تابع ...........
إن عصر بعد الحروب الصليبية بالنسبة للكنيسة كان يمثل ذروة الحرب الثقافية على الإسلام . فنتيجة لاحتكاك الصليبيين الأوروبيين مع المسلمين لما يقرب من قرنين من الزمان واطلاعهم على التراث الإسلامي وحصولهم على الكثير من المخطوطات ، فقد كثرت المؤلفات الكنسية التي تهاجم الإسلام . وهذا الموقف الكنسي البغيض من الإسلام ليس نتيجة لقلة المصادر ، فقد كثرت ترجمات المخطوطات الإسلامية في ذلك الوقت كما أن علماء اللاهوت في ذلك الوقت كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام ، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعاً ما ، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للمسيحية لا يمكن أن يكون فيه خير ، وهكذا كان الناس في الغرب لا يولون تصديقهم لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل وكانوا يتلقفون منهم كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى دين الإسلام (70) .
وبهذا تستمر حملات التشويه ضد الإسلام ، فقد قدم إلى فلسطين الإيطالي يعقوب الفيروني James of Verona ووضع رسالة وصف فيها القرآن بأنه تشويش مروع ومخيف للمسيحية (71) . وحول تشويه الوحي الإلهي للنبي يصور أندريه دونالدولو (توفي عام 1354م) النبي محمد جالساً وعلى إحدى كتفيه حمامة تعهد تدجينها فصارت تلتقط الحب من جوف أذنية ، وزعم لأتباعه أن الحمامة من الملك المرسل من الرب إليه (72) . وبينما كان اللاهوتيون فيما قبل القرن الرابع عشر يرون في النبي محمد بأنه ساحر ، رآى لاهوتيو القرن الرابع عشر بأنه كاردينال طمح لمنصب البابوية وعندما فشل في الوصول إلى المنصب تحول إلى عدو شرس للمسيحية كلها (73) .
كما أنه من المهم أن نشير هنا إلى ريكولدوس دي مونتي كروتشي (1243م– 1320م)Pennini Ricoldo Da Monte Croce الراهب والمبشر الدومينيكاني الذي كتب كتابه (الجدال ضد المسلمين والقرآن) بعد أن عاش دهراً بين المسلمين واجتمع بعلمائهم وجادلهم (74) . وهذا الكتاب الذي يسمى بعدة أسماء منها (ضد شريعة المسلمين) يحاول على مدى صفحاته أن يثبت أن القرآن خليط متنافر من الهرطقات المسيحية القديمة المدحوضة منذ أبد بعيد وأنه مزيج من أراء تعليمية ذات أصول هي في منتهى التباين والاختلاف . كما يركز على غياب المعجزة عن الرسول محمد النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف عيسى عليه السلام . إلا أن أهم ما نركز عليه في كتابه هو ما يزعمه من وجود تناقضات كثيرة ملازمة للقرآن والمناقضة للعقل أيضاً والتي تتجلى بزعمه في أربعة نقاط :
1) في النبي محمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في الحقيقة على أساس أطوار حياته المنافية للأخلاق . وهذا مأخذ سيظل يرد المرة بعد الأخرى في الجدل المذهبي للإسلام .
2) في القرآن ذاته ، على قدر ما يتضمن من أقوال لا تفيد شيئاً لأنها أقوال مسهبة مكررة ووجود صياغات بذيئة فاحشة فيه.
3) في الممارسة العقدية للمسلمين كما في عمليات الوضوء وكذلك في فهمه للزواج وممارسة الطلاق .
4) في التصورات القرآنية الخاصة بالجنة وهي التي كانت تمثل مساحة هجوم للكتاب المسيحيين على الإسلام منذ العصور الأولى (75) .
وهكذا نرى استمراراً لذات الأطروحات والأكاذيب التي طرحها يوحنا الدمشقي وعبدالمسيح الكندي والبيزنطيين الأوائل ضد الإسلام والقرآن والرسول النبي صلى الله عليه وسلم . الأمر الذي يدل على ترسيخ هذه المفتريات في العقلية النصرانية الأوروبية ضد الإسلام واستمرار هذه الأطروحات والأكاذيب في الكتابات اللادينية كما سنرى لاحقاً .
يتبع إن شاء الله
__________________________
(70) الاستشراق رسالة استعمار ، د. محمد الفيومي ، ص 189
(71) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة ، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 121
(72) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 114
(73) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 121
(74) موسوعة المستشرقين ، د. عبدالرحمن بدوي ، ص 306
(75) مسيحية ضد الإسلام – حوار انتهى إلى الفشل ، لودفيغ هاغمان ، ص 99 - 101
إن عصر بعد الحروب الصليبية بالنسبة للكنيسة كان يمثل ذروة الحرب الثقافية على الإسلام . فنتيجة لاحتكاك الصليبيين الأوروبيين مع المسلمين لما يقرب من قرنين من الزمان واطلاعهم على التراث الإسلامي وحصولهم على الكثير من المخطوطات ، فقد كثرت المؤلفات الكنسية التي تهاجم الإسلام . وهذا الموقف الكنسي البغيض من الإسلام ليس نتيجة لقلة المصادر ، فقد كثرت ترجمات المخطوطات الإسلامية في ذلك الوقت كما أن علماء اللاهوت في ذلك الوقت كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام ، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعاً ما ، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للمسيحية لا يمكن أن يكون فيه خير ، وهكذا كان الناس في الغرب لا يولون تصديقهم لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل وكانوا يتلقفون منهم كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى دين الإسلام (70) .
وبهذا تستمر حملات التشويه ضد الإسلام ، فقد قدم إلى فلسطين الإيطالي يعقوب الفيروني James of Verona ووضع رسالة وصف فيها القرآن بأنه تشويش مروع ومخيف للمسيحية (71) . وحول تشويه الوحي الإلهي للنبي يصور أندريه دونالدولو (توفي عام 1354م) النبي محمد جالساً وعلى إحدى كتفيه حمامة تعهد تدجينها فصارت تلتقط الحب من جوف أذنية ، وزعم لأتباعه أن الحمامة من الملك المرسل من الرب إليه (72) . وبينما كان اللاهوتيون فيما قبل القرن الرابع عشر يرون في النبي محمد بأنه ساحر ، رآى لاهوتيو القرن الرابع عشر بأنه كاردينال طمح لمنصب البابوية وعندما فشل في الوصول إلى المنصب تحول إلى عدو شرس للمسيحية كلها (73) .
كما أنه من المهم أن نشير هنا إلى ريكولدوس دي مونتي كروتشي (1243م– 1320م)Pennini Ricoldo Da Monte Croce الراهب والمبشر الدومينيكاني الذي كتب كتابه (الجدال ضد المسلمين والقرآن) بعد أن عاش دهراً بين المسلمين واجتمع بعلمائهم وجادلهم (74) . وهذا الكتاب الذي يسمى بعدة أسماء منها (ضد شريعة المسلمين) يحاول على مدى صفحاته أن يثبت أن القرآن خليط متنافر من الهرطقات المسيحية القديمة المدحوضة منذ أبد بعيد وأنه مزيج من أراء تعليمية ذات أصول هي في منتهى التباين والاختلاف . كما يركز على غياب المعجزة عن الرسول محمد النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف عيسى عليه السلام . إلا أن أهم ما نركز عليه في كتابه هو ما يزعمه من وجود تناقضات كثيرة ملازمة للقرآن والمناقضة للعقل أيضاً والتي تتجلى بزعمه في أربعة نقاط :
1) في النبي محمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في الحقيقة على أساس أطوار حياته المنافية للأخلاق . وهذا مأخذ سيظل يرد المرة بعد الأخرى في الجدل المذهبي للإسلام .
2) في القرآن ذاته ، على قدر ما يتضمن من أقوال لا تفيد شيئاً لأنها أقوال مسهبة مكررة ووجود صياغات بذيئة فاحشة فيه.
3) في الممارسة العقدية للمسلمين كما في عمليات الوضوء وكذلك في فهمه للزواج وممارسة الطلاق .
4) في التصورات القرآنية الخاصة بالجنة وهي التي كانت تمثل مساحة هجوم للكتاب المسيحيين على الإسلام منذ العصور الأولى (75) .
وهكذا نرى استمراراً لذات الأطروحات والأكاذيب التي طرحها يوحنا الدمشقي وعبدالمسيح الكندي والبيزنطيين الأوائل ضد الإسلام والقرآن والرسول النبي صلى الله عليه وسلم . الأمر الذي يدل على ترسيخ هذه المفتريات في العقلية النصرانية الأوروبية ضد الإسلام واستمرار هذه الأطروحات والأكاذيب في الكتابات اللادينية كما سنرى لاحقاً .
يتبع إن شاء الله
__________________________
(70) الاستشراق رسالة استعمار ، د. محمد الفيومي ، ص 189
(71) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة ، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 121
(72) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 114
(73) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 121
(74) موسوعة المستشرقين ، د. عبدالرحمن بدوي ، ص 306
(75) مسيحية ضد الإسلام – حوار انتهى إلى الفشل ، لودفيغ هاغمان ، ص 99 - 101
Comment