أمريكا التى رأيت
سيد قطب
1ـ أمريكا الدنيا الجديدة
أمريكا …
الدنيا الجديدة … ذلك العالم المترامى الأطراف , الذى يشغل من أذهان الناس وتصوراتهم ، أكثر مما تشغل من الأرض رقعته الفسيحة ، وترف عليه أخيلتهم وأحلامهم , بالأوهام والأعاجيب ، وتهوى إليه الأفئدة , من كل فج ، شتى الأجناس والألوان ، شتى المسالك والغايات ، شتى المذاهب والأهواء .
أمريكا …
تلك المساحات الشاسعة من الأرض بين الأطلنطى والباسيفيكى .
تلك الموارد التى لا تنضب من المواد والخامات ، ومن القوى والرجال .
تلك المصانع الضخمة التى لم تعرف لها الحضارة نظيرًا .
ذلك النتاج الهائل الذى يعيا به العد والإحصاء .
تلك المعاهد والمعامل والمتاحف المبثوثة فى كل مكان .
عبقرية الإدارة والتنظيم التى تثير العجب والإعجاب .
وذلك الرخاء السابغ كأحلام الجنة الموعودة .
ذلك الجمال الساحر فى الطبيعة والوجود والأجسام .
تلك اللذائذ الحرة الطلقة من كل قيد أو عرف .
تلك الأحلام المجسمة فى حيز من الزمان والمكان ….
أمريكا هذه كلها ..
ما الذى تساوية فى ميزان القيم الإنسانية ؟
وما الذى أضافته إلى رصيد البشرية من هذه القيم ، أو يبدو أنها ستضيفه إليه فى نهاية المطاف ؟ .
أخشى ألا يكون هناك تناسب بين عظمة الحضارة المادية في أمريكا ، وعظمة ( الإنسان ) الذي ينشئ هذه الحضارة , وأخشى أن تمضى عجلة الحياة ، ويطوى سجل الزمن ، وأمريكا لم تضف شيئًا ـ أو لم تضف إلا اليسير الزهيد ـ إلى رصيد الإنسانية من تلك القيم ، التى تميز بين الإنسان والشيء ، ثم بين الإنسان والحيوان .
إن كل حضارة من الحضارات التى مرت بها البشرية ، لم تكن كل قيمتها , فيما ابتدعه الإنسان من آلات ، ولا فيما سخره من قوى ، ولا فيما أخرجت يداه من نتاج .
إنما كان معظم قيمتها , فيما اهتدى إليه الإنسان من حقائق عن الكون ، ومن صور وقيم للحياة ، وما تركه هذا الاهتداء فى شعوره من ارتقاء , وفى ضميره من تهذيب ، وفى تصوره لقيم الحياة من عمق ، والحياة الإنسانية بوجه خاص ، مما يزيد المسافة بعداً فى حسابه وحساب الواقع ، بينه وبين مدراج الحيوانية الأولى ، فى الشعور والسلوك ، فى تقويم الحياة وتقويم الأشياء ( 1 ) .
فأما ابتداع الآلات ، أو تسخير القوى ، أو صنع الأشياء ، فليس له فى ذاته وزن فى ميزان القيم الإنسانية ، إنما هو مجرد رمز لقيمة أساسية أخرى : هى مدى ارتقاء العنصر الإنسانى فى الإنسان ، ومدى ما أضاف إلى رصيده الإنسانى من ثراء فى فكرته عن الحياة ، وفى شعوره بهذه الحياة .
هذه القيمة الأساسية هى موضع المفاضلة والموازنة بين حضارة وحضارة ، وبين فلسفة وفلسفة ، كما أنها هى الرصيد الباقى وراء كل حضارة ، المؤثر فى الحضارات التالية ، حين تتحطم الآلات وتفنى الأشياء ، أو حين تنسخها آلات أجدّ وأشياء أجود ، مما يقع بين لحظة وأخرى ، فى مشارق الأرض ومغاربها .
وإنه ليبدو أن العبقرية الأمريكية كلها قد تجمعت وتبلورت , فى حقل العمل والإنتاج ، بحيث لم يبق فيها بقية تنتج شيئًا , فى حقل القيم الإنسانية الأخرى .
ولقد بلغت فى ذلك الحقل ما لم تبلغه أمة ، وجاءت فيه بالمعجزات التى أحالت الحياة الواقعية إلى مستوى فوق التصور ووراء التصديق , لمن لم يشهدها عياناً .
ولكن ( الإنسان ) لم يحفظ توازنه أمام الآلة ، حتى ليكاد هو ذاته يستحيل آلة ، ولم يستطع أن يحمل عبء العمل , وعبء ( الإنسان ) ! .
وإن الباحث فى حياة الشعب الأمريكى , ليقف فى أول الأمر حائرًا أمام ظاهرة عجيبة ، قد لا يراها فى شعب من شعوب الأرض جميعًا :
شعب يبلغ فى عالم العلم والعمل ، قمة النمو والارتقاء ، بينما هو فى عالم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) فى الظلال ( 2: 1091 ) : تعرض سيد قطب لتفسير قوله تعالى : ** فلما نسوا ما ذُكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } الأنعام : 44 ، يقول : لقد كنت فى أثنائ وجودى فى الولايات المتحدة الأمريكية أرى رأى العين مصداق قول الله تعالى ** فلما نسوا ما ذُكروا به فتحنا عليهم أبوا ب كل شيء } فإن المشهد الذى ترسمه هذه الآية مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب , وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء وفى صلف , على أهل الأرض كلهم .. كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية , وأتوقع سنة الله … وأكاد أرى خطواتها وهى تدب إلى الغافلين .
الشعور والسلوك بدائى , لم يفارق مدراج البشرية الأولى ، بل أقل من بدائي ( 1 ) فى بعض نواحى الشعور والسلوك ! .
ولكن هذه الحيرة تزول , بعد النظرة الفاحصة , فى ماضى هذا الشعب وحاضره ، وفى الأسباب التى جمعت فيه , بين قمة الحضارة وسفح البدائية :
فى العالم القديم آمن الإنسان بقوى الطبيعة المجهولة ، وصاغ حولها الخرافات والأساطير ، وآمن بالدين ، وغمرت روحه أضواؤه ورؤاه ، وآمن بالفن وتجسمت أشواقه ألواناً وألحاناً وأوزاناً ..
ثم آمن بالعلم أخيرًا ، بعد ما انقسمت نفسه لأنماط من الإيمان ، وألوان من المشاعر ، وأشكال من صور الحياة , وتهاويل الخيال ، بعد ما تهذبت روحه بالدين ، وتهذب حسه بالفن ، وتهذب سلوكه بالاجتماع ، بعد ما صيغت مثله ومبادئه من واقعية التاريخ ، ومن أشواقه الطليقة .
وسواء تحققت هذه المباديء أم لم تتحقق فى الحياة اليومية ، فقد بقيت على الأقل هواتف فى الضمير ، وحقائق فى الشعور ، مرجوة التحقق فى يوم من الأيام ، قرب أم بعد ، لأن وجودها حتى فى عالم المثال وحده ، خطوة واسعة من خطوات البشرية فى مدارج الإنسانية ، وشعاع مضيء من الرجاء فى تحقيقها يومًا من الأيام .
أما فى أمريكا فقد وُلد الإنسان على مولد العلم ، فآمن به وحده ، بل آمن بنوع منه خاص ، هو العلم التطبيقى ، لأنه وهو يواجه الحياة الجديدة فى القارة الجديدة ، وهو يتسلم الطبيعة هنالك بكراً جامحة عتيدة ، وهو يهم أن ينشيء ذلك الوطن الجديد الذى أنشأه بيده ، ولم يكن له من قبل وجود ، وهو يصارع ويناضل لبناء هذا الوطن الضخم .. كان العلم التطبيقى هو خير عون له فى ذلك الجهد العنيف , لأنه يسعفه بالأداة العملية الفعالة , فى مجال البناء والخلق والتنظيم والإنتاج .
ولم يفرغ الأمريكى بعد من مرحلة البناء ، فما تزال هناك مساحات شاسعة لا تكاد تحد من الأراضى البكر التى لم تمسسها يد ، ومن الغابات البكر التى لم تطأها قدم ، ومن المناجم البكر التى لم تُفتح ولم تُستغل ، وما يزال ماضياً فى عملية البناء الأولى ، على الرغم من وصوله إلى القمة فى التنظيم والإنتاج .
ويحسن ألا ننسى الحالة النفسية التى وفدها بها الأمريكى إلى هذه الأرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
( 1 ) ولزيادة الإيضاح يقول سيد قطب فى مجلة الكاتب بتاريخ 10 / 12/ 1949 ، والحب ! الحب الذى يطلق الطاقات الإنسانية جميعًا .. إنه هنا فى أمريكا جسد يشتهى جسدًا ، وحيوان يشتهى حيووانًا . ولا وقت للأشواق الروحية .
فوجاً بعد فوج ، وجيلاً بعد جيل ، فهى مزيج من السخط على الحياة فى العالم القديم ، والرغبة فى التحرر من قيوده وتقاليده .
ومن هذه القيود والتقاليد الثقيل الفاسد ، والضرورى السليم ، ومن الرغبة الملحة فى الثراء بأى جهد وبأى وسيلة ، والحصول على أكبر قسط من المتاع تعويضاً عما يبذله من الجهد فى الثراء .
ويحسن ألا ننسى كذلك الحياة الاجتماعية والفكرية لغالبية هذه الأفواج الأولى , التى تألفت منها نواة هذا الشعب الجديد .
فهذه الأفواج هى مجموعات من المغامرين ، ومجموعات من المجرمين ، فالمغامرون جاءوا طلاب ثراء ومتاع ومغامرات ، والمجرمون جيء بهم من بلاد الإمبراطورية الإنجليزية لتشغيلهم فى البناء والإنتاج .
ذلك المزيج من الملابسات ، هذا المزيج من الأفواج من شأنه أن يستنهض وينمى الصفات البدائية فى ذلك الشعب الجديد ، ويقيم أو يقاوم الصفات الراقية فى نفسه أفراداً وجماعات ، فتنشط الدوافع الحيوية الأولية ، كأنما يستعيد الإنسان خطواته الأولى ، بفارق واحد أنه هنا مسلح بالعلم ، الذى وُلد على مولده ، وخطا على خطواته .
والعلم فى ذاته ـ وبخاصة العلم التطبيقى ـ لا عمل له فى حقل القيم الإنسانية ، وفى عالم النفس والشعور .
وبذلك ضاقت آفاقه ، وضمرت نفسه ، وتحددت مشاعره ، وضؤل مكانه على المائدة العالمية الزاخرة , بالأنماط والألوان ( 1 ) .
وقد يدهش الإنسان وهو يقرأ قصص الجماعات الأولى التى هاجرت إلى أمريكا فى أيامها الأولى ، ويتصور كفاحها الطويل العجيب ، مع الطبيعة الجامحة فى تلك الأصقاع المترامية ، ومن قبل مع أنواء المحيط الرعيبة ، وأمواجه الجبارة ، فى تلك القوارب الصغار الخفاف ؛ حتى إذا رست على الصخور محطمة أو ناجية لقيت النازحين ، مجاهل الغابات ، ومتاهات الجبال ، وحقول الجليد ، وزعازع الأعاصير ، ووحوش الغابات وأفاعيها وهوامها .. و لقد يدهش الإنسان كيف لم يترك هذا كله ظلاله على الروح الأمريكية إيمانا بعظمة الطبيعة وما وراء الطبيعة ، ليفتح لها منافذ أوسع من المادة وعالم المادة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
( 1 ) يقول سيد قطب فى مقاله ( الضمير الأمريكانى وقضية فلسطين ) : ( فها هى ذى أمريكا تتكشف للجميع ، إنهم جميعا يصدرون عن مصدر واحد ، هو تلك الحضارة المادية التى لا قلب لها ولا ضمير ، تلك الحضارة التى لا تسمع إلا صوت الآلات ، وتتحدث إلا بلسان التجارة ، ولا ينظر إلا بعين المرابى ، والتى تقيس الإنسانية كلها بهذه المقاييس ) الرسالة عدد 694 .
ولكن هذه الدهشة تزول حين يتذكر ذلك المزيج من الملابسات ، وذلك المزيج من الأفواج .
لقد قابلوا الطبيعة بسلاح العلم وقوة العضل ، فلم تثر فيهم إلاقوة الذهن الجاف ، وقوة الحس العارم ، ولم تفتح لهم منافذ الروح والقلب والشعور ، كما فتحتها فى روح البشرية الأولى ، التى احتفظت بالكثير منها فى عصر العلم ، وأضافت به إلى رصيدها من القيم الإنسانية الباقية على الزمان .
وحين تغلق البشرية على نفسها منافذ الإيمان بالدين ، والإيمان بالفن ، والإيمان بالقيم الروحية جميعًا , لا يبقى هنالك متصرف لنشاطها إلا فى العلم التطبيقى والعمل ، وإلا فى لذة الحس والمتاع .
وهذا هو الذى انتهت إليه أمريكا بعد أربعمائة عام .
يتبع
Comment