[ تربية ] : هيَّا صلِّ بسُرعة !

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • عَرَبِيّة
    طالب علم
    • Sep 2009
    • 2039

    #1

    [ تربية ] : هيَّا صلِّ بسُرعة !



    مشهد 1
    يدخل الوالد وهوَ على عجلةٍ من أمرهِ ينتزع ثوبُه ناصع البياض من صدرِ الخِزانة : " هيا يا فيصل ليسَ لديَّ وقت, سبقني جمعٌ من صحبي إلى المِحِلَّةِ وبالكاد أُوصِلُكَ إلى المعهد وأعودُ إلى الجماعةِ! " .
    فيصل : " دقائق فقط ياوالدي , أُصلِّ العصر وااااا .... "
    والده بغضبٍ مُقاطعًا كلامَ الصبِيْ : " هيَّا ياولد صلِّ فإن أخَّرْتني قسمًا لأذهبنَّ وأتركك تتخبطُ في المنزلِ ! " .

    مشهد 2
    حياة : " أمِّي , ثواني فقط، هيَ رَكْعَتَيْ الفجْر وألحقُ بك " .
    والدتها : " يا ابنتي، الطريقُ إلى المدرسةِ طويل , وكذلك لسانُ المديرة! , صلِّي بسرعة ولا تجعلينا حديثًا يُروى بينَ الأورقَةِ، عندَ المكاتبِ، وفي الفصول.! " .

    مشهد 3
    الجدُّ لأحفادِه قائلاً : " أوَّلُ واحدٍ فيكُم ينتهي من صلاتِه هو من سيحصُل على كيسِ الحلوى هذا. " ويُلوِّحُ بهِ في الهواءِ للإغراء!.



    وتكادُ حلقات مسلسل " صل بسرعة " لا تنتهي!
    هذا الواقع المرير , الذي نسمعه كثيرًا ونعيشَه أحياناً , يوحي لنا بأنَّ اليومَ بما فيه منْ دقائق تتجاوز الأربعُمائةَ وألف سينقضي في بضعِ دقائق تجعلها في صلاتك حرثًا لدُنياكَ وآخرتك !!

    يُجبركَ وقع الحياةِ السريع على إستخدامِ ألفاظِ الإستعجال والعجلة! , ولكن " صلِّ بسرعة " هذه خطرها فادحٌ عظيم ليسَ المجال هنا للتشريحِ والتفصيل ولكن نذكر بالمجمل والأعمْ مفاسدٌ للفكرِ والعبادة والحياة ... ،

    أمَّا مفسدةُ الفكر فهيَ تطبعُ في ذهنِ الناشئة أنَّ حياتهم الدُنيا أولى بصرفِ الأربع وعشرينَ ساعة كاملة تامَّة غير منقوصة وأنَّ إقتطاع ما يقلُّ عن 30 دقيقة منها في اليومِ والليلةِ للصلوات الخمس المفروضة قد يَقضي يومهم وماعندهم من أوقاتٍ بسرعة!, وفيهِ إعتقادٌ خاطيءٌ بأنَّ الدين في عباداته الفعلية أشبَه بـ " تمارين رياضيَّة " أكثر ممَّا هوَ إستشعارٌ وتأملٌ رَوْحانيَّة وتعبُّدٌ وإحسانٌ بل هذا الأخير هوَ الأصل وإن كان في الأوَّل منافع! ...

    ومفسدةُ العبادة فجليَّة , رَأَى حُذَيْفَةُ رضي الله عنه رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، قَالَ : " مَا صَلَّيْتَ ، وَلَوْ مُتَّ ، مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا " [ أخرجه البخاري ] , وفي حديث الرسول : " " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ " [ أخرجه الترمذي ، وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ..] .

    وفي مفسدة الحياة فشكوانا من إنتشار الفتن وإنتشار الفُحش والفحشاء وعدم قُدرة كمٌ وافرٌ من الجيل عن قولِ ( لااا ) للهوى ،
    وتبارك الحقُّ الذي أنزَل الداء والدواء { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } فكيفَ بعد هذا تأمُر ابنك وتُهدد غاضِبًا بأن صلِّ بسرعة ، ثمَّ تدعوا في جوفِ الليل ربِّ اهدي ولدي , ربِّ احفظه !!
    وهل أعنته أو علَّمتَه حفظ الله حتَّى يحفظه الله وفي الحديث المشهور ".. احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ... " [ رواهُ الترمذي ، وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ..]
    بل أنت!! أنت!! هل حفظتَ الله أوَّلاً قبلَ أن تُطالب بهذا طفلاً صغيرًا بينكَ وبينه من العُمُرِ أعمارُ ؟!!
    وللتذكير فإنَّ هذا التوجيه التربوي للحديث السابق الذكر إنَّما وجَّههُ رسول الهدى – عليهِ السلامُ – لغلامٍ ، لغلام !

    في هذا المقال , لستُ أطالبُك بما لا طاقة لكَ به من تأجيلٍ للمواعيد أن تعطيلٍ لحياتكِ الإجتماعيَّة , فهذا الدين قابلٌ بكلِّ الأحوال للتطبيق ولا يعنينا سوء تدبيرك , إنما أناصحك للإنتباه لأقوالك وأفعالك التي تصدر عنكَ من غيرِ قصد ، فتشوِّه بها معالم الإيمان للجيل الناشيء من أبناء المُسلمين , هدانا الله وإيَّاك ، أنا أعلم أننا في بعض الأحايين نكون على عجلة من أمرنا أو نضطر إلى هذا إضطراراً, أُحدثك بحديثٍ لرسول الله الذي مابعثهُ الله إلاَّ رحمةً بنا ومعه تعاليم تُساير الواقع قابلة للتطبيق وهوَ خاضعٌ لها ويخضعُ، قال عليه السلام : " إني لأدخلُ الصلاةَ أريدُ إطالتَها . فأسمع بكاءَ الصبيِّ . فأخففُ . من شدَّةِ وَجْدِ أمِّه به " [ رواهُ الشيخان , حديثٌ صحيح ] .

    وهنا مربطُ الفرس والذي من أجلهِ كتبتُ هذه المقالة :
    لا تقُل " صلِّ بسرعة !" حتى ينتهي المرء من صلاتِه لم يفقَه ما قرأ فيها ولم يُتم حتَّى ركوعها وسجودها ولم تحصُل بصلاته الطمأنينة المرجوَّة ولكن قُل " خفِّف صلاتك " ففيهِ حصولٌ إن شاء الله للطمأنينة وإتمامٌ للركوعِ والسجود وإدراكٌ لما يُتلى من آيٍّ حكيم مُجوَّدِ .
    وراعي خطورة ، ومدى أهميَّة الأوقات التي تذكرُ فيها هذا " التخفيف " وليسَ في سائر أمورك متى استعجلت!

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فعَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا " [ أخرجه البخاري ومسلم ] .

    والحمدُ للهِ ربِّ العالمين .


    ------
    [ تربية ] : ستكون بإذن الله سلسلة مقالات أو إضاءات تنتقد شيء من الواقع الإجتماعي وتعاطيه مع جوانب تطبيقية وعقدية في الشريعة الإسلامية , فيرمي بجهالةٍ نجَسٌ علَّهُ غير مقصود قد يُؤَثِّر في طهارة الفرد المسلم سلوكًا وعقيدةً وعبادةً , نسأل الله التوفيق والسداد .
    قال الله سُبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الأنبياء:18


    تغيُّب
  • أبو حب الله
    باحث علمي
    • Aug 2010
    • 6930

    #2
    بداية قوية لسلسلة مباركة بإذن الله ....
    ويا حبذا لو يتعاهدها الأخوة من أولها بإرسالها ونشرها على الإيميلات أولا ًبأول فيعم النفع ..
    والله الموفق ...

    Comment

    • عَرَبِيّة
      طالب علم
      • Sep 2009
      • 2039

      #3
      جزاكم الله خيرًا أستاذنا الفاضل ،
      نهيبُ بالإخوة الأكارِم نشرها والدالُ على الخيرِ كفاعلِه ، جزاكم الله عنِّي خيرَ الجزاء .
      قال الله سُبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الأنبياء:18


      تغيُّب

      Comment

      • أحمد عبدالله.
        قلم مُميز
        • May 2012
        • 968

        #4
        ما شاء الله لا قوة بالله! وقد احسنت اختيار أولى الحلقات. فإما صلاة تصلح بها سائر الاعمال واما بطلان للاعمال بعدم قبول الصلاة.
        متابع ان شاء الله...
        (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين () وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون () واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون () تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ()

        كتابي: مختصر رحلة إلى الايمان
        خواطري حول التطور: لقد طلقت نظرية التطور بالثلاثة
        تعرف على عظمة الله في مخلوقاته: سلسلة الذين يتفكرون


        Comment

        • اخت مسلمة
          محاور
          • Nov 2005
          • 6338

          #5
          حلقة بديعة ياعربيّة !!
          ذكرتني أيّام الطفولة حين كنّا نُصلي ( بِسُرعة بالطبع ) كان الحل العملي عند والدي حفظه الله ورعاه , أن لايُوجّه مع مايراه , إنّما كان ينتظِر إلى انتهائنا جميعاً ثمّ يسألنا عن السور التي قرأناها ): طبعاً الإجابــــــــــــــــــــــــة نسيت ):
          فكان علاجاً عملياً له ثواب وعقاب عند الوالِد , وجعلنا غايَة في التركيز لننال الأول ونفرّ من الثاني ( الذي عادةً يكون ركعات مضاعفة للفرض _ السريع _ وامتحان بعده ) (:

          جزاك الله خيراً
          أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
          وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

          Comment

          • أميرة الجلباب
            محاور
            • Sep 2004
            • 1508

            #6
            ما شاء الله مقالة تربوية قيمة أختى الكريمة عربيّة..
            هي والله أولى بالتدريس في المدارس بدلا من بعض المواضيع التي لا قيمة لها ..
            تستحق النشر..
            وأحييك على فكرة السلسلة التربوية..

            ((أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))

            --- *** ---
            العلم بالحق والإيمان يصحبه ** أساس دينك فابن الدين مكتملا
            لا تبن إلا إذا أسست راسخة ** من القواعد واستكملتها عملا
            لا يرفع السقف ما لم يبن حامله ** ولا بناء لمن لم يرس ما حملا

            --- *** ---



            فضلاً : المراسلة على الخاص مع الأخوات فقط.

            Comment

            • أميرة الجلباب
              محاور
              • Sep 2004
              • 1508

              #7
              المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اخت مسلمة مشاهدة المشاركة
              ذكرتني أيّام الطفولة حين كنّا نُصلي ( بِسُرعة بالطبع ) كان الحل العملي عند والدي حفظه الله ورعاه , أن لايُوجّه مع مايراه , إنّما كان ينتظِر إلى انتهائنا جميعاً ثمّ يسألنا عن السور التي قرأناها ): طبعاً الإجابــــــــــــــــــــــــة نسيت ):
              فكان علاجاً عملياً له ثواب وعقاب عند الوالِد , وجعلنا غايَة في التركيز لننال الأول ونفرّ من الثاني ( الذي عادةً يكون ركعات مضاعفة للفرض _ السريع _ وامتحان بعده ) (:
              ما شاء الله فكرة رائعة.. وموقف تربوي عظيم.. بارك الله في الوالد الكريم.

              ((أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))

              --- *** ---
              العلم بالحق والإيمان يصحبه ** أساس دينك فابن الدين مكتملا
              لا تبن إلا إذا أسست راسخة ** من القواعد واستكملتها عملا
              لا يرفع السقف ما لم يبن حامله ** ولا بناء لمن لم يرس ما حملا

              --- *** ---



              فضلاً : المراسلة على الخاص مع الأخوات فقط.

              Comment

              • عَرَبِيّة
                طالب علم
                • Sep 2009
                • 2039

                #8
                بارك الله في الأخ طالب علم وأختاي مسلمة وأميرة ،
                حقًّا يامسلمة موقف تربوي نادر وحكيم نرجوا أنْ يُعمَّم ويُعمَل به، حفظ الله والداكِ ومن هذه المواقف نستير ونستفيد
                قال الله سُبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الأنبياء:18


                تغيُّب

                Comment

                Working...