خديعة التطور

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • اسامة النميرى
    عضو
    • Aug 2012
    • 309

    #16
    محاولة أخرى غير مجدية لدعاة التطور:

    عالَم الحمض النووي الريبي

    إن الاكتشاف الذي حدث في السبعينيات (والمتمثل في أن الغازات الموجودة أصلاً في جو الأرض البدائي تجعل تكوين الحمض الأميني مستحيلاً) قد كان ضربة كبيرة لنظرية التطور الجزيئي. واتضح -فيما بعد- أن تجارب الجو البدائي التي أجراها دعاة التطور من أمثال ميلر وفوكس كانت خاطئة، ولهذا السبب ظهرت في الثمانينيات محاولات جديدة لدعاة التطور. ونتيجة لتلك المحاولات، تم تقديم سيناريو عالَم الحمض النووي الريبي (The RNA World) الذي يقترح أن البروتينات لم تتكون أولاً، بل إن جزيئات الحمض النووي الريبي التي تحوي المعلومات الخاصة بالبروتينات هي التي تكونت أولاً

    ووفقاً لهذا السيناريو (الذي قدمه في عام 1986 وولتر غيلبرت، وهو كيميائي من جامعة هارفارد) فقد استطاع جزيء الحمچ النووي الريبي قبل بلايين السنين بطريقة ما أن يتكاثر ذاتياً ويتكون بمحچ الصدفة، ثم بدأ هذا الجزيء في إنتاج البروتينات بتنشيط من تأثيرات خارجية. وبعد ذلك أصبح من الضروري أن تخزَّن هذه المعلومة في جزيء ثان، وبطريقة ما ظهر جزيء الحمض النووي الصبغي.

    ونظراً لتكونه من سلسلة من المستحيلات في كل مرحلة من مراحله، فإن هذا السيناريو الذي يمكن بالكاد تخيله لم يقم سوى بتضخيم المشكلة وإثارة أسئلة كثيرة لا خلاص منها بدلاً من أن يقدم تفسيراً لأصل الحياة:

    -1 فعندما يكون من المستحيل تفسير التكوين العَرَضي ولو حتى لواحد من النيوكليوتيدات المكونة للحمچ النووي الريبي، كيف يكون ممكناً -إذن- لهذه النيوكليوتيدات المتخيَّلة أن تكوّن الحمض النووي الريبي من خلال تواجدها في ترتيب صحيح؟ ويقرّ عالم الأحياء الداعي للتطور، جون هورغان، باستحالة تكوين الحمض النووي الريبي بالمصادفة كما يأتي:

    كلما استمر الباحثون في دراسة مبدأ عالَم الحمض النووي الريبي دراسة دقيقة ستظهر العديد من الأسئلة: كيف نشأ الحمچ النووي الريبي في البداية؟ فمن الصعب تكوين الحمض النووي الريبي ومركباته في المختبر في أفضل الظروف، فكيف -إذن- تمّ ذلك في ظروف معقولة؟ (118)

    -2 حتى إذا افترضنا أن تكوينه قد تم بمحض الصدفة، فكيف استطاع هذا الحمض النووي الريبي المكون من مجرد سلسلة نيوكليوتيدية أن يقرر تكرار نفسه ذاتياً، وبأي نوع من أنواع الآليات كان يمكنه أن يحقق هذا التكرار الذاتي؟ وأين وَجَد النيوكليوتيدات التي استخدمها أثناء التكرار الذاتي؟ إنه أمر مستحيل لدرجة أن عالِمَي الميكروبات الداعييَن للتطور، جيرالد جويچ وليزلي أورغال، يعبّران عن يأسهما من هذا الموضوع في كتابهما الذي يحمل عنوان: في عالَم الحمض النووي الريبي (In the RNA World) :

    إن النقاپ متركز في نقطة لا يمكن الخروج منها ابدا...إنه حول ظهور RNA السحري الذي يستطيع استنساخ نفسه... ظهوره من وسط حساء من ال بوليتيكلوتيد المعقد جدا ...وهذا الأمر ليس ضد علم الكيمياء فقط، بل يهدم أيضا فكرتنا المتفائلة من أن RNA جزيئة تستطيع استنساخ نفسها بنفسها.(119)

    -3حتى إذا افترضنا وجود تكرار ذاتي للحمض النووي الريبي (RNA) في العالم البدائي ووجود أحماض أمينية عديدة من كل نوع جاهزة ليستخدمها الحمض النووي الريبي، وأن جميع هذه المستحيلات حدثت بطريقة ما، فلا يزال الموقف غير مؤهل لأن يؤدي إلى تكوين بروتين واحد. ذلك أن الحمض النووي الريبي لا يشتمل إلا على المعلومات الخاصة بتركيب البروتينات، أما الأحما? الأمينية فهي مواد خام. وعلى الرغم من ذلك، لا توجد آلية لإنتاج البروتينات. وإذا اعتقدنا أن مجرد وجود الحمض النووي الريبي كافٍ لإنتاج البروتين فإن هذا الاعتقاد يكون بلا معنى، تماماً مثل أن نتوقع تجميع سيارة ذاتياً وإنتاجها ذاتياً -بكل بساطة- بمجرد القذف بتصميمها المرسوم على الورق على الآلاف من أجزائها المكومة بعضها فوق بعچ. وفي هذه الحالة أيضاً، يكون الإنتاج أمراً غير وارد نظراً لعدم وجود واشتراك المصنع أو العمال في هذه العملية.

    ويتم إنتاج البروتين في المصنع الريبوسومي بمساعدة إنزيمات كثيرة ونتيجة عمليات معقدة للغاية تحدث داخل الخلية. والريبوسوم (ribosome) عبارة عن جزيء عضوي خلوي معقد يتكون من البروتينات. إذن، ينشئ هذا الوضع افتراضاً آخر غير معقول بأن الريبوسوم -أيضاً- كان يجب أن ينشأ بمحچ الصدفة في الوقت نفسه. وحتى جاك مونود، الحائز على جائزة نوبل والذي يعد من أكثر المدافعين عن التطور تعصباً، يوضح أن تصنيع البروتين لا يمكن بأي حال الاستخفاف به إلى حد افتراض اعتماده فقط على المعلومات الموجودة داخل الأحماض النووية، فهو يقول:

    تفقد الشفرة ( الموجودة في DNA وفي RNA) معناها إذا لم تتم ترجمتها. وتتكون آلية الترجمة المعاصرة الخاصة بالخلية من عدد لا يقل عن خمسين مركباً كبير الجزيئات يتم تشفيره -بدوره- في الحمض النووي الصبغي( DNA)؛ إذ لا يمكن ترجمة الشفرة ونقلها بدون هذه المركبات. ولكن متى وكيف أُقفلت هذه الدائرة المفرغة ؟ من الصعب جدا مجرد تخيل ذلك. (120)

    ولكن كيف يمكن لسلسلة الحمض النووي الريبي في العالم البدائي أن تتخذ مثل هذا القرار؟ وما هي الوسائل التي كانت تستطيع استخدامها لإنتاج البروتين من خلال القيام بمهمة خمسين جسيماً متخصصاً بدون أية مساعدة؟ لا يملك دعاة التطور إجابة على هذه الأسئلة

    وقد قامت الدكتورة لزلي أورغل، وهي إحدى مساعدات ستانلي ميلر وفرانسيچ كريك من جامعة سان دييغو بكاليفورنيا، باستخدام تعبيرسيناريو لوصف ظهور الحياة من خلال عالم الحمض النووي الريبي ووصفت أورغل نوعية السمات التي كان على هذا الحمض أن يتميز بها ومدى استحالة حدوث ذلك في مقالها الذي يحمل عنوان: أصل الحياة (The Origin of Life) المنشور في مجلة العالِم الأمريكي (American Scientist) في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994:

    لقد أشرنا -من قبل- إلى أن هذا السيناريو كان يمكن حدوثه لو توفر للحمض النووي الريبي الذي سبق ظهور الحياة العضوية خاصتان مجهولتان اليوم هما: المقدرة على التكرار بدون مساعدة البروتينات، والمقدرة على تحفيز كل خطوة من خطوات عملية تركيب البروتين وتكوينه.(121)

    ويجب أن يكون واضحاً أن توقع هاتين العمليتين المعقدتين والحيويتين إلى أقصى حد من جزيء مثل الحمض النووي الريبي لا يحدث إلا من خلال قوة مخيلة أحد دعاة التطور ووجهة نظره. ومن ناحية أخرى، تبين الحقائق العلمية الملموسة بكل وضوح أن فرضية عالَم الحمض النووي الريبي التي هي نموذج جديد قُدِّم لتبرير مسألة تكوّن الحياة مصادفةً هي أيضاً خرافة غير معقولة على حد سواء.

    الحياةُ حقيقةٌ أعظم كثيراً من

    مجرد كونها كومة جزيئات

    دعونا نغض الطرف لبرهة عن جميع المستحيلات ونفترض أن جزيء البروتين قد تكوّن فعلاً في أشد البيئات بعداً عن الملاءمة وفي ظل ظروف خارجة عن نطاق السيطرة مثل ظروف الأرض البدائية. وهنا هذه الحقيقة الكبيرة: إن تكوين بروتين واحد لن يكون كافياً؛ ذلك أن هذا البروتين سيضطر إلى الانتظار بصبر لآلاف - بل وربما لملايين- السنين في هذه البيئة الخارجة عن نطاق السيطرة وبدون أن يطرأ عليه أي تلف حتى يتكون جزيء آخر إلى جانبه بمحچ الصدفة تحت الظروف نفسها. وسيضطر -أيضاً- إلى الانتظار حتى تتكون ملايين البروتينات الصحيحة والضرورية جنباً إلى جنب في نفچ المحيط... على أن يتم كل ذلكمصادَفَة !! وسيكون لزاماً على تلك البروتينات - التي تكونت من قبل- أن تتحلى بالصبر دون أن يصيبها التلف، على الرغم من وجود الأشعة فوق البنفسجية والتأثيرات الميكانيكية القاسية، لكي تتكون بروتينات أخرى إلى جانبها مباشرة. وبعد ذلك، ينبغي على هذه البروتينات الموجودة بكميات ملائمة، والتي نشأت جميعها في نفچ الموقع بالضبط، أن تجتمع لتقوم باتحادات مُجدِية وتكوّن الجزيئات العضوية للخلية. ويجب ألا تتدخل في هذه الجزيئات العضوية أية مادة دخيلة، أو جزيء ضار، أو سلسلة بروتينية عديمة الفائدة... وبعدئذ، حتى إذا قدر لتلك الجزيئات العضوية أن تجتمع بطريقة متجانسة ومتعاونة إلى أقصى حد وفقاً لخطة وترتيب، يجب عليها أن تصطحب إلى جانبها جميع الإنزيمات الضرورية وتغطي نفسها بغشاء خلوي، على أن يكون محيطه الداخلي مملوءاً بسائل خا? لكي يوفر لها البيئة المثلى. ولكن حتى إذا حدثت -فعلياً- كل هذه الأحداثغير المحتمَلة بدرجة عالية جداً مصادَفَة، هل ستدب الحياة في هذه الكومة؟

    الجواب هو: ‘؛ لأن البحوث قد أوضحت أن مجرد اتحاد جميع المواد الضرورية للحياة لا يكفي لكي تبدأ الحياة. وحتى إذا جُمعت كل البروتينات الضرورية للحياة ووضعت في أنبوب اختبار فإن هذه المجهودات لن ينتج عنها خلية حية. لقد فشلت جميع التجارب التي أجريت حول هذا الموضوع؛ فقد أشارت جميع الملاحظات والتجارب إلى أن الحياة لا يمكن أن تنشأ سوى من حياة مثلها. أما التأكيد بأن الحياة قد تطورت من أشياء غير حية، وبعبارة أخرى أشياء مولَّدة ذاتيا، فما هو إلا قصة تعيچ في أحلام دعاة التطور وتختلف تماماً عن نتائج كل تجربة وملاحظة.

    وفي هذا الخصوص، فإن أول حياة على الأرض لا بد أن تكون قد نشأت من حياة أخرى ؛ إذ لا تستطيع الحياة أن تبدأ وتستمر وتنتهي إلا بمشيئة الله عزوجل. أما بالنسبة للتطور، فإنه لم يفشل فقط في تفسير كيفية بدء الحياة، بل فشل أيضاً في تفسير كيفية تكوين المواد اللازمة للحياة واجتماعها مع بعضها البعض.

    ويصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة التي واجهها بوصفه عالماً أحيط علماً طول حياته بأن الحياة قد ظهرت نتيجة مصادفات عرَضَية بقوله: منذ بداية تدريبي كعالم، تعرض دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود، وكان من الضروري أن تُجتثّ هذه الفكرة على نحو أليم. وفي هذه اللحظة، لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله. لقد اعتدنا أن يكون عقلنا متفتحاً، والآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق، وليس الخلط العشوائي غير المقصود




    الفصل الحادي عشر

    وانين الديناميكا الحرارية تفنّد نظرية التطور

    يقضي القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (الذي يعد من القوانين الفيزيائية الاساسية) بأن كل الأنظمة يصيبها الاضطراب والخلل وتؤول إلى الخراب بمرور الزمن إذا ما تركت دون تدخل خارجي في ظل الظروف الطبيعية، وهذا الخلل والخراب يتناسب طرداً مع الزمن الذي يمر عليها. إن جميع الكائنات الحية وغير الحية تبلى وتتعر? للتلف والتحلل، ومن ثم تفنى. وهذه هي النهاية الحتمية التي ستواجهها جميع الكائنات (بطريقة أو بأخرى) طبقاً لهذا القانون، وهذا المصير الذي لا مفر منه لا رجعة منه كذلك.

    وما سبق يعد حقيقة نشاهدها كلنا على الدوام. فإنك -على سبيل المثال- إذا ما أخذت سيارة إلى الصحراء وتركتها هناك وعدت لترى ما آلت إليه بعد سنوات فلن تتوقع أن تجدها أفضل حالاً مما تركتها عليه، بل على العكچ من ذلك: ستجد أن الإطارات قد هبطت إلى الأر? ونفد منها الهواء، وأن زجاج السيارة مكسور وهيكلها يعلوه الصدأ، وأن محركها قد بدأ يبلى ويتقادم. وهنا تثبت صحة ذات النتيجة الحتمية والتي تتحقق بشكل أسرع في الكائنات الحية منها في الكائنات غير الحية. والقانون الثانى من قوانين الديناميكا الحرارية هو الوسيلة التي يمكن التعبير من خلالها حسابياً وبالمعادلات عن هذه العملية الطبيعية.

    يعرف هذا القانون الفيزيائى الشهير بقانون الإنتروبيا (Entropy)، وهو عامل رياضى يعتبر مقياساً للطاقة غير المستغلة في نظام ديناميكي حراري؛ أو -بمعنى آخر- يعبّر عن مدى الخلل الذي قد يصيب أحد الأنظمة الفيزيائية. ويزيد هذا العامل كلما تحول أحد الأنظمة من كونه نظاماً مخطَّطاً إلى حالة من الخلل والاضطراب واللانظام. وكلما زادت نسبة الخلل والاضطراب في النظام ارتفع هذا العامل الذي يعبر عن درجة الخلل والاضطراب. ويقضى قانون الإنتروبيا بأن الكون بأسره يتجه بشكل لا يمكن تجنبه نحو حالة من الخلل والاضطراب واللانظام.
    لقد ثبتت صحة القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (أو كما يطلق عليه: قانون الإنتروبيا) عملياً ونظرياً. إن أعظم علماء عصرنا هذا يتفقون على أن قانون الإنتروبيا سيكون هو النموذج المسيطر من القوانين خلال الفترة القادمة من التاريخ، وقد وصفه ألبرت أينشتاين (الذي يعد أعظم علماء عصرنا) بأنه القانون الأول للكون باجمعه. (123)
    أما نظرية التطور فقد اشتهرت وعرفت بتجاهلها هذا القانون الفيزيائي الكوني البديهي والأساسي. وهي تطرح آلية تناقچ هذا القانون بالكامل؛ فهي تدّعي أن الذرات والجزيئات المتفرقة وغير المنتظمة وغير الحية قد تجمعت تلقائياً بمرور الزمن بنظام وتخطيط معيَّن، لتكوِّن جزيئات أخرى غاية في التعقيد مثل البروتينات والأحما? النووية DNA وRNA، ثم لتكوِّن -بعد ذلك- الملايين من الأنواع الحية الأكثر تعقيداً. وطبقاً لنظرية التطور، فإن هذه العملية المفترَضة التي تنتج عنها أشكال ونظم حية أكثر تعقيداً وتنظيماً في كل مرحلة زمنية تمر عليها قد بدأت وتطورت من تلقاء نفسها في ظل الظروف الطبيعية، إلا أن قانون الإنتروبيا يوضح تماماً أن هذه العملية الطبيعية المزعومة تخالف القوانين الفيزيائية كلياً.
    وحتى العلماء الذين يؤمنون بهذه النظرية يؤكدون هذه الحقيقة بأنفسهم؛ فكما يقول العالم رَپ: إن المراحل المعقدة، التي تمر بها الحياة في تطورها تُظهر تناقضات هائلة مع ما تتجه إليه افتراضات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. فبينما يقر هذا القانون بأن هناك اتجاهاً دائماً وغير عكسي نحو الخلل والاضطراب تفترض نظرية التطور أن الحياة تتخذ أشكالاً أرقى وأكثر تنظيماً باستمرار وبمرور الوقت.(124)
    وعن المأزق الحرج الذي وقعت فيه نظرية التطور بسبب قوانين الديناميكا الحرارية يقول عالم آخر من المؤمنين بهذه النظرية، وهو روجر ليوين،، في إحدى المقالات بمجلة العلم: : (Science)
    تتمثل إحدى المشكلات التي واجهها علماء الأحياء في التناقض الصريح بين نظرية التطور والقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية؛ ذلك أن النظم -سواء الحية أو غير الحية- يجب أن تبلى بمرور الوقت لتصبح أقل تعقيداً وانتظاماً وليچ أكثر كما تزعم النظرية. (125)
    ويقر عالم آخر من المؤمنين بالنظرية، وهو جورج سترافروبولوپ، باستحالة تكون أشكال من الحياة بصورة تلقائية طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، وعدم جدوى الفرض القائل بوجود وتكون أشكال معقدة من الكائنات الحية في ظل الظروف الطبيعية. حيث يقول في إحدى المقالات المنشورة بمجلة (American Scientist) المعروفة جيداً بمناصرتها لنظرية التطور: في ظل الظروف الطبيعية، لا يمكن أن يتكون أي جزيء عضوي معقد التركيب تلقائياً، بل إنه يجب أن يتحلل طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. وفي الواقع، فإنه كلما زاد تعقيد تركيب الخلية الحية أصبحت أقل ميلاً للاستقرار على حالها، وبالتالي يصبح من المؤكد -إن عاجلاً أو آجلاً- أن تؤول إلى التحلل والتلاشي. إن عملية التمثيل الضوئي- وهى شكل من أشكال الحياة- والعمليات الحيوية الأخرى، بل والحياة ذاتها، لا يمكن فهمها وتفسيرها على ضوء معطيات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية أو أي فرع آخر من العلوم، على الرغم من المحاولات الخاطئة - المتعمَّدة أو غير المتعمَّدة- لتفسيرها بالفعل. (126)
    وكما هو ملاحَظ: فإن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يمثّل حجر عثرة أمام افتراضات نظرية التطور ليس فقط من الناحية العلمية بل والمنطقية كذلك. وقد عجزت النظرية عن تقديم أي تفسير علمي دائم لتخطي حجر العثرة هذا، ودعاة التطور يتخيلون فقط أن بإمكانهم بالفعل تخطيه. فعلى سبيل المثال، وعلى حد تعبير أحد علماء نظرية التطور - وهو جيرمي رِفكين- فإن هذه النظرية تتغلب على قانون الإنتروبيا بفعل قوة سحرية:
    يقول قانون الإنتروبيا إن التطور يستهلك ويبدد الطاقة الكلية في سبيل الحياة على هذا الكوكب. أما مفهومنا عن التطور فهو على العكچ من ذلك تماماً؛ فنحن نرى أن عملية التطور تولّد طاقة أعظم وتزيد من درجة النظام على الأرض بطريقة سحرية ما!! (127)
    هل تدل هذه العبارات إلا على أن هذه النظرية ليست سوى عقيدة دوغمائية يعتنقها أصحابها
    خرافة النظام المفتوح

    وإزاء مواجهتهم لكل هذه الحقائق، اضطر أنصار نظرية التطور إلى الدفاع عن نظريتهم باللجوء إلى تشويه قانون الإنتروبيا بزعمهم أن هذا القانون صحيح فقط فيما يتعلق بالأنظمة المغلقة (Closed systems)، أما النظم المفتوحة (Opened systems) فلا ينطبق عليها هذا القانون.

    فالنظام المفتوح هو نظام ديناميكي حراري تتدفق الطاقة منه وإليه، وهذا على العكچ من النظام المغلق الذي تظل فيه الطاقة الأولية ساكنة. ودعاة نظرية التطور يزعمون أن الدنيا نظام مفتوح وهي معرَّضة دائماً لتدفق الطاقة الشمسية إليها، وأن قانون الإنتروبيا لا ينطبق على الدنيا بأسرها، وأن الكائنات الحية المعقدة التركيب يمكن أن تنشأ من أشكال بسيطة بدائية غير حية.

    وتظهر هنا المغالطة ومحاولة التشويه بوضوح. إن مجرد تدفق الطاقة إلى نظامٍ ما ليچ كافياً لتأمين النظام فيه . فهناك عدة عمليات لا بد أن تتم لتوظيف وتشغيل الطاقة. فمثلاً، تحتاج السيارة إلى محرك وجهاز لنقل الحركة وآلية تحكم مناسبة لتحول الطاقة الموجودة في الوقود إلى حركة. وبدون مثل هذا النظام الضروري لتحويل الطاقة لا تتسنى للسيارة استخدام الطاقة الكامنة في الوقود.
    وما سبق ينطبق على أشكال الحياة أيضاً. صحيح أن الحياة تستمد طاقتها من الشمچ، ولكن الطاقة الشمسية يمكن أن تتحول إلى طاقة كيميائية فقط بفعل النظم البالغة التعقيد لتحويل الطاقة في الكائنات الحية (مثل عملية التمثيل الضوئي الذي تقوم به النباتات، والأجهزة الهضمية لدى الإنسان والحيوان). فلا يمكن لأي كائن حي أن يعيش دون نظم تحويل الطاقة هذه، ومن دونها تصبح الشمس مجرد مصدر للطاقة يؤدى إلى الحرق أو الجفاف أو الإذابة.
    وكما يتضح لنا، فإن أي نظام ديناميكي حراري بغير نظامٍ ما لتحويل الطاقة ليچ في صالح نظرية التطور، سواء أكان هذا النظام مفتوحاً أم مغلقاً. فلا يمكن لأحد أن يجزم بأن هذه الأشكال المعقدة والراقية من الكائنات الحية قد وجدت في ظل الظروف الطبيعية البدائية على سطح الأرض. إن المشكلة الحقيقية التي تواجه أنصار نظرية التطور بالفعل تتمثل في السؤال التالي: كيف يمكن لأنظمة تحويل الطاقة المعقدة (مثل عملية التمثيل الضوئي في النبات التي لا يمكن حتى محاكاتها بأحدث الوسائل التكنولوجية) أن توجد من تلقاء نفسها؟
    إن تدفق الطاقة الشمسية إلى الدنيا وهي في مرحلتها البدائية ليچ له تأثير في حد ذاته وليچ هو السبب في انتظام هذه الدنيا. فمهما ارتفعت درجة الحرارة فإن الأحماض الأمينية تقاوم تشكيل الروابط المختلفة بالنظام المنطقي المسلسل الذي اعتادت عليه. فالطاقة في حد ذاتها لا تكفى لحمل الأحماض الأمينية على أن تكوّن الجزيئات الأكثر تعقيداً المكوِّنة للبروتينات أو لجعل البروتينات تكوِّن الأشكال الأكثر تعقيداً وانتظاماً من الخلايا الحية. إن المصدر الحقيقي الجوهري لهذا النظام على جميع المستويات هو التصميم الواعي، أو بعبارة أخرى: الخلق.
    خرافة نظرية الفوضى

    وحيث إن العلماء من أنصار نظرية التطور يدركون تمام الإدراك أن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يقضى باستحالة تحقق صحة هذه النظرية، فقد قاموا بوضع بعچ النظريات الخيالية في محاولة لتقليل الفجوة بين النظرية والقانون ليتمكنوا من إثبات صحة النظرية. وكما هو متوقع، أثبتت هذه المحاولات أو المناورات أن نظرية التطور تواجه عقبة لا يمكن التغلب عليها.
    يعد العالم البلجيكي إيليا بريجوجين من العلماءالمعروفين بمحاولاتهم في التوفيق بين الديناميكا الحرارية وبين نظرية التطور. وقد اتخذ هذا العالم من نظرية الفوضى (Chaos Theory) نقطة البداية، واضعاً عدداً من الفرضيات التي تقول إن النظام يحتمل ان يأتي من الفوضى. ولكن على الرغم من كل جهوده فلم يستطع التوفيق بين قوانين الديناميكية الحرارية وبين نظرية التطور. . وهو يعتقد أن بعچ النظم المفتوحة يمكن أن تشهد انخفاض درجة الخلل والاضطراب فيها(أي انخفا? درجة الإنتروبيا) بفعل تأثير الطاقة الخارجية، وأن الانتظام الذي يتحقق في هذه الحالة دليل على أن المادة يمكن أن تنظم نفسها وحركتها. ومنذ ذلك الحين أصبح مفهوم التنظيم الذاتي للمادة شائعاً بين أنصار نظرية التطور وعلماء الماديات؛ فهم يتصرفون كأنهم اكتشفوا الأصل المادي وراء التعقيد الذي تتصف به الحياة ووجدوا حلاً مادياً لمشكلة أصل الحياة ذاتها.

    بَيد أننا إذا ما تمعنَّا في دراسة هذا الفر? لوجدناه حديثاً مجرداً لا تسانده أي حقائق علمية بل يكاد يكون أمنيّات في خيال أنصار نظرية التطور يودون لو تتحقق. وأكثر من ذلك، فإنه يتضمن نوعاً من الخداع الساذج الذي يتمثل في الخلط المتعمَّد بين مفهومين محددين هما التنظيم الذاتي والترتيب الذاتي. (128) ويمكننا توضيح ذلك من خلال المثال التالي: فلنتخيل أحد الشواطئ وعليه أنواع مختلفة من الأحجار مختلطة ببعضها البعچ: ما بين أحجار كبيرة ومتوسطة الحجم وأخرى صغيرة للغاية. عندما تضرب موجة عالية هذا الشاطئ قد نلاحظ حدوث ترتيب للأحجار طبقاً لحجمها؛ حيث ستتسبب المياه في تحريك الأحجار من نفچ الوزن بنفچ المقدار. وعندما ترتد الموجة ثانية نلاحظ أن الأحجار قد تم ترتيبها من الأصغر إلى الأكبر حجماً باتجاه البحر.

    وهذا ما يُطلق عليه عملية الترتيب الذاتي: فالشاطئ نظام مفتوح وتأثير الطاقة (طاقة الأمواج في هذه الحالة) قد يسبب هذا الترتيب. وهنا تجدر ملاحظة أن طاقة الأمواج السابق ذكرها لا يمكن أن تتسبب في بناء قلعة من الرمال على الشاطئ. فنحن عندما نرى قلعة من الرمال على الشاطئ نكون على يقين من أن أحداً ما قد صنعها. إن الفرق بين بناء القلعة الرملية والأحجار المرتبة يتمثل في أن الحالة الأولى تعبر عن عملية شديدة التعقيد ذات طابع فريد، بينما الثانية تعبر فقط عن عملية التكرار. وهو ما يشبه الآلة الكاتبة عندما تكتب حرفاً معيناً أ أ أ أ أ أ أ أ وتكرره لمئات المرات، لمجرد أن شيئاً ما (تأثير طاقة معينة) قد وقع تركيزه على هذا الحرف بالذات. وبطبيعة الحال لا تنطوي عملية تكرار كتابة هذا الحرف على أي معلومات، وبالتالي لا تنطوي على أي تعقيد. فالأمر يحتاج إلى عقل واع لتكوين تسلسل من الحروف على درجة من التعقيد لتنطوي على أي معلومات.

    وما سبق ينطبق أيضاً عندما تهب الرياح داخل غرفة ما تمتلئ بالغبار والأتربة. فقبل حدوث هذا التأثير- تأثير الرياح- كانت الأتربة تنتشر وتملأ كل أرجاء الغرفة، ومع هبوب الرياح قد تتجمع هذه الأتربة في أحد أركان الغرفة، وهذا ما يُطلق عليه اسم الترتيب الذاتي. ولكن الأتربة أو الجزيئات التي تكوِّن الأتربة لا يمكن أن تتجمع بتنظيم نفسها ذاتياً لتكوّن صورة رجُل على أرضية الغرفة!

    وهذه الأمثلة تشبه -إلى حد كبير- سيناريو التنظيم الذاتي الذي يقترحه دعاة نظرية التطور. فهم يقولون إن المادة تميل لتنظيم نفسها، ثم يسوقون مثالاً على الترتيب الذاتي وليس التنظيم الذاتي محاولين الخلط بين المفهومين. أما العالِم بريغوجين فقد ساق بنفسه أمثلة على الترتيب الذاتي للجزيئات بسبب تأثير طاقة ما. وفى كتاب عنوانه لغز أصل الحياة

    (The Mystery of Life’s Origin) فسّرَ كلٌّ من ثاكستون وبرادلى وأولسين (وهم العلماء الأمريكيون الثلاثة مؤلفو هذا الكتاب) هذه الحقيقة بقولهم: في كل حالة من حالات الحركة العشوائية للجزيئات في سائل ما تتحول هذه الحركة العشوائية ويُستبدَل بها سلوك يؤدى إلى ترتيبٍ لهذه الجزيئات. لقد اقترح بريغوجين وإيجين وغيرهما إمكانية وجود نمط شبيه من التنظيم الذاتي بصورة متأصلة في الكيمياء العضوية، وأن ذلك يمكن أن يُعَد من الأسباب الجوهرية للتعقيد الشديد الذي تتصف به الجزيئات الكبيرة التي يعد وجودها أساسياً للأنظمة الحية. ولكن هذه الأمثلة التي استخدمها العلماء للقياپ ذات صلة ضعيفة بقضية أصل الحياة. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو فشلهم في التفرقة بين الترتيب والتعقيد؛ فالانتظام أو الترتيب لا يمكن أن يؤدى إلى اختزان الكم الكبير من المعلومات الذي تتطلبه الأنظمة الحية. فما تتطلبه الأنظمة الحية هو تركيب غير منتظم، ولكنه محدد، وليچ تركيباً مرتب المكونات. وهذا الخلط يعد عيباً خطيراً في الحالات القياسية التي ساقوها؛ فليست هناك علاقة واضحة بين الترتيب التلقائي الذي يحدث من جراء تدفق طاقة ما إلى مثل هذه الأنظمة وبين العمل الذي يتم لبناء دوري للجزئيات الكبيرة التي تمتلئ بكم مكثف من المعلومات مثل الحمچ النووي DNA والبروتينات. (129)

    وفي الحقيقة، فقد اضطر بريغوجين نفسه إلى الاعتراف بأن ما ساقه من جدل لا يمكن اعتباره سبب أصل الحياة، قائلاً: إن مشكلة الترتيب الحيوى تتضمن الانتقال من نشاط الجزيء ذاته إلى ترتيب أرقى منه، وهو ترتيب الخلية. وهذه المشكلة هي أبعد ما تكون عن حلها بهذه الفروض . (130)

    لماذا -إذن- لا يزال دعاة نظرية التطور يحاولون تصديق تفسيرات وسيناريوهات غير علمية مثل التنظيم الذاتى للمادة؟ لماذا يصرون على رفچ وإغفال الذكاء الواضح الذى تتصف به الأنظمة الحية؟ والإجابة هى: لأنهم يؤمنون بالماديات ويعتقدون أن المادة لديها قدرة سحرية على خلق الحياة. وقد فسر البروفسور روبرت شابريو، الأستاذ بجامعة نيويورك والخبير فى خبايا الأحماض النووية، فسر اعتقادات أنصار نظرية التطور وإيمانهم بالماديات الكامن خلف هذه الاعتقادات بقوله: يلزم التوصل إلى مبدأ آخر من مبادئ التطور ليعبر بنا الفجوة الواقعة فى المسافة بين اختلاط المواد الكيميائية الطبيعية وأُولى عمليات التكرار الفعالة. وهذا المبدأ لم يوصَف تفصيلاً بعدُ كما لم يتم إثباته، إلا أنه من المنتظر حدوث ذلك حتى إنه قد أعطي مسميات مثل التطور الكيميائى والتنظيم الذاتى للمادة. إن وجود هذا المبدأ أمر مسلم به فى الفلسفة المادية الجدلية، كما طبقها ألكساندر أوبرين على أصل الحياة .

    إن هذا الموقف كله يبين بوضوح أن نظرية التطور هى عقيدة تخالف العلم وما يستند إليه من تجارب، وأن وجود الأحياء يمكن تفسيره فقط بفعل قوى خارقة للطبيعة. هذه القوى الخارقة للطبيعة هى قدرة الله -سبحانه وتعالى- الذى خلق الكون بأسره من العدم. وقد أثبت العلم أن نظرية التطور لا تزال مستحيلة التحقيق من منظور قوانين الديناميكا الحرارية، وأن وجود الحياة لا تفسير له سوى الخلق.
    لأنه لو كانت الحياة عبثا ربما خيرتك الصدفة والتطور في ما ترغب فيه ، ولكان العلم يفسر كل ما يخطر على بالك ، ولكان بالإمكان منع الشلل وغيره من الأمراض التي تعجز الإنسان ، كما نلاحظ اختلاف اعمار الوفيات واختلاف الإبتلاء واختلاف الإيمان فهذا دليل على الخلق وليس الصدفة كما يدعي الملاحدة ..
    دليل مدونات المناظر المسلم

    http://fast00fast.blogspot.com/

    Comment

    • اسامة النميرى
      عضو
      • Aug 2012
      • 309

      #17
      الفصل الثاني عشر


      إستحالة تفسير التصميم بالمصادفات


      رأينا في الفصل السابق مدى استحالة تكوُّن الحياة عن طريق الصدفة. ومع ذلك، فلنفترض أننا سلَّمنا بكل هذه المستحيلات: لنفترض أن خلية قد حصلت قبل ملايين السنين على كل ما تحتاجه لتعيش، وأنها حصلت على الحياة بشكل ما. مع كل هذه الافتراضات فإن نظرية التطور تنهار هنا مرة أخرى: فحتى لو عاشت هذه الخلية فترة من الزمن فإن مصيرها هو الموت عاجلاً أم آجلاً، وعندما تموت لن يبقى شيء اسمه حياة وسيعود كل شيء إلى نقطة البداية؛ ذلك لأن هذه الخلية الحية الأولى (التي ليس لديها برنامج وراثي) ما كانت لتستطيع التكاثر وما كانت -بالتالي- لتترك نسلاً جديداً بعد موتها، وبموتها كانت الحياة ستنتهي. إن النظام الوراثي ليس عبارة عن سلسلة DNA فحسب، بل لا بد من أن توجد المكوِّنات الآتية في البيئة ذاتها: إنزيمات تستطيع قراءة شفرة الـDNA؛ والحمض النووي الناقل RNA الذي سيتم إنتاجه بعد قراءة هذه الشفرة؛ والرايبوزوم (ribosome) الذي سيتعلق به الحمض النووي الناقل RNA حسب هذه الشفرة ليبدأ بالتكاثر؛ والحمض النووي المحوِّل RNA الذي سيحول الأحماض الأمينية إلى رايبوزوم لاستخدامها في عملية التكاثر؛ وإنزيمات معقدة التركيب جداً للقيام بالعمليات الوسيطة الكثيرة. ومثل هذه البيئة لا يمكن أن توجَد إلا في مكان معزول تماماً وتحت تحكّم وسيطرة تامة مثل الخلية، حيث توجد كل المواد الخام الضرورية وموارد الطاقة المطلوبة.

      إذن المادة العضوية إنما تستطيع التكاثر إذا وُجدت في صورة خلية كاملة التطور وبها كل أعضائها، وفي بيئة مناسبة يمكنها فيها أن تحيا وتتبادل المواد وتحصل منها على الطاقة. وهذا يعني -بعبارة أخرى- أن أول خلية حية وُجدت في الكون قد وُجدت دفعة واحدة بكل تركيباتها المعقدة.

      حسناً، ماذا يعني وجود تركيب معقد دفعة واحدة؟

      للإجابة عن هذا السؤال لنأخذ المثال التالي: لنشبّه الخلية من حيث تعقيدها بسيارة ذات تقنية متقدمة (في الواقع تحتوي الخلية على نظام أكثر تعقيداً وأكثر تطوراً من السيارة بمحركها وبما فيها من تقنية عالية). والآن لنسأل: إذا خرجتم يوماً ما في رحلة إلى غابة لم يمسها فأس ولم يدخلها إنسان، وتوغلتم فيها، ثم عثرتم بين الأشجار على سيارة حديثة من آخر طراز، ماذا كنتم ستقولون؟ هل -يا ترى- سيكون أول ما يخطر ببالكم أن عناصر مختلفة في الغابة وعلى مدى ملايين السنين قد تجمعت بالصدفة فظهر مثل هذا العمل؟ إن كل المواد الخام المكوِّنة للسيارة يتم الحصول عليها من الحديد والبلاستيك والمطاط والتراب أو مشتقاته. لكن هل تدفعكم هذه الحقيقة إلى الاعتقاد بأن هذه المواد قد خرجت وانتظمت بالصدفة، ثم تجمعت فتكونت مثل هذه السيارة؟

      مما لا شك فيه أن أي إنسان عادي يتمتع بعقل سليم سيكون أول ما يخطر بباله هو أن السيارة ثمرة تصميم واع؛ أي أنها من إنتاج مصنع، وهو سوف يتعجب من وجودها في الغابة. ذلك أن ظهور تركيب معقد فجأة، ودفعة واحدة وبشكل متكامل، يدل على أنه قد صُنع من قِبَل إرادة واعية. ولا شك -إذن- أن نظاماً معقداً كالخلية قد خلُق من قِبَل قوة ذات إرادة عُليا حكيمة. وبعبارة أخرى: فإنه من صنع الله.

      أما حماة التطور فيخرجون بالفعل عن المنطق والعقل وكل الحقائق العلمية بقولهم إن الصدفة تستطيع إنتاج تصميمات بديعة غاية في الإتقان. ومن العلماء الثقات (الذين تحدثوا بصراحة عن هذا الموضوع) عالم الحيوان الفرنسي الشهير بيير غراسيه، الرئيس الأسبق لأكاديمية العلوم الفرنسية. وبالرغم من كون غراسيه ماديّاً، فهو يقر بأن النظرية الدارونية غير قادرة على تفسير نشأة الحياة، ويقول عن منطق الصدفة الذي هو أساس الدارونية ما يلي:

      إن الاعتقاد بظهور طفرات في الوقت المناسب لتوفير ما يحتاج إليه الحيوان والنبات هو من الصعوبة بمكان. غير أن الدارونية تذهب إلى أبعد من ذلك: لا بد أن يتعرض نبات أو حيوان ما إلى آلاف وآلاف من الطفرات المفيدة حتى يكتمل؛ أي لا بد أن تصير المعجزات أحداثاً عادية جدا وأن تقع أحداث هي أبعد ما تكون عن الحدوث، فلا قانون يمنع التخيل، ولكن يجب ألاّ يتورط العلم في هذا .

      ويلخچ غراسيه مفهوم الصدفة لدى حماة التطور بما يلي: الصدفة جعلت من نفسها إلهاً يُعبَد خفية تحت غطاء الإلحاد .(133)

      إن الفساد الفكري والمنطقي لدى حماة التطور ما هو إلا ثمرة اتخاذهم مفهوم الصدفة إلهاً. والله يخبرنا في القرآن عن الذين يعبدون من دون الله مخلوقات أخرى أنهم فاقدون للقدرة على التمييز العقلي فيقول:

      لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا، أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (الأعراف 179).

      أطروحة دارون

      إضافة إلى كل ما تناولناه حتى الآن من أدلة علمية وتقنية، دعونا نقف على مدى سخافة ما يدعو إليه حماة التطور من خلال مثال بسيط، حتى الأطفال لا يجدون صعوبة في فهمه:
      تزعم نظرية التطور أن الحياة تكونت بالصدفة. واستناداً إلى هذا الزعم: تجمعت ذرات غير حية وغير واعية فكوّنت -أولاً- الخلية، ثم -وبشكل ما- تكونت كائنات حية أخرى من بينها الإنسان.

      دعونا نفكّر في هذا: فإذا جمعنا العناصر الأساسية للكائن الحي؛ من كربون وفوسفور ونيتروجين وبوتاسيوم، لتكوَّنت لدينا كومة منها لا غير. وأيّاً كانت العمليات المعملية التي تخضع لها هذه العناصر النووية فإنها لا يمكن أن تكوِّن كائناً حياً واحداً. إذا شئتم لنجرِ تجربة، ولنختبر -باسم حماة التطور- ما يزعمونه (حتى ولو لم يصرحوا به بالخط العريض) باسم أطروحة دارون:

      لِيُعِدَّ حماةُ التطور براميلَ كبيرة الحجم، وليضعوا فيها وبكميات كبيرة العناصر الاساسية الموجودة في الكائن الحي (من فوسفور ونيتروجين وكربون وأكسجين وحديد ومغنيسيوم)، بل ليضيفوا إلى هذه البراميل ما شاؤوا من مواد لا توجد في الظروف الطبيعية، وليضيفوا إلى هذه الخليط الكمية التي يريدونها من الأحماض الأمينية (التي يستحيل تكونها في الظروف العادية)، وليضيفوا ما شاؤوا من البروتينات (التي يبلغ احتمال تكوُّن واحد منها عن طريق الصدفة واحدا من (10950) احتمال، وليعرِّضوا هذا الخليط للحرارة والرطوبة التي يريدونها، وليخلطوا كل هذه المواد بأحدث الأجهزة التكنولوجية التي يفضّلونها، وليضعوا على رأپ هذه البراميل أشهر علماء العالم وأعظمهم. وليتناوب هؤلاء الخبراء على هذه البراميل مليارات، بل تريليونات السنين، وهم أحرار في استخدام كل العوامل والظروف التي يعتقدون أنها ضرورية لتكوّن الإنسان...

      لكنهم -مهما فعلوا- فلن يخرج من تلك البراميل إنسانٌ أبداً. ولن يمكنهم إخراج أي من الزرافات أو الأسود أو النحل أو البلابل أو الببغاوات أو الحيتان أو النخيل أو الورود أو الموز أو البرتقال أو التفاح أو التمر أو التين أو الزيتون أو العنب أو الخوخ أو الفراپ مختلف الألوان... وملايين غيرها من أجناپ الكائنات الحية! إنهم لن يستطيعوا حتى الحصول على خلية واحدة من خلايا أي منها.

      باختصار: إن الذرات غير الواعية لا يمكنها أن تكوّن خلية باجتماعها سوية، ولا يمكنها اتخاذ القرار بتقسيم هذه الخلية إلى خليتين، ثم اتخاذ قرارات أخرى وصولاً إلى خلق العلماء الذين سيصنعون مجهراً إلكترونياً -بعد ذلك- ليدرسوا بواسطته تركيب خلايا أجسامهم! إن المادة كومة غير واعية ولا حياة فيها، ولن توجد فيها الحياة إلا بقدرة الله الخالق العظيم.

      أما نظرية التطور التي تزعم عكس ذلك فليست سوى سفسطة مخالفة للعقل تماماً. وإن التأمل البسيط في مزاعم حماة التطور -كما رأينا في المثال السابق- لَيؤكد هذه الحقيقة؛ حقيقة الخلق.

      التقنية الموجودة في العين والأذن

      من الموضوعات الأخرى التي لا تستطيع نظرية التطور تقديم تفسير لها: نوعية الإحساس العالية في السمع والبصر.

      قبل الخوض في موضوع البصر لنُجِب باختصار عن سؤال: كيف نبصر؟. تسقط الأشعة الضوئية المنعكسة من الأجسام على الشبكية في مؤخرة العين، وتتحول هذه الأشعة الضوئية إلى إشارات كهربائية عن طريق الخلايا الموجودة في الشبكية، ثم تنقل الأعصاب هذه الإشارات إلى نقطة صغيرة جداً موجود في مؤخرة المخ تُسمّى مركز الإبصار. وتتحول هذه الإشارات الكهربائية بعد سلسلة من العمليات إلى صورة يراها هذا المركز. والآن، بعد أن قدمنا -باختصار- هذه المعلومات الفنية، لنتأمل الأمر قليلاً:

      المخ معزول عن الضوء؛ أي أن داخل المخ ظلام دامس، ولا يتسرب النور إلى المكان الذي يوجد فيه المخ. ومركز الإبصار هو أيضا في ظلام دامس، ظلام دامس بحيث لا يصل إليه الضوء أبداً، وقد يكون أكثر الأماكن التي تعرفونها إظلاماً. ولكن -رغم ذلك- فإنكم تشاهدون داخل هذا الظلام الدامس عالماً برّاقاً مضيئاً.

      زد على ذلك أن هذه الرؤية واضحة وذات نوعية عالية لم يستطع القرن العشرون بكل تقنيته وإمكاناته أن يحصل على مثلها.

      انظروا إلى الكتاب الذي بين أيديكم مثلاً، وانظروا إلى الأيدي التي تمسك به، ثم ارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى ما حولكم. هل أبصرتم مثل هذا الوضوح الذي تشاهدونه ومثل هذه النوعية التي ترونها في مكان آخر؟ هذا الوضوح والصفاء الذي تشاهدونه لا توفره لكم أفضل الشاشات التي تنتجها أكبر الشركات المنتجة للتلفزيونات في العالم. إن ما تشاهدونه هو صورة ثلاثية الأبعاد وملونة وواضحة إلى أبعد الحدود. لقد عكف آلاف المهندسين لأكثر من مئة سنة في محاولات للوصول إلى مثل هذه الرؤية؛ فأسّسوا المصانع الكبيرة، وجهزوها بأحدث الأجهزة، وقاموا بإجراء الأبحاث والدراسات والتصميمات. انظروا -مرة أخرى- إلى شاشة التلفزيون، ثم انظروا إلى هذا الكتاب الذي بين أيديكم، ستجدون فرقاً كبيراً بينهما في صفاء ووضوح الرؤية. زد على ذلك أن شاشة التلفزيون تُريكم مشهداً ثنائي الأبعاد، بينما أنتم تبصرون بأبعاد ثلاثة وتشاهدون العمق. وإذا تأملتم الشاشة بعناية ستجدون بها تغبّشاً، فهل في بصركم أي تغبس؟

      لقد حاول عشرات الآلاف من المهندسين لسنوات طويلة إنتاج تلفزيون ذي صورة ثلاثية الأبعاد ونوعية تضاهي نوعية الرؤية في العين. نعم؛ لقد تمكنوا من صنع تلفزيون ذي صورة ثلاثية الأبعاد، ولكنها لا يمكن مشاهدتها إلا بوضع نظارة خاصة. إنها رؤية بأبعاد ثلاثة صناعية؛ فالجانب الخلفي من الصورة مغبّچ، والجانب الأمامي جامد كأنه جدار من ورق. ولم يمكن تكوين صورة مثل صورة العين قَط. هناك نقچ في نوعية الصورة سواء في التلفزيون أو في آلة التصوير. هذا الصفاء في الرؤية وهذه النوعية العالية في آلية البصر يدَّعي حماة النشوء بأنها قد وُجدت بالصدفة. والآن، ماذا سيكون موقفكم لو قال لكم أحدهم إن التلفزيون الذي في حجرتكم قد تكوَّن بالصدفة؟ وإن الذرات تجمعت وكوّنت هذه الآلة التي تُظهر الصور؟ كيف تستطيع الذرات القيام بعمل عجز عنه آلاف الأشخاص؟ لقد بذل عشرات الآلاف من المهندسين منذ مئة سنة جل طاقتهم، مستخدمين كل وسائل التقنية المتطورة المتاحة لهم، في المعامل ذات التقنية العالية وفي أكبر المؤسسات والمصانع، ولم يستطيعوا أن ينتجوا إلا هذا التلفزيون الذي بين أيدينا فقط.

      وإذا كانت آلات البصريات الأكثر بدائية من العين غير قابلة أن تكون قد تشكلت بالصدفة، فمن باب أولى ألا تكون العين والصورة التي تراها العين قد تكونت بالصدفة. العين تتطلب تصميماً مفصلاً وواعياً أكثر مما يتطلبه التلفزيون، فمثل هذه النوعية من البصر، ومثل هذا الصفاء، ومثل هذا التصميم، هو كله من خلق الله القادر على كل شيء.

      الوضع نفسه ينطبق على الأذن أيضاً؛ فالأذن الخارجية تجمع الموجات الصوتية المحيطة بها عن طريق صِوان الأذن (الغضروف) وتوصلها إلى الأذن الوسطى، وتقوم الأذن الوسطى -بدورها- بتقوية الذبذبات الصوتية التي تلتقطها وترسلها إلى الأذن الداخلية، وتقوم الأذن الداخلية بتحويل هذه الذبذبات إلى إشارات كهربائية وترسلها إلى المخ. ويتم السمع في مركز السمع في المخ مثلما تتم الرؤية في مركز الإبصار فيه.

      وينطبق وضع العين على الأذن أيضا؛ أي أن المخ معزول عن الصوت كما هو معزول عن الضوء؛ فلا يتسرب الصوت إلى المخ، ومن ثَم فمهما كان الجو الخارجي صاخباً فإن داخل المخ هادئ تماماً. ومع ذلك فإن أوضح الأصوات يتم تمييزها في المخ؛ فتستمعون في مخكم المعزول عن الصوت إلى كل الأصوات وتسمعون كل ضجيج وصخب في الخارج.

      ولكن لو أن جهازاً حسَّاساً وُضع لقياپ مستوى الصوت داخل مخكم لوجد أن الهدوء التام مسيطر على المخ!






      تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


      ===





      عند مقارنة العينين والأذنين بالكاميرا ومسجل والصوت على التوالي، نجد أن العينين والأذنين تفوق هذه المنتجات التكنولوجية -إلى حد بعيد- من حيث التعقيد وأداء الوظيفة والاكتمال.
      لنقارن -مرة أخرى- بين النوعية العالية والتقنية الراقية الموجودتين في أذن الإنسان ومخه، وبين ما أنتجه البشر من تقنية. كما هو الحال مع الصورة، بذل الإنسان الجهد لعقود في محاولة إصدار وتكرار الصوت الذي يضاهي الأصل، وقد أثمرت هذه الجهود إنتاج أجهزة تسجيل الصوت، وأنظمة صوتية عالية الحساسية، وأنظمة لاستقبال الصوت. إلا أنه -بالرغم من هذه التقنية، وآلاف المهندسين والخبراء الذين شاركوا في هذه المحاولات- فلم يتم التوصل إلى نفس درجة وضوح وصفاء الصوت الذي تتلقاه الأذن. تأملوا أحدث أجهزة تسجيل الصوت التي تنتجها أكبر وأشهر الشركات المتخصصة في مجال الأجهزة الموسيقية. فحتى عند تسجيل الصوت بواسطة هذه الأجهزة، فلا بد من ضياع قسم منه، أو صدور صوت أزيز عند فتح الجهاز قبل بدء سماع التسجيل. أما الأصوات التي هي ثمرة التقنية الموجودة في جسم الإنسان فإنها كاملة وبديعة وصافية إلى أبعد الحدود. فالأصوات التي تستقبلها أذن الإنسان لا تكون مصحوبة بتشويچ ولا بأزيز كما يحدث في الأجهزة الصوتية، فالأذن تتلقى الصوت كما هو بالضبط. وهذا الوضع لم يتغير منذ خلق الإنسان إلى اليوم.

      باختصار: إن في جسمنا تقنية أرقى بكثير من التقنية التي أنتجها الإنسان مستخدماً معلوماته التراكمية وخبرته والفر? التي سنحت له. ولا يمكن لأحد أن يقول إن جهازاً صوتياً أو آلة تصوير قد وُجدا بالصدفة. فكيف يمكن الزعم بأن هذه التقنية الموجودة في جسم الإنسان (التي هي أرقى من هذه الأجهزة البشرية) تيسر تكونها نتيجة سلسلة من المصادفات تسمى بالتطور أو النشوء والارتقاء؟

      مما لا شك فيه أن عين الإنسان وأذنه، وجميع الأجهزة الموجودة في جسمه، هي أثر لقوة خالقة مبدعة. وهذه الموجودات دليل واضح على خلق الله الفريد الذي لا يقابله شيء، وعلى قوته العظيمة وعلمه الذي لا يحاط به.

      إن سبب تناولنا لسمع الإنسان وبصره هنا هو: عدم فهم حماة التطور مثل هذه الأدلة الواضحة على الخلق. فإذا ما طلبتم -يوماً ما- من أحد هؤلاء تفسير كيفية وجود هذه التقنية العالية وهذا التخطيط البديع في العين والأذن عن طريق الصدفة، لشاهدتم عجزه عن تقديم أي جواب معقول أو منطقي. بل إن دارون نفسه يعترف بعجز دعاة التطور حيال التخطيط البديع في المخلوقات، فيقول في رسالة كتبها بتاريخ 3 نيسان (أبريل) سنة 1860 : إن التفكير في العين يُضعف من حماستي لنظرية التطور!

      في احدى المناظرات السابقة التي قمت بها ، شخص كثير الإستهزاء بوجود الخالق ، فقلت في نفسي بأنني سأوصل له المعلومة (( على قد عقله )) ..

      قلت له الحلويات والدراجات لا تتطور فكيف تقول ان الإنسان يتطور ؟؟

      ضحك على هذا المثال لتفاهته وهو مقتنع ان لهذه الأمثلة صانع وهو الإنسان ، وقال لي : الحلويات لا تتكاثر وليس فيها جينات جاي اتكلمني عن الإنسان والحيوان ؟

      قلت له : إذن انت مقتنع بتفاهة ما أنت مقتنع مليون في المئة أنه مصنوع أمام المخلوقات التي تعتقد أنها خرجت فجأة (( بومب )) بل وتتكاثر وفيها جينات وخلايا وغيرها !!

      وحينهى انهى حواره معي ..

      وسبحان خالق العقول !! ..
      دليل مدونات المناظر المسلم

      http://fast00fast.blogspot.com/

      Comment

      • اسامة النميرى
        عضو
        • Aug 2012
        • 309

        #18
        الفصل الثالث عشر

        تهافت مزاعم التطور أمام الحقائق

        تناولنا في الفصول السابقة بالبحث والدراسة بطلان نظرية التطور بأدلة علم المتحجرات، ومن منظور علم البيولوجيا الجزيئة. وسنتناول بالبحث في هذا الفصل عدداً من الظواهر والمفاهيم البيولوجية التي يسوقها حماة التطور كأدلة على نظريتهم. هذه الظواهر والمفاهيم مهمة بوجه خا? من حيث إنها تبين عدم وجود أي دليل علمي أو معطيات علمية تؤيد نظريتهم، كما أنها -في الوقت نفسه- تكشف للعيان مدى لجوء هؤلاء التطوريين إلى الخداع الكبير والتعتيم المتعمد.

        التنوع والأنواع

        التنوع (variation) اصطلاح مستخدَم في علم الوراثة، وهو يشير إلى ذلك الحدث الوراثي الذي يتسبب في إكساب أفراد الجنچ الواحد أو فئاته خصائص تختلف بين الأفراد أو الفئات. فلكل البشر على ظهر الأرض -مثلاً- نفس المعلومات الوراثية في الأصل، إلا أن بعضهم يكون مائل العين، وبعضهم أحمر الشعر، وبعضهم طويل الأنف، وبعضهم قصير القامة... اعتماداً على احتمالات تنوع هذه المعلومات الوراثية.

        ويستغل دعاة التطور هذا التنوع بين الجنس الواحد ويحاولون تقديمه كدليل على النظرية، بينما لا ينطوي التنوع على أي دليل على الارتقاء، ذلك أن التنوع ما هو إلا نتاج تزاوجات مختلفة لمعلومات وراثية موجودة بالفعل، وهو لا يضيف إلى المعلومات الوراثية أي جديد.

        والتنوع يحدث دائماً في نطاق المعلومات الوراثية. وهذا النطاق يطلق عليه في علم الوراثة اسم حوض الوراثة، ويمكن لكل الخصائص الموجودة في حوض الوراثة الخاص بجنس ما أن تظهر بأشكال مختلفة بفضل التنوع. وكنتيجة لهذا التنوع يمكن أن يظهر نوع ذو ذيل أطول أو قوائم أقصر من غيره داخل الجنس الواحد من الزواحف. غير أن هذا التنوع لا يمكن أبداً أن يحوّل الزواحف إلى طيور بأن يضيف إليها أجنحة أو ريشاً، أو عن طريق تغيير عملية الأيض الخاصة بها. إن مثل هذا التغير يتطلب إضافة معلومات جديدة إلى المعلومات الوراثية في الكائن الحي، وهذا غير متاح في التنوع أبداً.

        لم يكن دارون يعي هذه الحقيقة عندما أعلن نظريته، وكان يظن أن التنوع ليچ له حدود. وقد قال في مقالة له عام 1844:

        يرى كثير من الكتّاب أن للتنوع الموجود في الطبيعة حدوداً، إلا أنني لا أجد دليلاً واحداً يثبت ما يرون (135)، وساق في كتابه أصل الأنواع أمثلة كثيرة للتنوع على أنها أكبر دليل على نظريته.

        كان دارون يرى -مثلاً- أن مربّي المواشي الذين كانوا يزاوجون بين أنواع البقر المختلفة بهدف إنتاج أنواع جديدة تُدِرّ كميات أكبر من الحليب سيحوّلون الأبقار -في النهاية- إلى أجناپ أخرى! ولعل العبارة الآتية التي وردت في كتابه السابق أفضل ما يجسِّد ما كان يعتقده دارون من أن التنوع ليس له حدود:

        لا أجد أية صعوبة في أن يزداد ارتباط فصيلة من فصائل الدببة (عن طريق التنوع الطبيعي) بالماء، مع زيادة حجم أفواهها شيئاً فشيئاً، حتى يبرز في النهاية مخلوق هائل كالحوت .(136)

        والسبب الذي دفع دارون إلى أن يورِد مثل هذا المثال البعيد عن التصور هو المعطيات العلمية والمعارف البدائية التي كانت سائدة في العصر الذي عاپ فيه. أما العلم في القرن العشرين فقد أثبت مبدأ يُطلَق عليه مبدأ ثبات المعلومات الوراثية، وذلك نتيجة تجارب أجريت على مخلوقات حية. وهذا المبدأ أثبت أن جميع محاولات التزاوج التي أجريت من أجل إنتاج أنواع جديدة باءت بالفشل، كما أثبت أن بين الأجناس الحية حواجز محكمة لا يمكن اختراقها. وقد عنى هذا أنه من المحال أن يقوم مربُّو الأبقار بتحويلها إلى أجناس أخرى عن طريق تزويج أنواع مختلفة منها كما افترض دارون.

        ويتناول نورمان ماكبث هذا الموضوع في كتابه إعادة محاكمة دارون فيقول: إن جوهر المسألة ينحصر فيما إذا كانت الأجناس تتنوع بالفعل بلا حدود أم لا. إن الأجناس تبدو ثابتة، ولقد سمعنا جميعاً عن خيبة الأمل التي أصيب بها المربُّون الذين قاموا بعملهم حتى نقطة معينة لم يتجاوزوها، ليجدوا عندها أن الحيوانات والنباتات تعود إلى النقطة التي بدؤوا منها. وبالرغم مما بذلوه من جهود مضنية طوال قرنين أو ثلاثة قرون من الزمان، فلم يمكن الحصول على وردة زرقاء أو على شقائق نعمانية سوداء


        تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


        أكّد دارون في كتابه «أصل الأنواع» أن الحيتان قد تطورت عن الدببة التي حاولت السباحة! لقد افترض -خطأً- أن احتمال التباين بين الأنواع لانهائي، لكن العلم في القرن العشرين أثبت أن هذا السيناريو التطوري ليس سوى وَهم.




        وقد عبَّر لوثر بيربانك (الذي يعد أكفأ الأخصائيين في تربية الحيوان) عن هذه الحقيقة قائلاً: إن للتطور المتوقع في كائن ما حدوداً، وهذه الحدود تتبع قانوناً (138). أما العالم الدانماركي جونسن فيقول في هذا الموضوع:

        إن التنوع الذي أكّده دارون ووالاپ يقف بالفعل عند نقطة لا يمكن تجاوزها، وهي أن مثل هذا التنوع لا يحتوي سر التطور المستمر .(139)


        ادعاءات التطور بخصوص
        المناعة ومقاومة المضادات الحيوية

        يدّعي دعاة التطور أن ما تبديه بعض أنواع البكتيريا من مقاومة ضد المضادات الحيوية والمناعة التي تكتسبها بعض الحشرات ضد مادة الـDDT دليل على الارتقاء، ويزعمون أنها أمثلة للمقاومة والمناعة المكتسبة أتت بها طفرات تمّت في الكائنات الحية التي تعرضت لهذه المواد.

        هذه الخواص التي تتمتع بها البكتيريا والحشرات ليست مميزات تم اكتسابها لاحقاً عن طريق التحور ضد هذه المادة وضد المضادات الحيوية؛ فقد كانت بعچ تنوعات هذه الكائنات الحية لديها هذه الخواص قبل تعرض البكتيريا كلها للمضاد الحيوي وقبل تعرض الحشرات كلها للمبيدات الحشرية. وها هي ذي مجلة المعرفة الأمريكية (Scientific American) في عدد آذار (مارپ) 1998 تعترف بهذا الموضوع رغم كونها من المنشورات الداعية للتطور وتقول:

        كثير من البكتيريا كانت لديها معلومات وراثية للمقاومة قبل استخدام المضادات الحيوية التجارية. ولا يعرف العلماء سبب وجود هذه المعلومات الوراثية، كما لا يعرفون لماذا تم الحفاظ عليها وإبقاؤها! (140)

        إذن؛ يظهر مما سبق أن عجز دعاة التطور عن تفسير وجود المعلومات الوراثية التي توفر المقاومة قبل اكتشاف المضاد الحيوي حقيقة واضحة تبطل مزاعم نظرية التطور.

        ووجود البكتيريا المقاوِمة قبل اكتشاف المضاد الحيوي بسنين طويلة تصفه مجلة Medical Tribune (وهي من المطبوعات العلمية المرموقة) في عدد 29 كانون الأول (ديسمبر) ,1988والمقال يتناول حدثاً مثيراً: ففي دراسة أُجريت عام 1986 تم العثور على جثث بعچ البحّارة (الذين أصابهم المر? وماتوا أثناء رحلة قطبية استكشافية عام 1845) محفوظة في حالة تجمد، كما عُثر في أجسامهم على نوع من البكتيريا كان منتشراً في القرن التاسع عشر، وعندما أُجريت على هذه البكتيريا فحوص معملية وُجِد أنها تحمل خواص مقاومة ضد كثير من المضادات الحيوية التي لم يتم إنتاجها إلا في القرن العشرين ! (141)

        ووجود مثل هذه الأنواع من المقاومة قبل اكتشاف البنسلين حقيقة معروفة في الدوائر الطبية، وبالتالي فإن تقديم مثل هذه المقاومة على أنها إحدى المراحل الارتقائية هو زعم خادع إلى أبعد الحدود.

        حسناً، كيف يحدث -إذن- ما يُسمّى اكتساب البكتيريا للمقاوَمة؟

        مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية
        (Resistance of Bacteria to Antibiotics)

        هناك تنوعات عديدة داخل أجناپ البكتيريا نفسها، وبعچ هذه التنوعات تحمل معلومات وراثية لمقاومة أدوية ومواد كيميائية مختلفة أو مواد أخرى. وعندما تتعرض البكتيريا ككل إلى أدوية معينة تختفي أنواع البكتيريا التي لا تستطيع مقاومة ذلك الدواء، أما الأنواع المقاوِمة فتبقى على قيد الحياة وتتوفر لها فرصة التكاثر. وبعد فترة تختفي الأنواع غير المقاوِمة ويحل محلها الأنواع المقاوِمة، التي تتكاثر بسرعة عندئذ. وبعد فترة أيضاً، تتحول البكتيريا كلها إلى ذلك النوع المقاوِم لذلك المضاد الحيوي المذكور فقط، ومن ثم يفقد ذلك المضاد الحيوي مقاومته ضد ذلك النوع من البكتيريا. والنقطة الأساسية هي أن البكتيريا تظل هي نفس البكتيريا، وأن النوع يظل هو نفچ النوع.

        من المهم أن نبرز هنا أنه، على النقيض من ادعاءات حماة التطور، لا توجد عملية ارتقائية يتم من خلالها تحور البكتيريا غير المقاوِمة التي تعرضت للمضاد الحيوي وتحولها إلى بكتيريا مقاوِمة، ومن ثم اكتسابها معلومات وراثية جديدة. كل ما يحدث هو استبعاد تنوعات بكتيرية منتشرة بين عدد من البكتيريا المقاوِمة وغير المقاوِمة كانت تتواجد معاً منذ البداية. وهذا لا يعني ظهور نوع جديد من البكتيريا، كما لا يعني ارتقاءً ولا تطوراً؛ بل العكس هو الصحيح، وهو اختفاء تنوع من التنوعات الموجودة، وهو عكس ما يدعي هؤلاء تماماً حيث إن معلومات وراثية يتم اندثارها.

        مناعة الحشرات ضد المبيد الحشري DDT

        أما الحدث الثاني الذي يحوِّره دعاة التطور ويقدمونه زوراً على أنه دليل على التطور فهو مناعة الحشرات (التي تبدو مكتسَبة) لمادة DDT، والتي تم ذكرها في بداية الفصل. هذا الحدث أيضاً ينشأ بنفس منطق مقاومة البكتيريا ضد المضادات الحيوية؛ فلا يمكن القول إن حشرات معينة قد حصلت على مناعة مكتسبة ضد مادة DDT، فبعچ الحشرات كانت لديها -بالفعل- مناعة ضد هذه المادة؛ فالحشرات التي لم تكن لديها مناعة ضدها قد انقرضت بعد اختراع هذه المادة الكيميائية، أما الحشرات التي كانت لديها مناعة كامنة، والتي كان عددها قليلاً بادئ ذي بدء، فقد زاد عددها بمرور الوقت. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح ذلك النوع من الحشرات كله له هذه المناعة. وعندما حدث هذا توقف تأثير مادة DDT على تلك الحشرات. وهذه الظاهرة هي ما يشار إليها عموماً، وإن كان بشكل مضلِّل، يشار إليها بالقول: اكتساب الحشرات المناعة ضد الـ DDT!

        ويعترف عالِم الأحياء فرانسيسكو أيالا (وهو من دعاة التطور) بهذه الحقيقة فيقول: يبدو أن التنوعات الوراثية المطلوبة لاكتساب المناعة ضد أكثر أنواع المبيدات الحشرية كانت موجودة لدى جميع الحشرات التي تعرضت للمركّبات الكيميائية التي صنعها الإنسان ضد الحشرات.(142)

        ولمعرفة دعاة التطور جيداً أن كثيراً من الناپ العاديين لا يعرفون عن الأحياء المجهرية الكثير ولا يمكنهم البحث أو الدراسة في هذا الموضوع، فإنهم يعمدون إلى الخداع فيما يختص بالمقاومة والمناعة. فكثيراً ما يقدمون هذا الموضوع على أنه دليل هام على النشوء والارتقاء. وكما ينبغي أن يكون واضحاً الآن، فإن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية ومناعة الحشرات ضد الـ DDT لا تمثلان دلائل على التطور، ولكنهما خير مثالين على مدى تمادي هؤلاء في الخداع وعدم تورعهم عن أي تمويه أو تحوير في سبيل التبرير نظريتهم.

        خداع الأعضاء اللاوظيفية أي الضامرة أو الأثرية

        لفترة طويلة ظلت فكرة الأعضاء اللاوظيفية (Vestigial Organs) تتردد في كتابات مؤيدي التطور على أنها دليل على النشوء والارتقاء، لكنها أصبحت نسياً منسياً عندما ثبت بطلانها. غير أن بعچ مؤيدي التطور ما زالوا يؤمنون بها ويسوقونها بين الحين والحين كدليل هام على نظريتهم.

        طلع هؤلاء علينا بهذا التعبير قبل قرن من الزمان. فحسب زعمهم: ضمت أجساد بعچ المخلوقات عدة أعضاء ضامرة ورثها الأحفاد عن الأجداد، لكنها أصبحت -تدريجياً- بلا وظيفة نتيجة لعدم استخدامها. هذا زعم لا يمت إلى العلم بشيء أبداً وهو مبني على معرفة غير كاملة. ففي الواقع: الأعضاء التي بلا وظيفة هي أعضاء لم تُعرَف وظائفها. وأوضح مؤشر على هذا هو تناقچ القائمة الطويلة للأعضاء التي بلا وظيفة. وها هو العالِم سكادينغ يعترف بهذه الحقيقة في مقال له تحت عنوان هل تشكل الأعضاء التي بلا وظيفة دليلاً على نظرية التطور؟ والذي نُشر في مجلة نظرية التطور، فيقول:

        حيث إنه لا يمكن تحديد الأعضاء التي ليس لها وظيفة دون لبس، وحيث إن الطريقة التي يُبنى بها النقاش المستخدَم في هذا الموضوع ليست ذات قيمة علمياً، فأنا أخلص إلى أن الأعضاء الضامرة لا تشكل أي دليل لصالح نظرية التطور قطعاً .(143)

        تضمنت قائمة الأعضاء الضامرة التي أعلنها عام 1895 العالم الألماني فيدرشاين، المتخصچ في علم التشريح) نحو مئة عضو، بما فيها الزائدة الدودية وعظم عَجْبُ الذنب. ولكن مع تقدم العلم ثبت أن لكل الأعضاء الواردة في قائمة فيدرشاين وظائف هامة. فعلى سبيل المثال: ثبت أن الزائدة الدودية التي وردت باعتبارها من الأعضاء اللاوظيفية هي عضو لِمفاوي يحارب إصابات الجسم بالجراثيم. وقد وضحت هذه الحقيقة عام 1997 : تعد أعضاء وأنسجة الجسم الأخرى مثل غدة التيموس والكبد والطحال والزائدة الدودية ونخاع العظم ومجموعات الأنسجة اللمفاوية الصغيرة (مثل اللوزتين في الحلق ورقع باير في الأمعاء الدقيقة) جزءاً من الجهاز اللمفاوي، فهذه الأعضاء تساعد الجسم على مقاومة العدوى.(144)

        واكتُشف أيضاً أن اللوزتين (اللتين وردتا في قائمة الأعضاء اللاوظيفية المذكورة) تلعبان دوراً هاماً في حماية الحلق من العدوى، خاصة حتى سن المراهقة. أما عظم عجم الذنب (وهو أخر عُظيم في العمود الفقري) فقد ثبت أنه يساعد العظام المحيطة بالحوض على التماسك، كما يساعد بعض العضلات الصغيرة على التمسك به. كما ثبت -في الأعوام اللاحقة- أن غدة التيموپ (التي قيل إنها من الأعضاء اللاوظيفية) تنشّط جهاز الدفاع عن الجسم بتحفيزها خلايا T؛ وأن الجسم الصنوبري مسؤول عن إنتاج بعض الهرمونات الهامة؛ وأن الغدة الدرقية توفر النمو المستمر للرضّع والأطفال؛ وأن الغدة النخامية تسيطر على عمل الكثير من الغدد المفرزة للهرمونات بشكل سليم... وكل هذه الأعضاء كانت تُعَد من الأعضاء اللاوظيفية! أما النتوء شبه الهلالي في العين (والذي وصفه دارون بأنه عضوٌ لاوظيفي) فهو مسؤول -في الواقع- عن تنظيف الحاجب وتزليقه.

        وقد وقع دعاة التطور في خطأ منطقي كبير في موضوع الأعضاء اللاوظيفية.

        فكما سبق بيانه: يدّعي مؤيدو نظرية التطور أن الأعضاء اللاوظيفية قد ورثها الأبناء عن الأسلاف، ومع هذا فإن بعض الأعضاء اللاوظيفية المزعومة غير موجودة في الأجناس الحية التي يدّعون أنها جدود الإنسان! فعلى سبيل المثال: الزائدة الدودية لا توجد في بعض القردة التي زعموا أنها سلف للإنسان. ويتناول عالم الأحياء الشهير إنوپ (الذي يعارض نظرية الأعضاء اللاوظيفية) هذا الخطأ المنطقي فيقول:

        للإنسان زائدة دودية، بينما هي لا توجد لدى أقربائه البعيدين من فصائل القردة الدنيا(الأقدم تاريخياً) ولكن الزائدة الدودية تظهر -مرة أخرى- بين ثدييات من مراتب أوطأ مثل حيوان الأبوسوم. فكيف يمكن لمؤيدي نظرية التطور تفسير ذلك؟ (145)

        باختصار: يحتوي السيناريو الذي تخيله دعاة التطور في موضوع الأعضاء اللاوظيفية على عدة أخطاء منطقية، وقد ثبت خطؤه علمياً، فلا توجد في الإنسان أعضاء لاوظيفية حيث إنه لم ينتج بطريق الصدفة عن كائنات أخرى، ولكنه خُلق في شكله الحالي والكامل والبديع.




        أثبت الزمن خطأ كل أمثلة الأعضاء اللاوظيفية. فمثلاً: الثنية شبة الدائرية في العين (التي جاء ذكرها في كتاب أصل الأنواع على أنها عضو لاوظيفي) وُجد أنها تعمل طول الوقت، بالرغم من أن هذه الوظيفة لم تكن معروفة في زمن دارون، فهي تزلق مقلة العين

        خرافة التماثل

        إن التشابه البنيوي بين الأجناس المختلفة يُطلَق عليه في علم الأحياء اسم التماثل (Homology)، ويحاول دعاة التطور تقديم هذا التماثل كدليل على النشوء والارتقاء.

        كان دارون يظن أن التماثل في الأعضاء بين الكائنات الحية يعني الارتقاء فيما بينها، وأن هذه الأعضاء المتماثلة لا بد وأنها ميراث من جد أعلى مشترَك لها. فطبقاً لافتراضاته، توجد للحمام وللصقور أجنحة، ومعنى هذا أن الحمام والصقور (وبالقطع كل الطيور ذات الأجنحة) قد ارتقت من جد مشترك أعلى لها.

        التماثل افتراض خادع اتخذ من المظهر الخارجي منطلَقاً له دون أي دليل آخر. ولم يثبت هذا الافتراض بأي دليل أو معطيات علمية كانت أو غير علمية علي مر السنين منذ عصر دارون، كما لم يُعثر على متحجرات في أيٍ من طبقات الأرض تشير إلى هذا الجد المشترَك المزعوم للكائنات ذات التكوينات المتماثلة. وإضافة إلى هذا، توضح النقاط الآتية أن التماثل لا يقدم أي دليل على حدوث التطور:

        .1 وجود تماثل في أعضاء الأجناپ والأنواع المختلفة والتي لم يستطع دعاة التطور أنفسهم إيجاد علاقة ارتقائية بينها.

        .2 المعلومات الوراثية لبعض الكائنات الحية ذات الأعضاء المتماثلة مختلفةٌ عن بعضها البعض اختلافاً كبيراً.

        .3 النمو الجنيني للأعضاء المتماثلة في الكائنات الحية المختلفة يختلف جداً عن بعضه البعض.

        والآن لنتناول هذه النقاط الثلاث، كلاًّ على حدة

        الأعضاء المتشابهة في الأنواع المختلفة

        هناك العديد من الأعضاء المتماثلة تشترك فيها الكائنات الحية المختلفة والتي لا يستطيع دعاة التطور إيجاد أي ارتباط تطوري بينها، والأجنحة مثال على هذا. فإضافة إلى الطيور، توجد الأجنحة لدى الخفاش وهو من الثدييات، كما توجد لدى الحشرات. بل لقد وُجدت ديناصورات طائرة منقرضة ذات أجنحة. ولا يرى دعاة التطور أنفسهم أية علاقة أو قرابة بين هذه الفئات الأربع من الحيوانات.

        والمثال الآخر العجيب في هذا الموضوع هو التشابه المحيّر لعيون الحيوانات المختلفة والتقارب في بنيتها. فالإنسان والأخطبوط -مثلاً- نوعان مختلفان عن بعضهما تماماً، ولم يثبت، بل لم يدّعِ أحدٌ، وجودَ أي تماثل تطوري بينهما؛ ومع هذا فإن عيني كل منهما قريبة الشبه بعيني الآخر من حيث بنيتهما ووظيفتهما. وحتى دعاة النشوء والارتقاء أنفسهم لا يزعم أي منهم أن للإنسان والأخطبوط جداً مشتركاً أعلى. هذه الأمثلة (وكثير غيرها) تؤكد لنا أن زعم دعاة التطور أن التماثل في الأعضاء دليل على انحدار الكائنات الحية من جد مشترك أعلى ليس له أي سند علمي.

        بل إن الأعضاء المتماثلة هذه ينبغي أن تكون مصدراً كبيراً للحرج لهم؛ فاعترافات أحد مشاهير دعاة التطور، وهو فرانك سالزبوري، والتي جاءت في بيانه عن كيفية وجود عيون متشابهة جداً في كائنات مختلفة تبيّن مأزق التماثل:

        إن عضواً معقد التركيب مثل العين قد ظهر أكثر من مرة: في الحبّار والفقاريات والمفصليات على سبيل المثال. إن من العسير التفكير في الكيفية التي ظهر بها مثل هذا العضو مرة واحدة، فكيف بالتفكير في ظهوره كل هذا العدد من المرات كما تقول النظرية التركيبية الحديثة؟ إن التفكير في هذا يصيبني بالدوار .(146)

        مأزق تماثل المعلومات الوراثية والأجنة

        حتى تُؤخَذ مزاعم دعاة التطور بجدية، لا بد أن تكون الأعضاء المتماثلة في الكائنات المختلفة ذات شفرات وراثية متماثلة مع تماثل الحمچ النووي DNA، إلا أن هذا ليچ متحققاً. ففي معظم الأحيان تكون الشفرة الوراثية مختلفة إلى حد بعيد، زد على هذا أن الشفرات الوراثية المتماثلة في الأحماض النووية DNA للكائنات المختلفة كثيراً ما ترتبط بأعضاء مختلفة تماماً.

        يوضح الأسترالي مايكل دانتون، أستاذ الكيمياء الحيوية، في كتابه التطور: نظرية في مأزق المأزق الوراثي الذي يواجهه مؤيدو التطور عند تفسير التماثل: كثيراً ما تكون البنيات المتاثلة ناتجة عن نظم وراثية غير متماثلة، ونادراً ما يمتد مفهوم التماثل ليشمل التطور الجنيني.(147)

        من ناحية أخرى، فحتى يُعَد ادعاء التماثل صحيحاً فإن مراحل النمو الجنيني (مراحل النمو للبويضة أو داخل رحم الأم) للأنواع ذات الأعضاء المتماثلة لا بد أن توازي كل منها الأخرى. وفي الواقع، فإن مراحل النمو الجنيني لهذه الأعضاء مختلفة تماماً في كل نوع من الكائنات الحية.

        وختاماً، يمكننا القول إن الأبحاث التي أجريت في علم الوراثة وفي علم الأجنة أثبتت أن فكرة التماثل التي عرَّفها دارون بوصفها دليل انحدار الأجناپ من جد مشترك أعلى لا يمكن أبداً اتخاذها دليلاً بأي حال من الأحوال، وهكذا يمكن القول إن العلم قد أثبت خطأ الفرضية الدارونية المرة تلو الأخرى.

        بطلان زعم التماثل في الجزيئات

        إن ما يدعيه حماة التطور من أن التماثل في الجزيئات (Molecular Homology) دليل على صحة نظريتهم هو زعم باطل لا على مستوى الأعضاء فحسب، ولكن على مستوى الجزيئات أيضا. فهم يقولون إن شفرات الـ DNA أو بِنى وتراكيب البروتين لدى مختلف أجناپ الكائنات الحية متماثلة، وإن هذا التماثل دليل على أنها قد ارتقت من جدود مشتركة عُليا أو ارتقت من بعضها البعض. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تنشر وسائل إعلامهم ما يلي: يوجد تشابه كبير بين شفرة الـ DNA الخاصة بالإنسان وشفرة الـ DNA الخاصة بالقردة، ويتم تقديم هذا التشابه بوصفه دليلاً على ما يزعمونه من وجود علاقة ارتقاء بين الإنسان والقردة.

        وأكثر الأمثلة الفجة لهذا النمط من الجدل يتعلق بوجود ستة وأربعين كرموزوماً لدى الإنسان وثمانية وأربعين كرموزوماً لدى بعچ أنواع القرود مثل الشمبانزي. ويعتبِر دعاة التطور أن التقارب في عدد الكرموزومات بين الأجناس المختلفة دليل على علاقة ارتقائية. ولكن إذا صح هذا المنطق، فإن هناك مَن هو أكثر قرباً للإنسان من القردة: وهو البطاطا! ذلك أن عدد كرموزومات البطاطا أقرب إلى عددها في الإنسان من الشمبانزي والغوريلا؛ فهو ستة وأربعون! وبعبارة أخرى، فإن لكل من الإنسان والبطاطا نفچ عدد الكرموزومات. وهذا مثال صارخ (وإن كان مضحكاً) يبين أن التشابه في شفرات الـ DNA لا يمكن أن يعتبر دليلاً على علاقة ارتقائية.

        وعلى الجانب الآخر، هناك فروق كبيرة بين جزيئات الكائنات الحية التي تبدو متشابهة جداً وقريبة من بعضها البعض. فمثلاً؛ بنية البروتين Cytochrome-C (وهو أحد البروتينات الضرورية للتنفس) تختلف اختلافاً كبيراً لا يكاد يصدق فيما بين المخلوقات الحية التي تنتمي لنفس الفصيلة، وطبقاً للأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد فإن الاختلاف بين نوعين مختلفين من الزواحف يفوق الاختلاف بين الطيور والأسماك أو بين السمك وحيوان ثديي. كما أفادت دراسة أخرى بأن الاختلاف الجزيئي بين بعض الطيور يفوق الاختلاف الجزيئي بين نفس هذه الطيور والثدييات. وقد ثبت أن الاختلاف بين جزيئات البكتيريا التي تبدو شديدة التشابه يفوق الاختلاف بين الثدييات والبرمائيات أو بين الثدييات والحشرات.(148) وقد أجريت مقارنات ممماثلة في حالات الهيموغلوبين والميوغلوبين والهرمونات والجينات، وكانت النتائج متشابهة .(149)

        ويعلق الدكتور مايكل دانتون على هذه النتائج وغيرها من المعطيات ذات العلاقة فيقول: إن كل نوع من الأحياء يُعَد -على المستوى الجزيئي- فريداً ووحيداً وغير مرتبط بوسطاء. ومن ثَم فقد عجزت الجزيئات -شأنها شأن المتحجرات- عن تقديم الوسطاء الذين يبحث عنهم علماء الأحياء من دعاة التطور منذ زمن طويل؛ فعلى المستوى الجزيئي، لا يوجد كائن هو جد مشترك أعلى أو كائن بدائي أو راقٍ مقارنة بأقربائه... ولا يكاد يوجد شك في أنه لو كان هذا الدليل الجزيئي متاحاً قبل قرن من اليوم فربما لم تكن فكرة التطور العضوي لتجد أي قبول على الإطلاق .(150)

        خرافة التلخيص الجنيني

        على الرغم من أن المراجع العلمية قد أسقطت -منذ زمن بعيد- ما كان يُعرَف باسم نظرية التلخيص (recapitulation theory) فإن بعچ الإصدارات العلمية المدافعة عن التطور ما تزال تقدمها على أنها حقيقة علمية. واصطلاح التلخيص هذا هو تعبير موجز عن مقولة تكوُّنُ الفرد تلخيص لأصله التي أطلقها عالم الأحياء التطوُّري أرنست هيغل في أواخر القرن التاسع عشر.

        يزعم هيغل في هذه النظرية التي طرحها أن أجنة الكائنات الحية تمر خلال نموها بمراحل الارتقاء التي مرّ بها أجدادها المزعومون. فقد زعم أن جنين الإنسان -أثناء نموه في رحم أمه- يبدي أولاً صفات الأسماك، ثم الزواحف، وأخيراً الإنسان.


        كان هيغل أشد تحمساً للتطور من دارون في كثير من الأوجه، ولهذا لم يتردد في تشويه البيانات العلمية وابتداع كثير من الزيف.
        وقد ثبت في الأعوام اللاحقة أن هذه النظرية مزيفة تماماً، فمن المعروف الآن أن ما كان يُعتقد أنه خياشيم تظهر في المراحل الأولى من تكون الجنين البشري ليس في الحقيقة سوى المراحل الأولية لتكون قناة الأذن الوسطى والغدة الجاردرقية وغدة التيموس، كما اتضح أن ذلك الجزء من الجنين الذي كان يشبه كيس المح هو كيس يُنتج ما يحتاجه الجنين من الدم، أما الجزء الذي أطلق عليه هيغل وأتباعه اسم الذيل فهو في الحقيقة العمود الفقري في الإنسان، الذي يبدو كالذيل لا لشيء إلا لأن تكوينه يسبق تكوين الساقين.

        إن كل ما ذكرناه حقائق معروفة لدى جميع الأوساط العلمية، ودعاة التطور أنفسهم يسلِّمون بها. ويقول أحد مؤسسي الدارونية الحديثة، وهو جورج جايلورد سيمبسون، ما يلي:

        لقد شوَّه هيغل المبدأ النشوئي الذي تناوله، فقد ثبت اليوم علمياً بما لا يدع مجالاً للشك أن الأجنة لا تمر بمراحل ارتقاء الأجداد .(151)

        وقد ورد في مقال نُشر في مجلة العالم الأمريكي (American Scientist) ما يلي:

        إن قانون النشوء الأحيائي قد مات تماماً. فقد حُذف أخيراً من مراجع علم الأحياء في الخمسينيات، وإن كان قد اندثر كموضوع للبحث النظري الجاد في العشرينيات .(152)

        من الأوجه المثيرة لهذا الموضوع أن أرنست هيغل كان دجالاً قام بتزييف رسوم المراحل الجنينية لتدعيم النظرية التي طرحها. لقد أظهرت رسوم وصور هيغل المزيفة أن أجنة الأسماك والإنسان متشابهة، وحين ثبت تزييفه هذا كان الدفاع الوحيد الذي قدَّمه هو قوله إن آخرين من دعاة التطور قاموا بمثل هذا التزييف:

        كان عليّ بعد الاعتراف بهذا التزوير أن أعُد نفسي مداناً ومنتهياً، لولا أنني أجد العزاء في أن أرى إلى جانبي في قفچ الاتهام مئات من الجناة، بينهم كثير من الباحثين الذين يحظون بأكبر قدر من الثقة وعلماء الأحياء المرموقين. وإذ ذاك، فإن الغالبية العظمى من الرسوم الموجودة في أفضل مراجع علم الأحياء وأبحاثه ومجلاته ستكون مستحقة أن تُتهم بالتزوير بنفچ القدر؛ إذ إنها جميعاً غير دقيقة وتم تعديلها بصورة أو أخرى

        الأجنة البشرية ليس لها فتحات خيشومية


        تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.



        لقد أُعيد الآن تعريف الثنايا والأخاديد التي يحملها الجنين البشري بعد أن سبق تعريفها على أنها تكوينات موروثة عن الأسلاف؛ وهكذا تم بيان أن الأجنّة البشرية لا تقوم بتلخيص التاريخ التطوري للإنسان.
        عم؛ هناك مئات من الجناة بينهم كثير من الباحثين الذين يحظون بأكبر قدر من الثقة وعلماء الأحياء المرموقين، الذين تمتلئ أعمالهم بالتحيز والتحريف، بل والتزييف؛ ذلك أنهم وضعوا نُصب أعينهم هدفاً لا يحيدون عنه، ألا وهو الدفاع عن نظرية التطور بالرغم من عدم توفر دليل علمي واحد يدعم صحتها.
        دليل مدونات المناظر المسلم

        http://fast00fast.blogspot.com/

        Comment

        • اسامة النميرى
          عضو
          • Aug 2012
          • 309

          #19
          الفصل الرابع عشر

          نظرية التطور: ضرورة مادية إلحادية

          كل الاكتشافات العلمية. ويمكننا القول -بعبارة أخرى- إن القوة التي تبقي على النظرية ليست هي العلم. قد يدافع بعچ العلماء عن النظرية، إلا أنه لا مفر من التسليم بوجود عامل جوهري آخر. ذلك العامل الآخر هو الفلسفة المادية.

          إن الفلسفة المادية هي إحدى أقدم النظم الفكرية في التاريخ، وقوامها الأساسي هو اعتبارها أن المادة شيء مطلق. وطبقاً لهذه الفلسفة فإن المادة أزلية، وكل ما هو موجود يتكون من المادة فحسب. ومن الطبيعي أن مثل هذا المنهج يجعل من المستحيل الإيمان بوجود خالق، ولذلك فقد كانت الفلسفة المادية منذ قديم الأزل عدواً لكل أنواع المعتقدات الدينية التي تؤمن بالله.

          بهذا يصبح السؤال هو عمّا إذا كانت النظرية المادية على حق. وتتمثل إحدى وسائل اختبار صحة أو خطأ فلسفة ما -في دراسة مزاعمها التي تتعلق بالعلم- بطرق علمية؛ فمثلاً، يمكن لفيلسوف في القرن العاشر أن يزعم أن هناك شجرة مقدسة على سطح القمر وأن كل الكائنات الحية نمت على أفرع تلك الشجرة الضخمة كالثمار ثم سقطت إلى الأرض، وقد يفتتن بعض الناس بهذه الفلسفة ويتبنونها، ولكن في القرن العشرين وبعد أن نزل الإنسان على سطح القمر لم يعد بالإمكان طرح مثل هذه الفلسفة. فوجود هذه الشجرة هناك أو عدم وجودها يمكن التحقق منه بالسبل العلمية، أي عن طريق المشاهدة والتجربة.

          يمكننا -إذن- تحري مزاعم النظرية المادية بالطرق العلمية؛ أي يمكننا أن ندرس ما إذا كانت المادة موجودة منذ الأزل أو غير موجودة، وما إذا كانت المادة تستطيع أن تنظم نفسها بنفسها دون خالق عظيم، وما إذا كانت المادة تستطيع تكوين كائن حي أو لا تستطيع. عند قيامنا بهذا سنجد أن النظرية المادية قد انهارت بالفعل لأن فكرة وجود المادة منذ الأزل قد أطاحت بها نظرية الانفجار الكبير Big Bang التي تُبيّن أن الكون قد خُلق من العدم. أما الزعم بأن المادة نظمت نفسها بنفسها وأنها أتت بالحياة، فذلك هو الادعاء الذي نطلق عليه اسم نظرية التطور، وهي النظرية التي يمحِّصها هذا الكتاب وقد أثبت انهيارها هي الأخرى.

          ومع ذلك، فإذا كان شخص ما مصمماً على الإيمان بالمادية، ووضع إيمانه بالفلسفة

          الماد ية فوق كل اعتبار، فلن يكون تصرفه على هذا النحو. فإذا كان معتنقاً للفلسفة المادية في المقام الأول، ثم عالِماً في المقام الثاني فلن يتخلى عن المادية عندما يرى العلم يدحض نظرية التطور. بل على العكس، سيحاول الدفاع عن المادية والإبقاء عليها من خلال السعي إلى تأييد نظرية التطور بكل ما يملك ومهما كانت الوسائل. وهذا -بالضبط- هو المأزق الذي يجد أنصار نظرية التطور المدافعون عنها أنفسهم فيه اليوم.

          والغريب هنا أن بعضهم يعترف بهذا بين الحين والحين، ومن هؤلاء أستاذ علم الوراثة الشهير في جامعة هارفارد ريتشارد ليونتن، وهو من المجاهرين بآرائهم لصالح التطور، إذ يعترف بكونه مادياً في المقام الأول، ثم عالِماً قائلاً:

          ليس الأمر أن الوسائل أو القوانين العلمية تجبرنا بشكل ما على قبول التفسير المادي للعالَم المدرَك بالحواس، ولكن على العكس، فنحن مدفوعون -بتمسكنا البديهي بالأسباب المادية- إلى خلق أداة للبحث ومجموعة من المفاهيم تُنتِج تفسيرات مادية، مهما كانت مخالفة للبديهة وغامضة لغير المطَّلع. وفوق ذلك فإن المادية مطلقة، ولهذا فلا يمكننا السماح لتفسير إلهي بأن يأخذ مكانه على الساحة .

          إن تعبير بديهي (a priori) الذي يستعمله ليونتن هنا مهم للغاية، فهذا التعبير الفلسفي يشير إلى افتراض مسبق لا يستند إلى أية معرفة عملية، فالفكرة تكون بديهية عندما تُعَدّ صحيحة ويتم التسليم بصحتها حتى في غياب أية معلومات تشير إلى صحتها. وكما يعترف ليونتن صراحة، فإن المادية هي إحدى المسلَّمات البديهية لدى دعاة التطور، وهم يحاولون تطويع العلم ليتفق معها. وبما أن المادية تستلزم بالتأكيد رفچ الإيمان بالخالق، فهم يتشبثون بالبديل الوحيد المتاح لهم، وهو نظرية التطور، غير عابئين بأن الحقائق العلمية قد كذبت نظرية التطور. إن هؤلاء العلماء قد قبلوا صحتها بوصفها أمراً بديهياً.

          إن هذا الموقف المتحيز يؤدي بدعاة التطور إلى الإيمان بأن المادة الصماء كونت نفسها بنفسها، وهو ما لا يخالف العلم فحسب، ولكنه يخالف المنطق أيضا. ويشرح أستاذ الكيمياء في جامعة نيويورك، الخبير في خبايا الحمض النووي DNA، روبرت شابيرو، اعتقادات أنصار نظرية التطور وإيمانهم بالماديات الكامن خلف هذه الاعتقادات بقوله:

          يجب التوصل إلى مبدأ تطوري يستطيع أن يوصلنا من مرحلة خليط المواد الكيميائية البسيطة التي نتكون منها إلى أول جهاز أو عضو له خاصية وصفة القدرة على الإعادة والتكرار Replicator ( مثل DNA أو RNA). ويمكن إطلاق اسم التطور الكيميائي أو تنظيم المادة لنفسها ذاتيا على هذا المبدأ . ولكن لم يتم حتى الآن تعريف هذا المبدأ بشكل دقيق وتفصيلي، بل لم تتم البرهنة على وجوده أصلا حتى الآن. ويتم الإيمان بوجود هذا المبدأ كنتيجة للإيمان بالمادية الديالكتيكية.

          إن الدعاية الخاصة بنظرية التطور، التي نراها باستمرار في الوسائل الإعلامية الغربية المشهورة وفي المجلات العلمية العريقة، ما هي إلا ثمرة لهذه الضرورة الأيديولوجية. فحيث إن التطور أصبح يُعَد من الأشياء التي لا يمكن التخلي عنها، فقد حولته الدوائر التي تقرر مقاييس العلم إلى أحد المقدسات التي لا يجوز مناقشتها.

          هناك علماء يجدون أنفسهم مضطرين للدفاع عن هذه النظرية البالغة الغرابة، أو على الأقل يتحاشون التفوه بكلمة ضدها، للحفاظ على مركزهم العلمي. إن الأكاديميين في الدول الغربية مضطرون لنشر مقالاتهم في مجلات علمية معينة للحصول على درجة الأستاذية، والمجلات التي تعنَى بعلم الأحياء كلها تحت سيطرة حماة التطور الذين لا يسمحون بنشر مقال واحد معارض لنظرية التطور في مجلاتهم، ومن ثم فكل عالم أحياء عليه أن يقوم بدراساته تحت هيمنة هذه النظرية. وهم أيضاً جزء من النظام القائم الذي يَعُدّ التطور ضرورة أيديولوجية، ولهذا فهم يدافعون عن كل الصدف المستحيلة التي ناقشناها حتى الآن في هذا الكتاب.

          اعترافات الماديين

          يُعد عالم الأحياء الألماني هومر فون ديثفورت (وهو أحد دعاة التطور المشهورين) مثالاً جيداً لهذا الفكر المادي المتعصب، فبعد أن قدّم ديثفورت مثالاً على التركيب المعقد للغاية في الكائنات الحية، يواصل الحديث فيما يتصل بما إذا كان من الممكن أن توجد هذه الكائنات بالصدفة أو لا فيقول: هل من الممكن فعلاً أن يكون مثل هذا التناغم والتوافق وليد الصدفة وحدها؟ هذا هو السؤال الرئيسي في قضية تطور الأحياء. إن الإجابة عن هذا السؤال بـنعم هي بمثابة تأكيد للإيمان بالعلوم الطبيعية الحديثة. فمن الوجهة النقدية، يمكننا القول إن مَن يقبل العلوم الطبيعية الحديثة ليس لديه خيار آخر سوى أن يقول نعم لأنه يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية بطرق مفهومة ويحاول استنتاجها من قوانين الطبيعة دون الاعتماد على تدخل أمور ميتافيزيقية. ومع هذا، وعند هذه النقطة، فإن تفسير كل شيء بواسطة قوانين الطبيعة (أي بواسطة المصادفات) هو علامة عجزه عن اللجوء إلى شيء آخر، فماذا عساه يفعل سوى الإيمان بالمصادفات؟

          نعم؛ وكما قال ديثفورت، يتبنى المدخل المادي العلمي تفسير وجود الحياة عن طريق إنكار التدخل الخارق، أي الخلق، ويَعُد ذلك التفسير مبدأه الأساسي. وبمجرد تبني هذا المبدأ فإنه يصبح من السهل تبني أكثر الاحتمالات استحالة، ويمكن العثور على أمثلة لهذه العقلية المتعنتة في كل أعمال حماة النشوء تقريباً. ويعَد الأستاذ علي دميرصوي، المؤيد الشهير لنظرية التطور في تركيا، واحداً من كثيرين غيره. وكما سبق أن أشرنا في الصفحات السابقة، طبقاً لما صرح به علي دميرصوي فإن احتمال تكون البروتين Cytochrome -c الضروري للحياة عن طريق الصدفة هو احتمال ضعيف جداً يعادل احتمال كتابة قردٍ لتاريخ الإنسانية كلها على آلة كاتبة دون أي أخطاء.


          الدارونية والمادية
          إن السبب الوحيد لاستمرار الدفاع عن نظرية دارون -بالرغم من دحض العلم لها بوضوح- يرجع إلى الصلة بين هذه النظرية والمادية. فقد قام دارون بتطبيق الفلسفة المادية على العلوم الطبيعية، ويواصل مؤيدو هذه الفلسفة (وفي مقدمتهم الماركسيون) الدفاع عن الدارونية بغض النظر عن أي شيء.
          وقد كتب أحد أشهر فرسان نظرية التطور المعاصرين، وهو البيولوجي دوغلاپ فيوتيما، ما يلي: إلى جانب نظرية مادية التاريخ لماركس، كانت نظرية التطور لدارون ركناً رئيسياً في فكر الآلية والمادية. وهذا اعتراف واضح جدّاً يكشف أهمية نظرية التطور لدى المدافعين عنها(1). كما قال مؤيد آخر شهير لنظرية التطور، وهو عالم المتحجرات ستيفن غولد: لقد طبق داروين فلسفة مادية ثابتة لتفسيره للطبيعة(2). وعلّق ليون تروتسكي (وهو أحد العقول المدبرة للثورة الروسية الشيوعية مع لينين) قائلاً: كان اكتشاف دارون أعظم انتصار للجدل في مجال المادة العضوية بالكامل(3). ومع ذلك، فقد أظهر العلم أن الدارونية ليست انتصاراً للمادية لكنها علامة على سقوط هذه الفلسفة.


          1. Douglas Futuyma, Evolutionary Biology, 2nd ed. Sounderland, MA; Sinauer, 1986 p.3

          2. Alan Woods and Ted Grant, “Marxism and Darwinism”, Reason in Revolt : Marxism and Modern Science , London, 1993.

          3. Alan Woods and Ted Grant, “Marxism and Darwinism” , London ,1993.


          تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.



          لا شك أن قبول مثل هذا الاحتمال يعني الضرب بعرض الحائط بأبسط مبادئ العقل والفكر السليم؛ فمجرد وجود حرف واحد مكتوباً على قصاصة من الورق يؤكد أن إنساناً كتبه، وعندما يشاهد المرء كتاباً عن تاريخ البشرية يزداد تأكده من أن هذا الكتاب قد ألّفه كاتبٌ ما. فلن يزعم أي إنسان عاقل أن حروف هذا الكتاب الكبير يمكن أن تكون قد اصطفت بعضها إلى جانب بعض بمحض الصدفة!

          ولكن الغريب فعلاً أن نجد الأستاذ علي دميرصوي، العالم المؤيد للتطور، يقبل هذا النوع من الافتراضات غير العقلانية:

          الحقيقة أن احتمال تكوُّن سلسلة Cytochrome-c هو احتمال ضعيف جداً يكاد يكون صفراً، أي أنه إذا تطلبت الحياة سلسلة معينة فيمكن القول إن احتمال تكوّن هذه السلسلة هو مرة واحدة في حياة الكون، وإلا فلا بد أن تكون قُوى ميتافيزيقية تفوق إدراكنا قد تدخلت في الأمر. وقَبول هذا الفرض الأخير لا يناسب الأهداف العلمية. إذن لا بد لنا من النظر إلى الفرض الأول!

          إن دميرصوي يذهب إلى قول إنه يقبل الاحتمال المستحيل لكي يرفض احتمال تدخل قوى ميتافيزيقية، أي لكيلا يقر بقيام الله بالخلق. ومن الواضح أن هذا المنهج لا يمُتُّ بأي صلة للعلم ومبادئه. ومما لا يبعث على الدهشة أن دميرصوي حين يذكر موضوعاً آخر، هو أصل الميتوكوندريا في الخلية، نجده يقبل صراحة مبدأ الصدفة بالرغم من كونه مخالفاً تماماً للفكر العلمي:

          إن لب المشكلة هو كيفية حصول الميتوكوندريا على هذه الخاصية؛ لأن الحصول عليها بالصدفة، حتى بواسطة فرد واحد، يحتاج إلى اجتماع احتمالات لا يستطيع العقل تصورها. فالإنزيمات التي تتيح التنفس وتعمل كعوامل مساعدة للتفاعلات في كل خطوة وبأشكال مختلفة تمثل لب الآلية؛ فلا بد أن تشتمل الخلية على هذه السلسلة من الإنزيمات بالكامل، وإلا أصبح الأمر بلا معنى. وهنا، فإننا لكي نتفادى اللجوء إلى تفسير أكثر تعنتاً أو إلى التكهن، فنحن مضطرون إلى أن نقبل (وإن كان ذلك على مضض) فكرة الوجود المسبق لكل إنزيمات التنفچ في الخلية قبل تعرضها للمرة الأولى للأكسجين، بالرغم من كون ذلك مخالفاً للتفكير العلمي البيولوجي .



          انهيار الفلسفة المادية علميا


          حيث أنها تمثل الأساپ الفلسفي لنظرية النشوء والتطور، فقد اقترحت مادية القرن التاسع عشر وجود الكون منذ الأزل وأنه لم يخلق وأن العالم العضوي يمكن تفسيره بواسطة التفاعل بين المادة. لكن اكتشافات القرن العشرين أثبتت الخطأ الكامل لهذه الفرضيات. فقد سقطت فرضية أن الكون وُجد منذ الأزل باكتشاف أنه ظهر نتيجة انفجار هائل (وهو ما يُدعى بالانفجار الكبير Big Bang) وقع قبل 15 بليون عام. ويُظهر الانفجار الكبير أن المواد الطبيعة للكون قد تكونت من لاشيء، وبعبارة أخرى: لقد خُلقت. ويعترف أحد أوائل مؤيدي المادية، وهو الفيلسوف الملحد أنطوني فلو، بما يلي:
          من المعروف أن الاعتراف يفيد الروح، لهذا سأبدأ بالاعتراف بأنه على الملحد الشعور بالحرج من الإجماع العالمي المعاصر المتمثل في الانفجار الكبير، حيث يبدو أن علماء الكون يقدّمون الدليل العلمي على أن الكون كانت له بداية(1).

          ويوضح الانفجار الكبير أيضاً أن الكون كان يتم فيه خلق تحت السيطرة في كل مرحلة، وهذا واضح في النظام الذي حل بعد الانفجار الكبير والذي كان مكتملاً بدرجة لا يمكن معها أن يكون نتيجةً لانفجار غير خاضع للسيطرة. ويفسر الطبيب المشهور بول ديفيس هذا الموقف قائلاً: يصعب مقاومة انطباع أن التكوين الحالي للكون، الذي يبدو حساساً للتغيرات الصغيرة في المعايير، قد تم التفكير فيه بعناية. فلا بد أن يظل التوافق المعجز الواضح في القيم العددية -التي حددتها الطبيعة لثوابتها الأساسية لها- أكثر الأدلة الدامغة على عنصر التصميم الكوني(2). وتدفع نفس الحقيقة أستاذاً أميركياً في علم الفلك إلى أن يقول: عندما نقوم بمراجعة كل الأدلة يرِدُ على ذهننا في التو أن قوة فوق الطبيعة لا بد أن تكون قد تدخلت(3). كذلك فإن الفروض المادية بإمكانية تفسير الحياة بواسطة التفاعل بين المادة قد انهارت في مواجهة اكتشافات العلم. وعلى وجه الخصوص، فإنه لا يمكن بحال تفسير أصل المعلومات الوراثية التي تحدد الكائنات الحية بواسطة أي عنصر مادي صرف. ويقرّ أحد كبار المدافعين عن نظرية التطور (وهو جورج وليامز) بهذه الحقيقة في مقال كتبه عام 1995: لقد فشل البيولوجيون من مؤيدي التطور في إدراك أنهم يعملون من خلال نطاقين يمكن القول إنهما غير متكافئين: أولها خا? بالمعلومات والثاني خاص بالمادة، ذلك أن الجين هو حزمة من المعلومات وليچ شيئاً ما. هذا الواصف النادر يجعل من المادة والمعلومات نطاقين مختلفين للوجود ينبغي مناقشة كل منهما على حدة(4). هذا الموقف دليل على وجود حكمة غير طبيعية أدت إلى تواجد المعلومات الوراثية؛ فيستحيل على المادة إنتاج المعلومات بنفسها. ويعلق مدير المعهد الألماني الفدرالي للفيزياء والتكنولوجيا، البروفسور فيرنر غت، قائلاً:

          تدل كل التجارب على الحاجة إلى كائن مفكّر يستخدم إرادته الحرة وإدراكه وإبداعه طواعية. وليچ هناك قانون معروف للطبيعة أو عملية أو تسلسل معروف للأحداث يمكن أن يؤدي إلى ظهور المعلومات تلقائيّاً في المادة(5).

          كل هذه الحقائق العلمية تبين أن الكون وكل الأشياء الحية قد خلقها خالق له قوة وعلم لانهائيان، أي خلقها الله. أما فيما يختچ بالمادية فيقول عنها آرثر كوستلر، أحد مشاهير فلاسفة القرن العشرين: لم يعد من الممكن لهذه الفلسفة أن تزعم أنها فلسفة علمية(6).

          1. Henry Margenau, Roy A. Vargesse. Cosmos, Bios, Theos. La Salle IL: Open Court Publishing, 1992, 241.

          2. Paul Davies .God and the New Physics.New York, Simon & Schuster, 1983, p.198

          3.Hugh Ross. The Creator and the Cosmos.Colorado Springs, Co: Nav Press, 1993 pp 15-114

          4.George C. Williams . The Third Culture : Beyond the Scientific Revolution , New York ,Simon & Schuster, 1995 p 42-43

          5. Verner Gitt. In the Begining Was Information. CLV, Bielefeld, Germany, p. 107,141.

          6. Arthur Koestler, Janus: A Summing Up, New York, Vintage Books,1978, p. 250



          نخلُص من كل ما أوردناه فيما سبق إلى أن التطور ليچ نظرية تم التوصل إليها بعد دراسات علمية، بل على العكس من ذلك: فإن شكل ونسيج هذه النظرية قد أمْلَتهما متطلبات الفلسفة المادية، ثم تحولت إلى عقيدة بالرغم من الأدلة العلمية الدامغة التي تدحضها. ومرة أخرى يمكننا أن نرى بوضوح من كتابات مؤيدي التطور أن هناك هدفاً لكل هذه الجهود، وهو الحيلولة دون أي اعتقاد بأن كل الكائنات الحية هي من صنع خالق.

          ويعرّف دعاة التطور هذا الهدف بأنه علمي، لكن ما يتحدثون عنه ليچ علماً بل فلسفة مادية، فالمادية ترفچ بشكل قطعي وجود أي شيء فوق المادة (أو أي شيء خارق). والعلم ذاته ليس مضطراً لقبول مثل هذه العقيدة، فالعلم يعني دراسة الطبيعة واستخلاص النتائج من الدراسات، فإذا بينت هذه النتائج أن الطبيعة مخلوقة فلا بد أن يقبل العلم هذا. إن هذا هو واجب العالِم الحقيقي؛ لا الدفاع عما يستحيل تحققه بالتشبث بالعقائد المادية البالية التي تعود إلى القرن التاسع عشر.

          الماديون والدين الحقيقي والدين المزيف

          رأينا حتى الآن مدى الإضرار الكبير الذي أنزلته أوساط حماة الفلسفة المادية بالعلم، وكيف أنهم يخدعون الناپ في سبيل أساطير التطور التي آمنوا بها دون تبصر، وكيف أنهم يحجبون الحقائق. أما وقد قلنا هذا، فعلينا أيضا أن نسلّم بأن هذه الأوساط المروِّجة للفلسفة المادية تؤدي خدمة جليلة، وإن كان ذلك دون قصد منها.

          إنهم يقدمون هذه الخدمة (التي يسعون بواسطتها إلى تبرير أفكارهم الزائفة الملحدة) عن طريق كشف جميع أوجه التهافت المنطقي والتناقض في الفكر التقليدي والمتعصب، الذي يُطرَح باسم الإسلام. فقد ساعدت هجمات الماديين الملحدين على كشف الدين المزيَّف الذي لا يمُت بصلة إلى القرآن أو الإسلام، والذي يعتمد على الهرطقة والخرافات واللغو، والذي يفتقر إلى البراهين الثابتة. وهكذا يتم كشف وتعرية كل أوجه التناقض والتضارب ومجافاة المنطق التي ينطوي عليها الدين المزيَّف، والتي تدافع عنها دوائر غير مخلصة تعمل خطأً باسم الإسلام دون الاستناد إلى أي أدلة صحيحة.

          وهكذا يساعد الماديون الكثير من الناس على إدراك ظلام العقلية المتعصبة والتقليدية ويشجعونهم على طلب روح الدين ومصدره الحقيقي بالاتجاه إلى القرآن والاعتصام به. وإضافة إلى هذا، فهم يميطون اللثام عن ضحالة العقول التي تقدم ديناً كاذباً يُبتدَع باسم الله ويُقدَّم للجميع باسم الإسلام، ويساعدون على إضعاف تأثير هذا الاتجاه المتعصب الذي يهدد الجزء الأكبر من المجتمع.

          وهكذا، شاؤوا أو أبَوا، وكما قُدِّر لهم، فقد أصبحوا السبيل لتحقيق قضاء الله بنصرة دينه الحق، عن طريق دفع أعداء الدين بعضهم ضد بعض. كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

          وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَفَسَدَتْ الأَرْض وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة 251)

          وعند هذه النقطة، فإننا نعتقد أن من الضروري أن نفسح مجالاً لبعض الدفاع عن معتنقي الفكر المادي المناصر للتطور. فقد يكون هؤلاء الناپ قد شرعوا ذات مرة في بحث صادق، إلا أنهم قد ضلوا الطريق تحت تأثير خرافات جاءت باسم الإسلام، وأكاذيب نُسبت إلى النبي، وشائعات تعرضوا إليها منذ الطفولة. ولهذا لم تتح قط لهم الفرصة لاكتشاف الحقيقة بأنفسهم. وربما يكون هؤلاء قد تعلموا الدين من كتب لمعارضي الدين الذين يحاولون الربط بين الإسلام وبعض الأكاذيب والادعاءات، بينما روح وأصل الإسلام مختلفان تماماً، إضافة إلى أنهما لا يتفقان مطلقاً مع كل ما تم تعليمهم إياه. لذلك ننصح هؤلاء بأن يأتوا بمصحف بأسرع ما يمكن وأن يقرؤوا كتاب الله بقلب مفتوح ودون تحيز حتى يتعلموا الدين الأصلي من مصدره الحقيقي، وإذا ما استغلق عليهم شيء فيمكنهم الرجوع إلى المصادر الأصلية التي تتناول القرآن بالشرح والبيان
          دليل مدونات المناظر المسلم

          http://fast00fast.blogspot.com/

          Comment

          • اسامة النميرى
            عضو
            • Aug 2012
            • 309

            #20
            النتيجة: التطور خدعة

            توجد كثير من الأدلة والقوانين العلمية الأخرى التي تُبطل نظرية التطور، ولكننا لم نستطع أن نناقچ في هذا الكتاب إلا بعضاً منها. إلا أن ما توصلنا إليه يكفي لكشف حقيقة في غاية الأهمية: وهى أن نظرية التطور -على الرغم من تخفِّيها في رداء العلم- ما هي إلا خدعة، يتم الدفاع عنها فقط لصالح الفلسفة المادية؛ خدعة تقوم على غسل المخ والدعاية والتزوير والتزييف، دون أن تستند بأي حال من الأحوال إلى أي أساپ علمي.

            وبإمكاننا الآن تلخيص ما تناولناه في الفصول السابقة على النحو التالي:

            انهيار نظرية التطور


            إن نظرية التطور هي نظرية تفشل في أولى خطواتها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن دعاة نظرية التطور لا يستطيعون حتى تفسير كيفية تكون بروتين واحد. فلا قوانين الاحتمالات ولا القوانين الفيزيائية والكيميائية يمكن أن تتيح أي مجال للاعتقاد بأن الحياة قد تكونت بالصدفة.
            فإذا كان من غير الممكن تكوّن وتشكل حتى بروتين واحد بالصدفة، فهل يُعقل أن تكون ملايين من هذه البروتينات قد تجمعت بترتيب ما لتكوِّن خلية كائن حي؟ وأن المليارات من الخلايا الحية تكوَّنت من تلقاء نفسها ثم تجمَّعت بالصدفة لتنتج كائنات حية، أدَّت بعد ذلك إلى تكوُّن الأسماك، وأن تلك الأسماك التي خرجت إلى اليابسة تحولت إلى زواحف وطيور، وأن ملايين الأنواع والأجناس المختلفة من الكائنات الحية قد ظهرت على سطح الأرض بنفس هذه الطريقة؟! إن هذه الخرافة (وإن كانت تبدو غير منطقية لكم) إلا أن دعاة نظرية التطور يصدِّقونها ويؤمنون بها.

            بيد أن هذه المزاعم هي مجرد عقيدة يعتنقونها، إذ ليس لديهم حتى دليل واحد يثبت هذه القصة المختلَقة؛ فلم يحدث قط أن عثروا على حيوان واحد يمثل صورة انتقالية، مثل حيوان نصفه سمكة ونصفه الآخر من الزواحف، أو حيوان نصفه من الزواحف ونصفه الآخر طائر. كما أنهم لم يتمكنوا من إثبات أن بروتيناً واحداً (أو حتى حمضاً أمينيّاً واحداً من الأحماض الأمينية المكوِّنة للبروتين) قد تكوّن تحت ما أسموه بالظروف البدائية على سطح الأرض؛ ولا حتى نجحوا في تكوينه مع كل ما يملكونه من معامل حديثة ومتطورة. بل على العكس من ذلك تماماً، فقد أثبت دعاة التطور -بكل ما بذلوه من جهد- أن عملية التطور لم تحدث قَط ولا يمكن أن تكون قد حدثت في أي وقت على سطح الأرض.

            لا يمكن أيضاً إثبات نظرية التطور مستقبلاً

            وحيال ذلك، لا يملك دعاة التطور ما يعزّون به أنفسهم إلا أن يتمنوا أن تُحَل هذه المآزق التي تواجهها نظريتهم بمرور الزمن. بينما لا يمكن للعلم أن يدلل على صحة مزاعم لا تمت للحقيقة والمنطق بصلة مهما مرّ من الزمن. بل على النقيچ تماماً؛ فكلما تقدم العلم زادت الأدلة التي تثبت بطلان نظرية التطور وافتقارها إلى العقلانية والمنطق.

            وهذا هو ما حدث بالفعل، فمع اكتشاف مزيد من التفاصيل في مجال بنية ووظائف الخلية الحية، أصبح من الواضح تماماً أن الخلية ليست مجرد بنية بسيطة تكونت عشوائياً كما كان يُعتقد طبقاً للمفاهيم البيولوجية البدائية التي كانت سائدة في زمن دارون.

            وإذا كان الأمر واضحاً كل هذا الوضوح، فإن إنكارَ حقيقة الخلق وإرجاعَ أصل الحياة إلى الصدف التي يكاد يستحيل حدوثها في الواقع، ثم الإصرار على الدفاع عن هذه المزاعم، ربما يكون في المستقبل سبباً للشعور بمهانة شديدة. فكلما انكشف الوجه الحقيقي لنظرية التطور أكثر وأكثر، ومع اكتشاف الرأي العام للحقيقة، فربما لن يمر وقت طويل قبل أن يشعر المتعصبون المدافعون عن نظرية التطور دفاعا أعمى بحرج موقفهم فلا يكون بوسعهم حتى حفظ ماء وجوههم.

            لعقبة الكبرى أمام نظرية التطور

            هناك العديد من أجناس الكائنات الحية على ظهر الأرض التي يشبه بعضها بعضاً. فعلى سبيل المثال، توجد العديد من الحيوانات التي تشبه الخيول أو القطط، والعديد من الحشرات تتشابه في مظهرها، وهذا التشابه لا يأتي غريباً أو مفاجئاً لأي شخچ.

            غير أن أوجه التشابه الظاهري بين الإنسان والقرد تسترعي -بشكل ما- قدراً كبيراً جداً من الاهتمام. وهذا الاهتمام قد يصل في بعض الأحيان إلى حد تصديق الفرضيات الزائفة لنظرية التطور. والحقيقة أن أوجه التشابه الظاهري هذه بين الإنسان والقرد لا تثبت شيئاً أبداً؛ فهناك بعض أوجه التشابه الظاهري بين حشرة الكركدن وحيوان الكركدن، إلا أن محاولة إثبات وجود علاقة ارتقائية بينهما (مع كون أحدِهما حشرةً والآخرِ حيواناً ثدييّاً) اعتماداً على التشابه أمر مثير للسخرية.

            وبخلاف التشابه في المظهر الخارجي، فلا يمكن القول بأن القرد أقرب إلى الإنسان منه إلى الحيوانات الأخرى. وفي الواقع، فإننا إذا أخذنا في الاعتبار مستوى الذكاء فيمكن أن نقول إن النحل الذي يبني خلايا العسل المعجزة في تكوينها الهندسي، أو العنكبوت الذي يبنى شبكته التي تمثل إعجازاً هندسياً هي الأخرى، أقرب إلى الإنسان من القرد. بل هما أرقى من الإنسان في بعض النواحي!

            وبغض النظر عن التشابه الخارجي، فهناك اختلاف هائل بين الإنسان والقرد. فالقرد حيوان أولاً وأخيراً، لا فرق بينه وبين الحصان أو الكلب من حيث درجة الوعي والإدراك. أما الإنسان فإنه كائن عاقل مدرك، ذو إرادة قوية، يستطيع أن يفكر ويتكلم ويفهم ويقرر، ولديه القدرة على الحكم على الأمور. وكل هذه الصفات لا تتوفر لدى بقية المخلوقات، وهي التي تجعل بينها وبين الإنسان فجوة كبيرة، ولن يستطيع أي تشابه جسماني بين الإنسان وأي مخلوق آخر أن يسد هذه الفجوة.

            يخلق الله ما يشاء وكيف يشاء

            ماذا لو كان السيناريو الذي يدّعيه حماة التطور قد حدث بالفعل؟ إن ذلك لا يعني شيئاً أبداً. ذلك أن كل مرحلة من المراحل التي تفترضها نظرية التطور، وتزعم أنها مبنية على المصادفة، لا يمكن أن تكون قد حدثت إلا بفعل معجزة. فحتى لو كانت الحياة قد وُجدت بالفعل تدريجياً من خلال تعاقب سلسلة من المراحل، فإن كل مرحلة متطورة من تلك المراحل ما كان يمكن أن توجد إلا بإرادة خلاّقة واعية. إن وجود مراحل الحياة تلك بالصدفة ليس مستبعداً فحسب، بل إنه مستحيل.

            وإذا قيل إن جزيء البروتين قد تكوَّن في ظل الظروف البدائية للغلاف الجوي فيجب أن نتذكر أننا قد أثبتنا -بالفعل- من خلال قوانين نظرية الاحتمالات وقوانين علم الأحياء والكيمياء استحالة أن ذلك قد حدث بالصدفة. بيدَ أنه إذا لم يكن بد من افتراض أن هذا الجزيء قد تكوَّن، فلا بديل إذن عن التسليم بأنه يَدين بوجوده إلى إرادة الخالق عز وجل. وهذا المنطق ينطبق على نظرية التطور برمتها. وعلى سبيل المثال، فليچ هناك دليل من علم المتحجرات أو دليل فيزيائي أو كيميائي أو أحيائي أو تبرير منطقي يثبت خروج الأسماك من الماء إلى اليابسة وتحولها إلى حيوانات برية، فيثبت حدوث مثل هذا التحول. على أنه إذا فرضنا -جدلاً- أن الأسماك قد زحفت إلى اليابسة وتحولت إلى زواحف، فإن مفترِض هذه المزاعم لا بد له من التسليم أيضاً بوجود خالق قادر على أن يخلق ما يشاء بقوله كن فيكون. وما عدا ذلك من تفسير لهذه المعجزة يناقض نفسه ويخالف مبادئ المنطق.

            إن الحقيقة جلية وثابتة؛ فالحياة هي نتيجة تصميم بديع وخلق في أحسن تقويم. وهذا -بدوره- دليل قاطع آخر على وجود خالق لا حدود لقدرته وعلمه وإبداعه. ذلك الخالق العظيم هو الله، سبحانه وتعالى ..
            دليل مدونات المناظر المسلم

            http://fast00fast.blogspot.com/

            Comment

            • اسامة النميرى
              عضو
              • Aug 2012
              • 309

              #21
              قرأنا في الفصول السابقة ، أسباب اعتبار نظرية التطور (التي تدعي أن الحياة لم تُخلق) مغالطةً، تناقض تماماً الحقائق العلمية. ورأينا كيف كشفت بعض فروع العلوم الحديثة (مثل علم المتحجرات والكيمياء الحيوية والتشريح) عن حقيقة في غاية الوضوح، ألا وهى أن الله سبحانه وتعالى هو خالق جميع الكائنات الحية.

              والواقع أن الإنسان لا يحتاج -لكي يدرك هذه الحقيقة- إلى الرجوع إلى النتائج المعقدة التي يتوصل إليها العلماء في معامل الكيمياء الحيوية، أو التي تظهرها الاكتشافات الجيولوجية وعلم المتحجرات. فمظاهر وجود حكمة تفوق العقل والإدراك البشري واضحة وضوح الشمچ للإنسان ويمكنه رؤيتها في أي كائن حي. إن ثمة تقنية عظيمة وتصميماً بديعاً في تكوين جسم حشرة ضئيلة أو سمكة صغيرة في أعماق البحر، ولم يستطع الإنسان قط فيما صنعه بلوغ تلك التقنية أو ذلك التصميم. بل إن بعچ الكائنات الحية التي لا تملك عقلاً تقوم بأداء مهام تبلغ من التعقيد درجةً تجعل حتى الإنسان يعجز عن القيام بها.

              ومما لا شك فيه أن هذه الحكمة العظيمة وهذا التصميم البديع والتخطيط المحكم الذي يسود الطبيعة بأكملها يثبت بالدليل القاطع وجود خالق عظيم، هو الله سبحانه وتعالى. لقد وهب الله تعالى جميع الكائنات الحية خصائص وصفات خارقة وأظهر للإنسان دلائل وجوده وقدرته.

              وسندرس في الصفحات الآتية بضعة أمثلة فقط من أدلة الخلق التي لا حصر لها في الطبيعة.

              النحل وروعة البناء المعماري في خلاياها

              من المعروف أن النحل تنتج عسلاً أكثر من احتياجها وأنها تخزن ذلك العسل في الخلايا الشمعية، والشكل الذي يبني به النحل هذه الخلايا معروف للجميع، وهو الشكل السداسي. ولكن هل فكّر أحدكم يوماً لماذا لا تبنى النحل خلاياه بشكل ثماني أو خماسي الأضلاع؟

              لقد توصل علماء الرياضيات الذين سعوا للإجابة على هذا السؤال إلى نتيجة مثيرة: إن الشكل السداسي هو أنسب الأشكال الهندسية التي تحقق استخدام أكبر قدر من المساحة المتاحة.

              فالخلية سداسية الشكل تحتاج لأقل كمية من الشمع لبنائها، بينما تسمح بتخزين أكبر كمية من العسل. وهكذا، فإن النحل تستخدم أنسب الأشكال الهندسية الممكنة.

              أما النظام المستخدم في بناء الخلايا الشمعية فهو مذهل كذلك: فالنحل تبدأ في بناء الشكل السداسي من مكانين أو ثلاثة أماكن مختلفة، ثم تبدأ في حبك سلسلة الخلايا في آن واحد من هذين المكانين أو الأماكن الثلاثة. وعلى الرغم من أن النحل تبدأ من أماكن مختلفة فإنه -على كثرة عددها- تبني الأشكال السداسية بتطابق تام، ثم تنسج الخلايا الشمعية بتجميع هذه الأشكال مع بعضها البعض والالتقاء في منطقة الوسط تماماً. وتُظهر نقاط التحام هذه الأشكال السداسية مهارة فائقة، بحيث لا يلاحَظ أبداً أن هذه الأشكال قد التحمت ببعضها البعض تدريجياً.


              وبرؤيتنا لهذا الأداء الرائع البديع لا يسعنا إلا التسليم بوجود إرادة مدبرة عظيمة هي المسؤولة عن توجيه هذا الكائن الحي، بينما يفسّر دعاة نظرية التطور ذلك بمفهوم الغريزة ويحاولون تقديمه بوصفه مجرد صفة من صفات النحل. ومع ذلك، فإنه إذا كان هذا العمل بفعل الغريزة، وإذا كانت هذه الغريزة تسيطر على جميع النحل بحيث يعمل بهذا التنسيق معاً دون أن تعلم نحلة ما تقوم به الأخرى، فهذا يعني أن هناك حكمة وقوة عظيمة تهيمن على جميع هذه المخلوقات الدقيقة. وبعبارة أدق، فإن الله سبحانه وتعالى الذي خلق تلك المخلوقات الدقيقة قد ألهمها ما يجب عليها أن تقوم به، وهذه حقيقة أخبرنا بها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 68-69).

              البراعة الهندسية للنمل الأبيض


              لا يستطيع كل من يشاهد بيتاً من بيوت النمل الأبيض التي بناها منتصبةً فوق الأرض أن يغالب دهشته؛ ذلك أن بيوت النمل الأبيض (التي يبلغ ارتفاعها ما بين خمسة أمتار وستة) تعد تحفة معمارية رائعة. وتوفر هذه البيوت بنظامها الداخلي المعقد كل ما يحتاج إليه النمل الأبيض الذي لا يستطيع الخروج في ضوء الشمس بسبب طبيعة تكوين جسمه؛ فبيوت النمل الأبيض بها نظم للتهوية، وقنوات وممرات وغرف لليرقات، وأماكن خاصة لإنتاج الفطر، ومخارج أمنية، وغرف خاصة للجو الحار وأخرى للجو البارد، وباختصار: فيها كل شيء. والأغرب من كل ذلك هو أن النمل الأبيض ، الذي يبني هذه البيوت البديعة، هو في حقيقة الأمر أعمى .(160)

              وبالرغم من هذه الحقيقة فإننا نجد -بمقارنة حجم النمل الأبيچ بحجم البيوت التي يبنيها- أن النمل الأبيض قد نفّذ بنجاح مشروعاً معمارياً أكبر من حجمه بثلاثمئة مرة.

              وللنمل الأبيض صفة مدهشة أخرى: فإذا ما قسمنا بيتاً من بيوت النمل وهو في المراحل الأولى من بنائه إلى قسمين، ثم أعدناهما مرة أخرى، سنجد أن كل الممرات والطرق والدهاليز تتداخل وتتلاقى بعضها مع بعض. ويواصل النمل الأبيض عمله كأنما لم يُقسَّم البيت قَط إلى قسمين، وكأنه يتلقى أوامره من مصدر واحد لا غير!

              نقار الخشب


              الكل يعرف أن نقار الخشب يبني أعشاشه بنقر جذوع الشجر. إلا أن النقطة التي لا يلتفت إليها كثير من الناپ هي كيف لا يتعرض نقار الخشب إلى نزيف في المخ وهو يقوم بهذا النقر القوي، فما يفعله نقار الخشب يشبه -إلى حد ما- قيام إنسان بضرب مسمار في الجدار برأسه. ولو أن إنساناً قام بذلك، فالأرجح أنه سيتعرض أولاً لصدمة في المخ ثم لنزيف فيه، بينما يمكن لنقار الخشب أن ينقر ما بين 38-43 نقرة في جذع شجرةٍ صلب في زمن يتراوح ما بين 2,10و 2,69ثانية دون أن يصيبه شيء أبداً.

              إن تفسير ذلك هو أن بنية رأپ نقار الخشب قد خُلقت مناسبة لمثل هذا العمل؛ ففي جمجمته نظام يخفف شدة الضربات ويمتصها، وهو يتكون من أنسجة مليِّنة خاصة بين عظام الجمجمة تقوم بذلك .(161)

              نظام السونار عند الوطواط

              يستطيع الوطواط الطيران في الظلام الدامچ دون أي مشقة مستخدماً نظام استكشاف مثيراً للغاية، وهو ما نطلق عليه اسم السونار (Sonar)؛ وهو نظام تتحدد عن طريقه أشكال الأجسام المحيطة من خلال صدى الموجات الصوتية.

              يستطيع الإنسان متوسط السن بصعوبة تمييز صوت تردده عشرون ألف ذبذبة في الثانية، بينما يستطيع الوطواط عن طريق نظام السونار، بتصميمه الفريد، تمييز أصوات ترددها ما بين خمسين ألفاً و مئتي ألف ذبذبة في الثانية، وهو يرسل هذه الأصوات في جميع الاتجاهات بمعدل يتراوح بين عشرين وثلاثين مرة في الثانية. ويكون صدى الصوت الذي يستقبله الوطواط قوياً جداً حتى إنه لا يدرك فقط وجود أجسامٍ ما حوله، بل يستطيع كذلك تحديد مكان

              فريسته وهى تطير مُسرعة .(162)

              الحيتان


              تحتاج الحيوانات الثديية إلى التنفس باستمرار، ولهذا فالماء ليس بيئة مناسبة لها. أما الحيتان (وهى حيوانات ثديية بحرية) فتستطيع التغلب على هذه المشكلة بفضل جهازها التنفسي الذي يفوق إلى حد بعيد حيوانات برية كثيرة. فالحوت يطلق في زفير واحد فقط تسعين بالمئة من الهواء الذي تنفسه، وهو بذلك لا يحتاج للتنفس إلا على فترات طويلة جداً. وفى ذات الوقت، يخزّن الحوت كمية كبيرة من الأكسجين في عضلاته بفضل مادة المايوغلوبين (Myoglobin)، وبفضل هذه الأنظمة يستطيع أحد أنواع الحيتان (المعروف باسم Gin-Back) الغو? إلى عمق يبلغ خمسمئة متر، كما يستطيع السباحة لمدة أربعين دقيقة دون تنفچ على الإطلاق (163). ومن ناحية أخرى، توجد فتحات أنف الحوت على ظهره -خلافاً للحيوانات الثديية التي تعيچ على اليابسة- لكي يستطيع التنفس بسهولة.

              تصميم البعوض


              مانعرفه عن البعوض هو أنه كائن حي يطير. ولكنه -في واقع الأمر- يقضي مراحل نموه تحت الماء، ثم يخرج من الماء -في تخطيط فريد- مزوَّداً بكل ما يحتاج إليه من أعضاء.

              يطير البعوض بفضل نظام حواسه الخاصة المزود بها لتحديد مكان فريسته، وهو يشبه -بهذه الأنظمة- طائرة حربية مزودة بأجهزة لقياپ الحرارة والغاز والرطوبة والرائحة. بل إن لديه القدرة على تحديد مكان فريسته في الظلام الدامس عن طريق استشعار الحرارة التي تخرج من الكائن الحى.

              أما تقنية مص الدم عند البعوض فهي ترجع إلى مجموعة من النظم شديدة التعقيد في تكوينها؛ فهو يثقب الجلد بمخالبه التي تتكون من ست شفرات فيقطع الجلد كالمنشار، وفي خلال عملية ثقب الجلد يُفرز البعوض مادة تخدر أنسجة الجلد فلا يشعر الإنسان بأن البعوض يمص دمه، وهذا السائل يمنع -في الوقت نفسه- تخثر الدم، ويضمن استمرار البعوض في عملية المص. فلو نقچ مجرد عنصر واحد فقط من هذه العناصر لَما تمكن البعوض من التغذي على الدم ولَما استطاع الحفاظ على حياته واستمرار نسله.
              إن هذا الكائن الدقيق بما فيه من تصميم رائع، ورغم ضآلة حجمه، علامة جلية على عملية الخلق. والقرآن الكريم يسوق البعوض كمثَل يثبت وجود الله تعالى لأولي الألباب:

              }إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} (البقرة 26)

              الطيور القناصة ذات البصر الحاد


              تتميز الطيور القناصة ببصر حاد يمكنها من قياپ المسافات بدقة شديدة وهي تهاجم فريستها. وبالإضافة إلى ذلك فإن عيونها الكبيرة تحتوي على خلايا بصرية أكثر، مما يعني رؤية أفضل. فعيون الطائر القناص بها أكثر من مليون خلية بصرية.

              إن الصقور التي تحلِّق على ارتفاع يبلغ آلاف الأمتار تستطيع ببصرها الحاد إجراء تمشيط ومسح لسطح الأر? حتى من تلك المسافة البعيدة. فمثلما تحدد الطائرات الحربية أهدافها على بعد آلاف الأمتار، يستطيع الصقر أيضاً تحديد مكان فريسته برؤيته الثاقبة الحادة لأقل تغير في ألوان الأجسام أو لأبسط حركة لها على سطح الأرض. ويمتلك الصقر -كذلك- زاوية إبصار واسعة تصل إلى ثلاثمئة درجة، كما يستطيع تكبير صورة الأجسام التي تتلقاها عيناه إلى نحو ثمانية أضعاف. ويستطيع الصقر مسح وتمشيط مساحة تبلغ ثلاثين ألف هكتار وهو يحلق على ارتفاع أربعة آلاف وخمسمئة متر، ويستطيع بسهولة تمييز أرنب كامن بين الأعشاب وهو يحلق على ارتفاع ألف وخمسمئة متر. وما من شك في أن هذا التكوين المدهش لعين الصقر قد صمم خصيصاً لهذا المخلوق

              خيوط العنكبوت.

              يتميز أحد أنواع العناكب، وهو العنكبوت المسمى داينوبِچ (Dinopis)، بمهارة صيد عالية. فهو لا ينسج خيوط شبكته وينتظر وقوع فريسته بها، بل يقوم بنسج شبكة صغيرة فريدة من نوعها ويلقيها على فريسته لاصطيادها، ويقوم بعد ذلك بلف هذه الشبكة حول فريسته بإحكام. ولا تستطيع الحشرة الحبيسة فعل أي شيء لتخليچ نفسها؛ فخيوط شبكة العنكبوت محكمة للغاية على نحو يجعل الحشرة تزداد التصاقاً بخيوط الشبكة كلما ازداد إحساسها بالخطر وحاولت تحرير نفسها. ولتخزين غذائه يقوم العنكبوت باحتواء فريسته بمزيد من الخيوط كأنما يقوم بتغليفها أو تعبئتها.

              كيف للعنكبوت أن يقوم بصنع مثل هذه الشبكة شديدة الإتقان في تصميمها الحركي وتركيبها الكيميائي؟ من المستحيل أن يكون العنكبوت قد اكتسب مثل هذه المهارة بالصدفة البحتة كما يعتقد أنصار نظرية التطور؛ فالعنكبوت لا يمتلك القدرة على التعلم والتذكر، كما أنه ليس لديه عقل يفكر به ليقوم بمثل هذه العمليات. من الواضح إذن أن هذه المهارة قد وهبها الله الخالق لهذا الكائن الحي، سبحانه وتعالى القادر على كل شيء.

              إن خيوط العنكبوت تخفي بداخلها معجزات هائلة؛ فهذا الخيط الذي يبلغ قطره أقل من واحد من الألف من الملّيمتر أقوى من السلك الصلب ذي السُّمك نفسه. ومع ذلك يتميز بخفته الشديدة. فالطول الذي يكفى للالتفاف حول العالم من هذا الخيط يزن 320 غراما فقط .(164) إن الحديد الصلب (وهو مادة تستخدم خصيصاً في المشاريع الصناعية) يعد من أقوى المواد التي صنعها الإنسان. ومع ذلك، فالعنكبوت يستطيع أن ينتج داخل جسمه خيطاً أشد قوة وتماسكاً من الحديد الصلب. إن الإنسان يستغل علومه وتقنيته التي توصل إليها عبر القرون في إنتاج الحديد الصلب، فما هي العلوم أو التقنية التي يستخدمها العنكبوت في صنع هذا الخيط؟ وكما نرى، فإن كل الوسائل التقنية والفنية للبشر لا ترقَى إلى الوسائل التي يمتلكها العنكبوت!

              الحيوانات ذات البيات الشتوي

              تستطيع الحيوانات التي تَبيت بياتاً شتوياً أن تظل على قيد الحياة على الرغم من انخفاض درجة حرارة جسمها إلى درجة برودة تماثل تلك الموجودة في المحيط الخارجي، فكيف تتمكن من ذلك؟

              إن الثدييات من الحيوانات ذات الدم الساخن، أي أن أجسامها تحافظ -في ظل الظروف الطبيعية- على درجة حرارتها ثابتة دائماً بفضل منظّم الحرارة الطبيعي الذي يعمل على تنظيم هذه الحرارة باستمرار. ومع ذلك، فإن بعض الثدييات الصغيرة (مثل السنجاب الذي تبلغ درجة حرارة جسمه العادية أربعين درجة) تنخفض درجة حرارة جسمها العادية أثناء البيات الشتوي إلى درجة أعلى قليلاً من درجة التجمد، وكأنما تم تعديلها بمفتاح ما! كما تقل كثيراً عمليات الأيض في الجسم، ويبدأ الحيوان بالتنفس البطيء جداً، وينخفض عدد ضربات القلب من 300 ضربة في الدقيقة إلى عدد يتراوح بين سبع ضربات وعشر ضربات في الدقيقة. وتتوقف حركات الجسم المنعكِسة التي تحدث في الأحوال العادية، كما تتباطأ أنشطة المخ الكهربائية إلى درجة يصعب معها قياسها أو حتى ملاحظتها.

              ويتمثل أحد مخاطر انعدام الحركة في تجمد الأنسجة وتدميرها بفعل ذرات الثلج. ولكن بفضل المميزات الخاصة في أجسام هذه الحيوانات لا ينالها أي خطر؛ فيتم الاحتفاظ بسوائل الجسم أثناء البيات الشتوي بفعل مواد كيميائية ثقيلة القوام، ومن ثم تنخفض درجة تجمدها وتتم حمايتها من الخطر. (165)

              الأسماك الكهربائية

              تستخدم بعض أنواع الأسماك (مثل الإنكليس والشفنين شائك الظهر) الكهرباء التي تخرجها من أجسامها للدفاع عن نفسها أو لشل حركة فريستها. ففي أجسام كل الكائنات الحية (بما فيها جسم الإنسان) قدر صغير من الكهرباء، غير أن الإنسان لا يستطيع توجيه هذه الطاقة الكهربية أو السيطرة عليها لاستخدامها لمنفعته. أما الكائنات الحية التي ذكرناها آنفاً فإنها تحمل في جسمها تياراً كهربائياً يُقدَّر بنحو خمسمئة فولت، وهي قادرة على توجيهه ضد أعدائها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأسماك لا تتأثر بصورة سلبية بهذه الكهرباء.

              وتستعيد هذه الأسماك، بعد فترة معينة، الطاقة التي استهلكتها في الدفاع عن نفسها مثلما تُشحن البطارية، وبذلك تعود الطاقة الكهربية جاهزة للاستعمال مرة أخرى. والأسماك لا تستعمل تلك الطاقة الكهربائية الكبيرة الكامنة في جسمها الضئيل للدفاع عن نفسها فحسب؛ فإلى جانب استخدام هذه الطاقة الكهربية في معرفة الاتجاهات في أعماق البحار المظلمة، فهي تساعد الأسماك على إدراك وجود الأجسام حولها دون أن تراها. فالأسماك تطلق إشارات كهربية من أجسامها، وعندما ترتد هذه الإشارات بعد اصطدامها بجسم صلب تعطي الأسماك معلومات عن هذا الجسم. وبهذه الطريقة تتمكن الأسماك من تحديد المسافة بينها وبين هذا الجسم وحجمه. (166)

              خطة ذكية للتخفِّي لدى الحيوانات: التمويه

              تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


              من المميزات التي يتمتع بها الحيوان للحفاظ على حياته فن إخفاء نفسه، أو ما يُطلق عليه التمويه. والحيوانات تسعى لإخفاء نفسها لسببين رئيسيين: إما استعداداً للصيد واقتناص فريستها أو لحماية نفسها من الحيوانات القناصة الأخرى. والتمويه يختلف عن سائر أساليب التخفّي الأخرى لأنه يشتمل على عناصر كثيرة مثل الذكاء الشديد، والمهارة، والجوانب الجمالية، والتناغم.

              إن أساليب التمويه لدى الحيوان مذهلة بحق، فمن المستحيل تمييز حشرة تختفي على أحد فروع الشجر أو تحت أوراق الشجر. أما قمّل ورق الشجر، الذي يمتص عصارة النبات، فهو يتغذى على سيقان النبات بالتخفي في شكل شوكة. وهو يهدف بهذا الأسلوب إلى خداع الطيور، وهي أعتى أعدائه، ويضمن ألا تحط الطيور على هذه النباتات.

              أما الحبّار فلديه طبقة سميكة تحت الجلد تحتوي أكياساً من الصبغة الملونة المطاطة تسمى كروماتوفورز. وتكون هذه الأصباغ -في الغالب- صفراء أوحمراء أو سوداء أو بنية. وعند استشعار خطر ما، تنتفخ الخلايا التي تحتوي على الأصباغ وتضفي على الجلد اللون المناسب، وبذلك يأخذ الحبار لون الصخرة التي يقف عليها متخذاً أفضل وسيلة ممكنة للتمويه.

              ونظام التمويه هذا يعمل بإتقان شديد لدرجة أن الحبّار يمكنه إخفاء نفسه بإعطاء جسمه خطوطاً تشبه خطوط الحمار الوحشي .(167)

              نظم مختلفة للرؤية

              بالنسبة لكثير من الحيوانات البحرية تُعتبَر الرؤية أمراً في غاية الأهمية من أجل الصيد والدفاع عن النفس، ومن ثم تمتلك معظم الحيوانات البحرية عيوناً مصممة تصميماً مثالياً للرؤية تحت الماء.

              وتحت سطح الماء يزداد انحسار القدرة على الرؤية بازدياد العمق، وخاصة على عمق ثلاثين متراً. ومع ذلك، تملك الكائنات الحية التي تعيچ عند هذا العمق عيوناً خُلقت لتتلاءم مع تلك الظروف.

              وتمتلك الحيوانات البحرية، بعكس الحيوانات البرية، عدسات كروية تتناسب تناسباً مثالياً مع الاحتياجات الخاصة بكثافة المياه التي تعيچ فيها. ومقارنةً بالعيون الإهليلجية (البيضاوية) الواسعة التي تتسم بها الحيوانات البرية، يُعد هذا التركيب الكروي أكثر ملاءمة للرؤية تحت الماء؛ لأنه مضبوط لرؤية الأشياء عن قرب. وعندما تركز العين على جسم موجود على مسافة أبعد يُسحَب نظام العدسات بأكمله إلى الوراء بمساعدة آلية خاصة من العضلات موجودة داخل العين. ويعد انكسار الضوء في الماء سبباً آخر من أسباب الشكل الكروي لعيون الأسماك؛ ذلك أنه بسبب امتلاء عين السمكة بسائل له نفس كثافة الماء تقريباً لا يحدث أي انكسار أثناء انعكاپ صورة مكونة خارج العين عليها، وبالتالي تقوم عدسة العين بتركيز صورة الجسم الخارجي على الشبكية تركيزاً كاملاً. لذلك تبصر السمكة داخل الماء، على عكس الإنسان، بشكل حاد جداً.

              وتمتلك بعض الحيوانات -مثل الأخطبوط- عيوناً كبيرة نسبياً لتعويضها عن ضعف الإضاءة في أعماق الماء. ولذلك لا بد للأسماك ذات العيون الكبيرة الموجودة على عمق أكثر من ثلاثمئة متر أن تلتقط ومضات الكائنات الحية المحيطة بها كي تلاحظها. كما يجب عليها أن تكون حساسة بشكل خاص للأشعة الزرقاء الخافتة التي تخترق الماء، ولهذا السبب يوجد قدر كبير من الخلايا الزرقاء الحساسة في عيون تلك الأسماك.

              وكما يتضح من هذه الأمثلة، يتمتع كل كائن حي بعيون مميزة صممت خصيصاً لتفي بحاجاته الخاصة، وتثبت هذه الحقيقة أن كل هذه العيون قد خُلقت تماماً كما يجب أن تكون من قِبل خالق يملك حكمة ومعرفة وقوة أبدية.

              نظام خاص للتجميد

              يعد الضفدع المجمَّد تجسيداً لتركيب بيولوجي فريد من نوعه. ذلك أن الضفدع المجمد لا يبدِي أية دلائل على الحياة، كما أن نبضات قلبه وتنفسه ودورته الدموية تتوقف تماماً، ولكن عندما يذوب الجليد تدبّ الحياة في نفس الضفدع وكأنه استيقظ من النوم.

              وفي العادة، يواجه الكائن الحي في حالة التجمد أخطاراً كثيرة مميتة. ومع ذلك، لا يواجه الضفدع أية واحدة من هذه الأخطار؛ ذلك أن لديه سمة رئيسية تجعله ينتج وفرة من الغلوكوز أثناء وجوده في تلك الحالة. فمثله مثل مريض البول السكري تماماً، يصل مستوى السكر في الدم عند الضفدع إلى مستويات عالية جداً قد تصل أحيانا إلى 550 ملّيمول/لتر (يقع هذا الرقم عادة بين 1-5 ملّيمول/لتر بالنسبة للضفادع وبين 4-5 ملّيمول/لتر بالنسبة للجسم البشري). ويمكن أن يتسبب هذا التركيز الهائل للغلوكوز في مشكلات خطيرة في الأوقات العادية.

              أما في حالة الضفدع المتجمد فإن هذا الغلوكوز الهائل التركيز يَحول دون مغادرة الماء للخلايا كما يمنع الانكماپ. إن الغشاء الخلوي للضفدع شديد النفاذية للغلوكوز بالقدر الذي يسهل عليه الوصول إلى الخلايا، ويخفض المستوى العالي للغلوكوز في الجسم من درجة حرارة التجمد مما يجعل قدراً بسيطاً جداً من السائل الموجود داخل الحيوان يتحول إلى ثلج عند البرودة. وقد أوضحت البحوث أن الغلوكوز يستطيع أن يغذي الخلايا المجمدة أيضاً. وأثناء هذه الفترة يقوم الغلوكوز -بالإضافة إلى كونه الوقود الطبيعي للجسم- بإبطال الكثير من التفاعلات الأيضية مثل تصنيع اليوريا، وذلك يمنع استنفاد منابع غذاء الخلية المختلفة. ولكن كيف يتسنى لمثل هذه الكمية العالية من الغلوكوز أن تظهر فجأة؟ الجواب مثير جداً: فهذا الكائن الحي مزود بنظام خاص جداً مسؤول عن هذه المهمة؛ فبمجرد ظهور الثلج على الجلد تنطلق رسالة إلى الكبد كي يحوّل بعض مكونات الغليكوجين المخزون فيه إلى غلوكوز. وما زالت طبيعة هذه الرسالة المنطلقة إلى الكبد غير معروفة. وبعد خمچ دقائق من تسلُّم الرسالة يبدأ مستوى سكر الدم في الارتفاع بشكل منتظم .(168)

              ولا مجال للشك في أن تزويد الحيوان بنظام يغير أيضه كلياً ليفي بجميع احتياجاته عند اللزوم، لا يكون ممكناً إلا من خلال خطة خالية من الأخطاء وضعها الخالق العظيم؛ إذ لا يمكن لأية صدفة أن تُحدث مثل هذا النظام المثالي المعقد.

              طائر القَطْرَس

              تستخدم الطيور المهاجرة تقنيات مختلفة للطيران لخفض كمية الطاقة المستهلكة إلى أدنى حد، ومن الطيور التي تستخدم هذه التقنيات طائر القطرپ. فهذه الطيور (التي تقضي 92% من حياتها فوق البحار) يبلغ عرض جناحَي الواحد منها عند انبساطهما ثلاثة أمتار ونصف المتر. وأهم ما يميز طائر القطرپ هو كيفية طيرانه: فهو يستطيع الطيران لساعات دون تحريك أجنحته على الإطلاق، ويقوم بذلك عن طريق الانسياب في الهواء وبسط جناحيه باستمرار بالاعتماد على الرياح.


              وعلى الرغم مما يتطلبه تثبيت أجنحةٍ يبلغ عرضها ثلاثة أمتار ونصف المتر في الهواء من طاقة وقوة هائلة، فإن طائر القطرپ يستطيع التحليق بهذا الشكل لساعات طويلة. ويرجع ذلك إلى النظام التشريحي الخاص الذي منحه الله لهذا الطائر منذ مولده. وخلال الطيران تكون أجنحة طائر القطرس ثابتة، لذلك فهو لا يحتاج إلى استخدام أي قوة عضلية، وتظل الأجنحة منبسطة بفضل طبقات عضلات الأجنحة فقط مما يساعد طائر القطرس على سهولة الطيران والتحليق، كما يقلل من كمية الطاقة التي يستهلكها الطائر في الطيران. ذلك أن القطرپ لا يضرب بجناحيه، كما أنه لا يستهلك طاقة في إبقاء أجنحته مفتوحة، فتحليقه لساعات معتمداً تماماً على الرياح فقط يمثل له مصدر طاقة غير محدود. فعلى سبيل المثال، إذا حلق طائر القطرپ الذي يزن عشرة كيلوغرامات لمسافة قدرها ألف كيلومتر فإنه لا يفقد من وزنه إلا واحداً بالمئة فقط، وهى حقاً نسبة ضئيلة جداً. وقد صنع الإنسان -متخذاً من طائر القطرپ مثلاً له- الطائرات الشراعية، مستفيداً من أسلوبه المذهل في الطيران والتحليق .(169)

              الهجرة المحفوفة بالصعاب

              تتميز أسماك السلمون التي تعيش في المحيط الهادي بميزة رائعة؛ وهى قدرتها على العودة إلى النهر الذي فقست فيه أول مرة. فبعد أن تقضي هذه الكائنات جزءاً من حياتها في البحر تعود إلى المياه العذبة للتكاثر.

              عندما تبدأ أسماك السلمون رحلتها في أوائل الصيف يكون لونها أحمرَ براقاً، ولكنه يتحول للأسود في نهاية رحلتها. وفى بداية هجرتها، تقترب من السواحل وتحاول الوصول إلى الأنهار، وتجاهد هذه الأسماك مثابِرةً حتى تعود إلى مكان ولادتها، وتتمكن من الوصول إلى المكان الذي فقست فيه بالقفز إلى أعلى لتتغلب على اضطراب أمواج الأنهار، سابحةً ضد التيار ومتخطيةً الشلالات والسدود التي تعترضها.

              وخلال هذه الرحلة الطويلة (التي تبلغ نحو أربعة آلاف كيلومتر) تحمل إناث سمك السلمون البيض كما يحمل الذكور السائل المنوي، وما أن تصل إلى المكان الذي خرجت فيه إلى الدنيا لأول مرة حتى تضع الأنثى ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيضة ويقوم الذكر بتلقيح هذا البيض. وتصاب الأسماك بأضرار كبيرة خلال فترة الهجرة ووضع البيض؛ فالإناث التي تضع البيض تصاب بإرهاق شديد وتتآكل زعانفها الذيلية، ويتغير لون جلد كل من الإناث والذكور على السواء إلى الأسود، ثم يفيض النهر بعد ذلك بأسماك السلمون الميتة. ولكن جيلاً جديداً من الأسماك يكون قد فقص من بيضه ليبدأ رحلة هجرة جديدة.

              أما كيف نجح سمك السلمون في القيام بهذه الرحلة، وكيف وصل إلى البحر بعد خروجه من البيچ، وكيف وجد طريق عودته مرة أخرى... فهذه كلها أسئلة لا تزال تنتظر الإجابة عنها. وعلى الرغم من وجود تخمينات عديدة، فلا توجد إجابة قاطعة شافية على هذه الأسئلة. فما هي القوة التي تدفع أسماك السلمون إلى قطع رحلة طولها آلاف الكيلومترات للعودة إلى مكان لا تعرفه؟ من الواضح -إذن- أن هناك إرادة عُليا تحكم كل هذه الكائنات الحية وتسيطر عليها؛ وهى إرادة الله رب العالمين.

              لكُوالا


              إن الزيت الموجود في ورق أشجار الأوكاليبتوپ (وهى أشجار يُستخدم ورقها وزهرها في أغراض طبية) سامٌّ بالنسبة لكثير من الحيوانات الثديية. ويمثِّل هذا السم وسيلة دفاعية كيميائية تستخدمها أشجار الأوكاليبتوپ ضد أعدائها، إلا أن حيواناً واحداً فريداً يتغلب على هذه الوسيلة الدفاعية ويتغذى على أوراق الأوكاليبتوپ السامة: هذا الحيوان يسمَّى الكُوالا (وهو من ذوات الجراب). يتخذ الكُوالا من أوراق شجر الأوكاليبتوپ مسكناً له ويتغذى عليها، كما يحصل على احتياجه من الماء منها أيضاً.

              وكغيره من الحيوانات الثديية، لا يستطيع الكُوالا أن يهضم مادة السِليُولوز الموجودة في ورق الأشجار؛ ولهذا فهو يعتمد على الكائنات العضوية الميكروسكوبية داخل جهازه الهضمي التي تستطيع هضم السِليُولوز. وهي موجودة بكثرة عند نقطة التقاء الأمعاء الدقيقة مع الأمعاء الغليظة، أي عند المصران الأعور (وهو الامتداد الخلفي للأمعاء). والمصران الأعور هو أكثر أجزاء الجهاز الهضمي غرابة لدى حيوان الكُوالا؛ فهذا الجزء من الجهاز الهضمي هو بمثابة غرفة يتخمّر فيها السِليُولوز لتقوم الميكروبات بهضمه، بينما يتأخر مرور أوراق الأشجار في الجهاز الهضمي فيتمكن الكُوالا من معادلة وإبطال التأثير السام للزيوت الموجودة في أوراق الأوكاليبتوپ .(170)

              لقدرة على الصيد من وضع الثبات

              نبات النّدِيَّة (Sundew) هو نبات ينمو في جنوب أفريقيا، وتفرز أوراقه عُصارة لزجة تعلَق بها الحشرات فيمتصها ويهضمها. أوراق هذا النبات تمتلئ بشعيرات طويلة حمراء، وعلى أطراف هذه الشعيرات توجد مادة سائلة ذات رائحة تجتذب الحشرات. ويتميز هذا السائل باللزوجة الشديدة، فالحشرة التي تتجه نحو مصدر الرائحة تعلق بين هذه الشعيرات اللزجة، وبعد ذلك تغلق ورقة النبات نفسها على الحشرة التي علقت بين الشعيرات. ويقوم النبات باستخراج البروتين الذي يحتاجه من الحشرة عن طريق هضمها .(171)

              إن هذه الموهبة الطبيعية التي تتمثل في قدرة نباتٍ على صيد واقتناص الفريسة دون إمكانية تحركه من مكانه لهى دليل قاطع على وجود تخطيط رائع، ومن المستحيل أن يكون النبات قد اكتسب وطوَّر مثل هذا الأسلوب في الصيد والاقتناص من تلقاء ذاته بإرادته المنفردة أو عن طريق الصدفة. ولذلك، فمن المستحيل أيضاً أن نغفل حقيقة وجود وعظمة الخالق الذي أعطى النبات هذه الموهبة.

              [img]http://www.harunyahya.com/arabic/boo...deceit/169.jpg[/img

              إلى اليمين: نبات الندية وأوراقه مفتوحة، وإلى اليسار: أوراق النبات مغلقة.
              روعة التصميم في ريش الطيور


              إذا نظرنا إلى تركيب ريش الطيور فإنه يبدو لنا بسيطاً للوهلة الأولى، بيدَ أننا إذا ما أمعنا النظر فيه فسنجد أن هذا التركيب معقد للغاية، فريش الطيور خفيف جداً ومع ذلك فهو قوي جداً ولا يتأثر بالماء.

              ولكي تستطيع الطيور الطيران بسهولة لا بد أن يكون وزنها خفيفاً قدر الإمكان. وريش الطيور يتكون من بروتينات الكيراتين التي تحقق هذا المطلب، فعلى كل جانب من جانبي ساق الريشة توجد عروق، وعلى كل عرق أربعمئة شعرة دقيقة. وعلى هذه الشعرات الدقيقة توجد شعرات أخرى أدق يبلغ عددها ثمانمئة. ومن بين هذه الشعرات الثمانمئة الأدق (التي تتكدپ في ريچ طائر صغير) تحمل الموجودة منها في الجزء الأمامي من جسم الطائر عشرين شعرة أخرى على كل منها، وتربط هذه الشعرات الدقيقة كل ريشتين معاً؛ تماماً مثلما نحيك قطعتي قماپ فوق بعضهما البعض. وفي كل ريشة واحدة يوجد ما يقرب من ثلاثمئة مليون شعرة دقيقة، ويبلغ مجموع الشعرات الموجودة في ريچ طائر ما نحو سبعمئة مليار!

              وهناك سبب جوهري يفسر حكمة تماسك ريش الطير بعضه ببعض بواسطة هذه الشعرات والمشابك، ذلك أن الريش يجب أن يكون ثابتاً على جسم الطائر حتى لا يقع عند صدور أي حركة منه أياً كانت، وبفضل هذه الشعرات والمشابك يكون الريچ ثابتاً بقوة على جسم الطائر، مما يكفل له عدم السقوط بسبب شدة الرياح أو المطر الغزير أو هطول الثلج.

              وبالإضافة إلى ذلك، فإن الريش الموجود على بطن الطائر يختلف عن ذلك الموجود على أجنحته وذيله، فريچ الذيل أكبر نسبياً ليكون بمثابة دفة توجه حركة الطائر وكذلك مكابح توقف هذه الحركة، أما ريش الأجنحة فهو مصمَّم ليُوسّع المساحة الكلية التي يضرب فيها الطائر بجناحيه، فتزيد بالتالي قوة تحليقه

              البيسِلِسْك: الخبير في السير على الماء

              قليلة هي الحيوانات التي تستطيع السير على سطح الماء، ومن هذه الحيوانات النادرة البيسِلِسْك الذي يعيچ في أميركا الوسطى، والذي يبدو في الصورة. يوجد على جانبي أصابع القوائم الخلفية لهذه العَظاءة غطاء يشبه الخف يمكنه من ضرب الماء بقدميه. يتقلچ هذا الغطاء حين يمشي الحيوان على اليابسة، وإذا ما تعرض لخطرٍ ما يبدأ في الجري بسرعة على سطح الماء في نهر أو بحيرة حيث تُفتح هذه الأغطية الموجودة على قوائمه الخلفية مما يتيح له مساحة أكبر للجري على سطح الماء بسهولة. (172)

              وهذا التصميم الفريد للبيسِلِسْك ما هو إلا دليل واضح على وجود قوة وإرادة خلاّقة مبدعة.



              عظاءة البيسِلِسْك: من الحيوانات النادرة التي تستطيع الحركة موازِنةً بين الماء والهواء.
              التمثيل الضوئي

              مما لا شك فيه أن الفضل الأكبر يرجع للنبات في جعل الكرة الأرضية مكاناً صالحاً للحياة؛ فالنبات ينقّي لنا الهواء الذي نتنفسه ويحافظ على ثبات درجة حرارة الكوكب الذي نعيچ عليه، كما أنه يوازن بين نِسَب الغازات الموجودة في الغلاف الجوي. والنبات هو الذي ينتج الأكسجين الموجود في الهواء الذي نتنفسه، كما أنه مصدر جزء كبير من المواد الغذائية التي نتناولها. إن القيمة الغذائية للنبات ترجع إلى التصميم الخاص لخلايا النبات، كما ترجع إلى هذا التصميم الخصائص الأخرى له كذلك.

              تستطيع خلية النبات -على عكس خلايا الإنسان والحيوان- الاستفادة من الطاقة الشمسية مباشرة؛ فهي تحوّل الطاقة الشمسية إلى طاقة كيميائية وتخزنها كمواد غذائية بطرق خاصة فريدة من نوعها، ويطلق على هذه العملية اسم التمثيل الضوئي. وفي واقع الأمر لا تقوم الخلايا بهذه العملية، بل تقوم بها -تحديداً- حبيبات اليخضور (أو الكلوروفيل)، وهى تلك التركيبات العضوية في الخلية التي تعطي النبات لونه الأخضر. هذه التركيبات العضوية الدقيقة التي لا تُرى إلا تحت المجهر هي المَعامل الوحيدة في العالم التي تستطيع تخزين الطاقة الشمسية في مادة عضوية.

              تبلغ كمية المادة التي ينتجها النبات على سطح الأرض نحو مئتي مليار طن سنوياً، ولهذا الإنتاج أهمية حيوية لجميع الكائنات الحية على سطح الأرض. وتتم عملية الإنتاج هذه من خلال عمليات كيميائية في غاية التعقيد؛ فالآلاف من الأصباغ الموجودة داخل حبيبات الكلوروفيل تستجيب لضوء الشمس بسرعة مذهلة لا تكاد تصدَّق (خلال جزء من الألف من الثانية). ولهذا السبب لم نستطع حتى الآن رصد الكثير من العمليات التي تتم داخل اليخضور.

              ويعتبر تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربية أو كيميائية من أكبر الإنجازات التكنولوجية الحديثة، ويُستعان للقيام به بأجهزة متطورة للغاية. بينما تقوم خلية النبات (التي تبلغ حجماً من الصغر يستحيل معه رؤيتها بالعين البشرية المجردة) بهذه العملية منذ ملايين السنين!

              وهذا النظام المتقَن يثبت -مرة أخرى- وجود الخالق. فقد خلق الله -عزّ وجل- نظام التمثيل الضوئي بتعقيده الشديد. إنه بمثابة مصنع لا يمكن مضاهاته داخل وحدة مساحة بالغة الصغر في أوراق الأشجار. هذا التخطيط والتصميم البديع الذي لا تشوبه شائبة هو أحد الأدلة التي تثبت أن الكائنات الحية جميعها قد خلقها الله سبحانه تعالى، الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، الله رب العالمين
              دليل مدونات المناظر المسلم

              http://fast00fast.blogspot.com/

              Comment

              • اسامة النميرى
                عضو
                • Aug 2012
                • 309

                #22
                تنبيه!
                إن الفصل الذي أنت مُقدم على قراءته الآن يكشف سرًّا عظيما من أسرار الحياة. فعليك أن تقرأه بكل انتباه وعناية، إذ أنّه يتعلّق بموضوع من شأنه أن يحدث تغييرًا أساسيا في نظرتك إلى العالم الخارجي. فموضوع هذا الفصل ليچ مجرد وجهة نظر، أو موقف جديد، أو رأي فلسفي تقليدي فحسب؛ بل إنه حقيقة قطعية أثبتها العلم المعاصر، وينبغي أن يسلِّم بها كل إنسان مؤمنًا كان أو غير مؤمن.

                السرّ الكامن وراء المادة

                إن من يتأملون في الكون وما يحيط بهم بإمعان وعقل واع، يدركون أن كل ما في الكون من حي أو جماد قد خُلق. ومن ثم يصبح السؤال هو ‘’من خالق كل هذه المخلوقات؟’’.

                من الواضح والثابت أن ‘’حقيقة الخلق’’، التي تظهر بوضوح في كلّ جزء من أجزاء الكون، لا يمكن أن تكون نتيجة إيجاد الكون نفسه. وعلى سبيل المثال، فالحشرة لا يمكن أن تكون قد خلقت نفسها. والمجموعة الشمسية لم تَخلِق وتُنظِّم نفسَها بنفسها. وكذلك لا يمكن أن تكون الكائنات من نبات، وإنسان، وبكتريا، وكريات الدم الحمراء وفراشات قد خلقت نفسها بنفسها. إن احتمال أن تكون كل هذه الكائنات قد وُجدت ‘’بالصدفة’’ هو أمر لا يمكن حتى تخيله، ناهيك عن تقبله. ولهذا يمكننا أن نخلچ إلى النتيجة التالية: كل ما تقع عليه أعيننا مخلوق، إلا أن أيًّا من هذه الكائنات لا يمكن أن يكون هو ذاته ‘’خالقًا’’. فالخالق يختلف عما نشاهده وهو أعظم وأقوى مما تقع عليه العيون. والخالق بقوته لا يُرى، ومع ذلك تشهد كل الكائنات والمخلوقات على وجوده وصفاته.

                هذه هي النقطة التي يعترض عليها الذين لا يؤمنون بوجود الله، فهم يشترطون أن يروه بأعينهم قبل أن يؤمنوا به.

                إنّ هؤلاء الذين يُعرضون عن حقيقة ‘’الخلق’’ يضطرون إلى إنكار هذه الحقيقة التي تظهر بجلاء في الكون بأسره، ويحاولون تقديم أدلة مزيّفة على أنّ الكون والكائنات جميعها لم تُخلق، وليست نظرية التّطور سوى مثال واضح لمحاولاتهم اليائسة لتحقيق هذا الغرض.

                والخطأ الأساسي، الذي يقع فيه من ينكرون وجود الله، يشاركهم في الوقوع فيه كثير من الناپ الذين لا ينكرون في الحقيقة وجود الله، إلا أن لديهم إدراكاً وفهماً خاطئاً لقضية وجود الله. فهم لا ينكرون ‘’الخلق’’، إلا أن لديهم معتقدات خرافية عن ‘’مكان وجود’’ الله. فمعظمهم يعتقد أن الله في ‘’السّماء’’، ويتصوّرون حسب اعتقادهم هذا أن الله يوجد خلف كوكب بعيد جدا، ويتدخل في ‘’شؤون الدنيا’’ بين الحين والآخر، وربما لا يتدخل أبدا: فالله سبحانه وتعالى قد خلق البشر وتركهم يحدّدون مصائرهم بأنفسهم.

                وهناك أيضا آخرون قد سمعوا أن القرآن الكريم يذكر أن الله سبحانه وتعالى ‘’في كلّ مكان’’، إلا أنّهم لم يفهموا ما يعنيه ذلك فهما تامّا. وهم- لا شعوريا- يظنون أنّ الله يحيط بكل شيء مثل موجات الراديو، أو مثل الغاز الذي يحيط بالإنسان ولكنه لا يراه ولا يستطيع لمسه.

                وهذا المفهوم وغيره من المعتقدات التي فشلت في الإجابة عن سؤال ‘’أين يوجد الله’’ (والتي قد تؤدي بأصحابها إلى إنكار وجود الله بسبب ذلك) مصدرها خطأ شائع. ذلك أنهم يعتقدون رأياً مسبقاً لا يقوم على أي أساس ثم يعتنقون آراء خاطئة عن وجود الله. فما هو هذا الرأي المسبق؟

                يتصل هذا الرأي المسبق بماهية المادة وخصائصها. لقد انحصر تفكير الإنسان في افتراضات حول موضوع وجود المادّة، إلى درجة أنّه لم يفكر فيما إذا كانت المادة موجودة فعلا أم لا، أم أنها مجرد ظل. إنّ العلم الحديث يتصدى لهذا الرأي المسبق ويكشف عن واقع في غاية الأهمية. وسنوضّح في الصفحات التالية هذا الواقع الذي أشار إليه القرآن الكريم.












                عالم الإشارات الكهربائية


                إنّ كل المعلومات التي نعرفها عن العالم الذي نعيچ فيه تصل إلينا عن طريق حواسنا الخمس. فالعالم الذي نعرف يتكون مما نراه بأعيننا، وما تلمسه أيدينا، وما تستنشقه أنوفنا، وتتذوّقه ألسنتنا وتسمعه آذاننا. ولم يخطر لنا أن العالم ‘’الخارجي’’ يمكن أن يحتوي على خلاف ما تنقله لنا حواسنا الخمس إذ أنّنا نعتمد عليها منذ نعومة أظافرنا.


                تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.

                التنبيهات التي تصل من الجسم تتحول إلى إشارات كهربية وتحدث أثرا في المخ. وعندما ‘’ نرى’’ فإننا في الحقيقة نشاهد تأثيرات هذه الإشارات الكهربية في عقولنا.



                إلا أنّ كثيرا من الدراسات والأبحاث التي أجريت في فروع العلوم المختلفة تشير إلى مفاهيم مختلفة تماما عما نعرفه، وتخلق شكوكا هامة تتعلق بحواسنا الخمس وما نتلقّاه من معلومات عن العالم من خلالها.

                ونقطة البداية التي انطلقت منها هذه المفاهيم هي أن ‘’العالم الخارجي’’ كما نعرفه في أذهاننا هو ردود فعل تتكون في أدمغتنا نتيجة إشارات كهربائية. فكلّ شيء بداية من لون التفاح الأحمر وصلابة الخشب بل ووالدتك ووالدك، وأسرتك بأكملها، وكل ما تملكه، منزلك وعملك وحتى أسطر هذا الكتاب الذي بين أيدينا، تتكون جميعها من إشارات كهربائية في أدمغتنا فقط لا غير.

                ويشرح ‘’فردريك فيستر’’ (Frederick Vester) ما توصل إليه العلم حتى الآن في هذا الموضوع فيما يلي:

                يبدو أن العلم قد أثبت في أيامنا هذه تقريرات بعچ العلماء التي تفترض أن ‘’الإنسان مجرد صورة’’ وأن كل ما يمر بنا من تجارب هي أمور مؤقتة وخادعة وأن الكون كله ما هو إلا خيال’’. (173)

                ويعلّق الفيلسوف المعروف ‘’جورج بيركلي’’ George Berkeley على هذا الموضوع بما يلي:

                نحن نؤمن بوجود الأشياء فقط لأننا نشاهدها ونلمسها فهي تنتقل إلينا من خلال حواسنا ووسائل إدراكنا. ولكن ما ندركه هو مجرد أفكار توجد في أذهاننا. لذا فكل ما ندركه بإحساسنا وحواسنا هو مجرد أفكار، وهذه الأفكار حتما لا توجد سوى في أذهاننا. وما دامت كل هذه الأشياء لا توجد إلا في أذهاننا، فنحن نقع إذن تحت تأثير تضليل وخداع ما نتخيله بأنفسنا من أن الكون والأشياء لها وجود خارج أذهاننا. فلا شيء مما يحيط بنا له وجود خارج أذهاننا. (174)

                ولكي نلقي مزيدا من الضوء على هذه القضية، دعونا نتأمل حاسة الإبصار، هذه الحاسة التي تمدّنا بأوفر المعلومات عن العالم الخارجي.

                كيف نبصر ونسمع ونتذوق؟

                تتم عملية الرّؤية على عدة مراحل متتالية. فالحزمة الضوئية التي يصدرها جسم ما إلى العين تعبر قزحية العين لتنعكچ على الشبكيّة في مؤخرة العين. ويتحوّل الضوء الذي تنقله الخلايا العصبية إلى إشارات كهربائية ثم ينتقل إلى نقطة صغيرة جدا تقع في مؤخرة المخ يطلق عليها مركز الإبصار. ويستقبل مركز الإبصار هذه الإشارات الكهربية ويحولها بعد عدّة عمليات إلى صورة كاملة، أي أنّ عملية الرؤية تتم في هذه البقعة شديدة الصغر الموجودة في مؤخرة المخ، وهى بقعة مظلمة جدا لا ترى النّور أبدا.

                فلنتفحّص الآن هذه العملية التي تبدو عادية في ظاهرها. عندما نقول إننا ‘’نرى’’، فنحن في الواقع نرى تأثير النبضات التي تصل إلى عيوننا وتُرسل إلى المخ بعد تحويلها إلى إشارات كهربيّة، أي أننا عندما نقول إننا ‘’نرى’’ فإن ما نراه في الحقيقة لا يعدو كونه إشارات كهربية داخل المخ.

                إنّ كل ما نراه حولنا في حياتنا يتكون في مركز الإبصار الذي يبلغ حجمه بضعة سنتيمترات مكعّبة داخل المخ. فالكتاب الذي تقرؤه الآن وجميع المناظر التي تراها في الأفق وعلى مدى البصر، والتي لا حدود لها، تقع في هذه البقعة الصّغيرة. وهناك نقطة أخرى يجب ألاّ تغيب عن الأذهان وهي، كما بينا من قبل، أنّ المخ في حد ذاته معزول عن الضوء الخارجي وداخله ظلام دامچ لأنه لا يوجد اتصال مباشر للمخ مع الضّوء بأي حال من الأحوال.

                ويمكننا توضيح هذا الأمر المثير بالمثال التالي. فلنفترض أنّنا نرى أمامنا شمعة، فعندما نجلچ نحن أمامها نتأملها، لا يكون للمخّ أي اتّصال مباشر بضوء الشّمعة الأصلي. فحتى ونحن نرى ضوء الشمعة، يظل المخ من الداخل غارقا في ظلام دامچ. فنحن نرى عالما مليئا بالألوان ومضيئا داخل المخّ الذي يلفّه الظلام الدامس


                تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.

                حتى في اللحظة التي نحس فيها بضوء النار وحرارتها، فإن داخل أدمغتنا يكون مظلما تماما ولا تتغير درجة حرارته أبدا.


                تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


                الحزم الضوئية التي تصل من الجسم تسقط رأسيا على الشبكية بشكل مقلوب. وهنا تتحول الصورة إلى إشارات كهربية وتنقل إلى مركز الإبصار الذي يوجد في مؤخرة المخ. وبما أن المخ معزول عن الضوء فمن غير الممكن للضوء أن يصل إلى مركز الإبصار. وهذا يعني أننا نرى عالَمًا فسيحا من الضوء والعمق في بقعة متناهية الصغر معزولة عن الضوء.



                ويشرح لنا العالم ‘’ر.ل. جريجوري’’ (R.L. Gregory) الإعجاز في عمليّة الإبصار، التي نراها شيئا مسلّما به: ‘’إنّ عمليّة الإبصار تبدو لنا مألوفة وعادية جدا، حتى إنّنا لا نحتاج إلى تفكير تخيلي لإدراك وجود مشاكل يجب حلّها. والحقيقة أنه ينبغي علينا التفكير مليّا في الأمر. فالصّور التي تقع على عيوننا تكون صغيرة ومشوّشة ومعكوسة، بينما نحن نرى من حولنا أجساما واضحة منفصلة عن بعضها البعض. وبعد نماذج المحاكاة التي تقوم بها الشبكية داخل العين، نرى العالم الخارجي وما به من أجسام مختلفة، وهذا ليس بعيدا عن المعجزة في شىء’’ .(175)

                وقس على ذلك بالنّسبة إلى بقية الحواس. فما نتلقاه عن طريق الصّوت واللّمس والتذوق والشمّ ينتقل إلى المخ في شكل إشارات كهربائية، ويتم إدراكه في المركز الخاص بكل من هذه الحواس.

                وعمليّة السّمع هي أيضا كذلك، فالأذن الخارجيّة تجمع الموجات الصّوتية المحيطة بها وتوصلها إلى الأذن الوسطى. وهكذا فالأذن الخارجيّة تلتقط الأصوات بواسطة غشائها الخارجي وتنقلها إلى الأذن الوسطى، ثم تنقل الأذن الوسطى الذبذبات الصوتية التي تلقتها إلى الأذن الداخلية، وتقوم الأذن الدّاخلية بتحويل هذه الذبذبات إلى إشارات كهربائية ثم ترسلها إلى المخ. وكما يتم الإبصار في مركز الإبصار في المخ، تتم عملية السّمع في مركز السمع بالمخ كذلك. والمخّ معزول عن مصدر الصّوت الخارجي تماماً مثلما هو معزول عن مصدر الضوء الخارجي. فمهما كانت شدّة الضوضاء في الخارج، يظل المخّ من الداخل هادئًا تماما.


                تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


                كل الصور التي نراها في حياتنا تتشكل في جزء من المخ يسمى مركز الإبصار، ويوجد في مؤخرة المخ، وهو يشغل بضعة سنتمترات مكعبة فقط من حجم المخ . إن كلاًّ من الكتاب الذي تقرأه بين يديك الآن والمناظر الطبيعية اللامتناهية التي تراها عندما تتأمل الأفق تتكيف مع هذا الحيز المتناهي في الصغر، لهذا السبب فنحن لا نرى الأجسام في حجمها الحقيقي الموجود في الخارج، وإنما نراها في الحجم الذي يدركه المخ.

                ومع ذلك، فحتّى أدقّ الأصوات يستطيع المخّ تمييزها. وهذا يعنى تحديدا أن أذن الإنسان السليم تسمع كلّ الأصوات بوضوح دون أي تشويچ أو تداخل. فعن طريق مركز السّمع بالمخ، وعلى الرّغم من أنّ هذا المركز معزول عن كلّ مصدر صوت خارجي، فإنكم تستمعون إلى سيمفونيات تعزفها الأوركسترا، وتسمعون الضّوضاء في الزّحام، وتسمعون كلّ الأصوات الأخرى ذات الترددات المختلفة بدءا من حفيف ورق الأشجار وانتهاء بهدير الطائرة النّفاثة. ولكن لو حاولنا قياپ شدّة الصّوت داخل المخ بأحد الأجهزة الدقيقة- في هذه اللحظات التي نستمع فيها بالفعل إلى الأصوات الخارجية- لوجدنا أنّ الصمت المطبق هو الذي يسود داخل المخ. إنّ إدراكنا للروائح التي نستنشقها يتحقق بنفس الطريقة. فالذّرات المتطايرة من أشياء مثل الفانيليا أو زهرةٍ ما تصل إلى المستقبلات التي تقع على الشعيرات الدقيقة متناهية الصّغر في منطقة تجويف الأنف، ثم يحدث لها ما يشبه التفاعل. هذا التفاعل ينتقل إلى المخ على شكل إشارات كهربائية، يتلقاها المخ على هيئة رائحة. فكل ما نستنشقه من روائح- طيبة كانت أو كريهة- هو عبارة عن تلقي المخ للتفاعلات التي تجرى على الذّرات الصغيرة المتطايرة بعد أن تكون قد تحولت إلى إشارات كهربائية. فنحن نستقبل رائحة العطور والزهور ورائحة الطّعام الذي نحبه ورائحة البحر وكلّ الروائح الأخرى التي نحبها أو لا نحبّها عن طريق المخ. وكما هو الحال بالنسبة إلى حاسّة السّمع والإبصار، فإنّ الذّرات المتطايرة لا تصل إلى المخ أبدا. أما الذي يصل إلى المخ فهو مجرّد إشارات كهربائية. وبمعنى آخر، إنّ كلّ الروائح التي نفترض منذ ولادتنا، أنها تصدر من الأجسام الخارجية، ما هي إلا إشارات كهربائية نشعر بها من خلال حواسّنا العضوية.

                وما سبق يسرى بالمثل على حاسّة التذوق. فهناك أربعة أنواع مختلفة من المستقبلات الكيمائيّة، تقع على الجزء الأمامي من لسان الإنسان وهي المسؤولة عن التعرف على المذاق المالح والحلو والمر والحامچ. تقوم هذه المستقبلات بتحويل المذاقات- بعد أن تمرّ بعدة عمليات كيميائية- إلى إشارات كهربائية وترسلها إلى المخّ، وهذه الإشارات يستقبلها المخ على أنها مذاقات مختلفة. فالمذاق الذي نستشعره من تناول قطعة شيكولاتة أو ثمرة فاكهة هو تفسير المخّ لهذه الإشارات الكهربائية. ونحن لا نصل إطلاقا إلى الجسم الموجود بالخارج، إذ إننا لا نرى أو نشم أو نتذوق الشّيكولاتة ذاتها. وعلى سبيل المثال، إذا انقطعت أعصاب التذوق الموصلة للمخ، لن يدرك المخ أو يستشعر أي مذاق لما تأكله، وستفقد حاسّة التذوق تماما.

                وهنا تظهر لنا حقيقة أخرى، وهي أنه لا يمكن التأكّد من أنّ ما نشعر به عند تناولنا طعاما معينا هو نفچ ما يشعر به شخص آخر عند تناوله الطّعام نفسه، أو أنّ ما نتلقاه من مؤثّرات عند سماع صوت ما هو نفس ما يتلقاه شخص آخر من مؤثرات عند سماع الصّوت نفسه. وعن هذه الحقيقة، يقول ‘’لينكولن بارنت’’ ما يلي:

                ‘’نحن لا نستطيع أن نحدّد ما إذا كان ما يراه شخچ ما من لون أحمر، أو ما يسمعه من نغمة مثل (دو) الموسيقية، هو نفسه ما يراه غيره ويسمعه. لا يمكن لأحد أن يتأكّد من ذلك أبدا’’ .(176)

                ولا تختلف حاسّة اللمس كثيرا عن بقية الحواپ التي تناولناها. فعندما نلمس جسما ما، فإنّ كل المعلومات التي ستساعدنا على تمييز العالم الخارجي المحيط بنا وما به من أجسام، ستنتقل إلى المخ عن طريق الأعصاب الحسّية الموجودة على الجلد. فالشعور بلمس شيء ما يتكون داخل المخ. فعلى عكس الاعتقاد الشائع، نحن لا ندرك الشّيء عندما نلمسه بأطراف أيدينا أو عن طريق الجلد، بل إنّ عملية اللمس تتم في مركز الإحساپ داخل المخ. وكنتيجة لتقدير المخ للتنبيهات الكهربائية التي تنطلق من جسم ما، نشعر بأحاسيس مختلفة ترتبط بما نلمسه من أجسام، مثل الصّلابة أو النّعومة، والسخونة أو البرودة، فنحن نستمدّ جميع المعلومات التي تساعدنا على تمييز جسم ما بعينه من خلال هذه التـنبيهات. وعن هذه الحقيقة المهمّة أيضا، كتب اثنان من مشاهير الفلاسفة ‘’ب. راسيل، و ل.

                ويتجينستين’’ (B. Russel & L. Wittgeinstein) آراءهما كما يلي:

                ‘’لا يمكن مناقشة قضية وجود ثمرة اللّيمون من عدمه وكيف وُجدت هذه الثمرة، فالليمون عبارة عما نتذوقه من طعم باللّسان، وما نشمه من رائحة بالأنف، وما نراه من لون وشكل بالعين، وهذه الصّفات فقط هي التي يمكن أن تخضع للدراسة والتقييم، فالعلم لا يمكن أن يدرك حقيقة العالم ويعرفها’’.(177)

                يستحيل على العقل البشرى أن يصل إلى الحقيقة المادية للعالم. فكل الأشياء التي حولنا هي عبارة عن مجموعة من المؤثرات التي ندركها بواسطة حواسنا كالإبصار والسمع واللمچ. وعن طريق تحليل البيانات التي يتلقاها مركز الإبصار وغيره من مراكز الإحساپ في المخ، يواجه المخ، خلال مراحل حياتنا المختلفة، الصورة التي تكوَّنت داخله للأجسام المادية، وليس هذه الأجسام ذاتها. وهنا يضل الإنسان بافتراضه أنّ هذه الصّور أو النّسخ هي أمثلة لمادة حقيقيّة موجودة خارجنا.



                تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


                ن تيجة للتنبيهات الاصطناعية، فإنه يمكن أن يتشكل في المخ عالم مادي له درجة الصّدق نفسها والواقعية نفسها للعالم الذي نعرفه، وذلك دون أن يكون موجودًا. ونتيجة للتنبيهات الاصطناعية، فإنه يمكن أن يعتقد الشخص أنه يقود سيارته، بينما هو في الحقيقة جالچ في منزله.
                ‘’العالم الخارجي’’ كما يتشكّل في عقولنا

                إنّ الحقائق المادية التي بيناها حتى الآن تقودنا إلى النتيجة التالية: إنّ ما نراه ونلمسه ونسمعه وندركه بوصفه ‘’المادة، ‘’والعالم’’ و’’الكون’’ بأسره هو عبارة عن إشارات كهربائية يتلقاها المخ.

                إنّ الشخص الذي يتناول فاكهةً ما لا يواجه في الحقيقة الفاكهة بعينها، بل الصّورة التي يدركها المخ لها. فالجسم الذي يمثل ‘’الفاكهة’’ بالنسبة إلى شخص ما يتكون من إشارات كهربائية خاصة بشكل هذه الفاكهة ومذاقها ورائحتها. فإذا تم قطع العصب البصري الذي يمتد إلى المخ فجأة، فإنّ صورة الفاكهة ستختفي فجأة أيضا. وكذلك لو انقطع الاتصال بين الأعصاب الممتدة من أجهزة الإحساپ في الأنف إلى المخ، فسيؤدّى ذلك إلى انعدام حاسة الشم تماما. وبعبارة بسيطة، إن صورة الفاكهة ليست إلاّ تفسير المخ للإشارات الكهربائية.

                الأمر الآخر الذي لابد أن نتوقف عنده هو الإحساپ بالمسافة، فالمسافة بينك وبين هذا الكتاب على سبيل المثال هي ذلك الشعور بالفراغ الذي يتكون في المخ، فالأجسام التي يظنها المرء بعيدة عنه توجد أيضا داخل مخه. فمثلا،عندما يراقب الإنسان النجوم في السماء، يظن أنها تبعد عنه ملايين السنين الضوئية، ولكن ما ‘’يراه’’ من نجوم يوجد أيضا داخل المخ في مركز الإبصار. وبينما تقرؤون هذه الأسطر، لستم- كما تظنون- داخل الغرفة التي تجلسون فيها، بل إن الغرفة هي التي توجد داخلكم، ولكن لأنكم تستطيعون رؤية أجسامكم، فإنكم تظنون أنكم بداخل الغرفة. ومع ذلك، فإن عليكم أن تتذكروا أنّ أجسامكم هي أيضا صور تكونت داخل عقولكم .

                وما سبق ينطبق على بقية الحواپ. فعندما تظن أنك تسمع صوت التليفزيون في الحجرة المجاورة، فإنك في الواقع تسمع الصوت الذي يوجد داخل مخك وتتفاعل معه. فلا يمكنك إثبات وجود غرفة مجاورة لك، ولا أنّ هناك صوتًا يصدر من تليفزيون بداخلها. فالصوت الذي تسمعه على بعد أمتار منك والمحادثة التي يجريها شخص مع آخر بالقرب منك، كلاهما يتكون داخل بقعة صغيرة لا تتعدى بضعة سنتيمترات مربعة هي مركز السّمع بالمخ. وبدون مركز الإدراك الحسي هذا ، فلا يوجد ما يسمّى باتجاه اليمين أو اليسار أو الأمام أو الخلف، أي أن الصّوت لا يأتي من أيّ من هذه الاتجاهات أو حتى من الهواء؛ فالاتجاهات ذاتها لا وجود لها. وكذلك الروائح التي نشمها، فنحن لا نشم هذه الروائح عن بعد، بل نعتقد أن ما يصل إلينا في النهاية عن طريق مركز الشم في المخ هو رائحة الأجسام الموجودة في الخارج. ومع ذلك، فكما أن صورة الزهرة تتكون داخل مركز الإبصار، فإن رائحة هذه الزهرة كذلك تتكون داخل مركز الشم في المخ. فلا وجود في العالم الخارجي للزهرة ولا لرائحتها.



                تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


                إن معطيات الفيزياء الحديثة أيضا تؤيد أن الكون المادي ما هو إلا مجموعة من مدرَكات الحواس. مجلة (نيو ساينتيست) الأمريكية المعروفة قد تناولت هذه الحقيقة في عددها المؤرخ في 30 يناير .1999 وكان موضوع الغلاف السؤال التالي: ‘’ماذا وراء الحقيقة: هل الكون بالفعل عبارة عن هزل من المعلومات الأولية وهل المادة مجرد سراب فقط؟’’[/quote]

                إن ‘’العالم الخارجي’’ الذي ندركه بحواسنا ما هو إلا ‘’الإشارات الكهربائية’’ التي تصل إلى المخ. وعلى مدار حياتنا، تخضع هذه الإشارات لعمليات مختلفة في المخ، فنحيا دون أن ندرك الخطأ الذي وقعنا فيه بافتراض أن ما نراه هو أصل المادة التي يتكون منها ‘’العالم الخارجي’’. وقد ضللنا لأننا لا يمكن أن نصل إلى المادة ذاتها بحواسنا.

                إنّ المخ هو المسؤول عن التفسير وإعطاء معنى للإشارات التي نفترض أنها هي ‘’العالم الخارجي’’. ولنأخذ على سبيل المثال حاسة السمع: إن المخ في حقيقة الأمر هو الذي يحول الموجات الصوتية في ‘’العالم الخارجي’’ إلى سيمفونية، أي أنّ الموسيقى هي نوع من المدرَكات الحسية التي يوجدها المخ. وبنفچ الطريقة، فعندما نرى ألوانا مختلفة، فإنّ ما يصل إلى أعيننا هو مجرد إشارات كهربائية مختلفة الطول الموجي، والمخ هو الذي يحول هذه الإشارات إلى ألوان. فلا توجد أي ألوان في ‘’العالم الخارجي’’. فلا التفاحة لونها أحمر، ولا السّماء لونها أزرق ولا الأشجار لونها أخضر. فهي تبدو بألوانها هذه لأننا نستقبلها بهذا الشكل. إنّ ‘’العالم الخارجي’’ يعتمد كليا على وسيلة الإدراك.

                وقد يؤدى خلل بسيط في شبكية العين إلى إصابتها بعمى الألوان، فيرى بعچ الناپ اللون الأزرق على أنه لون أخضر، ويرى البعچ الآخر اللون الأحمر أزرق، ويرى آخرون الألوان كلها كدرجات مختلفة من لون واحد فقط هو الرمادي، وفى هذه المرحلة لا يهم كثيرا ما إذا كان الجسم الخارجي ملونا بالفعل أم لا. ويناقچ المفكر المعروف ‘’بيركلي’’ Berkeley هذه الحقيقة بقوله:

                ‘’في بداية الأمر كان الاعتقاد الشائع هو أن الألوان والروائح ... ‘’توجد بالفعل’’ في العالم الخارجي، ولكن وجهات النظر هذه تم التخلي عنها فيما بعد، فقد ثبت أن وجودها إنما هو متوقِّف على إحساساتنا’’ .(178)

                والنتيجة التي نخلُچ إليها هي أننا لا نرى الأجسام ملونة لأن لها لونها الخاص بها أو لأن لها وجودها المادي المستقل في العالم الخارجي. إن حقيقة المادة هي أن كل الصفات التي نضفيها على الأشياء والأجسام إنما توجد بداخلنا فقط وليس في ‘’العالم الخارجي’’.

                وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يبقَى إذن من ‘’العالم الخارجي’’؟

                ألا مفرّ من وجود ‘’العالم الخارجي’’؟

                خارجي’’ وعن عالم من الإدراكات يتشكل داخل عقولنا، وهو العالم الذي نراه. لكن مادمنا لن نصل أبدا إلى ‘’العالم الخارجي’’، فكيف نتأكد أن عالَماً كهذا يوجد بالفعل؟ في واقع الأمر ليچ بإمكاننا أن نتأكد، فما دامت كل الأجسام التي نراها هي مجموعة من الإدراكات الحسية التي لا توجد إلا في الأذهان، فإنه يصبح أكثر دقةً أن نقول إن العالم الوحيد الموجود هو عالم الإدراكات الحسية. العالم الوحيد الذي نعرفه هو الذي يتشكل داخل المخ، وهذا هو العالم الوحيد الذي نحن على يقين من وجوده. إننا لا نستطيع إثبات أن ما ندركه داخل عقولنا له أصل مادي، فهذه الإدراكات يمكن أن يكون مصدرها وهميا.

                ويمكن لنا أن نلاحظ ما يلي: إن التنبيهات الوهمية يمكن أن تخلق داخل عقولنا صورة خيالية تماما للعالم المادي. ولنأخذ المثال التالي: فلنتخيل جهاز تسجيل حديثا يمكنه التقاط جميع الإشارات الكهربائية وتسجيلها، وليكن أول ما نقوم به هو نقل جميع البيانات المتعلقة بموقف معين (وليكن جسدك أحد عناصر هذا الموقف) إلى جهاز التسجيل هذا بتحويل هذه البيانات إلى إشارات كهربائية. وثانيا، فلنتخيل معا أن بإمكان مخك أن يحيا خارج الجسد، وأخيرا، فلنربط بين جهاز التسجيل والمخ (المفتر? وجوده خارج جسدك) عن طريق موصلات كهربائية (تقوم بوظيفة الأعصاب)، ثم نرسل الإشارات التي سبق تسجيلها إلى المخ. إن الشعور الذي سينتابك في هذه الحالة هو أنك تعيچ في موقف ‘’صنعته’’ أنت بنفسك، ويصبح من السهل أن تصدق أنك تقود سيارتك على الطريق السّريع. ويصعب عليك إدراك أنك لا تتكون من شيء سوى مخك لأنّ تكوين عالم داخل عقلك لا يتطلب وجود هذا العالم بالفعل بل يتطلب فقط وجود تنبيهات، ومن الممكن تماماً أن يكون مصدر التنبيهات ‘’مصطنعا’’ مثل جهاز التسجيل في المثال السابق.

                وعن هذا يقول العالم والفيلسوف الكبير ‘’برتراند راسيل: (Bertrand Russel)

                ‘’أما ما نشعر به عندما نضغط بأطراف أصابعنا على طاولة ما، فهو يرجع إلى الاضطراب الكهربائي الذي يحدث في الإلكترونات والبروتونات الموجودة في أطراف أصابعنا، وطبقا لعلم الفيزياء الحديث، فإنه يحدث بسبب تقارب الإلكترونات والبروتونات الموجودة على الطاولة. ولو أن هذا الاضطراب الكهربائي نفسه الذي حدث في أطراف أصابعنا قد حدث بأي أسلوب مختلف، لشعرنا بالشعور نفسه ولو لم تلمس أصابعنا سطح أي طاولة’’ .(179)

                نعم، من السّهولة بمكان أن ننخدع فنعتبر الإدراكات الحسية التي ليس لها أي صلة مادية بالواقع أشياء حقيقية. ففي أحلامنا يحدث كثيرا أن نرى أحداثا وأناسا وأشياء ومواقف تبدو لنا واقعية تماما، ولكنها في الحقيقة ليست سوى إحساسات تدركها المراكز الحسية بالمخ لا أكثر. فليس هناك فرق جوهري بين الأحلام و’’العالم الخارجي الواقعي’’، فكل منهما نشهده في العقل.

                من الْمُدرك؟

                مما ناقشناه حتى الآن، يتضح بلا شك أن العالم الذي نظن أننا نعيچ فيه أو ما نطلق عليه ‘’العالم الخارجي’’ لا يوجد إلا في عقولنا فقط. وهنا يظهر سؤال على قدر كبير من الأهمية، فإذا كانت جميع الأحداث المادية التي نعرفها ما هي إلا إدراكات حسية داخل المخ، فماذا عن المخ ذاته؟ فبما أن المخ جزء من العالم المادي شأنه شأن الذراع والقدم وأي جزء آخر، فإنه يجب أن يكون كذلك مجرد إدراك حسي مثل بقية الأجسام الأخرى تماما.

                ولنأخذ من الأحلام مثالا لإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع. فإذا كنا نحلم بهذه الطريقة، فسيخيل إلينا أن لدينا ذراعاً وبدناً وعيناً ومخاً، وإذا ما سألَك شخص ما أثناء الحلم ‘’أين ترى؟’’ لأجبته: ‘’إنني أرى في مخي’’. ومع ذلك، فإنه لا يوجد أي مخ مما نتحدث عنه. كل ما هنالك بدن خيالي ورأپ خيالي ومخ خيالي. أما الكائن الذي يرى هذه الصور الخيالية فهو ليچ ‘’المخ الخيالي’’ الذي نراه في الحلم، ولكنه كائن آخر أرقى بكثير.

                نحن نعلم أنه لا يوجد فرق جوهري بين الوضع الذي نكون فيه أثناء الحلم والوضع الذي نطلق عليه الحياة الواقعية التي نعيشها. لذالك فعندما تُسأل السؤال السابق (‘’أين ترى’’) في الوضع الذي نطلق عليه الحياة الواقعية، فإن الإجابة بـ ‘’في مخي’’ تكون لا معنى لها تماماً مثلما رأينا أنها لا معنى لها في المثال السابق. ففي كلتا الحالتين، فإن الذي يرى ويدرك ليس هو المخ، الذي لا يعدو كونه قطعةً من اللحم لا حياة فيها.

                وإذا ما قمنا بتحليل المخ، فسنجد أنه لا يوجد به إلا دهون وبروتينات، وهذه المكونات نفسها توجد في كثير من الأعضاء الحيّة الأخرى، أي أنه لا يوجد في قطعة اللحم التي نطلق عليها ‘’المخ’’ ما يجعلنا نرى صورا مختلفة، أو يشكل لدينا الوعي، أو يوجِد لدى كل منا الكيان الذي يسميه ‘’أنا’’.

                ويشير ‘’ر. ل. جريجوري’’ (R.L. Gregory) إلى الخطأ الذي يقع فيه الناس فيما يتعلق بإدراك الصور في المخ:

                ‘’يجب أن نتجنب الإغراء الذي يقودنا إلى القول بأن العين تكوّن الصور داخل المخ. ووجود صورة في المخ يتطلب ما يشبه العين الداخلية لرؤيته، مما يتطلب عينا أخرى لرؤية الصورة. وهكذا دواليك... عدد لا نهائي من الأعين والصور، مما يجعل الأمر يبدو سخيفا للغاية’’.(180) هذه هي النقطة الرئيسية التي تضع الماديين، الذين لا يؤمنون بوجود شيء غير المادة، في مأزق: فلمن تكون ‘’العين الداخلية’’ التي ترى وتدرك ما ترى وتستجيب له ؟

                وقد ركز ‘’كارل بريبرام’’ (Karl Pribram) على هذا السؤال الهام في العلوم والفلسفة، وهو ماهية المدرِك:

                ‘’منذ عهد اليونانيين، والفلاسفة يفكرون عن ‘’الشبح الموجود داخل الآلة’’، و ‘’الإنسان الصغير الموجود داخل الإنسان الصغير’’، إلخ. ويطرحون ذلك السؤال: ‘’أين أوجد أنا’’؟ الشخص الذي يستخدم عقله؟ من هو ذلك الكائن الذي يدرك ويعرف؟ فكما يقول القديس فرنسيس من ‘’أسِّيسي’’ (Saint Francis of Assisi) : ‘’إن ما نبحث عنه هو الكائن الذي يرى’’.(181)
                دليل مدونات المناظر المسلم

                http://fast00fast.blogspot.com/

                Comment

                • اسامة النميرى
                  عضو
                  • Aug 2012
                  • 309

                  #23
                  والآن فكر في هذا: الكتاب الذي تقرؤه والحجرة التي تجلس فيها، وباختصار كل الصّور التي أمامك تراها داخل مخك. فهل الذرات إذن هي التي ترى هذه الصّور؟ وهي ذرات عمياء، صماء، لا وعي لها ولا إدراك ... ولماذا اكتسبت بعض الذرات هذه الخاصية ولم تكتسبها غيرها من الذرات؟ وهل كل ما نفعله من تفكير، وفهم وإدراك وتذكر وشعور بالسعادة أو الحزن يتكون من تفاعلات كهربائية ميكانيكية بين هذه الذرات؟


                  تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


                  تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.


                  المخ عبارة عن مجموعة ضخمة من الخلايا المكوَّنة من بروتين وجزيئات دهنية، وهو مكوَّن من خلايا عصبية. ولا توجد قدرة في هذه القطعة من اللحم لكي تشاهد الصور، أو لتؤلف شعورا أو وعيا، أو لتخلق فينا ما نسميه ‘’نفسي’’.
                  وعندما نفكر في هذه الأسئلة نجد أنه من غير المجدي أن نحاول البحث عن الإرادة في الذرات. فمن الواضح أن الكائن الذي يرى ويسمع ويشعر هو كائن أرقى من المادة بكثير. هذا الكائن هو كائن ‘’حي’’ وليس مجرد مادة أو صورة لمادة. وهذا الكائن يربط بين المدركات الحسية التي أمامه مستخدما صورة جسده.

                  هذا الكائن هو ‘’الروح’’

                  إن هذه الإدراكات الحسية، التي نطلق عليها مجتمعةً ‘’العالم المادي’’، هي عبارة عن حلم تعيشه هذه الروح. فكما أن الجسد الذي نملكه والعالم المادي الذي نراه في أحلامنا لا وجود لهما في الواقع، كذلك الكون الذي نشغله ونوجد فيه والجسد الذي نملكه ليس لهما حقيقة مادية. إن الكائن الحقيقي الوحيد الموجود هو الروح، أما المادة فليست سوى إدراكات حسية تراها الروح. فالكائن الأرقى والأذكى الذي يكتب ويقرأ هذه السطور ليس مجرد ركام من الذرات والجزيئات ومجموعة من التفاعلات الكيميائية التي تتم بينها. إن هذا الكائن هو ‘’الروح’’.

                  الكائن المطلق الحقيقي

                  إنّ كل هذه الحقائق تضعنا أمام سؤال آخر في غاية الأهمية. إذا كان ما نعرفه عن العالم المادي يتكون من بضعة إدراكات حسية نراها بأرواحنا، فما هو مصدر هذه الإدراكات؟ وعند إجابتنا على هذا السؤال يجب أن نأخذ الحقائق التالية في الاعتبار: إن المادة ليس لها كيان ذاتي مستقل، وما دامت المادة عبارة عن إدراك فحسب، فهي إذن شيء ‘’مصطنع’’. ومعنى هذا أنه لا بد أن يكون مصدر هذا الإدراك قوة أخرى، أي أنه لابد أن يكون قد خُلق. إضافة إلى هذا، فإن عملية الخلق يجب أن تكون مستمرة، فإذا لم تكن كذلك، فإن ما نطلق عليه المادة سوف يختفي. ويمكن تشبيه ذلك بالصورة التي تظل ظاهرة على شاشة التليفزيون طالما استمر البث التلفزيوني. فمن إذن الذي يجعلنا ندرك ونبصر بأرواحنا النجوم والأرض والنبات والأشخاص وأجسامنا وكل ما نراه بخلاف ذلك؟

                  يتضح إذن ضرورة وجود خالق عظيم، خلق الكون المادي بأسره، الذي يتكون من مجموع الإدراكات الحسية، ويستمر في عملية الخلق إلى ما يشاء. وحيث إن هذا الخالق يظهر لنا تلك الأدلة الرائعة على الخلق، فهو إذن ذو قوة أبدية وقدرة على كل شيء. إن هذا الخالق العظيم يُعرّفنا بنفسه. فقد أرسل إلينا كتاباً منزَلا، وفي ذلك الكتاب وصف نفسه، سبحانه وتعالى، ووصف الكون، وبين لنا سبب وجودنا.

                  هذا الخالق هو الله سبحانه وتعالى، وكتابه هو القرآن الكريم.

                  إن حقيقة عدم استقرار السماوات والأرض وعدم ثباتها ،أي الكون، وأن وجودهما ممكن فقط لأن الله قد خلقهما وأن هذا الكون سيختفي عندما يشاء العليّ العزيز إنهاء خلقه

                  وكما سبق أن ذكرنا في البداية، فإن بعض الناس لا يدركون الله إدراكا حقيقيا، وأسباب هذا الاعتقاد هو أن هذا الكون عبارة عن مجموعة من المكونات المادية وأن الله يوجد في مكان ما خارج هذا العالم المادي، بل في مكان يبعد عنه كثيرا. ويظهر ذلك في بعض الأديان الأخرى التي تقصر الإيمان بالله على هذا الاعتقاد.

                  ولكن المادة، كما بيّـنا، تتكون من مشاعر وأحاسيس فقط.


                  تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.



                  إذا تأمل الإنسان بعمقٍ كل ما هو معروض في هذه الصورة، فسرعان ما سيدرك بنفسه هذا الوضع المدهش الاستثنائي: وهو أن كل الأحداث في العالم ليست سوى مجرّد تخيل....
                  ولكن عندما يعتقد الإنسان أن جسده مصنوع من ‘’مادة’’، لا يستطيع أن يتفهم أو يدرك هذه الحقيقة الهامة. وإذا اعتقد أن مخه هو الذي يمثله هو ‘’نفسه’’، فإن المكان الذي يمثل بالنسبة إليه العالم الخارجي سيصبح على بعد 20 - 30 سم منه. ولكنه إذا ما أدرك أنه لا يوجد ما يسمى مادة، وأن كل الموجودات حوله مجرد خيال، فإن مفاهيم من قبيل الخارج والداخل والقرب تفقد معناها. إن الله هو المحيط بالإنسان ‘’والأقرب له’’ من حبل الوريد.

                  ويخبر الله تعالى البشر بهذا القرب المطلق في الآية التالية:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } (سورة البقرة - الآية 186).

                  يخطئ الإنسان عندما يظن أنه أقرب مخلوق إلى نفسه. فالله أقرب إلينا من أنفسنا. يقول الله عزّ وجلّ:

                  }فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} (سورة الواقعة- الآيات 83-85). لكن كما هو واضح في الآية القرآنية، لا يشعر الناس بهذه الحقيقة المذهلة لأنهم لا يرونها بأعينهم.

                  ومن ناحية أخرى، لا يمكن للإنسان الذي ليس سوى كائن كالظِّل، أن يكون ذا إرادة مستقلة عن الله. والآية التالية تبين أن كل ما نقوم به وكل ما نمر به هو تحت سيطرة الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} (سورة الصافات - الآية 96). والقرآن الكريم يبين هذه الحقيقة في الآية التالية أيضا: {...وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى...} (سورة الأنفال - الآية 17). وهذه الآية تدل على أن أي فعل يقوم به الإنسان هو بأمر الله. فالإنسان لا يستطيع أن يقوم بفعل الرمي بنفسه لأنه كائن كالظل. فالله سبحانه وتعالى يبث في الإنسان شعوره بنفسه. فالله هو الذي يفعل كل شيء، ولذلك، فإذا ظنّ المرء أنه يفعل أي شيء بإرادته، فمن الواضح أنه يعمد إلى خداع نفسه .

                  إن هذه هي الحقيقة، ولكن الإنسان قد لا يود التسليم بهذه الحقيقة فيظن أنه كائن مستقل بذاته عن إرادة الله، ولكن هذا لا يغير من حقيقة الأمر شيئا. فحتى إنكار الإنسان لهذه الحقيقة هو بإرادة ومشيئة الله تعالى.

                  كل ما يمتلكه الإنسان وهم وخيال

                  أوجه القصور المنطقي في وجهة نظر الماديين

                  لقد بـيَّـنَّا منذ بداية هذا الفصل أن المادة ليست ذات وجود مطلق كما يَدّعي الماديون، بل هي مجموعة من الأحاسيس التي خلقها الله. ولكن الماديين يقاومون في تعصب شديد هذا الواقع الملموس الذي ينقص فلسفتهم التي تسوق حججا واهية ليست من الحق في شيء.

                  لقد ساق لنا ‘’جورج بوليتزر’’ (George Politzer)- أحد أشهر المدافعين عن الفكر الماديّ في القرن العشرين والمتعصب للماركسية - مثالا عن الحافلة ‘’كأعظم دليل’’ على وجود المادة. يقول ‘’بوليتزر’’: حتى الفلاسفة الذين يؤمنون بأن المادة عبارة عن إحساس وإدراك، يهربون مبتعدين عن مسار الحافلة إذا ما رأوها، وما هذا إلا إثبات ودليل على أن للمادة وجودا’’.

                  أما عندما قيل لمفكر مادي مشهور آخر، هو ‘’جونسون’’ (Johnson)، إن المادة عبارة عن مجموعة من الأحاسيس، فما كان منه إلا أن حاول أن يركل الأحجار بقدمه ‘’ليثبت’’ وجودها الماديّ .

                  وقد ساق ‘’فردريك إنجلز’’ (Friedrich Engels)، الأستاذ الذي تتلمذ على يديه بوليتزر ومؤسس المادية الجدلية مع ‘’ماركس’’ (Marx)، مثالا يشبه مثال بوليتزر حيث قال: ‘’إذا كانت قطعة الكعك التي نتناولها مجرد إحساس وصورة خيالية لما جعلتنا نشعر بالشبع’’ .

                  إن كتب مشاهير الماديين أمثال ماركس، وإنجلز، ولينين مليئة بمثل هذه الأمثلة التي تستخدم عبارات مثل: ‘’سيدرك المرء وجود المادة إذا ما تلقى صفعة على وجهه’’. إن الخلل في إدراك الماديين وفهمهم ، الذي يجعلهم يسوقون مثل هذه الأمثلة، هو محاولتهم تفسير أن ‘’المادة عبارة عن إدراك حسي’’ بأن ‘’المادة خدعة ضوئية’’. فهم يظنون أن الإدراك الحسي مقصور على الرؤية، أما الإدراكات الحسية الأخرى مثل اللمس فلها واقع مادي. فحين تصدم حافلة شخصا ما يقولون: ‘’انظروا، لقد صدمته الحافلة. فهو ليس مجرد إدراك حسي إذن’’. إن الأمر الذي لا يفهمونه هو أن كل ما يحچ به الإنسان في حادثة مثل تصادم الحافلة من صلابة، واصطدام، وألم، يحدث في المخ فقط.

                  وكما يتضح لنا، فإن من الحقائق العلمية والمنطقية أن ‘’العالم الخارجي’’ ليس له أصل ماديّ وإنما هو مجموعة من الصور التي يبثها الله باستمرار لأرواحنا كي تراها. ومع ذلك، فالناپ لا يضعون عادةً كل شيء تحت هذا المفهوم، أو بالأحرى فهم لا يريدون ذلك.

                  ولكنك إذا ما أمعنت التفكير بصدق وجرأة في هذه المسألة، فستجد أن منزلك وما به من أثاث، وسيارتك التي ربما اشتريتها حديثا، ومكتبك ومجوهراتك وحسابك في البنك، وخزانة ملابسك وزوجتك وأطفالك وزملاءك... كل هؤلاء ما هم إلا جزء من العالم الخارجي الخيالي الذي يظهر لك. وكل ما تراه وتسمعه وتشمه- باختصار كل ما تدركه بحواسك الخمس- هو جزء من هذا العالم الخيالي: صوت مغنيك المفضل، وصلابة المقعد الذي تجلس عليه، والعطر الذي تضعه، والشمش التي تدفئك بأشعتها والزهرة بألوانها الجميلة، والطائر الذي يطير أمام نافذتك، والقارب الذي يبحر سريعا في المياه، وحديقتك الخصبة والكمبيوتر الذي تستخدمه في عملك، أو جهاز التسجيل الحديث...

                  وهذا هو الواقع لأن العالم الذي يتكون من هذه الصور لم يُخلق إلا لاختبار البشر. وهم يخضعون للاختبار على مدار حياتهم القصيرة بصورة غير حقيقية. وهذه الصور قدمت للبشر في شكل جميل وجذاب، وكان ذلك مقصودا. وقد ذكر الله هذه الحقيقة في القرآن الكريم في قوله تعالى: }زُيِّنَ لِلنَّاپِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (سورة آل عمران - الآية 14).

                  إن معظم الناس ينحّون دينهم جانبا، ويهتمون أكثر بما يمتلكون وبالغنى وتخزين الذهب والفضة والأموال والمجوهرات وحسابات البنوك والبطاقات الائتمانية والدواليب المكدسة بالملابس وامتلاك أحدث السيارات، وباختصار، فهم يفضلون كل أشكال الرفاهية التي يمتلكونها أو التي يسعون جاهدين لامتلاكها ويركزون على هذا العالم فقط وينسون الآخرة. إنهم ينخدعون بزخرف الحياة الدنيا وزينتها وينسون الصلاة والإحسان إلى الفقراء وأداء العبادات التي ستقودهم إلى الفوز في الآخرة، وهم يبررون ذلك بقول مثل: ‘’إن لدي ما أفعله الآن’’، ‘’لدي الكثير من المسؤوليات’’، و’’ليس لدي وقت كافٍ لأفعل ذلك’’، ‘’يتعين علي إنهاء بعض الأعمال’’، ‘’سألتزم بالصلاة والزكاة مستقبلا’’. وهم يستهلكون حياتهم بمحاولتهم التمتع في الحياة الدنيا فقط. والآية القرآنية التالية تصف خلط الإنسان للمفاهيم على النحو الذي أشرنا إليه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (سورة الروم - الآية 7).

                  إنّ الحقيقة التي سقناها في هذا الفصل - والتي تتمثل في أن كل شيء ليس سوى صورة - على قدر كبير من الأهمية لأنها تعني أن كل الرغبات والحدود لا معنى لها. وإثبات هذه الحقيقة يعني بوضوح أن كل شيء يمتلكه الإنسان ويسعى لامتلاكه، مثل الثروة التي كونها بجشعه وذريته التي يزهو بها، وزوجته التي يدعي أنها الأقرب إلى نفسه، وأصدقائه المقربين ومنصبه الذي يمده بالقوة والفخر، والمدارس التي درس بها والعطلات التي قضاها، كل هذا ما هو إلا وهم وخيال. ولذلك فإن كل الجهود التي يبذلونها والوقت الذي يستنزفونه والجشع الذي يعمي أعينهم سيذهب هباء منثورا.

                  إنّ بعض الناس يظهرون جهلهم دون وعي منهم، عندما يتباهون بغناهم وثرائهم أو ممتلكاتهم من ‘’اليخوت والطائرات الهليوكوبتر الخاصة والمصانع والشركات والمنازل والعقارات’’، وكأن كل هذه الأشياء توجد بالفعل. فهؤلاء الأثرياء الذين يتباهون بطريقة تلفت الأنظار في يخوتهم وسياراتهم ولا يكلون من الحديث عن ثرواتهم، ويعتقدون أن مناصبهم تجعلهم فوق سائر البشر ويظنون أن نجاحهم يرجع لكل هذه الأشياء فقط، يجب عليهم التفكير مليا في الحالة التي سيصبحون عليها عندما يكتشفون أن نجاحهم هذا ما هو إلا وهم وخيال.

                  ونحن في واقع الأمر نشاهد ذلك في الأحلام كثيرا. ففي أحلامهم، يمتلك الناپ أيضا منازل فخمة، وسيارات سريعة ومجوهرات ثمينة جدا ورزم الدولارات وأكواما مكومة من الذهب والفضة. وفي أحلامهم أيضا يرون أنفسهم في مناصب رفيعة، ويملكون مصانع يعمل فيها الآلاف من العمال، ويملكون من القوة ما يستطيعون به السيطرة على كثير من الناپ، ويلبسون من الثياب ما يلقى إعجاب الجميع واستحسانهم... وكما أن الإنسان يكون مثار سخرية عندما يتباهى بما يملكه في أحلامه، كذلك يصبح مثار سخرية عندما يتباهى بما في هذا العالم الذي يعيچ فيه. فكلاهما مجرد صور وتخيلات في عقله فقط.

                  وبالمثل، فإنّ الطريقة التي يستجيب بها الناپ للأحداث التي تجرى حولهم في العالم يجب أن تشعرهم بالخجل من أنفسهم عندما يدركون الحقيقة. إن هؤلاء الذين يحارب بعضهم بعضا بشراسة، ويصيحون بغضب ويخدعون ويقبلون الرشاوى ويقومون بالتزوير، والذين يكذبون ويكدّسون أموالهم بدافع الجشع، ويخطئون في حق الآخرين، والذين يظلمون الآخرين ويتلفظون بالشتائم، والذين يعتدون بوحشية على الآخرين وعلى حقوقهم، والذين يحبون المناصب والسّلطة، والذين يحسدون غيرهم، ويتفاخرون، والذين يحاولون تقديس أنفسهم والاستعلاء على سائر البشر، كل هؤلاء سيصيبهم الخزي في الدنيا والآخرة عندما يدركون أنّ كل ذلك كان مجرد حلم.

                  وحيث إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق كل هذه الصور، فهو المالك وحده لا شريك له لكل شيء. ويبرز القرآن الكريم هذه الحقيقة في قول الله تعالى: }وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} (سورة النساء - الآية 126).

                  إنه لضرب من الغباء أن ينحي المرء دينه وإيمانه جانبا في سبيل مشاعر وأحاسيس وهمية فيخسر الحياة الآخرة التي هي النعيم الذي لا يزول. يجب علينا في هذه المرحلة أن نتفهم جيدا الأمر التالي: إنّ ما نسوقه هنا من حديث لا يقول بأن الحقيقة التي تواجهها تعني ‘’أن كل ممتلكاتك وثروتك وذريتك وزوجاتك وأصدقاءك ومنصبك الذي يبعث فيك الشعور بالزهو سيختفي إن عاجلا أو آجلا، ولذا فهي لا تعني شيئا’’. ولكن ما نقصده هو ‘’أن كلّ ما يبدو لك أنك تملكه لا وجود له أساسا وهو مجرد حُلم يتكون من صور يريها لك الله تعالى ليختبرك’’. وكما ترى، فإنّ الفرق بين المقولتين كبير.

                  وبالرغم من أن الإنسان لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة على الفور ويفضل أن يخدع نفسه وأن يفترض أن كل ما يملكه موجود بالفعل، فإنه سيواجه مصيره الأخير وهو الموت، وعندئذ تتضح الحقيقة عندما يُبعَث مرة أخرى. ففي ذلك اليوم سيبصر الإنسان كل شيء على حقيقته كما توضح لنا الآية الكريمة: {...فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (سورة ق - الآية 22). وهو إن كان قد قضى حياته الدنيوية سعيا وراء أغراض خيالية، فسوف يتمنى في الآخرة لو أنه لم يعش مثل تلك الحياة في الدنيا. {يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه} (سورة الحاقة- الآيات 27-29).

                  أما الإنسان العاقل فيجب عليه أن يحاول أن يفهم ويدرك حقيقة هذا الكون وهو لا يزال في عالمه وبين يديه فسحة من الزمن. وإلا سيقضي حياته سعيا وراء الأحلام، وسيلقى في النهاية أشد العذاب. والله تعالى يصف لنا عاقبة هؤلاء الذين يلهثون وراء الخيالات أو ‘’وراء السراب’’ ويتناسون خالقهم بقوله:

                  }وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (سورة النور - الآية 39 ).

                  أوجه القصور المنطقي في وجهة نظر الماديين

                  لقد بـيَّـنَّا منذ بداية هذا الفصل أن المادة ليست ذات وجود مطلق كما يَدّعي الماديون، بل هي مجموعة من الأحاسيس التي خلقها الله. ولكن الماديين يقاومون في تعصب شديد هذا الواقع الملموس الذي ينقض فلسفتهم التي تسوق حججا واهية ليست من الحق في شيء.

                  لقد ساق لنا ‘’جورج بوليتزر’’ (George Politzer)- أحد أشهر المدافعين عن الفكر الماديّ في القرن العشرين والمتعصب للماركسية - مثالا عن الحافلة ‘’كأعظم دليل’’ على وجود المادة. يقول ‘’بوليتزر’’: حتى الفلاسفة الذين يؤمنون بأن المادة عبارة عن إحساپ وإدراك، يهربون مبتعدين عن مسار الحافلة إذا ما رأوها، وما هذا إلا إثبات ودليل على أن للمادة وجودا’


                  عالم الأحلام
                  إن الواقع بالنسبة إليكم هو كل ما يمكن لمسه باليد ورؤيته بالعين. ولكنك أثناء الحلم تستطيع أيضا أن ‘’تلمس بيديك وأن ترى بعينيك’’. ولكن في واقع الأمر، إنك لا تملك يدا ولا عينا، ولا يوجد ما يمكن لمسه أو رؤيته. فليچ هناك واقع مادي يجعل هذه الأشياء تحدث إلا عقلك. فأنت ببساطة تتعرض للخداع. فما الذي يفصل بين الحلم والواقع؟ إن كلا منهما يتشكل داخل العقل. فإذا كنا نستطيع العيش بسهولة في عالم غير حقيقي في أحلامنا، فذلك يمكن تطبيقه أيضا على العالم الذي نعيشه. فنحن عندما نستيقظ من الحلم، لا يوجد سبب منطقي يمنعنا من الاعتقاد بأننا دخلنا في حلم أطول مدة يسمى ‘’الحياة الحقيقية’’. والسبب الذي يجعلنا نعتقد أن أحلامنا هي عالم خيالي والعالم الذي نعيش فيه حقيقي يرجع فقط لاعتيادنا وأفكارنا المسبقة. وهذا يعني أننا قد نستيقظ من الحياة على الأرض التي نعتقد أننا نعيشها الآن، تماما مثلما نستيقظ من الحلم

                  أما عندما قيل لمفكر مادي مشهور آخر، هو ‘’جونسون’’ (Johnson)، إن المادة عبارة عن مجموعة من الأحاسيس، فما كان منه إلا أن حاول أن يركل الأحجار بقدمه ‘’ليثبت’’ وجودها الماديّ .(183)

                  وقد ساق ‘’فردريك إنجلز’’ (Friedrich Engels)، الأستاذ الذي تتلمذ على يديه بوليتزر ومؤسس المادية الجدلية مع ‘’ماركچ’’ (Marx)، مثالا يشبه مثال بوليتزر حيث قال: ‘’إذا كانت قطعة الكعك التي نتناولها مجرد إحساپ وصورة خيالية لما جعلتنا نشعر بالشبع’’ .(184)

                  إن كتب مشاهير الماديين أمثال ماركس، وإنجلز، ولينين مليئة بمثل هذه الأمثلة التي تستخدم عبارات مثل: ‘’سيدرك المرء وجود المادة إذا ما تلقى صفعة على وجهه’’. إن الخلل في إدراك الماديين وفهمهم ، الذي يجعلهم يسوقون مثل هذه الأمثلة، هو محاولتهم تفسير أن ‘’المادة عبارة عن إدراك حسي’’ بأن ‘’المادة خدعة ضوئية’’. فهم يظنون أن الإدراك الحسي مقصور على الرؤية، أما الإدراكات الحسية الأخرى مثل اللمچ فلها واقع مادي. فحين تصدم حافلة شخصا ما يقولون: ‘’انظروا، لقد صدمته الحافلة. فهو ليس مجرد إدراك حسي إذن’’. إن الأمر الذي لا يفهمونه هو أن كل ما يحس به الإنسان في حادثة مثل تصادم الحافلة من صلابة، واصطدام، وألم، يحدث في المخ فقط.

                  مثال الأحلام

                  إن أفضل مثال يلقي الضوء على هذه الحقيقة ويشرحها هو الأحلام. فالإنسان قد يرى أحداثا تبدو واقعية تماما وهو يحلم. قد يرى الإنسان في الحلم أنه يقع على السلم فتنكسر قدمه، أو يرى حادث سيارة مُرَوِّعا، وقد يحلم بأن حافلة قد صدمته، أو أنه يأكل قطعة من الكعك ليشبع جوعه.

                  فالشخص الذي يرى في المنام أن حافلة صدمته، قد يفتح عينيه - وهو لا يزال في المنام - فيجد نفسه في مستشفى، ويشعر أنه قد أصبح مُعوّقا، لكن كل هذا سيكون حلما. وقد يرى أيضا أنه مات في حادث سيارة، وأن ملائكة الموت قد قبضوا روحه، وأن الحياة الآخرة قد بدأت. (هذا الموقف يقع بنفچ التفاصيل في الحياة الدنيا، التي هي عبارة عن أحاسيس كالحلم تماما.)

                  إن الشخص الذي يرى هذه الأحداث في نومه يرى المناظر ويسمع الأصوات ويشعر بالصلابة ويرى الضوء والألوان ويحس بجميع الأحاسيس الأخرى المتعلقة بهذا الحادث. وهذه الأحاسيس التي يشعر بها في نومه تكون طبيعية كما في الحياة ‘’الحقيقية’’. والكعكة التي يتناولها في نومه تُشعره بالشبع رغم أنها ليست إلا إحساسا، ذلك أن الشبع في حد ذاته هو كذلك مجرد شعور وإحساس. ولكن هذا الشخص في واقع الأمر يكون مستلقيا على فراشه في نفچ اللحظة التي يرى فيها كل هذه الأحداث. فليچ ثمة سُلم، ولا مرور، ولا حافلة، ولا كعك. فالشخچ الذي يحلم يعيچ أحاسيچ ومشاعر لا تمت للعالم الخارجي بصلة. وحيث إننا عندما نحلم نرى ونشاهد ونشعر بأحداث لا توجد في ‘’العالم الخارجي’’، فهذا يثبت أن العالم الخارجي الواقعي ذاته ليچ إلا مشاعر وأحاسيس.

                  إن أولئك الذين يؤمنون بالفلسفة المادية وخاصة الماركسيين يجتاحهم الغضب عندما يُواجَهون بهذه الحقيقة، حقيقة المادة. ويستعينون بأمثلة سطحية غير ذات مغزى مقتبسة عن ماركس، وإنجلز، ولينين، ويطلقون تصريحات عاطفية.

                  ولكن على هؤلاء أن يتذكروا أنهم قد يطلقون هذه التصريحات أيضا في أحلامهم. ففي أحلامهم يمكن أن يقرؤوا كتاب (Das Kapital) ‘’رأپ المال’’، أو يشتركوا في أحد الاجتماعات أو يتشاجروا مع الشرطة، أو يتلقوا ضربة على رؤوسهم أو غير ذلك، وسيشعرون بالألم. ولو سئلوا في الحلم سيجيبون بأن ما يرونه ويشعرون به يتكون أيضا من ‘’مادة مطلقة’’، تماما مثلما يفترضون أن الأشياء التي يرونها في يقظتهم هي ‘’مادة مطلقة’’. وسواء أكانوا يحلمون أو يعيشون حياتهم اليومية، فإن كل ما يرونه ويشعرون به هو مجرد أحاسيس.

                  مثال ربط الأعصاب بالتوازي

                  ولنأخذ مثال حادث التصادم الذي ساقه بوليتزر. فإذا ما أخذنا أعصاب الحواس الخمس المتصلة بالمخ لدى الشخص الذي تعرض للحادث، ووصَّلناها بالتوازي مع مخ شخص آخر، وليكن بوليتزر، ففي اللحظة التي صدمت فيها الحافلة هذا الشخص ستصدم بوليتزر في حين أنه جالس في بيته. بل إنه سيشعر بكلّ الأحاسيس التي شعر بها الشخص الذي تعرض للحادث، وأوضح تشبيه لذلك هو الأغنية التي تستمع إليها من سماعتين مختلفتين كلتاهما متصلة بنفس جهاز التسجيل. فبالرغم من وجوده في بيته أثناء حادث التصادم، فإن بوليتزر سيرى ويسمع صوت فرملة الحافلة، ومرورها على جسده، ويشاهد نزيف الدم، وسيشعر بآلام الكسر، ويرى نفسه عند دخوله غرفة العمليات، ويشعر بصلابة الجبچ على ذراعه وقدمه المكسورة، كما سيشعر بضعف ذراعه.

                  ولو قمنا بتوصيل الأعصاب الحسية للشخص المصاب على التوازي بأي عدد آخر من البشر فإن جميعهم سيعيشون الحادث من بدايته إلى نهايته مثل بوليتزر تماما. ولو وقع الشخچ المصاب في غيبوبة سيقع الآخرون بدورهم في غيبوبة. بل إننا لو قمنا بتسجيل هذه الأحاسيچ بجهاز معيَّن ثم نقلناها إلى مخ شخص ما، فإن هذا الأخير سيعيش الحادث ويشعر باصطدام الحافلة به أيضا.

                  ولنسأل الآن: أي من هذه الحافلات التي صدمت هؤلاء الأشخاص حقيقية؟ إن الفلسفة المادية ليست لديها إجابة محددة عن هذا السؤال. فالإجابة الصحيحة هي أن كل هؤلاء مروا بتجربة حادث التصادم بكل تفاصيله في أذهانهم فقط.

                  ويسري نفچ المبدأ على أمثلة الكعكة وركل الأحجار. فلو أن أعصاب أعضاء الحواپ لدى إنجلز الذي شعر بالشبع بعد تناوله لقطعة الكعك، قد رُبطت بمخ شخص آخر بالتوازي، لَشَعر الشخچ الآخر أيضا بالشبع والامتلاء عندما يأكل إنجلز الكعكة. ولو أن الأعصاب الحسية لدى جونسون الذي شعر بألم في قدمه عندما ركل الحجر، قد رُبطت بالتوازي بمخ شخص آخر، لشعر الأخير بالألم نفسه.

                  فأي من الكعكتين والحجرين حقيقي إذن؟ وللمرة الثانية تعجز الفلسفة المادية عن الإجابة على هذا السؤال، فكلٌ من إنجلز والشخص الآخر قد أكل الكعكة في ذهنه وشعر بالشبع، كما أن كلاًّ من جونسون والشخص الآخر قد شهِد لحظة ركل الحجر في ذهنه وأحچ بكل ما حدث فيها.

                  ولنحاول إجراء تعديل على مثال بوليتزر: لِنوصِّل الأعصاب الحسية للشخچ المصاب بمخ بوليتزر ونوصل الأعصاب الحسية لدى بوليتزر، الجالس في منزله، بمخ الشخص المصاب. ففي هذه الحالة، سيعتقد بوليتزر أن الحافلة قد صدمته رغم جلوسه في منزله، أما الشخص الذي تعرض للحادث فعلا فلن يشعر بأي أثر للاصطدام وسيعتقد أنه جالس في منزل بوليتزر. ويمكن إجراء التعديل نفسه والمقارنة نفسها على مثالَي الكعكة والحجر.

                  يتضح لنا الآن أن الإنسان لا يستطيع أن يتجاوز أحاسيسه ويتحرر منها. فروح الإنسان يمكن أن تتعرض لجميع أنواع الأحاسيس بالرغم من أنه ليس لها وجود مادي وتفتقر حتى للوزن المادي. ومن الصعب على المرء أن يدرك هذه الحقيقة، لأنه يفترض أن هذه الصور ثلاثية الأبعاد حقيقية ويكاد يكون على يقين من وجودها، ذلك أننا جميعا نعتمد على أحاسيسنا التي تقودنا إليها أعضاؤنا الحسية.

                  ويعبر لنا الفيلسوف البريطاني الشهير ‘’ديفيد هيوم’’ (David Hume) عن أفكاره فيما يتعلق بهذه الحقيقة كالتالي: ‘’بصراحة، عندما أدخل نفسي فيما أسميه ‘’نفسي’’، أجد نفسي دائما أشعر بأحاسيس معينة تتعلق بالحرارة والبرودة، والضوء والظل، والحب والكراهية، والمرارة والحلاوة أو غير ذلك من الأحاسيس. وبدون هذه الأحاسيس لا يمكنني أن أجد نفسي في موقف ما في توقيت معين، ولا أستطيع الشعور بشيء إلا بهذه الأحاسيس.(185)

                  الأحاسيس التي تتكون في أذهاننا ليست

                  فلسفة بل حقيقة علمية


                  يدّعي أنصار الفكر المادّي أن ما سردناه حتى الآن هو وجهة نظر فلسفية. ولكن اعتبار ‘’العالم الخارجي’’- كما نسميه- مجموعة من المدارك والأحاسيس ليست مسألة تتعلق بالفلسفة بل هو حقيقة علمية واضحة. حتى إنه في كليات الطب يدرپ الطلاب بالتفصيل كيف تتشكل الصور والمشاعر في المخ. هذه الحقائق التي أثبتها العلم في القرن العشرين، وخاصة علم الفيزياء، تثبت بشكل قاطع أن المادة ليس لها وجود حقيقي مطلق وأن كل واحد منّا يشاهد ما تعرضه عليه تلك ‘’الشاشة’’ المزروعة في ذهنه.

                  إن كل من يؤمن بالعلم والحقائق العلمية، أيا كان مذهبه، بوذيا كان أو غير ذلك، بل كل من يعتنق أي وجهة نظر أخرى، يجب أن يتقبل هذه الحقيقة. فالماديون أنفسهم قد ينكرون وجود الخالق لكنهم لا يستطيعون إنكار هذه الحقيقة العلمية.

                  وبالرغم من أن التقدم العلمي لم يبلغ مستوى كبيرا في فترة كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، وجورج بوليتزر، فإن هذا ليس بعذر ولا يبرر عدم قدرتهم على فهم هذه الحقيقة البسيطة الواضحة. وفى وقتنا هذا وبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي والاكتشافات الحديثة، أصبح من السهل فهم هذه الحقيقة وإدراكها. ولكن الماديين على أية حال يملأ الخوف قلوبهم إلى حد كبير، ليس فقط من فهمهم لهذه الحقيقة، ولكن من تأكدهم من أن هذه الحقيقة تدحض دون شك فلسفتهم.

                  أكبر مخاوف الماديين

                  لقد مرّ بعض الوقت دون أن يصدر من دوائر الفكر المادي في تركيا أي رد فعل جوهري ضد القضية التي أثرناها في هذا الكتاب، وهي أن المادة ليست إلا مجرد إحساپ وإدراك، مما أعطانا انطباعا بأننا لم نبين وجهة نظرنا على النحو الأمثل وأن الأمر لا يزال يحتاج إلى مزيد من التوضيح، ولكن الوقت لم يطل حتى نما إلينا أن الماديين قد ساورهم القلق والانزعاج بسبب الشعبية التي حظيت بها هذه القضية، والأكثر من ذلك، أنهم شعروا بالخوف الشديد مما يترتب على ذلك.

                  لقد ظل الماديون لبعض الوقت يعلنون على الملأ خوفهم فيما ينشرونه وفي المؤتمرات وفي دوائرهم العلمية. فكتاباتهم ومقالاتهم التي لا رجاء منها والتي تنطق بالقلق الشديد، توحي بأنهم يعانون من أزمة فكرية حادة. فقد جاء التفنيد العلمي لنظرية التطور- التي يزعمون أنها أساس فلسفتهم- بمثابة صدمة لهم. والآن، هاهم أولاء يدركون أنهم على وشك خسارة جوهر القضية ذاتها (المادة)- التي هى لهم سند أكثر من ‘’نظرية داروين’’ ذاتها، فيعانون صدمة أشد. لقد صرحوا بأن هذه القضية هي ‘’أكبر تهديد’’ يواجههم وأنها ‘’تدحض تماما ثقافتهم المصطنعة’’.

                  وكان أحد الذين عبروا عن قلق الماديين وذعرهم بأكثر الطرق صراحة، هو ‘’رينان بيكانلو’’ (Renan Pekunlu) وهو أكاديمي وكاتب في مجلة ‘’العلم والمدينة الفاضلة’’ (Science and Utopia) الدوريّة، التي أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن الماديين. ففي مقالاته في هذه المجلة وفى تصريحاته بالدوائر العلمية والمؤتمرات التي يحضرها، يقدم بيكانلو كتاب ‘’خدعة نظرية التطور’’ (Evolution Deceit) على أنه مصدر التهديد الأول للفكر المادي. وقد انزعج بيكانلو من الجزء الذي تقوم بقراءته الآن أكثر من الفصول التي فندنا فيها نظرية داروين. لقد ألقى بيكانلو على قرائه وعلى جمهوره (الذي لا يزيد عن حفنة أشخاص) رسالة تقول ‘’لا تتركوا أنفسكم للانسياق وراء دروپ مذهب المثالية وتعاليمها وحافظوا على إيمانكم بالمذهب المادي’’ ذاكراً ‘’فلاديمير لينين’’ (Vladimir I. Lenin) زعيم الثورة الاشتراكية الدموية في روسيا كمثال على ما قاله. وكان كل ما فعله بيكانلو بعد أن نصح الجميع بقراءة كتاب لينين الذي كتبه منذ قرن مضى بعنوان ‘’المذهب المادي والنقد الجدليّ’’ (Materialism and Empirio-criticism) هو أن كرَّرَ نصائح لينين التي تقول: ‘’لا تفكروا في هذه القضية، وإلا ستنحرفون عن طريق المادية ويجرفكم تيار الدين’’. وفي إحدى مقالاته التي كتبها بالمجلة المذكورة آنفا، نقل الآتي عن لينين:

                  ‘’فور إنكاركم للواقع المادي الذي تنقله لنا حواسنا، تكونون قد خسرتم بالفعل كل سلاح يمكنكم به محاربة المذهب الإيمانيّ، لأنكم ستكونون قد انسقتم خلف اللاأدرية، أو الذاتانية (وهي مذهب فلسفي يقيم المعرفة على أساپ الخبرة الذاتية)، وهذا هو كل ما يتطلبه المذهب الإيماني. فالطائر يقع في الشرك لو علق مخلب واحد فيه، وأنصارنا جميعهم قد وقعوا في شرك المثاليّة، أي في شرك صورة مخفَّفة ماكرة للمذهب الإيمانيّ. لقد وقعوا في الشرك في اللحظة التي اعتبروا فيها أن الإحساپ ليچ صورة للعالم الخارجي ولكنه ‘’عنصر أو مكون’’ خاص. فلا إحساپ لشخص بعينه، ولا عقل لشخص بعينه، ولا نفس لشخص بعينه، ولا إرادة لشخص بعينه ‘’ .

                  إن هذه العبارات تبين بوضوح أن الحقيقة التي أدركها لينين وفزع منها وحاول أن يخرجها من ذهنه ومن أذهان ‘’رفاقه’’ تزعج أيضا الماديين المعاصرين. ولكن بيكانلو وغيره من الماديين يعانون أزمة أخرى أشد وقعا، لأنهم يدركون أن هذه الحقيقة تُعرض وتُناقش الآن بوضوح وبيقين أكبر وبطريقة أكثر إقناعا مما كان عليه الأمر منذ 100 عام مضى. فلأول مرة في التاريخ، يتم تفسير هذا الموضوع ومناقشته بهذا الأسلوب الذي لا يمكن مقاومته.

                  ومع ذلك، وبصفة عامة، لا يزال عدد كبير من العلماء الماديين يتخذون موقفا مضادا سطحيا للغاية من حقيقة أن ‘’المادة ليست إلا وهما’’. إن الموضوع الذي طرحناه في هذا الفصل من الكتاب هو من أكثر الموضوعات أهمية وإثارة لأي إنسان على مدار حياته كلها. فلا يمكن للماديين أن يكونوا قد صادفوا من قبل مثل هذا الأمر البالغ الأهمية. ولكن مع هذا، فردود أفعالهم وأسلوب حديثهم ومقالاتهم ينم عن ضحالة تفكيرهم وسطحيته.

                  بل إنها من الضحالة والسطحية إلى درجة أن استجابة بعض الماديين لمناقشة الموضوع الواردة هنا تبين أن انقيادهم الأعمى للمادية قد سبب نوعا من الخلل في منطقهم، ولهذا فهم أبعد ما يكون عن فهم هذا الموضوع وإدراكه. فمثلا، نجد أن ‘’ألاتين سينيل’’ (Alaattin Senel)، وهو أيضا أكاديمي وكاتب في مجلة ‘’العلم والمدينة الفاضلة’’ Science and Utopia أرسل رسالة مشابهة لتلك التي أرسلها رينان بيكانلو يقول فيها: ‘’دعكم من انهيار نظرية داروين، فهذا هو التهديد الحقيقي’’. وطالب قائلا: ‘’عليكم إثبات ما تقولون’’ وهو يشعر أن فلسفته لا أساس لها. والأكثر عجبا من ذلك، أن هذا الكاتب نفسه كتب سطورا كشف فيها أنه هو نفسه لا يستطيع مطلقا فهم هذه الحقيقة التي يراها تهديدا.

                  فعلى سبيل المثال، كتب سينيل في مقال يناقض فيه باستفاضة هذا الموضوع، أنه يتقبل كون العالم الخارجي عبارة عن خيالات وصور يستقبلها الذهن. ولكنه يزعم بعد ذلك أن هذه الصور تنقسم إلى قسمين: صور لها واقع مادي وأخرى ليس لها ذلك الواقع الماديّ، وأن الصور التي تتعلق بالعالم الخارجي لها ارتباطات ملموسة. ولتعضيد زعمه، يعطي ‘’مثال التليفون’’. وكان ما كتبه: ‘’أنا لا أعرف إذا ما كانت الصور في ذهني لها ارتباطات بالعالم الخارجي أم لا، ولكن نفس الشيء ينطبق على التليفون. فعندما أتحدث في التليفون، لا أستـطيع رؤية الشخص الذي أتحدث إليه، ولكني أستطيع أن أؤكد هذه المحادثة عندما أراه لاحقا وجها لوجه’’.

                  وبقوله هذا، فما يعنيه هذا الكاتب حقيقة هو التالي: ‘’إذا كنا نشك في مداركنا وأحاسيسنا، يمكننا أن ننظر للمادة نفسها ونتحقق منها’’. ولكن هذا دليل قاطع على خلط المفاهيم لأنه من المستحيل أن نصل إلى حقيقة المادة نفسها. لا يمكن أن نخرج من عقولنا ونرى ما هو ‘’بالخارج’’. ومسألة صوت الشخص الذي نحادثه على التليفون وهل هو واقعي أم لا فذلك يمكن تأكيده من خلال الشخص ذاته. ولكن حتى هذا التأكد هو أمر وهمي يحدث في عقولنا فقط.

                  وفى الواقع، يرى هؤلاء هذه الأحداث في أحلامهم أيضا. فمثلا، قد يحدث أن يرى سينيل في الحلم انه يحدِّث شخصا على التليفون ثم يتأكد من إجراء هذه المحادثة عندما يلقاه وجها لوجه. وقد يشعر بيكانلو بأنه يواجه ‘’تهديدا ما’’ أيضا وهو يحلم وينصح القراء بأن يقرؤوا كتب لينين التي كتبها من قرن مضى. ولكن مهما حاول هؤلاء، فليس بمقدورهم أبدا أن ينكروا أن الأحداث التي مروا بها والأشخاص الذين تحدثوا إليهم ما هم إلا صور في أذهانهم.

                  ولكن كيف يمكن للمرء أن يتأكد من أن الصور التي يراها في ذهنه لها ارتباطات واقعية من عدمه؟ مما لا شك فيه أن الماديين من المستحيل أن يجدوا مصدرا للمعلومات يعطي بيانات تتعلق بالمحيط الخارجي للمخ ويؤكد وجوده.

                  ولكن التسليم بأن كل الرؤى تتكون في المخ، مع الافتراض في ذات الوقت بأن المرء يمكن أن يتخطى هذا المحيط ويؤكد هذه الرؤى في العالم الخارجي يكشف عن محدودية القدرات الاستيعابية لدى هذا الشخص وخلل منطقه.

                  والحقيقة الني نسوقها هنا يمكن للشخص ذي المستوى الطبيعي من الفهم والمنطق أن يدركها. فالشخص غير المتعصب سيعرف، إذا ما فكر في كل ما سردناه هنا، أنه لا يمكنه اختبار وجود العالم الخارجي بحواسه. إلا أنه يبدو أن الانصياع الأعمى للمادية يخل بقدرات الفهم والإدراك لدى هؤلاء. ولهذا السبب، يُظهر الماديون المعاصرون قصورا شديدا في منطقهم تماما مثل أساتذتهم الذين حاولوا ‘’إثبات’’ وجود المادة بركل الحجر وتناول الكعك.

                  يتعين علينا أن نقرر أن مواقف هؤلاء لا تدعو للدهشة، لأن عدم القدرة على الفهم هي سمة كل الجاحدين الكافرين. وفى القرآن الكريم يظهر الله صفتهم في الآية الكريمة التالية: {...قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} (سورة المائدة - الآية 58).

                  لقد وقع الماديون في أكبر كمين في التاريخ

                  إن مناخ الرعب الذي يجتاح الماديين في تركيا، والذي ذكرنا بعچ ملامحه فقط، يثبت أن الماديين يواجهون هزيمة تامة لم يلقوها من قبل في التاريخ. فحقيقة كون المادة مجرد إحساپ تم إثباتها بوسائل العلم الحديث وعُرضت بكل وضوح وقوة. ويبقى على الماديين أن يشاهدوا انهيار العالم المادي بأسره الذي يعمون عيونهم عن غيره ويعتمدون عليه.

                  كانت فكرة الوجود المادي قائمة على مدار تاريخ الإنسانية، وكان الماديون واثقين من أنفسهم وفلسفتهم التي يؤمنون بها حتى إنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى الذي خلقهم. ويفترض السيناريو الذي نسجوه أن المادة ليس لها بداية أو نهاية ولا يمكن أن تكون قد خُلقت. وبينما أنكروا وجود الله لتكبرهم وعنادهم، لجأوا إلى المادة التي اعتقدوا أن لها وجودا حقيقيا. وقد كانوا على يقين تام من فلسفتهم حتى إنهم لم يظنوا قط أن من الممكن إثبات العكس.

                  وهذا هو السبب في أن الحقائق التي ذكرت في هذا الكتاب بخصوص الطبيعة الحقيقية للمادة قد أدهشت هؤلاء الناس بدرجة كبيرة. إن ما ذكرناه هنا يهدم أساس نظريتهم تماما، ولا يترك أي مجال لمزيد من المناقشة. لقد انهارت فجأة المادة التي أسسوا عليها كل أفكارهم وحياتهم وغرورهم وإنكارهم. فكيف توجد الفلسفة المادية عندما لا توجد المادة؟


                  الماديين يظنون أن المادة توجد حقيقة، وبذلك دون أن يعوا هم أنفسهم ذلك. فقد اعتبر الماديون كل شيء يمتلكونه، وأحوالهم ومناصبهم والمجتمع الذي ينتمون إليه والعالم بأسره وكل شيءٍ آخَرَ حقيقةً قائمةً. وأكثر من ذلك، فقد تكبّروا أمام الله واعتمدوا على هذه الماديات بدلا من الله سبحانه وتعالى. لقد تمردوا بتبجح على الله وتباهوا بذلك فزاد هذا من كُفرهم وجحودهم. وقد اعتمدوا على المادة في كل ما تَقَدّم، إلا أنهم بسبب ضعف فهمهم، فشلوا في إدراك أن الله يحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم. ويصف لنا الله النتيجة التي وصل إليها الكافرون بسبب عنادهم في الآية الكريمة التالية:{أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ } (سورة الطور - الآية 42).

                  قد تكون هذه هي أكبر هزيمة تلحق بهم في التاريخ. فبينما ظن الماديون أنهم يزدادون كِبرا أمام الله سبحانه وتعالى،عانوا تلك الهزيمة الثقيلة في حربهم التي شنّوها ضد الله بتصديهم له. ففي الآية الكريمة التالية، يبين لنا الله أن هؤلاء الذين ثاروا ضده سبحانه وتعالى لا يدركون ما يفعلون ويبيّن لنا نهايتهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (سورة الأنعام - الآية 123). ويؤكد الله هذه الحقيقة في آية أخرى فيقول: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (سورة البقرة - الآية 9).

                  وبينما يمكر المشركون، لم يتنبّهوا لحقيقة هامة ساقتها الآية الكريمة السابقة في قوله تعالى:{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. وهى أن كل شيء يشهدونه هو وَهم صُمم ليروه هم، وأن كل محاولات المكر التي يقومون بها هي في عقلهم فقط، تمت مثل أي عمل آخر يقومون به. لقد نسوا بسبب حماقاتهم أنهم وحدهم مع الله سبحانه وتعالى ولذلك فقد وقعوا في شرك خططهم المنحرفة.

                  ومثلما حدث لأسلافهم، سيواجه المشركون في أيامنا هذه واقعا سيهدم كل خططهم المنحرفة من أساسها. فالقرآن يخبرنا أن مكائدهم إلى زوال وهي لا تزل في مهدها بقوله تعالى: {... إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (سورة النساء - الآية 76)، كما يطمئن القرآن المؤمنين بقوله: {... لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ...} (سورة آل عمران - الآية120).

                  وفي آية أخرى يقول عزَّ وجلَّ:{...وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا...} (سورة النور - الآية 39). فالمادية أيضا ستصبح سرابا للذين عَصَوا كما تذكر الآية، وعندما يحتمون بها سيجدونها وهما وخيالا. فقد أضلهم الله بهذا السراب وجعلهم يعتقدون أن كل هذه الصور التي يرونها حقيقية. إن كل هؤلاء ‘’المشهورين’’ من أساتذة، ورُوّاد فضاء وعلماء أحياء وفيزياء وكل من عداهم بغچ النظر عن مناصبهم وألقابهم قد خُدعوا ببساطة مثل الأطفال، وكان ذلك سببا في إذلالهم لأنهم اتخذوا المادة إلها لهم. لقد افترضوا أن هذه المجموعة من الصور لها حقيقة مطلقة، وبنوا عليها فلسفتهم وأفكارهم وانخرطوا في نقاپ جاد حولها متخذين ما أسموه ‘’حديثا فكريا’’. لقد رأوا أن لديهم من الذكاء والحكمة ما يؤهلهم للاشتراك في جدال حول حقيقة الكون، والأهم من ذلك، للجدال في وجود الله بمعرفتهم المحدودة.

                  إن بعض الخطط والكمائن في هذه الدنيا يمكن تحاشي الوقوع فيها، لكن الكمين الذي نصبه الله لهؤلاء المنكرين محكم لدرجة أنه لا مفر منه أمامهم. فمهما حاولوا وأيا كان من يلجأون إليه، فلن يجدوا من دون الله وليا ولا نصيرا. وذلك كما أخبرنا الله في قوله:{... وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} (سورة النساء - الآية 173).

                  لم يتوقع الماديون قط أن يقعوا في مثل هذا الكمين فهم يُسخِّرون كل ما هو حديث في القرن العشرين لخدمة أغراضهم، وقد ظنوا أن بإمكانهم أن يتمسكوا بإنكارهم وعنادهم أكثر وأن يسوقوا الناپ إلى الكُفر والشِّرك. وهذا التفكير الذي طالما سيطر عليهم يصفه الله بقوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} (سورة النمل- الآيات 50-51).

                  وهذه هي الحقيقة التي تبرزها الآية الكريمة: لقد قصد الله أن يجعل الماديين يدركون أن كل ما يملكونه ليس إلا وهما وخيالا ولذلك تعرض كل ما يمتلكونه للدمار والفناء. فهم يشاهدون ممتلكاتهم ومصانعهم وذهبهم وأموالهم وأطفالهم وزوجاتهم وأزواجهم وأصدقاءهم ومناصبهم وحتى أجسادهم، وكل ما يظنونه موجودا بالفعل، يتسرب من تحت أيديهم ويفنى. فهي تفنى ويأتي الله عليها بالدمار ، وهم عندئذ ليسوا من المادة في شيء بل هم مجرد روح.

                  إن إدراك هذه الحقيقة هو بلا شك أسوأ ما يمكن أن يحدث للماديين. فحقيقة أن كل ما يملكونه هم وهم وخيال يعادل على حد تعبيرهم

                  دليل مدونات المناظر المسلم

                  http://fast00fast.blogspot.com/

                  Comment

                  • اسامة النميرى
                    عضو
                    • Aug 2012
                    • 309

                    #24
                    نهاية أسطورة داروين

                    إنّ فكرة هذه الأسطورة تمتد إلى اليونانيين القدماء، وفي القرن التاسع عشر طرحت هذه النظرية بشكل واسع. ومن العوامل التي جعلت هذه النظرية تأخذ مكاناً عريضا في الأوساط العلمية كتاب يبحث في أصل الأنواع لشارلز داروين ظهر في عام 1859.

                    ففي هذا الكتاب كتب داروين أن الكائنات الحية الموجودة على الأرض لم تُخلق من قبل الله تعالى وأن كل صنف من هذه الأصناف لم يوجد مستقلا عن الآخر. وترى هذه النظرية أن المخلوقات لها أصل واحد مشترك انبثقت منه، وبمرور الزمن حصلت لها تغيّرات حتى أصبحت على ما هي عليه الآن.

                    زعمت نظرية داروين هذه المزاعم والادعاءات دون أن يكون لها أي سند علمي تقوم عليه. وقد جاء في اعتراف مطول في مقدمة كتاب لداروين تحت عنوان "المصاعب التي واجهت النظرية" ما مفاده أن النظرية لم تعثر على إجابات لكثير من الأسئلة المحيّرة.

                    إنّ الصعاب التي واجهت نظرية داروين كان من المتوقع أن يزيلها التقدم العلمي، وكان من المنتظر أن تشكل الأبحاث العلمية الحديثة المتقدمة دعماً لنظرية داروين، ولكن النتائج جاءت على عكس المتوقّع، فالأسس التي كانت تعتمد عليها النظرية كانت تتهاوى وتتحطم الواحدة تلو الأخرى. وبالرغم من الدّعاية التي روجت لنظرية داروين إلاّ أن عالم الأحياء المشهور ميشيل دانتون ذكر في كتابه "نظرية في أزمة" أسباب انهيار نظرية داروين واندحارها أمام العلم، ويمكن أن ندرجها تحت ثلاث نقاط:

                    1 – لم تتمكن النظرية إلى حد الآن من تفسير كيف بدأت الحياة على وجه الأرض.

                    2 – إن ما عرضته النظرية أمامنا من "آليات للتطور والنشوء والإرتقاء" لم تكن في الحقيقة مولدة لأيّ تطوّر.

                    3 – أثبتت المتحجرات عكس ما زعمته سابقًا نظريّة التّطور.

                    عدم صحة ادّعاء " ظهور الحياة مصادفة"

                    تطورت نظرية داروين في أواسط القرن التاسع عشر، والنقطة الملفتة للنظر في تلك الفترة هي أن العلم كان متخلفا بالنظر إلى ما وصل إليه في الوقت الحاضر. ولم يكن لداروين أو الذين سبقوه من رواد هذه النظرية أيّة معلومة عن كيفية تكاثر الكائنات الحية والتركيب العلمي الكيمياوي لها، ولم يكن لهم كذلك علم بكيفية استمرارها في الحياة، وذلك بسبب عدم كفاية درايتهم بتفاصيل الكائنات الحية. ومن أجل الإقناع بنظريتهم قاموا بنشر الادعاء القائل بأن الحياة ظهرت عن طريق المصادفة ثم تطورت كذلك بالمُصادفة.

                    إلاّ أنّ العلم في القرن العشرين تطوّر تطورا كبيرا وأظهر أنّ تفاصيل حياة الكائنات الحيّة معقدة في تصميمها، وهي ليست على النحو الذي ادّعاه أصحاب نظرية التّطور، بل على العكس من ذلك تماما. وكان التطوريون يزعمون أن تكوين الخلية الحية بسيطٌ، ويمكن صناعة الخلية من خلال توفير المواد الكيمياوية اللازمة لذلك، وبعد مرور فترة من الزمن يمكن الحصول عليها. بيد أن التحاليل التي أجريت بواسطة الميكروسكوب الإلكتروني الحديث خلال القرن العشرين أظهرت نتائج مختلفة تمامًا. ففي الخلية توجد تصاميم معقدة بحيث لا يمكن أن تكون عبارة عن مصادفات، وهذا ما صرّح به عالم الرّياضيات والفلكي الشهير الإنكليزي الأصل السيد فريد هويل قائلا: "كومة من خردة الحديد أخذتها عاصفة هوجاء، ثم تناثرت هذه القطع وتكونت طائرة بوينغ 747 بالمصادفة"، إن مثل هذه النتيجة غير ممكنة ومستحيلة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تكوين الخلايا الحية. ويمكن القول إنّ التشبية غير كاف وذلك لأن الإنسان تقدم بحيث استطاع أن يصنع طائرة "بوينغ 747" ولكنّه مع تقدمه هذا لم يستطع أن يقوم بتركيب خلية حية واحدة في أيّ مختبر علمي.

                    إذن ماهي النتيجة؟ إنّ مثل هذا التركيب المعقد لا يمكن أن يظهر مصادفة للوجود كما ادّعت النظرية، ومثلُها مثل السّاعة لا يمكن أن تتكون من تلقاء ذاتها فيجب أن يكون هناك من يصنع هذه الساعة. والكائنات وجميع الموجودات الأخرى يجب أن يكون لها صانع، وهذا دليل على وجود الله الذي له القدرة على الخلق. وهذه هي إحدى الحقائق التي وضعت نظرية داروين في أزمة. وبالإضافة إلى ذلك فإن أيّا من التطوّريين لم يقم بإثبات كون المخلوقات الحية ظهرت مُصادفة.

                    الآليات الخيالية للتطور

                    مثلما أن وجود الكائنات الحية وتكوّنها غير ممكن عن طريق المصادفة، فكذلك تطوّر الكائنات الحية بعضها إلى بعض غير ممكن، لأن الطبيعة وحدها لا تملك هذه القدرة، فالطبيعة ليست سوى ترابا؛ حجر وهواء وماء، أي أنها عبارة عن تجمّع لذرّات بعضها مع بعض. فالمصادفة تعني أن كومة من هذه المواد غير الحيّة، يمكنها أن تغيّر الدودة إلى سمكة، ومن ثم تخرج السمكة إلى اليابسة وتتحول إلى نوع من أنواع الزواحف، ثم تتحول إلى طير فتطير، وبعد كل هذا يتكون منها الإنسان، ولكن هذا ما لا تستطيع الطبيعة أن تفعله.

                    ولكنّ الداروينيين ادعوا أن هذا الأمر ممكن في ما سموه بحركة النشوء والإرتقاء (أي التّطور) الآلي. فهناك مفهوم واحد يروجون له وهو الحركة الآلية: بمعنى الحركة الطبيعة. فالحركة الطبيعية تعني الاختيار الطبيعي. وتعتمد على فكرة أن الأقوى القادر على التلاؤم مع الظروف الطبيعية هو الذي يستمر ويبقى.ومثال على ذلك قطيع حمار الوحشي الذي يكون تحت تهديد الأسد، فالذي يستطيع أن يجري بسرعة يمكنه أن يبقى على قيد الحياة، ولكن هذه الحركة لا تُحوّل الحمار الوحشي إلى نوع آخر مثلا كأن يصبح فيلا.

                    وبالاضافة إلى ذلك ليس هناك دليل مُشاهد على الحركة الآلية (النشوء والارتقاء) للكائنات الحية. وقد صرّح التطوري الانكليزي المشهور بلانتوللوك كولين باترسيون بهذه الحقيقة معترفا بما يلي: "ليس هناك كائن استطاع أن يولّد نوعا جديدا من الأنواع الأخرى بواسطة الحركة الآلية للطبيعة، أي عن طريق النشوء والارتقاء من حيوان إلى آخر، وليس هناك أيّ كائن اقترب من هذا الاحتمال. واليوم هناك جدل كبير في أوساط الداروينيين حول هذا الموضوع ".

                    وبما أنّ آلية حركة الطبيعة ليست لها تأثير في عملية التطور، قام التطوريون بإضافة مفهوم "الطّفرة"، أي التغييرات الفجائية على الجينات الوراثية، والتي ترجع أسبابها إلى التأثيرات الخارجية مثل أشعة الراديوسيوم التي لها تأثير سيّء على الجينات الوراثية إذ تسبب لها التخريب، ويزعم أنصار النظرية أن عملية التغير التي تحصل للجينات الوراثية هي التي تفرز مظاهر التّطور لدى الأحياء.

                    ولكن هذا الادّعاء تم دحضه بواسطة الأبحاث والحقائق العلمية، وذلك لأن جميع التأثيرات الخارجية على الأحياء أحدثت لها عمليات تخريبية، وهذه التأثيرات الخارجية على الإنسان تسبب له الكثير من الأمراض الذهنية والبدنية، بل وتؤدي إلى إصابته بالسرطان. وحتى اليوم لم نشاهد أن التغييرات الفجائية على الجينات قد قادت إلى تقدم، ولهذا السبب يقول العالم الفرنسي والرئيس السّابق للأكاديمية العلمية "بيير بول كراسي" بالرغم من كونه من التطوريين: "مهما كان عدد التأثيرات الخارجية على الجينات فإنه لم يَنتجْ عنه أيُّ تطوّر".

                    سجلّ المتحجّرات وهزيمة التطوريين

                    في القرن العشرين لحقت بنظرية التطور هزيمة أ خرى من خلال سجلّ المتحجرات. فما قيل عن تطور الأحياء من شكلها البدائي إلى شكلها الحالي ومرورها بمرحلة وسيطة (مثلا كأن يكون نصف الكائن سمكة ونصفه الآخر طيرا أو نصفه من الزّواحف ونصفه اللآخر من الثدييات)، هذه المراحل الوسيطة لم يعثر لها على متحجرات. إذن لو كانت الأحياء فعلا قد عاشت مثل هذه المرحلة فيجب أن يكون هناك عددٌ كبير منها، ليس فقط بالمئات بل بالملايين، وكذلك يجب أن توجد لها بقايا متحجرات على الأقل.

                    ففي القرن التاسع عشر قام التطوريون بالبحث مطوّلا عن هذه المرحلة في سجلّ المتحجرات، ولكن دون جدوى. فعالم المتحجرات الأنكليزي الشهير "و.دارك" بالرغم من كونه من التطوّريين يعترف بالقول: مشكلتنا أنه عندما قمنا بالبحث في المتحجرات واجهتنا هذه الحقيقة في الأنواع أو في مستوى الأصناف، فليس هناك تطوّر عن طريق التدريج. بل وجدنا أن الأحياء قد ظهرت إلى الوجود فجأةً وفي آن واحد وعلى شكل مجموعات. فإثر جميع الحفريات والأبحاث جاءت بنتيجة على عكس ما توقع التطوريون". فهذه النتيجة أظهرت أن الأحياء ظهرت بجميع أنواعها في آن واحد بدون أدنى نقص. وهذا ما يثبت أن الله تعالى هو خالقها جميعا.

                    الخلاصة

                    جميع هذه الإكتشافات في نهاية القرن العشرين توصلت إلى أن نظرية داروين غير مُجدية، ولكن هذه الحقيقة قد تم إخفاؤها عن الرأي العام في كثير من دول العالم، ومازال عوام الناس مخدوعين بهذه النظرية التي أُسست على التلفيق. وهناك من يدافع عن هذه النظرية، والسبب في ذلك هو رغبتهم في الحفاظ على مراكزهم ومصالحهم، وهم لا يريدون قبول حقيقة الخلق وحقيقة وجود الله تعالى وكونه هو الخالق لكل شيء. ولعدم وجود بديل آخر لحقيقة الخلق غير هذه النظرية الخيالية التي لا تستند إلى الحقيقة عملوا على دعمها وإسنادها لكي تبقى هي السائدة من أجل مصالحهم الخاصة. ولكن الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وكل ذي عقل سليم يدرك هذه الحقيقة بلا عناء، فالكائنات الحية والسّماء والأرض كلّها قد خلقت من قبل خالق قدير، خلق وأوجد كلّ شيء. ونحن نشعر بمدى مسؤوليتنا إزاء هذا الخالق الذي خلقنا من العدم، هذا الخالق هو الله عز وجلّ.
                    دليل مدونات المناظر المسلم

                    http://fast00fast.blogspot.com/

                    Comment

                    • اسامة النميرى
                      عضو
                      • Aug 2012
                      • 309

                      #25
                      قائمة المراجع


                      1. Cliff, Conner, "Evolution vs. Creationism: In Defense of Scientific Thinking", InternationalSocialist Review (Monthly Magazine Supplement to the Militant), November 1980.2. Ali Demirsoy, Kalitim ve Evrim (Inheritance and Evolution), Ankara: Meteksan PublishingCo., 1984, p. 61.3. Michael J. Behe, Darwin's Black Box, New York: Free Press, 1996, pp. 232-233.4. Richard Dawkins, The Blind Watchmaker, London: W. W. Norton, 1986, p. 159.5. Jonathan Wells, Icons of Evolution: Science or Myth? Why Much of What We Teach AboutEvolution is Wrong, Regnery Publishing, 2000, pp. 235-2366. Dan Graves, Science of Faith: Forty-Eight Biographies of Historic Scientists and Their Christian Faith, Grand Rapids, MI, Kregel Resources.7. Science, Philosophy, And Religion: A Symposium, 1941, CH.13.8. Max Planck, Where is Science Going?, www.websophia.com/aphorisms/science.html.9. H. S. Lipson, "A Physicist's View of Darwin's Theory", Evolution Trends in Plants, Vol 2, No.1, 1988, p. 6.10. Although Darwin came up with the claim that his theory was totally independent from that of Lamarck's, he gradually started to rely on Lamarck's assertions. Especially the 6th and the lastedition of The Origin of Species is full of examples of Lamarck's "inheritance of acquired traits".See Benjamin Farrington, What Darwin Really Said, New York: Schocken Books, 1966, p. 64.11. Michael Ruse, "Nonliteralist Antievolution", AAAS Symposium: "The NewAntievolutionism," February 13, 1993, Boston, MA.12. Steven M. Stanley, Macroevolution: Pattern and Process, San Francisco: W. H. Freeman andCo. 1979, pp. 35, 159.13. Colin Patterson, "Cladistics", Interview with Brian Leek, Peter Franz, March 4, 1982, BBC.14. Jonathan Wells, Icons of Evolution: Science or Myth? Why Much of What We Teach AboutEvolution is Wrong, Regnery Publishing, 2000, pp. 141-15115. Jerry Coyne, "Not Black and White", a review of Michael Majerus's Melanism: Evolution inAction, Nature, 396 (1988), pp. 35-3616. Stephen Jay Gould, "The Return of Hopeful Monsters", Natural History, Vol 86, July-August1977, p. 28.17. Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard UniversityPress, 1964, p. 189.18. Ibid, p. 177.19. B. G. Ranganathan, Origins?, Pennsylvania: The Banner Of Truth Trust, 1988.20. Warren Weaver, "Genetic Effects of Atomic Radiation", Science, Vol 123, June 29, 1956, p.1159.21. Gordon R. Taylor, The Great Evolution Mystery, New York: Harper & Row, 1983, p. 48.
                      22. Michael Pitman, Adam and Evolution, London: River Publishing, 1984, p. 70


                      23. Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard UniversityPress, 1964, p. 179.24. Charles Darwin, The Origin of Species, Oxford University Press, New York, 1998, pp. 140,141, 227.25. Derek V. Ager, "The Nature of the Fossil Record", Proceedings of the British GeologicalAssociation, Vol 87, 1976, p. 133.26. Mark Czarnecki, "The Revival of the Creationist Crusade", MacLean's, January 19, 1981, p.56.
                      27. R. Wesson, Beyond Natural Selection, MIT Press, Cambridge, MA, 1991, p. 45
                      28. David Raup, "Conflicts Between Darwin and Paleontology", Bulletin, Field Museum of Natural History, Vol 50, January 1979, p. 24.29. Richard Monastersky, "Mysteries of the Orient", Discover, April 1993, p. 40.30. Richard Fortey, "The Cambrian Explosion Exploded?", Science, vol 293, No 5529, 20 July2001, pp. 438-439.31. Ibid.32. Richard Dawkins, The Blind Watchmaker, London: W. W. Norton 1986, p. 229.33. Douglas J. Futuyma, Science on Trial, New York: Pantheon Books, 1983, p. 197.34. Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard UniversityPress, 1964, p. 302.35. Stefan Bengston, Nature, Vol. 345, 1990, p. 765.36. The New Animal Phylogeny: Reliability And Implications, Proc. of Nat. Aca. of Sci., 25April 2000, vol 97, No 9, pp. 4453-4456.37. Ibid.38. Gerald T. Todd, "Evolution of the Lung and the Origin of Bony Fishes: A CasualRelationship", American Zoologist, Vol 26, No. 4, 1980, p. 757.39. R. L. Carroll, Vertebrate Paleontology and Evolution, New York: W. H. Freeman and Co.1988, p. 4.; Robert L. Carroll, Patterns and Processes of Vertebrate Evolution, CambridgeUniversity Press, 1997, p. 296-9740. Edwin H. Colbert, M. Morales, Evolution of the Vertebrates, New York: John Wiley andSons, 1991, p. 99.41. Jean-Jacques Hublin, The Hamlyn Encyclopædia of Prehistoric Animals, New York: TheHamlyn Publishing Group Ltd., 1984, p. 120.42. Jacques Millot, "The Coelacanth", Scientific American, Vol 193, December 1955, p. 39.43. Bilim ve Teknik Magazine, November 1998, No: 372, p. 21.44. Robert L. Carroll, Vertebrate Paleontology and Evolution, New York: W. H. Freeman andCo., 1988, p. 198.45. Engin Korur, "Gözlerin ve Kanatların Sırrı" (The Mystery of the Eyes and the Wings), Bilimve Teknik, No. 203, October 1984, p. 25.46. Nature, Vol 382, August, 1, 1996, p. 401.47. Carl O. Dunbar, Historical Geology, New York: John Wiley and Sons, 1961, p. 310.


                      48. L. D. Martin, J. D. Stewart, K. N. Whetstone, The Auk, Vol 98, 1980, p. 86.49. Ibid, p. 86; L. D. Martin, "Origins of Higher Groups of Tetrapods", Ithaca, New York:Comstock Publising Association, 1991, pp. 485, 540.50. S. Tarsitano, M. K. Hecht, Zoological Journal of the Linnaean Society, Vol 69, 1985, p. 178;A. D. Walker, Geological Magazine, Vol 177, 1980, p. 595.51. Pat Shipman, "Birds do it... Did Dinosaurs?", New Scientist, February 1, 1997, p. 31.52. "Old Bird", Discover, March 21, 1997.53. Ibid.54. Pat Shipman, "Birds Do It... Did Dinosaurs?", p. 28.55. Robert L. Carroll, Patterns and Processes of Vertebrate Evolution, Cambridge UniversityPress, 1997, pp. 280-81.56.. Jonathan Wells, Icons of Evolution, Regnery Publishing, 2000, p. 117.57. Pat Shipman, "Birds Do It... Did Dinosaurs?", p. 28.58. Ibid.59. Roger Lewin, "Bones of Mammals, Ancestors Fleshed Out", Science, vol 212, June 26,1981, p. 1492.60. George Gaylord Simpson, Life Before Man, New York: Time-Life Books, 1972, p. 42.61. R. Eric Lombard, "Review of Evolutionary Principles of the Mammalian Middle Ear, GeraldFleischer", Evolution, Vol 33, December 1979, p. 1230.62. David R. Pilbeam, "Rearranging Our Family Tree", Nature, June 1978, p. 40.63. Earnest A. Hooton, Up From The Ape, New York: McMillan, 1931, p. 332.64. Malcolm Muggeridge, The End of Christendom, Grand Rapids, Eerdmans, 1980, p. 59.
                      65. Stephen Jay Gould, "Smith Woodward's Folly", New Scientist, February 5, 1979, p. 44.
                      66. Kenneth Oakley, William Le Gros Clark & J. S, "Piltdown", Meydan Larousse, Vol 10, p.133.
                      67. Stephen Jay Gould, "Smith Woodward's Folly", New Scientist, April 5, 1979, p. 44.
                      68. W. K. Gregory, "Hesperopithecus Apparently Not An Ape Nor A Man", Science, Vol 66,December 1927, p. 579.
                      69. Philips Verner Bradford, Harvey Blume, Ota Benga: The Pygmy in The Zoo, New Yorkelta Books, 1992.70. David Pilbeam, "Humans Lose an Early Ancestor", Science, April 1982, pp. 6-7.71. C. C. Swisher III, W. J. Rink, S. C. Antón, H. P. Schwarcz, G. H. Curtis, A. Suprijo,Widiasmoro, "Latest Homo erectus of Java: Potential Contemporaneity with Homo sapiens inSoutheast Asia", Science, Volume 274, Number 5294, Issue of 13 Dec 1996, pp. 1870-1874;also see, Jeffrey Kluger, "Not So Extinct After All: The Primitive Homo Erectus May HaveSurvived Long Enough To Coexist With Modern Humans, Time, December 23, 1996.72. Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, New York: Toplinger Publications, 1970, pp.75-94.73. Charles E. Oxnard, "The Place of Australopithecines in Human Evolution: Grounds for Doubt", Nature, Vol 258, p. 389.


                      74. Holly Smith, American Journal of Physical Antropology, Vol 94, 1994, pp. 307-325.75. Fred Spoor, Bernard Wood, Frans Zonneveld, "Implication of Early Hominid LabryntineMorphology for Evolution of Human Bipedal Locomotion", Nature, vol 369, June 23, 1994, pp.645-648.76. Tim Bromage, New Scientist, vol 133, 1992, p. 38-41.77. J. E. Cronin, N. T. Boaz, C. B. Stringer, Y. Rak, "Tempo and Mode in Hominid Evolution", Nature, Vol 292, 1981, pp. 113-122.78. C. L. Brace, H. Nelson, N. Korn, M. L. Brace, Atlas of Human Evolution, 2.b. New York:Rinehart and Wilson, 1979.79. Alan Walker, Scientific American, vol 239 (2), 1978, p. 54.80. Bernard Wood, Mark Collard, "The Human Genus", Science, vol 284, No 5411, 2 April1999, pp. 65-71.81. Marvin Lubenow, Bones of Contention, Grand Rapids, Baker, 1992, p. 83.82. Boyce Rensberger, The Washington Post, November 19, 1984.83. Ibid.84. Richard Leakey, The Making of Mankind, London: Sphere Books, 1981, p. 116.85. Marvin Lubenow, Bones of Contention, Grand Rapids, Baker, 1992. p. 136.86. Pat Shipman, "Doubting Dmanisi", American Scientist, November- December 2000, p. 491.87. Erik Trinkaus, "Hard Times Among the Neanderthals", Natural History, vol 87, December 1978, p. 10; R. L. Holloway, "The Neanderthal Brain: What Was Primitive", American Journalof Physical Anthropology Supplement, Vol 12, 1991, p. 94.88. Alan Walker, Science, vol 207, 1980, p. 1103.89. A. J. Kelso, Physical Antropology, 1st ed., New York: J. B. Lipincott Co., 1970, p. 221; M.D. Leakey, Olduvai Gorge, Vol 3, Cambridge: Cambridge University Press, 1971, p. 272.90. S. J. Gould, Natural History, Vol 85, 1976, p. 30.91. Time, November 1996.92. L. S. B. Leakey, The Origin of Homo Sapiens, ed. F. Borde, Paris: UNESCO, 1972, p. 25-29; L. S. B. Leakey, By the Evidence, New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1974.93. "Is This The Face of Our Past", Discover, December 1997, p. 97-100.94. A. J. Kelso, Physical Anthropology, 1.b., 1970, pp. 221; M. D. Leakey, Olduvai Gorge, Vol3, Cambridge: Cambridge University Press, 1971, p. 272.95. Donald C. Johanson & M. A. Edey, Lucy: The Beginnings of Humankind, New York: Simon& Schuster, 1981, p. 250.96. Science News, Vol 115, 1979, pp. 196-197.97. Ian Anderson, New Scientist, Vol 98, 1983, p. 373.98. Russell H. Tuttle, Natural History, March 1990, pp. 61-64.99. Ruth Henke, "Aufrecht aus den Baumen", Focus, Vol 39, 1996, p. 178.
                      100. Elaine Morgan, The Scars of Evolution, New York: Oxford University Press, 1994, p. 5.
                      101. Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, New York: Toplinger Publications, 1970, p. 19.
                      102. Robert Locke, "Family Fights", Discovering Archaeology, July/August 1999, p. 36-39.


                      103. Ibid.104. Henry Gee, In Search of Time: Beyond the Fossil Record to a New History of Life, NewYork, The Free Press, 1999, p. 126-127.105. W. R. Bird, The Origin of Species Revisited, Nashville: Thomas Nelson Co., 1991, pp. 298-99.106. "Hoyle on Evolution", Nature, Vol 294, November 12, 1981, p. 105.107. Ali Demirsoy, Kalitim ve Evrim (Inheritance and Evolution), Ankara: Meteksan PublishingCo., 1984, p. 64.108. W. R. Bird, The Origin of Species Revisited, Nashville: Thomas Nelson Co., 1991, p. 304.109. Ibid, p. 305.110. J. D. Thomas, Evolution and Faith, Abilene, TX, ACU Press, 1988. pp. 81-82.111. Robert Shapiro, Origins: A Sceptics Guide to the Creation of Life on Earth, New York,Summit Books, 1986. p.127.112. Fred Hoyle, Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space, New York, Simon &Schuster, 1984, p. 148.113. Ibid, p. 130.114. Fabbri Britannica Bilim Ansiklopedisi (Fabbri Britannica Science Encyclopaedia), vol 2, No22, p. 519.
                      115. Richard B. Bliss & Gary E. Parker, Origin of Life, California: 1979, p. 14.
                      116. Stanley Miller, Molecular Evolution of Life: Current Status of the Prebiotic Synthesis of Small Molecules, 1986, p. 7.
                      117. Kevin Mc Kean, Bilim ve Teknik, No 189, p. 7.
                      118. J. P. Ferris, C. T. Chen, "Photochemistry of Methane, Nitrogen, and Water Mixture As aModel for the Atmosphere of the Primitive Earth", Journal of American Chemical Society, vol97:11, 1975, p. 2964.
                      119. "New Evidence on Evolution of Early Atmosphere and Life", Bulletin of the AmericanMeteorological Society, vol 63, November 1982, pp. 1328-1330.
                      120. Richard B. Bliss & Gary E. Parker, Origin of Life, California, 1979, p. 25.
                      121. W. R. Bird, The Origin of Species Revisited, Nashville: Thomas Nelson Co., 1991, p. 325.
                      122. Richard B. Bliss & Gary E. Parker, Origin of Life, California: 1979, p. 25.
                      123. Ibid.124. S. W. Fox, K. Harada, G. Kramptiz, G. Mueller, "Chemical Origin of Cells", ChemicalEngineering News, June 22, 1970, p. 80.125. Frank B. Salisbury, "Doubts about the Modern Synthetic Theory of Evolution", AmericanBiology Teacher, September 1971, p. 336.126. Paul Auger, De La Physique Theorique a la Biologie, 1970, p. 118.127. Francis Crick, Life Itself: It's Origin and Nature, New York, Simon & Schuster, 1981, p.88.
                      128. Ali Demirsoy, Kalıtım ve Evrim (Inheritance and Evolution), Ankara: Meteksan PublishingCo., 1984, p. 39



                      129. Homer Jacobson, "Information, Reproduction and the Origin of Life", American Scientist,January 1955, p. 121.
                      130. Reinhard Junker & Siegfried Scherer, "Entstehung und Geschichte der Lebewesen", Weyel,1986, p. 89.131. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, London: Burnett Books, 1985, p. 351.132. John Horgan, "In the Beginning", Scientific American, vol. 264, February 1991, p. 119.133. G.F. Joyce, L. E. Orgel, "Prospects for Understanding the Origin of the RNA World", In theRNA World, New York: Cold Spring Harbor Laboratory Press, 1993, p. 13.134. Jacques Monod, Chance and Necessity, New York: 1971, p.143.135. Leslie E. Orgel, "The Origin of Life on the Earth", Scientific American, October 1994, vol.271, p. 78.136. Gordon C. Mills, Dean Kenyon, "The RNA World: A Critique", Origins & Design, 17:1,1996.137. Brig Klyce, The RNA World, http://www. panspermia.org/rnaworld.htm138. Chandra Wickramasinghe, Interview in London Daily Express, August 14, 1981.139. Pierre-P Grassé, Evolution of Living Organisms, New York: Academic Press, 1977, p. 103.140. Ibid, p. 107.141. Norman Macbeth, Darwin Retried: An Appeal to Reason, Boston: Gambit, 1971, p. 101.142. Malcolm Muggeridge, The End of Christendom, Grand Rapids: Eerdmans, 1980, p. 43.143. Loren C. Eiseley, The Immense Journey, Vintage Books, 1958, p. 186.144. Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, HarvardUniversity Press, 1964, p. 184.145. Norman Macbeth, Darwin Retried: An Appeal to Reason, Harvard Common Press, NewYork: 1971, p. 33.146. Ibid, p. 36.147. Loren Eiseley, The Immense Journey, Vintage Books, 1958. p. 227.148. H. Lisle Gibbs and Peter R. Grant, "Oscillating selection on Darwin's finches", Nature, 327,1987, pp. 513; For more detailed information, please see Jonathan Wells, Icons of Evolution,2000, pp. 159-175.149. Dr. Lee Spetner, "Lee Spetner/Edward Max Dialogue: Continuing an exchange with Dr.Edward E. Max", 2001, http://www.trueorigin. org/spetner2.ap150. Ibid.151. Ibid.152. Francisco J. Ayala, "The Mechanisms of Evolution", Scientific American, Vol. 239,September 1978, p. 64.153.Dr. Lee Spetner, "Lee Spetner/Edward Max Dialogue: Continuing an exchange with Dr.Edward E. Max", 2001, http://www.trueorigin. org/spetner2.ap154. S. R. Scadding, "Do 'Vestigial Organs' Provide Evidence for Evolution?", EvolutionaryTheory, Vol 5, May 1981, p. 173.155. The Merck Manual of Medical Information, Home edition, New Jersey: Merck & Co., Inc.

                      The Merck Publishing Group, Rahway, 1997.156. H. Enoch, Creation and Evolution, New York: 1966, pp. 18-19.157. Frank Salisbury, "Doubts About the Modern Synthetic Theory of Evolution", AmericanBiology Teacher, September 1971, p. 338.158. Dean Kenyon & Percival Davis, Of Pandas and People: The Central Question of BiologicalOrigins, (Dallas: Haughton Publishing, 1993), p. 33.159. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, London, Burnett Books, 1985, p. 145.160. William Fix, The Bone Peddlers: Selling Evolution (New York: Macmillan Publishing Co.,1984), p. 189.161. W. R. Bird, The Origin of Species Revisited, Thomas Nelson Co., Nashville: 1991, pp. 98-99; Percival Davis, Dean Kenyon, Of Pandas and People, Haughton Publishing Co., 1990, pp.35-38.162. W. R. Bird, The Origin of Species Revisited, pp. 98-99, 199-202.163.Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, London: Burnett Books, 1985, pp. 290-91.164. Hervé Philippe and Patrick Forterre, "The Rooting of the Universal Tree of Life is NotReliable", Journal of Molecular Evolution, vol 49, 1999, p. 510165. James Lake, Ravi Jain ve Maria Rivera, "Mix and Match in the Tree of Life", Science, vol.283, 1999, p. 2027166. Carl Woese, "The Universel Ancestor", Proceedings of the National Academy of Sciences,USA, 95, (1998) p. 6854167. Ibid.168. Jonathan Wells, Icons of Evolution, Regnery Publishing, 2000, p. 51169. G. G. Simpson, W. Beck, An Introduction to Biology, New York, Harcourt Brace andWorld, 1965, p. 241.170. Keith S. Thompson, "Ontogeny and Phylogeny Recapitulated", American Scientist, Vol 76,May/June 1988, p. 273.171. Francis Hitching, The Neck of the Giraffe: Where Darwin Went Wrong, New York: Ticknor and Fields 1982, p. 204.172. Richard Lewontin, "The Demon-Haunted World", The New York Review of Books, January9, 1997, p. 28.173. Robert Shapiro, Origins: A Sceptics Guide to the Creation of Life on Earth, Summit Books, New York: 1986, p. 207.174. Hoimar Von Dithfurt, Im Anfang War Der Wasserstoff (Secret Night of the Dinosaurs), Vol2, p. 64.175. Ali Demirsoy, Kalitim ve Evrim (Inheritance and Evolution), Ankara: Meteksan PublishingCo., 1984, p. 61.176. Ibid, p. 61.177. Ibid, p. 94.178. Bilim ve Teknik, July 1989, Vol. 22, No.260, p.59179. Grzimeks Tierleben Vögel 3, Deutscher Taschen Buch Verlag, Oktober 1993, p.92

                      180. David Attenborough, Life On Earth: A Natural History, Collins British BroadcastingCorporation, June 1979, p.236181. David Attenborough, Life On Earth: A Natural History, Collins British BroadcastingCorporation, June 1979, p.240182. Görsel Bilim ve Teknik Ansiklopedisi, pp.185-186183. WalterMetzner, http://cnas.ucr.edu/ ~bio/ faculty/Metzner.html184. National Geographic, September 1995, p.98185. Bilim ve Teknik, January 1990, pp.10-12186. David Attenborough, Life of Birds, Princeton University Press, Princeton-New Jersey,1998, p.47187. James L.Gould, Carol Grant Gould, Life at the Edge, W.H.Freeman and Company, 1989, pp. 130-136.188. David Attenborough, The Private Life of Plants, Princeton Universitye Press, Princeton- New Jersey, 1995, pp. 81-83.189. Encyclopedia of Reptiles and Amphibians, Published in the United States by AcademicPress, A Division of Harcourt Brace and Company, p. 35.190. Frederick Vester, Denken, Lernen, Vergessen, vga, 1978, p.6191. R.L.Gregory, Eye and Brain: The Psychology of Seeing, Oxford University Press Inc. NewYork, 1990, p. 9.192. Lincoln Barnett, The Universe and Dr.Einstein, William Sloane Associate, New York, 1948, p. 20.193. Orhan Hancerlioglu, Dusunce Tarihi (The History of Thought), Istanbul: Remzi Bookstore,6.ed., September 1995, p. 447.194. V.I.Lenin, Materialism and Empirio-criticism, Progress Publishers, Moscow, 1970, p. 14.195. Bertrand Russell, ABC of Relativity, George Allen and Unwin, London, 1964, pp. 161-162.196. R.L.Gregory, Eye and Brain: The Psychology of Seeing, Oxford University Press Inc. NewYork, 1990, p. 9.197. Ken Wilber, Holographic Paradigm and Other Paradoxes, p.20198. George Politzer, Principes Fondamentaux de Philosophie, Editions Sociales, Paris 1954, p.53.199. Orhan Hancerlioglu, Dusunce Tarihi (The History of Thought), Istanbul: Remzi Bookstore,6.ed., September 1995, p. 261.200. George Politzer, Principes Fondamentaux de Philosophie, Editions Sociales, Paris 1954, p.65.201. Paul Davies, Tanrı ve Yeni Fizik, (God and The New Physics), translated by Murat Temelli,Im Publishing, Istanbul 1995, pp. 180-181.202. Rennan Pekunlu, "Aldatmacanin Evrimsizligi", (Non-Evolution of Deceit), Bilim veUtopya, December 1998 (V.I.Lenin, Materialism and Empirio-criticism, Progress Publishers,Moscow, 1970, pp. 334-335).203. Alaettin Senel, "Evrim Aldatmacasi mi?, Devrin Aldatmacasi mi?", (Evolution Deceit or

                      Deceit of the Epoch?), Bilim ve Utopya, December 1998.204. Imam Rabbani Hz. Mektuplari (Letters of Rabbani), Vol.II, 357, Letter, p.163.205. Francois Jacob, Le Jeu des Possibles, University of Washington Press, 1982, p.111.206. Lincoln Barnett, The Universe and Dr.Einstein, William Sloane Associate, New York, 1948, pp. 52-53.207. Ibid., p. 17.208. Ibid., p. 58.209. Paul Strathern, The Big Idea: Einstein and Relativity, Arrow Books, 1997, p. 57.
                      210. Lincoln Barnett, The Universe and Dr.Einstein, William Sloane Associate, New York, 1948, p. 84.211. Ibid., pp. 17-18

                      دليل مدونات المناظر المسلم

                      http://fast00fast.blogspot.com/

                      Comment

                      • اسامة النميرى
                        عضو
                        • Aug 2012
                        • 309

                        #26
                        هذا وقد وتم انتاج عدد 2 فيلم وثائقى

                        يشرح فيها بعض اجزاء من الكتاب

                        سأتى لكم بها لاحقا

                        ان شاء الله
                        دليل مدونات المناظر المسلم

                        http://fast00fast.blogspot.com/

                        Comment

                        Working...