتيين الأوروبيين من رحالة ومطارنة وباباوات ومنذ نهاية القرن الثالث عشر إمارات اليأس من إمكان حل المسألة الإسلامية عن طريق ضربات عسكرية (60) . ومن هؤلاء الراهب الفرنسيسكانى روجر بيكون Roger Bacon الذي ويعتبر من أحد أوائل من طالب بممارسة العمل التبشيري كوسيلة للاستيلاء على الشرق بديلاً عن الحرب المقدسة ، التي رآى أنها عديمة الجدوى وأن أفضل وسيلة لنشر المسيحية بين المسلمين هي التبشير السلمي والموعظة الحسنة (61) . إلا أنه رآى أن المسيحية عاجزة عن ذلك لأسباب ثلاثة : فلا أحد يعرف لغات الشعوب المراد التبشير بينها ، ولا أحد يعرف ما هية عقائد من يراد التبشير بينهم ، ولا أحد يملك حججاً مؤسسة على المعرفة لدعوة غير المسيحيين إلى الكاثوليكية (62) . فقام بتوجيه رسالة إلى البابا اكليمنص الرابع سنة 1266م ضمَّنها دعوته إلى وجوب إدخال اللغات الأجنبية إلى مناهج الدراسات الجامعية وبخاصة اللغة العربية للإفادة منها كوسيلة للتبشير ضد الإسلام ودراسة أحوال المسلمين للوقوف على الطرق التي يمكن النفاذ منها إلى هدم عقيدتهم وتقويضها (63) .

                              كما برز في الجانب التبشيري بين المسلمين وبشكل ظاهر المبشرين الدومينيكان حيث أسسوا مدارس لغوية خاصة لهذا الغرض . ثم انتقل النشاط إلى البدء بالتنصير بين المسلمين فنشأت مؤسسة رهبنة الفرنسيسكان الذين جازفوا بالطعن في الإسلام بين المسلمين من غير تكتم مما أدى إلى أن يدفعوا أرواحهم ثمناً لذلك وباءت كل جهودهم بالفشل (64) . ونذكر مثالاً لهؤلاء القساوسة الدومينيكان الذين قادوا حملة ضد القرآن وذلك بتشويه مصدريته والزعم بتحريفه ، فمنهم وليام الطرابلسي Wilhelm von Tripolis المقيم الدومينيكاني بعكا سنة 1273م الذي نشر كتاباً بعنوان (رسائل عن حالة السراسن ونبيهم الكاذب محمد وشريعتهم وعقيدتهم) . جاء في هذا الكتاب : " لقد حرص أتباع محمد على أن يكون لهم كتاب مقدس جمعوا فيه ما أثر عن محمد من تعاليم ، فعهدوا بالأمر إلى أحدهم الذي كشف عن فشله وأبان عن عجزه فانقلبوا إلى اليهود وزنادقة النصارى يسألونهم العون والنصرة ، فجمع هؤلاء نصوصاً متفرقة من العهدين ، ثم التلفيق بينها عشوائياً وكيفما اتفق ، وهكذا جاء الكتاب في مجموعه تحريفاً وتشويهاً للتعاليم اليهودية المسيحية " (65) .
                              وفي عام 1291م أيضاً زار ريكاردوس دي سانت كروز الدومينيكاني Ricoldus de Santa Cruse بغداد وألف كتاباً في نقض القرآن جاء فيه : " لقد ثبت أن القرآن من صنع محمد ووضعه لأنه كتاب فيه تناقض وتدابر وخلو من النوازع الخلقية السليمة " . كما وصف العقيدة الإسلامية بالغموض واللاعقلانية والتفاهة والإصرار على العنف ، ومن ثم فإنه لا بد أن يكون (أي الإسلام) " من صنع إبليس الذي شاءت الإرادة الإلهية له أن يدون هذا الكتاب ليمهد الطريق لظهور المسيح الدجال . ولما شعر إبليس بعجزه عن إيقاف زخم الهداية المسيحية في المشرق وأنه لا يستطيع معارضة شريعة موسى وإنجيل عيسى قرر إبليس أن يختلق كتاباً ثم بحث عن شخصية شريرة بالطبع والفطرة فوجدها مجسدة في رجل اسمه محمد ، وتثني العقيدة والدين ، إجرامي النشأة والتكوين ، فنسب الكتاب إليه وصار يعرف باسمه ويرتبط به " (66) .
                              كما قام بارثليمو الأوديسي Bartholomew of Edessa بنشر كتاباً فيه صورة حوار ثنائي بين مسلم ومسيحي جاء فيه : " أن محمداً لم يكن نبياً مرسلاً بل داعراً استهوته الملذات الجسدية ومبشراً بنزعة عدمية في دائرة الأخلاق ، لا تقر عرفاً سائداً أو خلقاً فاضلاً ، وانه كان قاتلاً وسارقاً وقاطع طريق وساحر ، وأنه ملك قلوب المغفلين بالمكر والخديعة والخداع والتضليل " (67) . بل تعدى الأمر إلى أن المسيحيين في أوروبا في القرون الوسطى كانوا يحرفون اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عمداً فيدعونه (ماهوند) Mahound أي الشيطان (68) .
                              وقد كان لدور الكهنة المتجولين في الشرق وبعض الفرسان الصليبيين العادين دور في خلق تصور شعبي ملفق عن الرسول عليه الصلاة والسلام والإسلام داخل أوروبا . ويقول هذا التصور بوثنية الإسلام ووجود ثلاثين إلهاً للمسلمين آلهتها الأساسيون فراكوتوس وأوبولو ومحمد ، وقد استمرت هذه الصورة حتى نهايات العصور الوسطى في بعض الأوساط الأوروبية (69) .
                              وهذا الصورة الملفقة عن الإسلام بأنه ديانة وثنية ما تزال حتى الآن تنشره الكتابات التنصيرية وتنقله بدروها إلى الكتابات اللادينية بالزعم بأن المسلمون يقدسون الحجر الأسود والكعبة وأن هذا التقديس انتقل من وثنية الجاهلية ، وبتقديسهم للقمر الذي كان أحد آلهة العرب قبل الإسلام .

                              يتبع إن شاء الله .......

                              _________________________

                              (60)من مقدمة كتاب صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 20
                              (61)نقد الخطاب الاستشراقي – الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية ج1، د. ساسي سالم الحاج، ص 50
                              (62)صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 101
                              (63)الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص33
                              (64)مسيحية ضد الإسلام – حوار انتهى إلى الفشل ، لودفيغ هاغمان ، ص 71 - 73
                              (65)دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 115 – 116 & وأنظر الاستشراق رسالة استعمار ، د. محمد الفيومي ، ص 367 - 368
                              (66)دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 116 – 117
                              (67)دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 112 – 113
                              (68)رؤية إسلامية للاستشراق ، أحمد غراب ، ص 25
                              (69)من مقدمة كتاب صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 14
                              وصية المهدي
                              هي وصية الخليفة المهدي إلى ولده موسى الهادي
                              بتتبع الزنادقة وجهادهم وكشفهم والفتك بهم ..
                              ولادينيو اليوم هم ورثة زنادقة الأمس

                              Comment

                              Working...