نقض افتراءات للتشكيك في مصدرية القرآن الكريم و دلالته على نبوة محمد ..

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • د.ربيع أحمد
    طالب علم
    • Oct 2008
    • 1239

    #16
    تفاهة معارضة مسيلمة و أمثاله للقرآن

    تفاهة معارضة مسيلمة و أمثاله للقرآن



    قال الآمدي – رحمه الله - : « وَمِنْهُم[1] من حمله فرط جَهله وقصور عقله على الْمُعَارضَة و الإتيان بِمثلِهِ كَمَا نقل من ترهات مُسَيْلمَة في قَوْله : الْفِيل والفيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل لَهُ ذَنْب طَوِيل وخرطوم وثيل .


    وَقَوله : والزارعات زراعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا إِلَى غير ذَلِك من كَلَامه وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الركاكة والفهاهة وَمَا فِيهِ من الدّلَالَة على جهل قَائِله وَضعف عقله وسخف رَأْيه حَيْثُ ظن أَن هَذَا الْكَلَام الغث الرث الذى هُوَ مضحكة الْعُقَلَاء ومستهزأ الأدباء معَارض لما أعجزت الفصحاء معارضته وأعيه الألباء مناقضته من حِين الْبعْثَة إِلَى زَمَاننَا هَذَا »[2].


    و قال عبد العزيز آل معمر – رحمه الله - : « ولقد رام بعض سخفاء العقول محاكاة بعض قصار المفصل، فأتى من الهذيان بالعجب العجاب ، كقول مسيلمة الكذاب اللعين : " يا ضفدع كم تنقين، أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين ".


    فلما سمع أبو بكر الصديق هذا الكلام قال: " إنه كلام لم يخرج من إل ". قيل: " الإل " بالكسر هو الله - تعالى - وقيل: " الإل " بالأصل: الجيد. أي لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن .


    ولما سمع مسيلمة والنازعات قال : " والزارعات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، و الطاحنات طحنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، و اللاقمات لقما ، لقد فضلتم علي أهل الوبر ، و ما سبقكم أهل المدر ".


    وقال معارضا لسورة الكوثر : " إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، إن مبغضك رجل كافر ".


    وكقول الآخر: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين شراسيف وحشا ".
    وقال آخر: " الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، وشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل ".


    وهذا كلام فيه من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم ، فضلا عمن يعلم .


    ثم جاء جماعة من المتأخرين ممن انتهت إليهم الرياسة في الفصاحة ، فتعرضوا لمعارضته ، كابن المقفع و المعري و المتنبي ، ونظراء لهم ، فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع ، وتنبو عنه الطباع ، و نادى عليهم بالخزي و الانقطاع ، وصيرهم مثلة و سخرية و ضحكة إلى أن تاب أكثرهم ، وأظهر ندمه ونسكه »[3] .


    يقول محمد الزرقاني – رحمه الله - : « يذكر التاريخ أن مسيلمة الكذاب رغم أنه أوحي إليه بكلام كالقرآن ثم طلع على الناس بهذا الهذر إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر .


    وبهذا السخف والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا وأنت خبير بأن مثل ذلك الإسفاف ليس من المعارضة في قليل ولا كثير .


    وأين محاكاة الببغاء من فصاحة الإنسان وأين هذه الكلمات السوقية الركيكة من ألفاظ القرآن الرفيعة ومعانيه العالية وهل المعارضة إلا الإتيان بمثل الأصل في لغته وأسلوبه ومعانيه أو بأرقى منه في ذلك ؟ »[4] .

    و المتتبع لكلام من توهم أنه قد عارض القرآن كمسيلمة نجد كلامه لا يخلو من تفاهة و سفه فهو يأتي بآيات من القرآن الكريم فيسرق أكثر ألفاظها و يبدل بعض ألفاظها أو يأتي بكلام على وزن الكلمات القرآنية بألفاظ سوقية و معان سوقية فهذا من قبيل المحاكاة ، وليست من المعارضة في شيء ، ليست معارضة الكلام أن تحاكيه تأخذ كلمة وتضع بدلها كلمة أخرى وتستخدم نفس الوزن والتحدّي كان بسورة مِن مثل القرآن في الألفاظ و المعاني و النظم و الجمال اللغوي و الجمال الصوتي ، و لم يكن التحدّي بكلام مسجوع .


    و المعارضة أن تعمد إلى معنى من المعاني فتؤديه نفسه بأسلوب آخر يوازي الأصل في بلاغته أو يزيد أي المعارضة هي أن تأتي بمقصود الشخص الذي قال الكلام الأول ، تأتي بمقصوده و لكن بعباراتأفصحمن يحاول ذلك في المعاني القرآنية فإنما يحاول محالًا ، و التجربة أصدق شاهد .


    وإني أسئل من يتوهم القدرة على معارضة القرآن رغم أن فصاحته لا شك أدنى بكثير من فصاحة العرب الأوائل لماذا لم تحاول قريش مع عنادها وإيذائها للنبي - صلى الله عليه وسلم - معارضة القرآنمع أنها أفصح قبائل العرب أو على الأقل من أفصح قبائل العرب ، وكانت تعرف للكلمة قيمتها و كانت تعرف الكلام الفصيح من غيره و قد آوت المعلقاتالسبع وعلقتها بالكعبة ؟!!


    و لماذا لم تحاول قبائل العرب الأخرى كبني سعد وحمير وغيرها من قبائل العربالمشهورة بالفصاحة معارضة القرآن ؟!

    و كان العرب في الجاهلية ليس لهم ثقافة غير الشعر و النثر و الخطابة والتجارة فلماذا عجزوا عن معارضة القرآن ثم يأتي من لا فقه له باللغة فيزعم أنه عارض القرآن ؟! .

    و الذي يقرأ قول مسيلمة : (( إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، إن مبغضك رجل كافر )) يجد أن مسيلمة - عليه من الله ما يستحقه - قد سرق كثير من ألفاظ سورة الكوثر فالكلام منحول من سورة الكوثر و بدل بعض الألفاظ و ليس في كلامه النظم الجميل و لا مسحة من جمال لغوي و لا مسحة من جمال صوتي و هذا الكلام لا يماثل القرآن في شيء و إنما هو ضرب من الاقتباس من القرآن مع التصرف .



    و الذي يقرأ قول مسيلمة - عليه من الله ما يستحقه - : (( والزارعات زرعا ، و الحاصدات حصدا ، و الذاريات قمحا ، و الطاحنات طحنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، و اللاقمات لقما ، لقد فضلتم علي أهل الوبر ، و ما سبقكم أهل المدر ))[5] )) يجد أن مسيلمة قد أتى بألفاظ سوقية على وزن كلمات سورة النازعات ، و قال الشعراوي – رحمه الله - : « هذا الكلام لوناً من هراء فارغ ؛ لأن الحق إنما أنزل كلامه موزونا جاذباً لمعانٍ لها قيمتها في الخبر »[6] .


    و ما ذكره مسيلمة- عليه من الله ما يستحقه - من هذا الكلام الركيك في غاية التهافت ، و لا يحمل أي معنى بلاغي لإيصال معنى مفيد و المعارضة بين كلامين إنما تكون معارضة إذا كان بينهما مقاربة ومداناة بحيث يلتبس أحدهما بالآخر أو يكون أحدهما مقاربا للآخر .


    و يقول الدكتور محمد بن عبد الله دراز - رحمه الله - : « شبهة غِرٍّ ناشئ يتوهم القدرة على محاكاة القرآن فأما إن كان مثار الشبهة عنده أنه زاول شيئًا من صناعة الشعر أو الكتابة، وآنس من نفسه اقتدارًا في البيان فوسوس له شيطان الإعجاب بنفسه والجهل بالقرآن أنه يستطيع الإتيان بمثل أسلوبه ، فذلك ظن لا يظنه بنفسه أحد من الكبار المنتهين ، و إنما يعرض -إن عرض- للأغرار الناشئين .


    ومثل هذا دواؤه عندنا نصح نتقدم به إليه أن يطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب، حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، و يستبين له طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته ، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك .


    وأنا له زعيم بأن كل خطوة يخطوها في هذه السبيل ستزيده معرفة بقدره ، وستحل عن نفسه عقدة من عقد الشك في أمره ؛ إذ يرى هنالك أنه كلما ازداد بصيرة بأسرار اللغة، وإحسانًا في تصريف القول ، وامتلاكًا لناصية البيان ، ازداد بقدر ذلك هضمًا لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكليته أمام أسلوب القرآن ، وهذا قد يبدو لك عجيبًا، أن يزداد شعور المرء بعجزه عن الصنعة بقدر ما تتكامل فيها قوته ويتسع بها علمه .


    ولكن لا عجب، فتلك سنة الله في آياته التي يصنعها بيديه: لا يزيدك العلم بها والوقوف على أسرارها إلا إذعانًا لعظمتها وثقة بالعجز عنها. ولا كذلك صناعات الخلق، فإن فضل العلم بها يمكنك منها ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها، ومن هنا كان سحرة فرعون هم أول المؤمنين برب موسى وهارون .


    فإن أبى المغرور إلا إصرارًا على غروره، وكبُر عليه أن يُقر بعجزه وقصوره، دعوناه إلى الميدان ليجرب نفسه و يبرز قوته ، و قلنا له : أخرج لنا أحسن ما عندك لننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين .


    غير أننا نعظه بواحدة أخرى : ألا يخرج على الناس ببضاعته حتى يطيل الروية ويحكم الموازنة، وحتى يستيقن الإحسان والإجادة ؛ فإنه إن فعل ذلك كان أدنى أن يتدارك غلطه ويواري سوءته، وإلا فقد أساء المسكين إلى نفسه من حيث أراد الإحسان إليها .


    وإن في التاريخ لَعِبَرًا تؤثَر عن أناس حاولوا مثل هذه المحاولة؛ فجاءوا في معارضة القرآن بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم؛ بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة بادٍ عَوارُه ، باقٍ عارُه وشَنارُه : فمنهم عاقلٌ استحيا أن يُتم تجربته ، فحطم قلمه ومزق صحيفته.


    ومنهم ماكر وجد الناس في زمنه أعقل من أن تروج فيهم سخافاته، فطوى صحفه وأخفاها إلى حين . ومنهم طائش برز بها إلى الناس، فكان سخرية للساخرين ومثلًا للآخرين .


    فمن حدثته نفسه أن يعيد هذه التجربة مرة أخرى فلينظر في تلك العبر وليأخذ بأحسنها، ومن لم يستحِ فليصنع ما يشاء » [7].


    و قال الدكتور محمد بن عبد الله دراز - رحمه الله - في نسف ما يردده بعض المغرضين من قدرة أحد من البشر الإتيان بمثل القرآن : « شبهة أديب متواضع ينسب هذه القدرة إلى غيره من الفحول وأما إن كان مدخل الشبهة عنده أنه رأى في الناس من هو أعلى منه كعبًا في هذه الصناعة .


    فقال في نفسه: "لئن لم أكن أنا من فرسان هذا الميدان ، ولم يكن لي في معارضة القرآن يدان، لعل هذا الأمر يكون يسيرًا على من هو أفصح مني لسانًا وأسحر بيانًا"


    فمثل هذا نقول له: ارجع إلى أهل الذكر من أدباء عصرك فاسألهم هل يقدرون أن يأتوا بمثله ؟ فإن قالوا لك : " لو نشاء لقلنا مثل هذا" فقل : "هاتوا برهانكم! " و إن قالوا : " لا طاقة لنا به " فقل : أي شيء أكبر من العجز شهادة على الإعجاز؟


    ثم ارجع إلى التاريخ فاسأله : ما بال القرون الأولى ؟ ينبئك التاريخ أن أحدًا لم يرفع رأسه أمام القرآن في عصر من أعصاره ، و أن بضعة النفر الذين انغضوا رءوسهم إليه باءوا بالخزي والهوان ، و سحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان .


    أجل ، لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن ، و ما أدراك ما عصر نزول القرآن ؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتى أدركت هذه اللغة أشدها؛ وتم لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها ؟ ..


    و ما هذه الجموع المحشودة في الصحراء ، وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك ؟ إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم وأجود صناعاتهم ؛ و ما هي إلا بضاعة الكلام ، و صناعة الشعر والخطابة ، يتبارون في عرضها و نقدها ، و اختيار أحسنها والمفاخرة بها ، و يتنافسون فيها أشد التنافس ، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم ، وما أمر حسان والخنساء وغيرهما بخافٍ على متأدب .


    فما هو إلا أن جاء القرآن ، وإذا الأسواق قد انفضت، إلا منه، وإذا الأندية قد صَفِرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يُباريَه أو يجاريَه ، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة ، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة ، أو تقديم واحدة و تأخير أخرى ؛ ذلك على أنه لم يسد عليهم باب العارضة بل فتحه على مصراعيه ، بل دعاهم إليه أفرادًا أو جماعات.


    بل تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكمًا بهم متنزلًا معهم إلى الأخف فالأخف : فدعاهم أول مرة أن يجبئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة ؛ فقال : ﴿ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾


    وقال : ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ ، فانظر أي إلهاب، وأي استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد في قوله : ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء، وأباة الضيم الاعزاء .


    وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا ... حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف .


    واستنطقوا السيوف بدل الحروف. وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان .


    ومضى عصر القرآن والتحدي قائمًا فليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده، وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم ، ولم تنحرف ألسنتهم ، ولم تتغير سليقتهم ، و فيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه ، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن على ما عجز عنه أوئلهم ، لفعلوا ، و لكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين ، و حيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل .


    ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون ، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد ، كانوا أشد عجزًا وأقل طمعًا في هذا المطلب العزيز .


    فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم ، و كان برهان الإعجاز قائمًا أمامهم من طريقين : وجداني وبرهاني . ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض و من عليها » [8] .

    [1] - منهم الضمير يعود على الكفار
    2]- غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص 344
    [3]- منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب 2/435
    [4] - مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 2/334
    [5]- بعض العلماء ينسب هذه الكلمات للنضر بن الحارث كما في تفسير النسفي 1/522 ، والبحر المحيط 4/584 ،و تفسير السمعاني 2/127 ، وتفسير القرطبي 7/41
    [6]- تفسير الشعراوي 6/3796
    [7]- النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص 110 - 112
    [8]- النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص 112 - 114
    طبيب بشري قليل الوجود في المنتدى
    قد يتأخر بيان وجهة نظري أو ردي أياما أو أسابيع فأعذروني
    العمر قصير و العلم غزير فلا وقت للكسل بل الجد والعمل هكذا علمنا البشير النذير
    مقالاتي على شبكة الألوكة
    العلم و الإيمان

    Comment

    • د.ربيع أحمد
      طالب علم
      • Oct 2008
      • 1239

      #17
      فرية أن القرآن من تأليف الجن

      فرية أن القرآن من تأليف الجن



      يدعي بعض المغرضين أن القرآن الكريم من تأليف الجن و هذا فرية باطلة فكما يوجد في الإنس من يحقدون على الحق مع العلم بأنه الحق ، فيتمنّون لو أمكنهم إفساد صفة الإعجاز في القرآن بأيّ وسيلة ممكنة ، كذلك يوجد في الجن من يحقدون مثل هذا الحقد ، ويتمنّون مثل هذا التمنّي .

      فلما لم نر إنسانا أوحى إليه من قبل أحد الجان بمثل القرآن، أو بمثل بعض منه، علمنا بدليل الواقع المشاهد أنه ليس من تأليف الجان ولا من إيحائهم[1].





      هل وصل خبر التحدى بالقرآن إلى كل العالم وهل يلزم من عجز بعض الخلق عجز كل الخلق ؟



      رد يحيي بن حمزة – رحمه الله – على من يقول سلمنا وقوع التحدي، ولكن هل وصل خبر التحدي إلى كل العالم، أو إلى بعضه، وباطل أن يكون واصلا إلى كله، لأنا نعلم بالضرورة أن أهل الهند والصين والروم، وسائر الأقاليم البعيدة، ما كانوا يعلمون وجود محمد - صلّى الله عليه وسلّم - في الدنيا، فضلا عن أن يقال: إنهم عالمون بتحديه بالقرآن، وباطل أن يكون واصلا إلى بعضهم، لأنهم ولو عجزوا عن المعارضة فإنه لا يكفى فى صحة دعوى النبوة، عجزهم عن معارضته، لأنهم بعض الخلق، وعجز بعض الخلق لا يكون عجزا لجميعهم، وإلا لزم في بعض الحذاق في صناعته إذا تحدى أهل قريته، ثم عجزوا عن ذلك، أن يكون نبيا لمكان دعواه، وهذا ظاهر الفساد وهذا يبطل ما ذكرتموه من التحدي بالقرآن .


      فقال يحيي بن حمزة - رحمه الله - : « وجوابه من وجهين : أما أولا : فلأنا نعلم بالضرورة أن العرب الذين قرع أسماعهم التحدى، وخوطبوا به «العين للعين» كانوا لا محالة أقدر على معارضته من غيرهم، لاختصاصهم بما لم يختص به غيرهم من سائر الأقاليم من الفصاحة والبلاغة، فلما عرفنا عجزهم كان غيرهم لا محالة أعجز من ذلك لما ذكرناه .


      وأما ثانيا : فهب أن خبر تحدّيه بالقرآن ما وصل إلى كل العالم في زمانه، لكن لا شك في وصوله إليهم الآن، مع أنهم لم يعارضوه، وفى هذا دلالة على صحة نبوته، ويؤيد ما ذكرناه أنا نرى من يصنف كتابا في أي علم كان، ويظن أنه قد أتى فيه باليد البيضاء، فلا يلبث إلا مقدار ما يصل إلى الأقاليم والبلاد، ويحصل بعد ذلك ما يبطله ويدل على تناقضه وضعفه على القرب لأجل شدة الحرص على ذلك، وهذا ظاهر في جميع التصانيف كلها، فلو كان ثم معارضة توجد للقرآن، لكانت قد حصلت في هذه الأزمان المتمادية، والسنين المتطاولة، ولا شك في بلوغه لهذه الأقاليم التى زعمتم، وفى هذا بطلان ما زعمتموه »[2].





      فرية قد وقع في التاريخ معارضات كثيرة للقرآن فسقط التحدي




      رد يحيي بن حمزة – رحمه الله – على من يقول قد وقع هناك معارضات للقرآن، فإن العرب قد عارضوه بالقصائد السبع وعارضه مسيلمة الكذاب بكلامه الذي يحكى عنه، وعارضه النضر بن الحارث بأخبار الفرس وملوك العجم، وعارضه ابن المقفع من كلامه وقابوس بن وشمكير ، والمعرى، فكيف يقال إن المعارضة ما وقعت ؟!.


      فقال يحيي بن حمزة – رحمه الله – : « وجوابه هو أن النظار من أهل الفصاحة والبلاغة مجمعون على أن المعارضة بين الكلامين إنما تكون معارضة إذا كان بينهما مقاربة ومداناة بحيث يلتبس أحدهما بالآخر أو يكون أحدهما مقاربا للآخر، وكل عاقل يعلم بالضرورة أن هذه القصائد السبع ليس بينها وبين القرآن مقاربة ولا مداناة ، بحيث يشتبه أحدهما بالآخر .


      وكيف لا وهذه القصائد من فن الشعر ، و القرآن ليس من فنون الشعر في ورد ولا صدر، فلا يجوز كونها معارضة له، وأما ما حكى عن النضر بن الحارث، فإنما نقل حكايات ملوك العجم، وليس من أسلوب القرآن، فلا يكون معارضا له .

      وأما ما يحكى عن مسيلمة الكذاب فهو بالخلاعة أحق منه بالمعارضة، لنزول قدره، وتمكنه في الحماقة ؛ لأن من حق ما يكون معارضا، أن يكون بينه وبين المعارض مقاربة ومداناة، بحيث يشتبه الأمر فيهما، فأما إذا كان الكلامان في غاية البعد والانقطاع، فلا يعد أحدهما معارضا للآخر » [3].





      فرية أن العرب ما عجزوا عن معارضة القرآن لكن تأخروا عن معارضة القرآن لعدم علمهم بما اشتمل عليه القرآن، من شرح حقائق صفات الله تعالى، والبعث والنشور وأحكام الآخرة، وأحوال الملائكة



      قال يحيي بن حمزة – رحمه الله – : « لا يقال : فلعل العرب إنما عجزوا عن معارضة القرآن ليس لأنهم غير قادرين عليها، وإنما تأخروا عن المعارضة، لعدم علمهم بما اشتمل عليه القرآن، من شرح حقائق صفات الله تعالى، والبعث والنشور وأحكام الآخرة، وأحوال الملائكة، وغير ذلك مما لا مدخل لأفهامهم فى تعقله وإتقانه .


      لأنا نقول هذا فاسد لأمرين : أما أولا فهب أن العرب كانوا غير عالمين بحقائق هذه الأشياء، لكن اليهود كانوا بين أظهرهم وكان عليهم السؤال عنها، ثم يكسونها عبارات يعارضون بها القرآن.


      وأما ثانيا فلأن اليهود أنفسهم كان فيهم فصحاء، فكان يجب مع علمهم بها أن يعارضوه، فلما لم تكن هناك معارضة لا من جهة اليهود، ولا من جهة غيرهم، دل على بطلانها وتعذرها »[4].


      هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و كتب ربيع أحمد حامدا لله و مصليا على نبيه - صلى الله عليه وسلم - الاثنين 16 /ربيع الأول/1434هـ ، 28/يناير/2013م


      [1] - من روائع القرآن لمحمد سعيد البوطي ص 130
      [2] - الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز 3/208
      [3]- الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز 3/213
      [4]- الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز 3/213
      طبيب بشري قليل الوجود في المنتدى
      قد يتأخر بيان وجهة نظري أو ردي أياما أو أسابيع فأعذروني
      العمر قصير و العلم غزير فلا وقت للكسل بل الجد والعمل هكذا علمنا البشير النذير
      مقالاتي على شبكة الألوكة
      العلم و الإيمان

      Comment

      Working...