تسْبّيحٌ ومُناجاةُ وثناءٌ
عَلَى مَلِكِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ
تَأليْف
مُحَمَّد بن حَسَن بْن عَقيل مُوسَى الشَّريْف
عَلَى مَلِكِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ
تَأليْف
مُحَمَّد بن حَسَن بْن عَقيل مُوسَى الشَّريْف
بمناسبة هذا الشهر الكريم , قد أشار عليّ أحد إخواني المشرفين في غيابه - مشرف 4 حفظه الله - أن نقوم بعرض مقتطفات من هذا الكتاب هنا يوميا , نشحذ به الهمم للإقبال على مناجاة رب الأرض والسماوات , فتترقق القلوب للحي القيوم , حيث قد غابت هذه العبادة عن الكثير من المسلمين للأسف وهجروها - وهي المناجاة -
وهذا رابط تنزيل الكتاب لمَن أراد
وسوف أتجاوز مقدمة الكتاب , مكتفيا بالتمهيد الذي عرضه الشيخ للتعريف بمقصده
بادئا في الغد بإذن الله في عرض أولى المناجاة
وأترككم مع التمهيد - أرقام المراجع أو الآيات قمت بإعادة ترتيبها ووضعها في آخر كل مشاركة خاصة بها -
مع العلم بوجود بعد الأسانيد الضعيفة فيما أورده الشيخ يرجى البحث عنها أو تخريجها من مظانها أو السؤال عنها هنا
------
تمهيـــد
إن الثناء على الله تعالى وتسبيحه وتمجيده ومناجاته أمر محمود عظيم، وخلط ذلك كله في الدعاء أمر مطلوب جليل، وقد وردت أدلة وآثار توضح هذا وتؤكده، وقد سار على هذا النهج الأنبياء العظام والملائكة الأطهار، والصالحون الأبرار، وسآتي أولاً بالأدلة من الكتاب والسنة على أهمية هذا العمل:
أ ـ أدلة من القرآن العظيم:
وردت آيات كريمات تحث على الثناء على الله تعالى وحمده وخلط ذلك بالدعاء فمن ذلك:
1ـ قال تعالى: ]وَللهَِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(1)[.
ودعاء العبد ربَّه بأسمائه الحسنى هو ثناء على الله وتمجيده، كما هو معلوم.
قال الإمام القرطبي(2) رحمه الله:
(قوله تعالى: ] فَادْعُوهُ بِهَا[ ، أي اطلبوا منه بأسمائه، فيُطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحمن ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني، يا فتّاح افتح لي، يا تواب تُب علي، وهكذا...
فإن دعوت باسم عامٍّ قلت: يا مالك الملك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني.
وإن دعوت بالاسم الأعظم فقلت: يا الله فهو متضمن لكل اسم.
ولا تقول: يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رازق ارزقني الخير...)(3).
2 ـ وقال تعالى: مخبراً عن أهل الجنة:
]دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(4)[.
و]دَعْوَاهُمْ[: (أي دعاؤهم في الجنة أن يقولوا: سبحانك اللهم، وقيل بالحمد).
ومعنى ]وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ[: (قيل: إذا أرادوا أن يسألوا شيئاً أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد، وقيل: نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاؤوا ثم سبحوا...)(5).
ب ـ أدلة من السنة المطهرة:
ومما ورد في السنة المطهرة في الحث على الثناء والتسبيح وقرنه بالدعاء:
1 ـ عن فَضالة بن عُبيد(6) رضي الله عنه قال:
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاة لم يمجد الله تعالى ولم يُصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((عَجِلَ هذا)).
ثم دعاه فقال له أو لغيره:
((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربَّه سبحانه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء))(7).
وفي رواية: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي فمجّد الله وحمده، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ادع تُجب، وسل تُعْطَ))(8).
ونص الحديثين واضح في تفضيل الدعاء المسوق فيه التمجيد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على غيره من الأدعية الخالية من ذلك.
2 ـ عن الأسود بن سَريع(9) رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلمفقلت: يا رسول الله، إني حمدت ربي تبارك وتعالى بمحامدَ ومِدحَ، وإياك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((أما إن ربك تبارك وتعالى يحب المدح، هات ما امتدحت به ربك تبارك وتعالى.
قال: فجعلت أنشده... (10)
3 ـ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه)(11).
4 ـ والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلائق يوم القيامة عند الله تبارك وتعالى، ويكون وسيلته في ذلك الثناء والحمد، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((... فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامده أحمده بها ـ لا تحضرني الآن ـ، فأحمده بتلك المحامد، وأخرّ له ساجداً...)).
وفي رواية:
((... فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، سل تُعطه، واشفع تُشفع...)(12).
وهكذا يظهر أن ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على ربه الجليل وحمده إياه سيكون باباً لقبول السؤال في الشفاعة العظمى يوم القيامة ـ إن شاء الله ـ وهذه فائدة جليلة عظيمة للثناء والحمد والمدح بين يدي الدعاء.
جـ ـ الثناء على الله تعالى في الدعاء طريقة الأنبياء:
فقد قدم الأنبياء العظام ثناءَ حسناَ على الله تعالى قبل دعائهم، فمما علمناه قول الله تعالى قاصّاً دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
]رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ الْحَمْدُ للَِّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ ليِ وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(13)[.
وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضاً:
]الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَّغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(14)[.
وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام:
]رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(15)[.
وقال تعالى قاصّاً دعاء شعيب عليه الصلاة والسلام وتقديمه الثناء فيه:
]وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ(16)[.
وقال تعالى قاصّاً دعاء يوسفَ عليه الصلاة والسلام:
]رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(17)[.
ومما ورد في السنة المطهرة الشريفة من أساليب الدعاء الممزوج بالحمد والثناء والتسبيح قوله صلى الله عليه وسلم:
((اللهم لك الحمد مِلْءَ السموات وملْءَ الأرض ومِلْءَ ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الوسخ))(18).
ـ وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم في حج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله بدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، وقال:
((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) ثم دعا بين ذلك فقال ثلاث مرات.
ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قُحُوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه.
قالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجبُ الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله عز وجل، ثم قال:
((إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله ألا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه...))(19).
ـ وعن أنس بن مالك أن أم سليم رضي الله تعالى عنهما غدت على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي: فقال:
((كبري الله عشراً، وسبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، ثم سلي ما شئت يقول: نعم، نعم))(20).
ـ وعن سلمة بن الأكوع(21) رضي الله عنه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح دعاءً إلا استفتحه بسبحان ربي العلي الأعلى الوهّاب))(22).
ـ وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقدم الثناء على الدعاء فيحمد له ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فعن علي رضي الله عنه قال:
كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه ومن شاء الله من أصحابه، فمررنا بعبدالله بن مسعود وهو يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من هذا ؟)) فقيل: عبدالله بن مسعود.
فقال: ((إن عبدالله يقرأ القرآن غَضّاً(23) كما أنزل)).
فأثنى عبدالله على ربه وحمده فأحسن حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سل تُعط، سل تُعط)) مرتين، فانطلقت لأبشره، فوجدت أبا بكر قد سبقني، وكان سباقاً بالخير(24).
د ـ الثناء على الله تبارك وتعالى قبل الدعاء طريقة الملائكة الأطهار:
فقد دعوا الله تعالى أن يغفر للمؤمنين، ويقيَهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم جنات عدن هم ومن صلحَ من فروعهم وأصولهم، فلما ابتهلوا إلى الله تعالى وأرادوا الدعاء قدموا عليه الثناء، فقال تعالى قاصاً طريقتهم في ثنائهم وتضرعهم:
]الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(25)[.
هـ ـ الثناء على الله تبارك وتعالى قبل الدعاء طريقة الصالحين:
فقد ذكر الله نماذج لدعاء الصالحين في كتابه الكريم، فقال الله تعالى:
]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ[ (26).
وقال جل من قائل:
]فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(27) [.
وقال تعالى:
]وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(28)[.
فقد مزج الصالحون في دعائهم هذا بين الثناء وذكر الله تعالى والتسبيح، وبين الدعاء بدايته وفي أثنائه وفي ختامه.
و ـ كلام بعض العلماء في تقرير فائدة الثناء والحمد والتسبيح وخلط الدعاء به:
قال ابن القيم (29)رحمه الله تعالى موضحاً فائدة التسبيح والحمد والثناء في الدعاء:
(الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه... والحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، وهو طلب المحب، فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه...)(30).
وقال أمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي (31) :
| أأذكر حاجتي أم قد كفاني |
حياؤك إن شيمتك الحياءُ |
|
| إذا أثنى عليك المرء يوماً |
كفاه من تعرضه الثنا(32) |
وقال الإمام النووي(33) رحمه الله تعالى:
(أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء، ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة)(34).
ولم يزل ديدن الصالحين أن يثنوا على الله تعالى ويحمدوه ويمجدوه قبل الدعاء، وهذا مشهور معروف من سيرتهم، فهذا الإمام موسى الكاظم(35) رحمه الله تعالى إذا صلى العَتَمة حمد الله ومجّده ودعاه فلم يزل كذلك حتى يزول الليل... (36).
وهذا ابن عُيَينة (37) سُئل عن قول مُطَرِّف (38):
فإذا بَدْء الأمر من الله، وتمامه بالله، ومِلاكه الدعاء ؟
قال: ألم تسمع قوله تعالى:
] أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (40)(39)[.
وفي قولَي سفيان ومُطَرِّف حثٌ على الثناء قبل الدعاء، وبما أوردته من آيات وأحاديث وآثار وأقوال تتضح عظمة الثناء على الله تعالى وحمده، ومدحه وتمجيده ومناجاته، وأهمية أن يُقدم شيء من ذلك قبل الدعاء، وأن يخلط بالدعاء أيضاً ويُختم به، فإنه أدعى للقبول، وأقرب للاستجابة، والله أعلم.
هذا وليُعلم أني قد أوردت ثناءً على الله تعالى وتسبيحاً وتمجيداً وتقديساً على ألسنة كثير من الثقات أئمة الإسلام، وأوردت في الوقت نفسه ثناءً وتسبيحاً عن بعض من اتهم ببدع مختلفة، وليس غرض هذا الكتاب إثبات نسبة هذه البدع إليهم أو نفيها عنهم، إنما المراد هو الاستفادة من جمال ما أوردوه بعد حذف مقاطعَ منه موهمة إن اقتضى الحال ذلك ـ كما سبق أن ذكرت ـ ولنفرض جدلاً بأنهم قد حقت عليهم تلك التهم فليس هناك محذور من تخير بعض أقوالهم النافعة.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه:
(اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً ـ أو قال: فاجراً ـ واحذروا زيغة الحكيم.
قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق ؟
قال: على الحق نور)(41).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية(42) رحمه الله تعالى:
(والله أمرنا ألا نقول إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني ـ فضلاً عن الرافضي ـ قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق)(43).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
(فإن كل طائفة معها حق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه حق، ورد ما قالوه من الباطل...)(44).
إذاً ليس هناك محذور من نقل ثناء المتهمين ببدعة ونحوهم وتسبيحهم وتقديسهم لما فيه من الفائدة، لكن بشرط أن يخلو من البدعة والضلال أو يهذب ويختصر، والله أعلم.
(1) سورة الأعراف: آية 180
(2) هو الشيخ الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي القرطبي. إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور فضله . توفى سنة 671 في صعيد مصر رحمه الله تعالى. انظر ((الوافي بالوفيات)): 2/122-123.
(3) ((الجامع لأحكام القرآن)): 7/327
(4) سورة يونس: آية 10.
(5) ((الجامع لأحكام القرآن)): 8/313.
(6) فضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري الأوسي. شهد أحداً وما بعدها. نزل دمشق وولي قضاءها. توفي سنة 58 رضي الله عنه. انظر ((التقريب)): 445.
(7) أخرجه الإمام الترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم: 5/517 وقال: حديث حسن صحيح.والحديث حسن إن شاء الله تعالى.
(8) أخرجة الإمام النسائي في سننه: كتاب السهو: باب التمجيد والصلاة على النبي e في الصلاة.
(9) الأسود بن سَريع التميمي السعدي. نزل البصرة ومات في أيام الجمل، وقيل سنة 42، رضي الله تعالى عنه. انظر ((التقريب)): 111.
(10) قال الإمام الهيثمي: (رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجال أحدهما عند أحمد رجال الصحيح). انظر ((مجمع الزوائد)): 8/121.
(11) أخرجه الإمام البخاري في مواضع من صحيحه منها: كتاب التفسير، تفسير سورة الأنعام.
(12) أخرجه الإمام البخاري: كتاب التفسير: سورة الإسراء: باب قوله تعالى ]ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا[
(13) سورة إبراهيم: آية 38 ـ 41 .
(14) سورة الشعراء: آية 78 ـ 87.
(15) سورة الممتحنة: آية 4 ـ 5.
(16) سورة الأعراف: آية 89.
(17) سورة يوسف: آية 101.
(18) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع.
(19) أخرجه الإمام أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء، وقال الإمام أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. انظر ((المستدرك)): 1/476.
(20) أخرجه الإمام الترمذي في سننه: كتاب الصلاة: باب ما جاء في صلاة التسبيح، وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. انظر ((المستدرك)): 1/462.
(21) سلمة بن عمرو بن الأكواع الأسلمي، أبو مسلم وأبو إياس. شهد بيعة الرضوان. مات سنة 74 رضي الله عنه: انظر ((التقريب)): 248.
(22) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)): 1/676، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(23) غضّاً: أي حديثاً طرياَ. ((ترتيب القاموس)): غ ض ض، والمراد كما أنزل.
(24)أخرجه الحاكم في ((المستدرك)): 3/358 ـ 359، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
(25) سورة غافر: آية 7 ـ 9.
(26) سورة آل عمران: آية 190 ـ 194.
(27) سورة يونس: آية 85 ـ 86.
(28) سورة الحشر: آية 10
(29) هو الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر الزُرَعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي. ولد سنة 691. وكان جريء الجَنان، واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف. وكان كثير الصلاة والتلاوة، حسن الخُلق، كثير التودد. توفي رحمه الله تعالى بدمشق سنة 751، وكانت جنازته حافلة. انظر ((الدرر الكامنة)): 4/ 21 ـ 23.
(30) ((بدائع الفوائد)): 3/9 ـ 10.
(31) أمية بن عبدالله أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي. شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف. قدم دمشق قبل الإسلام، وكان مطلعاً على الكتب القديمة. وكان متعبداً قد= =حرم الخمر على نفسه ونبذ عبادة الأوثان في الجاهلية، ثم إنه لما جاء الإسلام حسد النبي e فلم يسلم، والعياذ بالله. توفي سنة خمس من الهجرة، وانظر ((الأعلام)): 2/ 23.
(32) ((شرح ديوان أمية بن أبي الصلت)): 19.
(33) يحيى بن شرف بن مُرِّي، مفتي الأمة، شيخ الإسلام، محيي الدين، أبو زكريا النووي، الحافظ الفقيه الشافعي، الزاهد، أحد الأعلام. ولد سنة 631 بـ (نوى) إحدى قرى حوران شمال الشام. قدم إلى دمشق فاجتهد في الاشتغال وألف مصنفات نفع الله بها المسلمين واشتهرت، وجُلبت إلى الأمصار. توفى بـ (نوى) سنة 676 رحمه الله تعالى. انظر ((فوات الوفيات)): 4/264 ـ 268، و((الأعلام)): 8/ 149 ـ 150.
(34) ((تصحيح الدعاء)): 335 نقلاً عن ((الأذكار)).
(35) هو الإمام القدوة السيد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، العلوي، المدني، نزيل بغداد، ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين توفي في محبسه سنة 183 عن خمس وخمسين سنة رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 6/270 ـ 274.
(36) المصدر السابق.
(37) سفيان بن عُيّيْنة بن ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي. ثقة، حافظ، فقيه، إمام حجه. توفي سنة 198 وله إحدى وتسعون سنة رحمه الله تعالى. انظر ((التقريب)): 245.
(38) مُطرف بن عبدالله بن الشِخِّير العامري الخَرشي، أبو عبدالله البصري. ثقة عابد فاضل. توفي سنة 95 رحمه الله تعالى. انظر المصدر السابق: 534.
(39) سورة الأعراف: آية 54 ـ 55.
(40) ((البصائر والذخائر)): 4/78.
(41) رواه أبو داود في كتاب السنة، وأخرجه الحاكم وصححه الذهبي.
(42) أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام، مشهور, إمام من أئمة المسلمين، توفي بدمشق سنة 728.
(43) ((منهاج السنة النبوية)): 2/342.
(44) ((طريق الهجرتين)): 387.
وفي أسانيده مقال لكنها تعاضدت. ((تحفة الأحوذي)): 9 / 372.
Comment