تأملاتٌ في المُمَاحَكَةِ والجِدَال

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • محب أهل الحديث
    رحم الله والديه
    • Jul 2010
    • 2409

    #1

    تأملاتٌ في المُمَاحَكَةِ والجِدَال

    تأملاتٌ في المُمَاحَكَةِ والجِدَال




    المماحكةُ - أيها الموفق - : التمادي باللِّجاج ، وعسرُ الرأي ويبسُه وصلَفُه . وهذه أعراضٌ يلبَسُها بعضُ الفُضَلاءِ في جِدَالهم ونقاشاتهم .


    وقد تبيَّن لي شيءٌ من الأسبابِ التي تدفعُ المرءَ إلى الانتصارِ لرأيٍ رَآه ولو كان مخطأ ، والعكوفِ عليه وعدمِ التراجُعِ عنه :


    فالسَّبَبُ الأوَّلُ :
    أنَّ كثيراً من النَّاسِ يُعاملُ رأيَه واجتهَادَه على أنَّه من صميم فكره ، وتكوينِ نفْسِهِ ، فإذا تَرَاجَع عنه ، وأقرَّ بالخطأ ظنَّ أن عيباً سيلحق عقلَهُ أو كينونةَ نفسِهِ ... والواجبُ أن يعاملَ المسلمُ الرأيَ الاجتهاديَّ على أنَّه مستقلٌ عنه ، فهو كاللِّباسِ إنْ لم يكنْ مُنَاسِباً استبْدَلَهُ بآخَرَ دونَ أنْ يَلحَقَهُ عَيْبٌ من النَّاسِ .
    ولتعلمْ أنَّ هذا عَسِرُ على النَّفسِ ، صعبُ في الخارج (الواقع) ولكنَّه يُنبيكَ عن نفْسٍ قويَّةٍ مستقلَّةٍ تريدُ الحقَّ ، وتسعى إليه .
    وهذا يتطلَّب-ولا شكَّ- دربةً نفسيةً ، وصبراً على كلام الناسِ وخاصةً الأقرانَ ... فالنَّاسُ في الغالبِ لا ترحمُ المخطئ !


    السبَبُ الثَّاني :
    قلَّةُ الإنصافِ ، والإنصافُ رأسُ الأخلاقِ وأسُّهَا ، وبه تَعرفُ المرءَ الصادقَ من المماحكِ بالباطل .
    وفَقْدُ هذا الخلقِ النبيلِ يدفعُ بالرَّجلِ إلى رفضِ حقٍ عندَ خصمه لسببٍ خارجَ النزاع ، ككرهِ الخصمِ والحقدِ عليه أو خوفٍ على سُمعةِ نفسِهِ ، أو إرادةِ غلبةٍ ، أو سعيٍ في دنيا .
    وقد اشتكى الناس قديماً من قلَّةِ الإنصاف ... فكيف لو رأوا بعض أهل هذا الزمان ؟!
    ولو فتشتَ ونقَّبتَ لعلمتَ أنَّ هذا الخُلُقَ يَعِزُّ وجوده إلا في نفوسٍ رحمها الله ، أما المجادِلُ المنصِفُ فسريعُ الأوبة والفيئة إذا رأى الحق قد عَدَاهُ ، لا يجد غضاضةً في ذلك ، بل يعتقد أنَّ كمالَ نفسه ونقاءَها لا يكون إلا بهذا .



    السبب الثالث :
    عدم الاستماع والإنصات ، وكنتُ أتعجب من بعضهم حين أورد له حجةً بيضاءَ قاطعةً فلا يستجيب ! فإذا هو لا يسمعها لانشغال ذهنه وعقله باستجلاب حجج وبراهين أخرى.. ولو طلبتَ منه إعادة ما قلتَ له لأعاده مبتورا خداجاً مجتزئاً لم يفهمه !


    السبب الرابع :
    المراءُ في أمورٍ لا يحسنُها ، فهو مستعدٌ للنِّقاشِ في كل القضايا العلمية والعملية وله في كل رأيٍ رأيٌ وقول !
    وقد كان السلف متجانفين عن هذا المسلك ، لا يمارون إلا مراءً ظاهراً فيما يعرفه أحدهم ، وكانت (لا أدري ) عندهم نصف العلم ، وفيها السلامة .
    أما الحاطبُ في كل وادٍ ، والخابطُ في كل قضيَّةٍ فهذا –لعمر الله- بليَّةٌ في المجلسِ ، وغصةٌ في الحلقِ لا ينفع معه إلا أحد أمرين :
    إما إسكاته وإما قطع الطريق عليه كأن تقول : هل قرأت الكتاب الذي تعيبه ؟ هل سمعت هذه المقولة أم نقلت لك ؟ هل تتحدث بعلم أم هي مجرد توقعات وأحاسيس أولية ؟



    السبب الخامس :
    التعصب والتقليد الأعمى ، وإنما يذم التقليد إذا كان على غير هدى كأن يقلد من ليس أهلاً لذلك ، أو يتبع مقلَّده مع يقينه بخطئه ، أو يقلدُ في موطنٍ لا ينبغي فيه تقليدٌ .

    وهؤلاء المماحكون البطَّالون كم أفسدوا علينا لذيذَ المذاكراة والمدارسة ، وخاضوا في ما يحسنون ويجهلون ، فكلُّهم في نفسِه المبرِّدُ في اللُّغةِ ،والشافعيُّ في الفقه ، وابنُ رشد في الفلسفة .
    وإذا ذمَّ أحدهم نفسَه فمدحها يريد ، فإن ذمَّ النفس أمارة على العجب والكبر أحياناً ...!



    فيا طالبَ العلمِ جرِّد النَّفسَ من عُلَقِ الهوى ، واشْحَذْ نيَّتَكَ بالإخلاص ، واحفظ ذهنك بالتـــرَوِّي ، وثقِّفْ عقلَك بالتأمُّلِ ، وإيَّاك إيَّاك والجدل فيما لا تحسن ...! ورحم الله امرأً عرف خطئَه فَثَابَ ، وتبيَّنَ له الحقُّ فأناب ...

    ..
    ..
    ..
    ..
    كتبه : ابن المهلهِل
    واللهِ لَوْ عَلِمُوا قَبِيحَ سَرِيرَتِي....لأَبَى السَّلاَمَ عَلَيَّ مَنْ يَلْقَانِي
    وَلأَعْرضُوا عَنِّي وَمَلُّوا صُحْبَتِي....وَلَبُؤْتُ بَعْدَ كَرَامَةٍ بِهَوَانِ
    لَكِنْ سَتَرْتَ مَعَايِبِي وَمَثَالِبِي....وَحَلِمْتَ عَنْ سَقَطِي وَعَنْ طُغْيَاني
    فَلَكَ الَمحَامِدُ وَالمَدَائِحُ كُلُّهَا....بِخَوَاطِرِي وَجَوَارِحِي وَلِسَانِي
    وَلَقَدْ مَنَنْتَ عَلَيَّ رَبِّ بِأَنْعُمٍ....مَا لِي بِشُكرِ أَقَلِّهِنَّ يَدَانِ
  • Maro
    طالب متدرب
    • Mar 2011
    • 2815

    #2
    جزاك الله خيراً وبارك فى بصيرتك فى اصطياد هذه الدرر ونقلها إلينا يا أخى !
    أكاد أقسم أن هذا المنتدى مدرسة... تعلّمت فيها ما لم أتعلّمه فى بيتى ولا فى دراساتى الأكاديمية مجتمعة !
    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محب أهل الحديث مشاهدة المشاركة
    وهذا يتطلَّب-ولا شكَّ- دربةً نفسيةً ، وصبراً على كلام الناسِ وخاصةً الأقرانَ ... فالنَّاسُ في الغالبِ لا ترحمُ المخطئ !
    هذه وحدها درس لا ولن يُنسى إن شاء الله !
    مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ
    فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ !

    Comment

    • muslim.pure
      عضو نشيط
      • Jul 2012
      • 1514

      #3
      حقا هذا المنتدى مدرسة
      كم كنت أتوق لمعرفة السبب الذي يجعل الانسان لا يقبل الحق رغم وضوحه و ادراكه بانه الحق و قد وجدت و الحمد لله الاجابة
      هنا الحقيقة

      Comment

      • محب أهل الحديث
        رحم الله والديه
        • Jul 2010
        • 2409

        #4
        بارك الله فيكم
        وأخي مارو أنت من الإخوة رقم واحد عندي في المنتدى
        واللهِ لَوْ عَلِمُوا قَبِيحَ سَرِيرَتِي....لأَبَى السَّلاَمَ عَلَيَّ مَنْ يَلْقَانِي
        وَلأَعْرضُوا عَنِّي وَمَلُّوا صُحْبَتِي....وَلَبُؤْتُ بَعْدَ كَرَامَةٍ بِهَوَانِ
        لَكِنْ سَتَرْتَ مَعَايِبِي وَمَثَالِبِي....وَحَلِمْتَ عَنْ سَقَطِي وَعَنْ طُغْيَاني
        فَلَكَ الَمحَامِدُ وَالمَدَائِحُ كُلُّهَا....بِخَوَاطِرِي وَجَوَارِحِي وَلِسَانِي
        وَلَقَدْ مَنَنْتَ عَلَيَّ رَبِّ بِأَنْعُمٍ....مَا لِي بِشُكرِ أَقَلِّهِنَّ يَدَانِ

        Comment

        • عَرَبِيّة
          طالب علم
          • Sep 2009
          • 2039

          #5
          بارك الله فيكم وجزاكم خيْرَ الجزاء .
          قال الله سُبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الأنبياء:18


          تغيُّب

          Comment

          • اخت مسلمة
            محاور
            • Nov 2005
            • 6338

            #6
            موضوع ثمين بالفعل !
            بارك الله في اختيارتكم أخي الفاضل
            أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
            وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

            Comment

            • عماد الدين 1988
              عضو
              • Apr 2012
              • 330

              #7
              كل هذا راجع للكبر وهو ما أخرج ابليس من رحمة الله
              {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا}
              نسأل الله أن يعافينا ويعفو عنا آمين

              Comment

              Working...