محاولة أخرى غير مجدية لدعاة التطور:
عالَم الحمض النووي الريبي
إن الاكتشاف الذي حدث في السبعينيات (والمتمثل في أن الغازات الموجودة أصلاً في جو الأرض البدائي تجعل تكوين الحمض الأميني مستحيلاً) قد كان ضربة كبيرة لنظرية التطور الجزيئي. واتضح -فيما بعد- أن تجارب الجو البدائي التي أجراها دعاة التطور من أمثال ميلر وفوكس كانت خاطئة، ولهذا السبب ظهرت في الثمانينيات محاولات جديدة لدعاة التطور. ونتيجة لتلك المحاولات، تم تقديم سيناريو عالَم الحمض النووي الريبي (The RNA World) الذي يقترح أن البروتينات لم تتكون أولاً، بل إن جزيئات الحمض النووي الريبي التي تحوي المعلومات الخاصة بالبروتينات هي التي تكونت أولاً
ووفقاً لهذا السيناريو (الذي قدمه في عام 1986 وولتر غيلبرت، وهو كيميائي من جامعة هارفارد) فقد استطاع جزيء الحمچ النووي الريبي قبل بلايين السنين بطريقة ما أن يتكاثر ذاتياً ويتكون بمحچ الصدفة، ثم بدأ هذا الجزيء في إنتاج البروتينات بتنشيط من تأثيرات خارجية. وبعد ذلك أصبح من الضروري أن تخزَّن هذه المعلومة في جزيء ثان، وبطريقة ما ظهر جزيء الحمض النووي الصبغي.
ونظراً لتكونه من سلسلة من المستحيلات في كل مرحلة من مراحله، فإن هذا السيناريو الذي يمكن بالكاد تخيله لم يقم سوى بتضخيم المشكلة وإثارة أسئلة كثيرة لا خلاص منها بدلاً من أن يقدم تفسيراً لأصل الحياة:
-1 فعندما يكون من المستحيل تفسير التكوين العَرَضي ولو حتى لواحد من النيوكليوتيدات المكونة للحمچ النووي الريبي، كيف يكون ممكناً -إذن- لهذه النيوكليوتيدات المتخيَّلة أن تكوّن الحمض النووي الريبي من خلال تواجدها في ترتيب صحيح؟ ويقرّ عالم الأحياء الداعي للتطور، جون هورغان، باستحالة تكوين الحمض النووي الريبي بالمصادفة كما يأتي:
كلما استمر الباحثون في دراسة مبدأ عالَم الحمض النووي الريبي دراسة دقيقة ستظهر العديد من الأسئلة: كيف نشأ الحمچ النووي الريبي في البداية؟ فمن الصعب تكوين الحمض النووي الريبي ومركباته في المختبر في أفضل الظروف، فكيف -إذن- تمّ ذلك في ظروف معقولة؟ (118)
-2 حتى إذا افترضنا أن تكوينه قد تم بمحض الصدفة، فكيف استطاع هذا الحمض النووي الريبي المكون من مجرد سلسلة نيوكليوتيدية أن يقرر تكرار نفسه ذاتياً، وبأي نوع من أنواع الآليات كان يمكنه أن يحقق هذا التكرار الذاتي؟ وأين وَجَد النيوكليوتيدات التي استخدمها أثناء التكرار الذاتي؟ إنه أمر مستحيل لدرجة أن عالِمَي الميكروبات الداعييَن للتطور، جيرالد جويچ وليزلي أورغال، يعبّران عن يأسهما من هذا الموضوع في كتابهما الذي يحمل عنوان: في عالَم الحمض النووي الريبي (In the RNA World) :
إن النقاپ متركز في نقطة لا يمكن الخروج منها ابدا...إنه حول ظهور RNA السحري الذي يستطيع استنساخ نفسه... ظهوره من وسط حساء من ال بوليتيكلوتيد المعقد جدا ...وهذا الأمر ليس ضد علم الكيمياء فقط، بل يهدم أيضا فكرتنا المتفائلة من أن RNA جزيئة تستطيع استنساخ نفسها بنفسها.(119)
-3حتى إذا افترضنا وجود تكرار ذاتي للحمض النووي الريبي (RNA) في العالم البدائي ووجود أحماض أمينية عديدة من كل نوع جاهزة ليستخدمها الحمض النووي الريبي، وأن جميع هذه المستحيلات حدثت بطريقة ما، فلا يزال الموقف غير مؤهل لأن يؤدي إلى تكوين بروتين واحد. ذلك أن الحمض النووي الريبي لا يشتمل إلا على المعلومات الخاصة بتركيب البروتينات، أما الأحما? الأمينية فهي مواد خام. وعلى الرغم من ذلك، لا توجد آلية لإنتاج البروتينات. وإذا اعتقدنا أن مجرد وجود الحمض النووي الريبي كافٍ لإنتاج البروتين فإن هذا الاعتقاد يكون بلا معنى، تماماً مثل أن نتوقع تجميع سيارة ذاتياً وإنتاجها ذاتياً -بكل بساطة- بمجرد القذف بتصميمها المرسوم على الورق على الآلاف من أجزائها المكومة بعضها فوق بعچ. وفي هذه الحالة أيضاً، يكون الإنتاج أمراً غير وارد نظراً لعدم وجود واشتراك المصنع أو العمال في هذه العملية.
ويتم إنتاج البروتين في المصنع الريبوسومي بمساعدة إنزيمات كثيرة ونتيجة عمليات معقدة للغاية تحدث داخل الخلية. والريبوسوم (ribosome) عبارة عن جزيء عضوي خلوي معقد يتكون من البروتينات. إذن، ينشئ هذا الوضع افتراضاً آخر غير معقول بأن الريبوسوم -أيضاً- كان يجب أن ينشأ بمحچ الصدفة في الوقت نفسه. وحتى جاك مونود، الحائز على جائزة نوبل والذي يعد من أكثر المدافعين عن التطور تعصباً، يوضح أن تصنيع البروتين لا يمكن بأي حال الاستخفاف به إلى حد افتراض اعتماده فقط على المعلومات الموجودة داخل الأحماض النووية، فهو يقول:
تفقد الشفرة ( الموجودة في DNA وفي RNA) معناها إذا لم تتم ترجمتها. وتتكون آلية الترجمة المعاصرة الخاصة بالخلية من عدد لا يقل عن خمسين مركباً كبير الجزيئات يتم تشفيره -بدوره- في الحمض النووي الصبغي( DNA)؛ إذ لا يمكن ترجمة الشفرة ونقلها بدون هذه المركبات. ولكن متى وكيف أُقفلت هذه الدائرة المفرغة ؟ من الصعب جدا مجرد تخيل ذلك. (120)
ولكن كيف يمكن لسلسلة الحمض النووي الريبي في العالم البدائي أن تتخذ مثل هذا القرار؟ وما هي الوسائل التي كانت تستطيع استخدامها لإنتاج البروتين من خلال القيام بمهمة خمسين جسيماً متخصصاً بدون أية مساعدة؟ لا يملك دعاة التطور إجابة على هذه الأسئلة
وقد قامت الدكتورة لزلي أورغل، وهي إحدى مساعدات ستانلي ميلر وفرانسيچ كريك من جامعة سان دييغو بكاليفورنيا، باستخدام تعبيرسيناريو لوصف ظهور الحياة من خلال عالم الحمض النووي الريبي ووصفت أورغل نوعية السمات التي كان على هذا الحمض أن يتميز بها ومدى استحالة حدوث ذلك في مقالها الذي يحمل عنوان: أصل الحياة (The Origin of Life) المنشور في مجلة العالِم الأمريكي (American Scientist) في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994:
لقد أشرنا -من قبل- إلى أن هذا السيناريو كان يمكن حدوثه لو توفر للحمض النووي الريبي الذي سبق ظهور الحياة العضوية خاصتان مجهولتان اليوم هما: المقدرة على التكرار بدون مساعدة البروتينات، والمقدرة على تحفيز كل خطوة من خطوات عملية تركيب البروتين وتكوينه.(121)
ويجب أن يكون واضحاً أن توقع هاتين العمليتين المعقدتين والحيويتين إلى أقصى حد من جزيء مثل الحمض النووي الريبي لا يحدث إلا من خلال قوة مخيلة أحد دعاة التطور ووجهة نظره. ومن ناحية أخرى، تبين الحقائق العلمية الملموسة بكل وضوح أن فرضية عالَم الحمض النووي الريبي التي هي نموذج جديد قُدِّم لتبرير مسألة تكوّن الحياة مصادفةً هي أيضاً خرافة غير معقولة على حد سواء.
الحياةُ حقيقةٌ أعظم كثيراً من
مجرد كونها كومة جزيئات
دعونا نغض الطرف لبرهة عن جميع المستحيلات ونفترض أن جزيء البروتين قد تكوّن فعلاً في أشد البيئات بعداً عن الملاءمة وفي ظل ظروف خارجة عن نطاق السيطرة مثل ظروف الأرض البدائية. وهنا هذه الحقيقة الكبيرة: إن تكوين بروتين واحد لن يكون كافياً؛ ذلك أن هذا البروتين سيضطر إلى الانتظار بصبر لآلاف - بل وربما لملايين- السنين في هذه البيئة الخارجة عن نطاق السيطرة وبدون أن يطرأ عليه أي تلف حتى يتكون جزيء آخر إلى جانبه بمحچ الصدفة تحت الظروف نفسها. وسيضطر -أيضاً- إلى الانتظار حتى تتكون ملايين البروتينات الصحيحة والضرورية جنباً إلى جنب في نفچ المحيط... على أن يتم كل ذلكمصادَفَة !! وسيكون لزاماً على تلك البروتينات - التي تكونت من قبل- أن تتحلى بالصبر دون أن يصيبها التلف، على الرغم من وجود الأشعة فوق البنفسجية والتأثيرات الميكانيكية القاسية، لكي تتكون بروتينات أخرى إلى جانبها مباشرة. وبعد ذلك، ينبغي على هذه البروتينات الموجودة بكميات ملائمة، والتي نشأت جميعها في نفچ الموقع بالضبط، أن تجتمع لتقوم باتحادات مُجدِية وتكوّن الجزيئات العضوية للخلية. ويجب ألا تتدخل في هذه الجزيئات العضوية أية مادة دخيلة، أو جزيء ضار، أو سلسلة بروتينية عديمة الفائدة... وبعدئذ، حتى إذا قدر لتلك الجزيئات العضوية أن تجتمع بطريقة متجانسة ومتعاونة إلى أقصى حد وفقاً لخطة وترتيب، يجب عليها أن تصطحب إلى جانبها جميع الإنزيمات الضرورية وتغطي نفسها بغشاء خلوي، على أن يكون محيطه الداخلي مملوءاً بسائل خا? لكي يوفر لها البيئة المثلى. ولكن حتى إذا حدثت -فعلياً- كل هذه الأحداثغير المحتمَلة بدرجة عالية جداً مصادَفَة، هل ستدب الحياة في هذه الكومة؟
الجواب هو: ‘؛ لأن البحوث قد أوضحت أن مجرد اتحاد جميع المواد الضرورية للحياة لا يكفي لكي تبدأ الحياة. وحتى إذا جُمعت كل البروتينات الضرورية للحياة ووضعت في أنبوب اختبار فإن هذه المجهودات لن ينتج عنها خلية حية. لقد فشلت جميع التجارب التي أجريت حول هذا الموضوع؛ فقد أشارت جميع الملاحظات والتجارب إلى أن الحياة لا يمكن أن تنشأ سوى من حياة مثلها. أما التأكيد بأن الحياة قد تطورت من أشياء غير حية، وبعبارة أخرى أشياء مولَّدة ذاتيا، فما هو إلا قصة تعيچ في أحلام دعاة التطور وتختلف تماماً عن نتائج كل تجربة وملاحظة.
وفي هذا الخصوص، فإن أول حياة على الأرض لا بد أن تكون قد نشأت من حياة أخرى ؛ إذ لا تستطيع الحياة أن تبدأ وتستمر وتنتهي إلا بمشيئة الله عزوجل. أما بالنسبة للتطور، فإنه لم يفشل فقط في تفسير كيفية بدء الحياة، بل فشل أيضاً في تفسير كيفية تكوين المواد اللازمة للحياة واجتماعها مع بعضها البعض.
ويصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة التي واجهها بوصفه عالماً أحيط علماً طول حياته بأن الحياة قد ظهرت نتيجة مصادفات عرَضَية بقوله: منذ بداية تدريبي كعالم، تعرض دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود، وكان من الضروري أن تُجتثّ هذه الفكرة على نحو أليم. وفي هذه اللحظة، لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله. لقد اعتدنا أن يكون عقلنا متفتحاً، والآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق، وليس الخلط العشوائي غير المقصود
الفصل الحادي عشر
وانين الديناميكا الحرارية تفنّد نظرية التطور
يقضي القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (الذي يعد من القوانين الفيزيائية الاساسية) بأن كل الأنظمة يصيبها الاضطراب والخلل وتؤول إلى الخراب بمرور الزمن إذا ما تركت دون تدخل خارجي في ظل الظروف الطبيعية، وهذا الخلل والخراب يتناسب طرداً مع الزمن الذي يمر عليها. إن جميع الكائنات الحية وغير الحية تبلى وتتعر? للتلف والتحلل، ومن ثم تفنى. وهذه هي النهاية الحتمية التي ستواجهها جميع الكائنات (بطريقة أو بأخرى) طبقاً لهذا القانون، وهذا المصير الذي لا مفر منه لا رجعة منه كذلك.
وما سبق يعد حقيقة نشاهدها كلنا على الدوام. فإنك -على سبيل المثال- إذا ما أخذت سيارة إلى الصحراء وتركتها هناك وعدت لترى ما آلت إليه بعد سنوات فلن تتوقع أن تجدها أفضل حالاً مما تركتها عليه، بل على العكچ من ذلك: ستجد أن الإطارات قد هبطت إلى الأر? ونفد منها الهواء، وأن زجاج السيارة مكسور وهيكلها يعلوه الصدأ، وأن محركها قد بدأ يبلى ويتقادم. وهنا تثبت صحة ذات النتيجة الحتمية والتي تتحقق بشكل أسرع في الكائنات الحية منها في الكائنات غير الحية. والقانون الثانى من قوانين الديناميكا الحرارية هو الوسيلة التي يمكن التعبير من خلالها حسابياً وبالمعادلات عن هذه العملية الطبيعية.
يعرف هذا القانون الفيزيائى الشهير بقانون الإنتروبيا (Entropy)، وهو عامل رياضى يعتبر مقياساً للطاقة غير المستغلة في نظام ديناميكي حراري؛ أو -بمعنى آخر- يعبّر عن مدى الخلل الذي قد يصيب أحد الأنظمة الفيزيائية. ويزيد هذا العامل كلما تحول أحد الأنظمة من كونه نظاماً مخطَّطاً إلى حالة من الخلل والاضطراب واللانظام. وكلما زادت نسبة الخلل والاضطراب في النظام ارتفع هذا العامل الذي يعبر عن درجة الخلل والاضطراب. ويقضى قانون الإنتروبيا بأن الكون بأسره يتجه بشكل لا يمكن تجنبه نحو حالة من الخلل والاضطراب واللانظام.
لقد ثبتت صحة القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (أو كما يطلق عليه: قانون الإنتروبيا) عملياً ونظرياً. إن أعظم علماء عصرنا هذا يتفقون على أن قانون الإنتروبيا سيكون هو النموذج المسيطر من القوانين خلال الفترة القادمة من التاريخ، وقد وصفه ألبرت أينشتاين (الذي يعد أعظم علماء عصرنا) بأنه القانون الأول للكون باجمعه. (123)
أما نظرية التطور فقد اشتهرت وعرفت بتجاهلها هذا القانون الفيزيائي الكوني البديهي والأساسي. وهي تطرح آلية تناقچ هذا القانون بالكامل؛ فهي تدّعي أن الذرات والجزيئات المتفرقة وغير المنتظمة وغير الحية قد تجمعت تلقائياً بمرور الزمن بنظام وتخطيط معيَّن، لتكوِّن جزيئات أخرى غاية في التعقيد مثل البروتينات والأحما? النووية DNA وRNA، ثم لتكوِّن -بعد ذلك- الملايين من الأنواع الحية الأكثر تعقيداً. وطبقاً لنظرية التطور، فإن هذه العملية المفترَضة التي تنتج عنها أشكال ونظم حية أكثر تعقيداً وتنظيماً في كل مرحلة زمنية تمر عليها قد بدأت وتطورت من تلقاء نفسها في ظل الظروف الطبيعية، إلا أن قانون الإنتروبيا يوضح تماماً أن هذه العملية الطبيعية المزعومة تخالف القوانين الفيزيائية كلياً.
وحتى العلماء الذين يؤمنون بهذه النظرية يؤكدون هذه الحقيقة بأنفسهم؛ فكما يقول العالم رَپ: إن المراحل المعقدة، التي تمر بها الحياة في تطورها تُظهر تناقضات هائلة مع ما تتجه إليه افتراضات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. فبينما يقر هذا القانون بأن هناك اتجاهاً دائماً وغير عكسي نحو الخلل والاضطراب تفترض نظرية التطور أن الحياة تتخذ أشكالاً أرقى وأكثر تنظيماً باستمرار وبمرور الوقت.(124)
وعن المأزق الحرج الذي وقعت فيه نظرية التطور بسبب قوانين الديناميكا الحرارية يقول عالم آخر من المؤمنين بهذه النظرية، وهو روجر ليوين،، في إحدى المقالات بمجلة العلم: : (Science)
تتمثل إحدى المشكلات التي واجهها علماء الأحياء في التناقض الصريح بين نظرية التطور والقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية؛ ذلك أن النظم -سواء الحية أو غير الحية- يجب أن تبلى بمرور الوقت لتصبح أقل تعقيداً وانتظاماً وليچ أكثر كما تزعم النظرية. (125)
ويقر عالم آخر من المؤمنين بالنظرية، وهو جورج سترافروبولوپ، باستحالة تكون أشكال من الحياة بصورة تلقائية طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، وعدم جدوى الفرض القائل بوجود وتكون أشكال معقدة من الكائنات الحية في ظل الظروف الطبيعية. حيث يقول في إحدى المقالات المنشورة بمجلة (American Scientist) المعروفة جيداً بمناصرتها لنظرية التطور: في ظل الظروف الطبيعية، لا يمكن أن يتكون أي جزيء عضوي معقد التركيب تلقائياً، بل إنه يجب أن يتحلل طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. وفي الواقع، فإنه كلما زاد تعقيد تركيب الخلية الحية أصبحت أقل ميلاً للاستقرار على حالها، وبالتالي يصبح من المؤكد -إن عاجلاً أو آجلاً- أن تؤول إلى التحلل والتلاشي. إن عملية التمثيل الضوئي- وهى شكل من أشكال الحياة- والعمليات الحيوية الأخرى، بل والحياة ذاتها، لا يمكن فهمها وتفسيرها على ضوء معطيات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية أو أي فرع آخر من العلوم، على الرغم من المحاولات الخاطئة - المتعمَّدة أو غير المتعمَّدة- لتفسيرها بالفعل. (126)
وكما هو ملاحَظ: فإن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يمثّل حجر عثرة أمام افتراضات نظرية التطور ليس فقط من الناحية العلمية بل والمنطقية كذلك. وقد عجزت النظرية عن تقديم أي تفسير علمي دائم لتخطي حجر العثرة هذا، ودعاة التطور يتخيلون فقط أن بإمكانهم بالفعل تخطيه. فعلى سبيل المثال، وعلى حد تعبير أحد علماء نظرية التطور - وهو جيرمي رِفكين- فإن هذه النظرية تتغلب على قانون الإنتروبيا بفعل قوة سحرية:
يقول قانون الإنتروبيا إن التطور يستهلك ويبدد الطاقة الكلية في سبيل الحياة على هذا الكوكب. أما مفهومنا عن التطور فهو على العكچ من ذلك تماماً؛ فنحن نرى أن عملية التطور تولّد طاقة أعظم وتزيد من درجة النظام على الأرض بطريقة سحرية ما!! (127)
هل تدل هذه العبارات إلا على أن هذه النظرية ليست سوى عقيدة دوغمائية يعتنقها أصحابها
خرافة النظام المفتوح
وإزاء مواجهتهم لكل هذه الحقائق، اضطر أنصار نظرية التطور إلى الدفاع عن نظريتهم باللجوء إلى تشويه قانون الإنتروبيا بزعمهم أن هذا القانون صحيح فقط فيما يتعلق بالأنظمة المغلقة (Closed systems)، أما النظم المفتوحة (Opened systems) فلا ينطبق عليها هذا القانون.
فالنظام المفتوح هو نظام ديناميكي حراري تتدفق الطاقة منه وإليه، وهذا على العكچ من النظام المغلق الذي تظل فيه الطاقة الأولية ساكنة. ودعاة نظرية التطور يزعمون أن الدنيا نظام مفتوح وهي معرَّضة دائماً لتدفق الطاقة الشمسية إليها، وأن قانون الإنتروبيا لا ينطبق على الدنيا بأسرها، وأن الكائنات الحية المعقدة التركيب يمكن أن تنشأ من أشكال بسيطة بدائية غير حية.
وتظهر هنا المغالطة ومحاولة التشويه بوضوح. إن مجرد تدفق الطاقة إلى نظامٍ ما ليچ كافياً لتأمين النظام فيه . فهناك عدة عمليات لا بد أن تتم لتوظيف وتشغيل الطاقة. فمثلاً، تحتاج السيارة إلى محرك وجهاز لنقل الحركة وآلية تحكم مناسبة لتحول الطاقة الموجودة في الوقود إلى حركة. وبدون مثل هذا النظام الضروري لتحويل الطاقة لا تتسنى للسيارة استخدام الطاقة الكامنة في الوقود.
وما سبق ينطبق على أشكال الحياة أيضاً. صحيح أن الحياة تستمد طاقتها من الشمچ، ولكن الطاقة الشمسية يمكن أن تتحول إلى طاقة كيميائية فقط بفعل النظم البالغة التعقيد لتحويل الطاقة في الكائنات الحية (مثل عملية التمثيل الضوئي الذي تقوم به النباتات، والأجهزة الهضمية لدى الإنسان والحيوان). فلا يمكن لأي كائن حي أن يعيش دون نظم تحويل الطاقة هذه، ومن دونها تصبح الشمس مجرد مصدر للطاقة يؤدى إلى الحرق أو الجفاف أو الإذابة.
وكما يتضح لنا، فإن أي نظام ديناميكي حراري بغير نظامٍ ما لتحويل الطاقة ليچ في صالح نظرية التطور، سواء أكان هذا النظام مفتوحاً أم مغلقاً. فلا يمكن لأحد أن يجزم بأن هذه الأشكال المعقدة والراقية من الكائنات الحية قد وجدت في ظل الظروف الطبيعية البدائية على سطح الأرض. إن المشكلة الحقيقية التي تواجه أنصار نظرية التطور بالفعل تتمثل في السؤال التالي: كيف يمكن لأنظمة تحويل الطاقة المعقدة (مثل عملية التمثيل الضوئي في النبات التي لا يمكن حتى محاكاتها بأحدث الوسائل التكنولوجية) أن توجد من تلقاء نفسها؟
إن تدفق الطاقة الشمسية إلى الدنيا وهي في مرحلتها البدائية ليچ له تأثير في حد ذاته وليچ هو السبب في انتظام هذه الدنيا. فمهما ارتفعت درجة الحرارة فإن الأحماض الأمينية تقاوم تشكيل الروابط المختلفة بالنظام المنطقي المسلسل الذي اعتادت عليه. فالطاقة في حد ذاتها لا تكفى لحمل الأحماض الأمينية على أن تكوّن الجزيئات الأكثر تعقيداً المكوِّنة للبروتينات أو لجعل البروتينات تكوِّن الأشكال الأكثر تعقيداً وانتظاماً من الخلايا الحية. إن المصدر الحقيقي الجوهري لهذا النظام على جميع المستويات هو التصميم الواعي، أو بعبارة أخرى: الخلق.
خرافة نظرية الفوضى
وحيث إن العلماء من أنصار نظرية التطور يدركون تمام الإدراك أن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يقضى باستحالة تحقق صحة هذه النظرية، فقد قاموا بوضع بعچ النظريات الخيالية في محاولة لتقليل الفجوة بين النظرية والقانون ليتمكنوا من إثبات صحة النظرية. وكما هو متوقع، أثبتت هذه المحاولات أو المناورات أن نظرية التطور تواجه عقبة لا يمكن التغلب عليها.
يعد العالم البلجيكي إيليا بريجوجين من العلماءالمعروفين بمحاولاتهم في التوفيق بين الديناميكا الحرارية وبين نظرية التطور. وقد اتخذ هذا العالم من نظرية الفوضى (Chaos Theory) نقطة البداية، واضعاً عدداً من الفرضيات التي تقول إن النظام يحتمل ان يأتي من الفوضى. ولكن على الرغم من كل جهوده فلم يستطع التوفيق بين قوانين الديناميكية الحرارية وبين نظرية التطور. . وهو يعتقد أن بعچ النظم المفتوحة يمكن أن تشهد انخفاض درجة الخلل والاضطراب فيها(أي انخفا? درجة الإنتروبيا) بفعل تأثير الطاقة الخارجية، وأن الانتظام الذي يتحقق في هذه الحالة دليل على أن المادة يمكن أن تنظم نفسها وحركتها. ومنذ ذلك الحين أصبح مفهوم التنظيم الذاتي للمادة شائعاً بين أنصار نظرية التطور وعلماء الماديات؛ فهم يتصرفون كأنهم اكتشفوا الأصل المادي وراء التعقيد الذي تتصف به الحياة ووجدوا حلاً مادياً لمشكلة أصل الحياة ذاتها.
بَيد أننا إذا ما تمعنَّا في دراسة هذا الفر? لوجدناه حديثاً مجرداً لا تسانده أي حقائق علمية بل يكاد يكون أمنيّات في خيال أنصار نظرية التطور يودون لو تتحقق. وأكثر من ذلك، فإنه يتضمن نوعاً من الخداع الساذج الذي يتمثل في الخلط المتعمَّد بين مفهومين محددين هما التنظيم الذاتي والترتيب الذاتي. (128) ويمكننا توضيح ذلك من خلال المثال التالي: فلنتخيل أحد الشواطئ وعليه أنواع مختلفة من الأحجار مختلطة ببعضها البعچ: ما بين أحجار كبيرة ومتوسطة الحجم وأخرى صغيرة للغاية. عندما تضرب موجة عالية هذا الشاطئ قد نلاحظ حدوث ترتيب للأحجار طبقاً لحجمها؛ حيث ستتسبب المياه في تحريك الأحجار من نفچ الوزن بنفچ المقدار. وعندما ترتد الموجة ثانية نلاحظ أن الأحجار قد تم ترتيبها من الأصغر إلى الأكبر حجماً باتجاه البحر.
وهذا ما يُطلق عليه عملية الترتيب الذاتي: فالشاطئ نظام مفتوح وتأثير الطاقة (طاقة الأمواج في هذه الحالة) قد يسبب هذا الترتيب. وهنا تجدر ملاحظة أن طاقة الأمواج السابق ذكرها لا يمكن أن تتسبب في بناء قلعة من الرمال على الشاطئ. فنحن عندما نرى قلعة من الرمال على الشاطئ نكون على يقين من أن أحداً ما قد صنعها. إن الفرق بين بناء القلعة الرملية والأحجار المرتبة يتمثل في أن الحالة الأولى تعبر عن عملية شديدة التعقيد ذات طابع فريد، بينما الثانية تعبر فقط عن عملية التكرار. وهو ما يشبه الآلة الكاتبة عندما تكتب حرفاً معيناً أ أ أ أ أ أ أ أ وتكرره لمئات المرات، لمجرد أن شيئاً ما (تأثير طاقة معينة) قد وقع تركيزه على هذا الحرف بالذات. وبطبيعة الحال لا تنطوي عملية تكرار كتابة هذا الحرف على أي معلومات، وبالتالي لا تنطوي على أي تعقيد. فالأمر يحتاج إلى عقل واع لتكوين تسلسل من الحروف على درجة من التعقيد لتنطوي على أي معلومات.
وما سبق ينطبق أيضاً عندما تهب الرياح داخل غرفة ما تمتلئ بالغبار والأتربة. فقبل حدوث هذا التأثير- تأثير الرياح- كانت الأتربة تنتشر وتملأ كل أرجاء الغرفة، ومع هبوب الرياح قد تتجمع هذه الأتربة في أحد أركان الغرفة، وهذا ما يُطلق عليه اسم الترتيب الذاتي. ولكن الأتربة أو الجزيئات التي تكوِّن الأتربة لا يمكن أن تتجمع بتنظيم نفسها ذاتياً لتكوّن صورة رجُل على أرضية الغرفة!
وهذه الأمثلة تشبه -إلى حد كبير- سيناريو التنظيم الذاتي الذي يقترحه دعاة نظرية التطور. فهم يقولون إن المادة تميل لتنظيم نفسها، ثم يسوقون مثالاً على الترتيب الذاتي وليس التنظيم الذاتي محاولين الخلط بين المفهومين. أما العالِم بريغوجين فقد ساق بنفسه أمثلة على الترتيب الذاتي للجزيئات بسبب تأثير طاقة ما. وفى كتاب عنوانه لغز أصل الحياة
(The Mystery of Life’s Origin) فسّرَ كلٌّ من ثاكستون وبرادلى وأولسين (وهم العلماء الأمريكيون الثلاثة مؤلفو هذا الكتاب) هذه الحقيقة بقولهم: في كل حالة من حالات الحركة العشوائية للجزيئات في سائل ما تتحول هذه الحركة العشوائية ويُستبدَل بها سلوك يؤدى إلى ترتيبٍ لهذه الجزيئات. لقد اقترح بريغوجين وإيجين وغيرهما إمكانية وجود نمط شبيه من التنظيم الذاتي بصورة متأصلة في الكيمياء العضوية، وأن ذلك يمكن أن يُعَد من الأسباب الجوهرية للتعقيد الشديد الذي تتصف به الجزيئات الكبيرة التي يعد وجودها أساسياً للأنظمة الحية. ولكن هذه الأمثلة التي استخدمها العلماء للقياپ ذات صلة ضعيفة بقضية أصل الحياة. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو فشلهم في التفرقة بين الترتيب والتعقيد؛ فالانتظام أو الترتيب لا يمكن أن يؤدى إلى اختزان الكم الكبير من المعلومات الذي تتطلبه الأنظمة الحية. فما تتطلبه الأنظمة الحية هو تركيب غير منتظم، ولكنه محدد، وليچ تركيباً مرتب المكونات. وهذا الخلط يعد عيباً خطيراً في الحالات القياسية التي ساقوها؛ فليست هناك علاقة واضحة بين الترتيب التلقائي الذي يحدث من جراء تدفق طاقة ما إلى مثل هذه الأنظمة وبين العمل الذي يتم لبناء دوري للجزئيات الكبيرة التي تمتلئ بكم مكثف من المعلومات مثل الحمچ النووي DNA والبروتينات. (129)
وفي الحقيقة، فقد اضطر بريغوجين نفسه إلى الاعتراف بأن ما ساقه من جدل لا يمكن اعتباره سبب أصل الحياة، قائلاً: إن مشكلة الترتيب الحيوى تتضمن الانتقال من نشاط الجزيء ذاته إلى ترتيب أرقى منه، وهو ترتيب الخلية. وهذه المشكلة هي أبعد ما تكون عن حلها بهذه الفروض . (130)
لماذا -إذن- لا يزال دعاة نظرية التطور يحاولون تصديق تفسيرات وسيناريوهات غير علمية مثل التنظيم الذاتى للمادة؟ لماذا يصرون على رفچ وإغفال الذكاء الواضح الذى تتصف به الأنظمة الحية؟ والإجابة هى: لأنهم يؤمنون بالماديات ويعتقدون أن المادة لديها قدرة سحرية على خلق الحياة. وقد فسر البروفسور روبرت شابريو، الأستاذ بجامعة نيويورك والخبير فى خبايا الأحماض النووية، فسر اعتقادات أنصار نظرية التطور وإيمانهم بالماديات الكامن خلف هذه الاعتقادات بقوله: يلزم التوصل إلى مبدأ آخر من مبادئ التطور ليعبر بنا الفجوة الواقعة فى المسافة بين اختلاط المواد الكيميائية الطبيعية وأُولى عمليات التكرار الفعالة. وهذا المبدأ لم يوصَف تفصيلاً بعدُ كما لم يتم إثباته، إلا أنه من المنتظر حدوث ذلك حتى إنه قد أعطي مسميات مثل التطور الكيميائى والتنظيم الذاتى للمادة. إن وجود هذا المبدأ أمر مسلم به فى الفلسفة المادية الجدلية، كما طبقها ألكساندر أوبرين على أصل الحياة .
إن هذا الموقف كله يبين بوضوح أن نظرية التطور هى عقيدة تخالف العلم وما يستند إليه من تجارب، وأن وجود الأحياء يمكن تفسيره فقط بفعل قوى خارقة للطبيعة. هذه القوى الخارقة للطبيعة هى قدرة الله -سبحانه وتعالى- الذى خلق الكون بأسره من العدم. وقد أثبت العلم أن نظرية التطور لا تزال مستحيلة التحقيق من منظور قوانين الديناميكا الحرارية، وأن وجود الحياة لا تفسير له سوى الخلق.
لأنه لو كانت الحياة عبثا ربما خيرتك الصدفة والتطور في ما ترغب فيه ، ولكان العلم يفسر كل ما يخطر على بالك ، ولكان بالإمكان منع الشلل وغيره من الأمراض التي تعجز الإنسان ، كما نلاحظ اختلاف اعمار الوفيات واختلاف الإبتلاء واختلاف الإيمان فهذا دليل على الخلق وليس الصدفة كما يدعي الملاحدة ..
عالَم الحمض النووي الريبي
إن الاكتشاف الذي حدث في السبعينيات (والمتمثل في أن الغازات الموجودة أصلاً في جو الأرض البدائي تجعل تكوين الحمض الأميني مستحيلاً) قد كان ضربة كبيرة لنظرية التطور الجزيئي. واتضح -فيما بعد- أن تجارب الجو البدائي التي أجراها دعاة التطور من أمثال ميلر وفوكس كانت خاطئة، ولهذا السبب ظهرت في الثمانينيات محاولات جديدة لدعاة التطور. ونتيجة لتلك المحاولات، تم تقديم سيناريو عالَم الحمض النووي الريبي (The RNA World) الذي يقترح أن البروتينات لم تتكون أولاً، بل إن جزيئات الحمض النووي الريبي التي تحوي المعلومات الخاصة بالبروتينات هي التي تكونت أولاً
ووفقاً لهذا السيناريو (الذي قدمه في عام 1986 وولتر غيلبرت، وهو كيميائي من جامعة هارفارد) فقد استطاع جزيء الحمچ النووي الريبي قبل بلايين السنين بطريقة ما أن يتكاثر ذاتياً ويتكون بمحچ الصدفة، ثم بدأ هذا الجزيء في إنتاج البروتينات بتنشيط من تأثيرات خارجية. وبعد ذلك أصبح من الضروري أن تخزَّن هذه المعلومة في جزيء ثان، وبطريقة ما ظهر جزيء الحمض النووي الصبغي.
ونظراً لتكونه من سلسلة من المستحيلات في كل مرحلة من مراحله، فإن هذا السيناريو الذي يمكن بالكاد تخيله لم يقم سوى بتضخيم المشكلة وإثارة أسئلة كثيرة لا خلاص منها بدلاً من أن يقدم تفسيراً لأصل الحياة:
-1 فعندما يكون من المستحيل تفسير التكوين العَرَضي ولو حتى لواحد من النيوكليوتيدات المكونة للحمچ النووي الريبي، كيف يكون ممكناً -إذن- لهذه النيوكليوتيدات المتخيَّلة أن تكوّن الحمض النووي الريبي من خلال تواجدها في ترتيب صحيح؟ ويقرّ عالم الأحياء الداعي للتطور، جون هورغان، باستحالة تكوين الحمض النووي الريبي بالمصادفة كما يأتي:
كلما استمر الباحثون في دراسة مبدأ عالَم الحمض النووي الريبي دراسة دقيقة ستظهر العديد من الأسئلة: كيف نشأ الحمچ النووي الريبي في البداية؟ فمن الصعب تكوين الحمض النووي الريبي ومركباته في المختبر في أفضل الظروف، فكيف -إذن- تمّ ذلك في ظروف معقولة؟ (118)
-2 حتى إذا افترضنا أن تكوينه قد تم بمحض الصدفة، فكيف استطاع هذا الحمض النووي الريبي المكون من مجرد سلسلة نيوكليوتيدية أن يقرر تكرار نفسه ذاتياً، وبأي نوع من أنواع الآليات كان يمكنه أن يحقق هذا التكرار الذاتي؟ وأين وَجَد النيوكليوتيدات التي استخدمها أثناء التكرار الذاتي؟ إنه أمر مستحيل لدرجة أن عالِمَي الميكروبات الداعييَن للتطور، جيرالد جويچ وليزلي أورغال، يعبّران عن يأسهما من هذا الموضوع في كتابهما الذي يحمل عنوان: في عالَم الحمض النووي الريبي (In the RNA World) :
إن النقاپ متركز في نقطة لا يمكن الخروج منها ابدا...إنه حول ظهور RNA السحري الذي يستطيع استنساخ نفسه... ظهوره من وسط حساء من ال بوليتيكلوتيد المعقد جدا ...وهذا الأمر ليس ضد علم الكيمياء فقط، بل يهدم أيضا فكرتنا المتفائلة من أن RNA جزيئة تستطيع استنساخ نفسها بنفسها.(119)
-3حتى إذا افترضنا وجود تكرار ذاتي للحمض النووي الريبي (RNA) في العالم البدائي ووجود أحماض أمينية عديدة من كل نوع جاهزة ليستخدمها الحمض النووي الريبي، وأن جميع هذه المستحيلات حدثت بطريقة ما، فلا يزال الموقف غير مؤهل لأن يؤدي إلى تكوين بروتين واحد. ذلك أن الحمض النووي الريبي لا يشتمل إلا على المعلومات الخاصة بتركيب البروتينات، أما الأحما? الأمينية فهي مواد خام. وعلى الرغم من ذلك، لا توجد آلية لإنتاج البروتينات. وإذا اعتقدنا أن مجرد وجود الحمض النووي الريبي كافٍ لإنتاج البروتين فإن هذا الاعتقاد يكون بلا معنى، تماماً مثل أن نتوقع تجميع سيارة ذاتياً وإنتاجها ذاتياً -بكل بساطة- بمجرد القذف بتصميمها المرسوم على الورق على الآلاف من أجزائها المكومة بعضها فوق بعچ. وفي هذه الحالة أيضاً، يكون الإنتاج أمراً غير وارد نظراً لعدم وجود واشتراك المصنع أو العمال في هذه العملية.
ويتم إنتاج البروتين في المصنع الريبوسومي بمساعدة إنزيمات كثيرة ونتيجة عمليات معقدة للغاية تحدث داخل الخلية. والريبوسوم (ribosome) عبارة عن جزيء عضوي خلوي معقد يتكون من البروتينات. إذن، ينشئ هذا الوضع افتراضاً آخر غير معقول بأن الريبوسوم -أيضاً- كان يجب أن ينشأ بمحچ الصدفة في الوقت نفسه. وحتى جاك مونود، الحائز على جائزة نوبل والذي يعد من أكثر المدافعين عن التطور تعصباً، يوضح أن تصنيع البروتين لا يمكن بأي حال الاستخفاف به إلى حد افتراض اعتماده فقط على المعلومات الموجودة داخل الأحماض النووية، فهو يقول:
تفقد الشفرة ( الموجودة في DNA وفي RNA) معناها إذا لم تتم ترجمتها. وتتكون آلية الترجمة المعاصرة الخاصة بالخلية من عدد لا يقل عن خمسين مركباً كبير الجزيئات يتم تشفيره -بدوره- في الحمض النووي الصبغي( DNA)؛ إذ لا يمكن ترجمة الشفرة ونقلها بدون هذه المركبات. ولكن متى وكيف أُقفلت هذه الدائرة المفرغة ؟ من الصعب جدا مجرد تخيل ذلك. (120)
ولكن كيف يمكن لسلسلة الحمض النووي الريبي في العالم البدائي أن تتخذ مثل هذا القرار؟ وما هي الوسائل التي كانت تستطيع استخدامها لإنتاج البروتين من خلال القيام بمهمة خمسين جسيماً متخصصاً بدون أية مساعدة؟ لا يملك دعاة التطور إجابة على هذه الأسئلة
وقد قامت الدكتورة لزلي أورغل، وهي إحدى مساعدات ستانلي ميلر وفرانسيچ كريك من جامعة سان دييغو بكاليفورنيا، باستخدام تعبيرسيناريو لوصف ظهور الحياة من خلال عالم الحمض النووي الريبي ووصفت أورغل نوعية السمات التي كان على هذا الحمض أن يتميز بها ومدى استحالة حدوث ذلك في مقالها الذي يحمل عنوان: أصل الحياة (The Origin of Life) المنشور في مجلة العالِم الأمريكي (American Scientist) في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994:
لقد أشرنا -من قبل- إلى أن هذا السيناريو كان يمكن حدوثه لو توفر للحمض النووي الريبي الذي سبق ظهور الحياة العضوية خاصتان مجهولتان اليوم هما: المقدرة على التكرار بدون مساعدة البروتينات، والمقدرة على تحفيز كل خطوة من خطوات عملية تركيب البروتين وتكوينه.(121)
ويجب أن يكون واضحاً أن توقع هاتين العمليتين المعقدتين والحيويتين إلى أقصى حد من جزيء مثل الحمض النووي الريبي لا يحدث إلا من خلال قوة مخيلة أحد دعاة التطور ووجهة نظره. ومن ناحية أخرى، تبين الحقائق العلمية الملموسة بكل وضوح أن فرضية عالَم الحمض النووي الريبي التي هي نموذج جديد قُدِّم لتبرير مسألة تكوّن الحياة مصادفةً هي أيضاً خرافة غير معقولة على حد سواء.
الحياةُ حقيقةٌ أعظم كثيراً من
مجرد كونها كومة جزيئات
دعونا نغض الطرف لبرهة عن جميع المستحيلات ونفترض أن جزيء البروتين قد تكوّن فعلاً في أشد البيئات بعداً عن الملاءمة وفي ظل ظروف خارجة عن نطاق السيطرة مثل ظروف الأرض البدائية. وهنا هذه الحقيقة الكبيرة: إن تكوين بروتين واحد لن يكون كافياً؛ ذلك أن هذا البروتين سيضطر إلى الانتظار بصبر لآلاف - بل وربما لملايين- السنين في هذه البيئة الخارجة عن نطاق السيطرة وبدون أن يطرأ عليه أي تلف حتى يتكون جزيء آخر إلى جانبه بمحچ الصدفة تحت الظروف نفسها. وسيضطر -أيضاً- إلى الانتظار حتى تتكون ملايين البروتينات الصحيحة والضرورية جنباً إلى جنب في نفچ المحيط... على أن يتم كل ذلكمصادَفَة !! وسيكون لزاماً على تلك البروتينات - التي تكونت من قبل- أن تتحلى بالصبر دون أن يصيبها التلف، على الرغم من وجود الأشعة فوق البنفسجية والتأثيرات الميكانيكية القاسية، لكي تتكون بروتينات أخرى إلى جانبها مباشرة. وبعد ذلك، ينبغي على هذه البروتينات الموجودة بكميات ملائمة، والتي نشأت جميعها في نفچ الموقع بالضبط، أن تجتمع لتقوم باتحادات مُجدِية وتكوّن الجزيئات العضوية للخلية. ويجب ألا تتدخل في هذه الجزيئات العضوية أية مادة دخيلة، أو جزيء ضار، أو سلسلة بروتينية عديمة الفائدة... وبعدئذ، حتى إذا قدر لتلك الجزيئات العضوية أن تجتمع بطريقة متجانسة ومتعاونة إلى أقصى حد وفقاً لخطة وترتيب، يجب عليها أن تصطحب إلى جانبها جميع الإنزيمات الضرورية وتغطي نفسها بغشاء خلوي، على أن يكون محيطه الداخلي مملوءاً بسائل خا? لكي يوفر لها البيئة المثلى. ولكن حتى إذا حدثت -فعلياً- كل هذه الأحداثغير المحتمَلة بدرجة عالية جداً مصادَفَة، هل ستدب الحياة في هذه الكومة؟
الجواب هو: ‘؛ لأن البحوث قد أوضحت أن مجرد اتحاد جميع المواد الضرورية للحياة لا يكفي لكي تبدأ الحياة. وحتى إذا جُمعت كل البروتينات الضرورية للحياة ووضعت في أنبوب اختبار فإن هذه المجهودات لن ينتج عنها خلية حية. لقد فشلت جميع التجارب التي أجريت حول هذا الموضوع؛ فقد أشارت جميع الملاحظات والتجارب إلى أن الحياة لا يمكن أن تنشأ سوى من حياة مثلها. أما التأكيد بأن الحياة قد تطورت من أشياء غير حية، وبعبارة أخرى أشياء مولَّدة ذاتيا، فما هو إلا قصة تعيچ في أحلام دعاة التطور وتختلف تماماً عن نتائج كل تجربة وملاحظة.
وفي هذا الخصوص، فإن أول حياة على الأرض لا بد أن تكون قد نشأت من حياة أخرى ؛ إذ لا تستطيع الحياة أن تبدأ وتستمر وتنتهي إلا بمشيئة الله عزوجل. أما بالنسبة للتطور، فإنه لم يفشل فقط في تفسير كيفية بدء الحياة، بل فشل أيضاً في تفسير كيفية تكوين المواد اللازمة للحياة واجتماعها مع بعضها البعض.
ويصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة التي واجهها بوصفه عالماً أحيط علماً طول حياته بأن الحياة قد ظهرت نتيجة مصادفات عرَضَية بقوله: منذ بداية تدريبي كعالم، تعرض دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود، وكان من الضروري أن تُجتثّ هذه الفكرة على نحو أليم. وفي هذه اللحظة، لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله. لقد اعتدنا أن يكون عقلنا متفتحاً، والآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق، وليس الخلط العشوائي غير المقصود
الفصل الحادي عشر
وانين الديناميكا الحرارية تفنّد نظرية التطور
يقضي القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (الذي يعد من القوانين الفيزيائية الاساسية) بأن كل الأنظمة يصيبها الاضطراب والخلل وتؤول إلى الخراب بمرور الزمن إذا ما تركت دون تدخل خارجي في ظل الظروف الطبيعية، وهذا الخلل والخراب يتناسب طرداً مع الزمن الذي يمر عليها. إن جميع الكائنات الحية وغير الحية تبلى وتتعر? للتلف والتحلل، ومن ثم تفنى. وهذه هي النهاية الحتمية التي ستواجهها جميع الكائنات (بطريقة أو بأخرى) طبقاً لهذا القانون، وهذا المصير الذي لا مفر منه لا رجعة منه كذلك.
وما سبق يعد حقيقة نشاهدها كلنا على الدوام. فإنك -على سبيل المثال- إذا ما أخذت سيارة إلى الصحراء وتركتها هناك وعدت لترى ما آلت إليه بعد سنوات فلن تتوقع أن تجدها أفضل حالاً مما تركتها عليه، بل على العكچ من ذلك: ستجد أن الإطارات قد هبطت إلى الأر? ونفد منها الهواء، وأن زجاج السيارة مكسور وهيكلها يعلوه الصدأ، وأن محركها قد بدأ يبلى ويتقادم. وهنا تثبت صحة ذات النتيجة الحتمية والتي تتحقق بشكل أسرع في الكائنات الحية منها في الكائنات غير الحية. والقانون الثانى من قوانين الديناميكا الحرارية هو الوسيلة التي يمكن التعبير من خلالها حسابياً وبالمعادلات عن هذه العملية الطبيعية.
يعرف هذا القانون الفيزيائى الشهير بقانون الإنتروبيا (Entropy)، وهو عامل رياضى يعتبر مقياساً للطاقة غير المستغلة في نظام ديناميكي حراري؛ أو -بمعنى آخر- يعبّر عن مدى الخلل الذي قد يصيب أحد الأنظمة الفيزيائية. ويزيد هذا العامل كلما تحول أحد الأنظمة من كونه نظاماً مخطَّطاً إلى حالة من الخلل والاضطراب واللانظام. وكلما زادت نسبة الخلل والاضطراب في النظام ارتفع هذا العامل الذي يعبر عن درجة الخلل والاضطراب. ويقضى قانون الإنتروبيا بأن الكون بأسره يتجه بشكل لا يمكن تجنبه نحو حالة من الخلل والاضطراب واللانظام.
لقد ثبتت صحة القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (أو كما يطلق عليه: قانون الإنتروبيا) عملياً ونظرياً. إن أعظم علماء عصرنا هذا يتفقون على أن قانون الإنتروبيا سيكون هو النموذج المسيطر من القوانين خلال الفترة القادمة من التاريخ، وقد وصفه ألبرت أينشتاين (الذي يعد أعظم علماء عصرنا) بأنه القانون الأول للكون باجمعه. (123)
أما نظرية التطور فقد اشتهرت وعرفت بتجاهلها هذا القانون الفيزيائي الكوني البديهي والأساسي. وهي تطرح آلية تناقچ هذا القانون بالكامل؛ فهي تدّعي أن الذرات والجزيئات المتفرقة وغير المنتظمة وغير الحية قد تجمعت تلقائياً بمرور الزمن بنظام وتخطيط معيَّن، لتكوِّن جزيئات أخرى غاية في التعقيد مثل البروتينات والأحما? النووية DNA وRNA، ثم لتكوِّن -بعد ذلك- الملايين من الأنواع الحية الأكثر تعقيداً. وطبقاً لنظرية التطور، فإن هذه العملية المفترَضة التي تنتج عنها أشكال ونظم حية أكثر تعقيداً وتنظيماً في كل مرحلة زمنية تمر عليها قد بدأت وتطورت من تلقاء نفسها في ظل الظروف الطبيعية، إلا أن قانون الإنتروبيا يوضح تماماً أن هذه العملية الطبيعية المزعومة تخالف القوانين الفيزيائية كلياً.
وحتى العلماء الذين يؤمنون بهذه النظرية يؤكدون هذه الحقيقة بأنفسهم؛ فكما يقول العالم رَپ: إن المراحل المعقدة، التي تمر بها الحياة في تطورها تُظهر تناقضات هائلة مع ما تتجه إليه افتراضات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. فبينما يقر هذا القانون بأن هناك اتجاهاً دائماً وغير عكسي نحو الخلل والاضطراب تفترض نظرية التطور أن الحياة تتخذ أشكالاً أرقى وأكثر تنظيماً باستمرار وبمرور الوقت.(124)
وعن المأزق الحرج الذي وقعت فيه نظرية التطور بسبب قوانين الديناميكا الحرارية يقول عالم آخر من المؤمنين بهذه النظرية، وهو روجر ليوين،، في إحدى المقالات بمجلة العلم: : (Science)
تتمثل إحدى المشكلات التي واجهها علماء الأحياء في التناقض الصريح بين نظرية التطور والقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية؛ ذلك أن النظم -سواء الحية أو غير الحية- يجب أن تبلى بمرور الوقت لتصبح أقل تعقيداً وانتظاماً وليچ أكثر كما تزعم النظرية. (125)
ويقر عالم آخر من المؤمنين بالنظرية، وهو جورج سترافروبولوپ، باستحالة تكون أشكال من الحياة بصورة تلقائية طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، وعدم جدوى الفرض القائل بوجود وتكون أشكال معقدة من الكائنات الحية في ظل الظروف الطبيعية. حيث يقول في إحدى المقالات المنشورة بمجلة (American Scientist) المعروفة جيداً بمناصرتها لنظرية التطور: في ظل الظروف الطبيعية، لا يمكن أن يتكون أي جزيء عضوي معقد التركيب تلقائياً، بل إنه يجب أن يتحلل طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. وفي الواقع، فإنه كلما زاد تعقيد تركيب الخلية الحية أصبحت أقل ميلاً للاستقرار على حالها، وبالتالي يصبح من المؤكد -إن عاجلاً أو آجلاً- أن تؤول إلى التحلل والتلاشي. إن عملية التمثيل الضوئي- وهى شكل من أشكال الحياة- والعمليات الحيوية الأخرى، بل والحياة ذاتها، لا يمكن فهمها وتفسيرها على ضوء معطيات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية أو أي فرع آخر من العلوم، على الرغم من المحاولات الخاطئة - المتعمَّدة أو غير المتعمَّدة- لتفسيرها بالفعل. (126)
وكما هو ملاحَظ: فإن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يمثّل حجر عثرة أمام افتراضات نظرية التطور ليس فقط من الناحية العلمية بل والمنطقية كذلك. وقد عجزت النظرية عن تقديم أي تفسير علمي دائم لتخطي حجر العثرة هذا، ودعاة التطور يتخيلون فقط أن بإمكانهم بالفعل تخطيه. فعلى سبيل المثال، وعلى حد تعبير أحد علماء نظرية التطور - وهو جيرمي رِفكين- فإن هذه النظرية تتغلب على قانون الإنتروبيا بفعل قوة سحرية:
يقول قانون الإنتروبيا إن التطور يستهلك ويبدد الطاقة الكلية في سبيل الحياة على هذا الكوكب. أما مفهومنا عن التطور فهو على العكچ من ذلك تماماً؛ فنحن نرى أن عملية التطور تولّد طاقة أعظم وتزيد من درجة النظام على الأرض بطريقة سحرية ما!! (127)
هل تدل هذه العبارات إلا على أن هذه النظرية ليست سوى عقيدة دوغمائية يعتنقها أصحابها
خرافة النظام المفتوح
وإزاء مواجهتهم لكل هذه الحقائق، اضطر أنصار نظرية التطور إلى الدفاع عن نظريتهم باللجوء إلى تشويه قانون الإنتروبيا بزعمهم أن هذا القانون صحيح فقط فيما يتعلق بالأنظمة المغلقة (Closed systems)، أما النظم المفتوحة (Opened systems) فلا ينطبق عليها هذا القانون.
فالنظام المفتوح هو نظام ديناميكي حراري تتدفق الطاقة منه وإليه، وهذا على العكچ من النظام المغلق الذي تظل فيه الطاقة الأولية ساكنة. ودعاة نظرية التطور يزعمون أن الدنيا نظام مفتوح وهي معرَّضة دائماً لتدفق الطاقة الشمسية إليها، وأن قانون الإنتروبيا لا ينطبق على الدنيا بأسرها، وأن الكائنات الحية المعقدة التركيب يمكن أن تنشأ من أشكال بسيطة بدائية غير حية.
وتظهر هنا المغالطة ومحاولة التشويه بوضوح. إن مجرد تدفق الطاقة إلى نظامٍ ما ليچ كافياً لتأمين النظام فيه . فهناك عدة عمليات لا بد أن تتم لتوظيف وتشغيل الطاقة. فمثلاً، تحتاج السيارة إلى محرك وجهاز لنقل الحركة وآلية تحكم مناسبة لتحول الطاقة الموجودة في الوقود إلى حركة. وبدون مثل هذا النظام الضروري لتحويل الطاقة لا تتسنى للسيارة استخدام الطاقة الكامنة في الوقود.
وما سبق ينطبق على أشكال الحياة أيضاً. صحيح أن الحياة تستمد طاقتها من الشمچ، ولكن الطاقة الشمسية يمكن أن تتحول إلى طاقة كيميائية فقط بفعل النظم البالغة التعقيد لتحويل الطاقة في الكائنات الحية (مثل عملية التمثيل الضوئي الذي تقوم به النباتات، والأجهزة الهضمية لدى الإنسان والحيوان). فلا يمكن لأي كائن حي أن يعيش دون نظم تحويل الطاقة هذه، ومن دونها تصبح الشمس مجرد مصدر للطاقة يؤدى إلى الحرق أو الجفاف أو الإذابة.
وكما يتضح لنا، فإن أي نظام ديناميكي حراري بغير نظامٍ ما لتحويل الطاقة ليچ في صالح نظرية التطور، سواء أكان هذا النظام مفتوحاً أم مغلقاً. فلا يمكن لأحد أن يجزم بأن هذه الأشكال المعقدة والراقية من الكائنات الحية قد وجدت في ظل الظروف الطبيعية البدائية على سطح الأرض. إن المشكلة الحقيقية التي تواجه أنصار نظرية التطور بالفعل تتمثل في السؤال التالي: كيف يمكن لأنظمة تحويل الطاقة المعقدة (مثل عملية التمثيل الضوئي في النبات التي لا يمكن حتى محاكاتها بأحدث الوسائل التكنولوجية) أن توجد من تلقاء نفسها؟
إن تدفق الطاقة الشمسية إلى الدنيا وهي في مرحلتها البدائية ليچ له تأثير في حد ذاته وليچ هو السبب في انتظام هذه الدنيا. فمهما ارتفعت درجة الحرارة فإن الأحماض الأمينية تقاوم تشكيل الروابط المختلفة بالنظام المنطقي المسلسل الذي اعتادت عليه. فالطاقة في حد ذاتها لا تكفى لحمل الأحماض الأمينية على أن تكوّن الجزيئات الأكثر تعقيداً المكوِّنة للبروتينات أو لجعل البروتينات تكوِّن الأشكال الأكثر تعقيداً وانتظاماً من الخلايا الحية. إن المصدر الحقيقي الجوهري لهذا النظام على جميع المستويات هو التصميم الواعي، أو بعبارة أخرى: الخلق.
خرافة نظرية الفوضى
وحيث إن العلماء من أنصار نظرية التطور يدركون تمام الإدراك أن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يقضى باستحالة تحقق صحة هذه النظرية، فقد قاموا بوضع بعچ النظريات الخيالية في محاولة لتقليل الفجوة بين النظرية والقانون ليتمكنوا من إثبات صحة النظرية. وكما هو متوقع، أثبتت هذه المحاولات أو المناورات أن نظرية التطور تواجه عقبة لا يمكن التغلب عليها.
يعد العالم البلجيكي إيليا بريجوجين من العلماءالمعروفين بمحاولاتهم في التوفيق بين الديناميكا الحرارية وبين نظرية التطور. وقد اتخذ هذا العالم من نظرية الفوضى (Chaos Theory) نقطة البداية، واضعاً عدداً من الفرضيات التي تقول إن النظام يحتمل ان يأتي من الفوضى. ولكن على الرغم من كل جهوده فلم يستطع التوفيق بين قوانين الديناميكية الحرارية وبين نظرية التطور. . وهو يعتقد أن بعچ النظم المفتوحة يمكن أن تشهد انخفاض درجة الخلل والاضطراب فيها(أي انخفا? درجة الإنتروبيا) بفعل تأثير الطاقة الخارجية، وأن الانتظام الذي يتحقق في هذه الحالة دليل على أن المادة يمكن أن تنظم نفسها وحركتها. ومنذ ذلك الحين أصبح مفهوم التنظيم الذاتي للمادة شائعاً بين أنصار نظرية التطور وعلماء الماديات؛ فهم يتصرفون كأنهم اكتشفوا الأصل المادي وراء التعقيد الذي تتصف به الحياة ووجدوا حلاً مادياً لمشكلة أصل الحياة ذاتها.
بَيد أننا إذا ما تمعنَّا في دراسة هذا الفر? لوجدناه حديثاً مجرداً لا تسانده أي حقائق علمية بل يكاد يكون أمنيّات في خيال أنصار نظرية التطور يودون لو تتحقق. وأكثر من ذلك، فإنه يتضمن نوعاً من الخداع الساذج الذي يتمثل في الخلط المتعمَّد بين مفهومين محددين هما التنظيم الذاتي والترتيب الذاتي. (128) ويمكننا توضيح ذلك من خلال المثال التالي: فلنتخيل أحد الشواطئ وعليه أنواع مختلفة من الأحجار مختلطة ببعضها البعچ: ما بين أحجار كبيرة ومتوسطة الحجم وأخرى صغيرة للغاية. عندما تضرب موجة عالية هذا الشاطئ قد نلاحظ حدوث ترتيب للأحجار طبقاً لحجمها؛ حيث ستتسبب المياه في تحريك الأحجار من نفچ الوزن بنفچ المقدار. وعندما ترتد الموجة ثانية نلاحظ أن الأحجار قد تم ترتيبها من الأصغر إلى الأكبر حجماً باتجاه البحر.
وهذا ما يُطلق عليه عملية الترتيب الذاتي: فالشاطئ نظام مفتوح وتأثير الطاقة (طاقة الأمواج في هذه الحالة) قد يسبب هذا الترتيب. وهنا تجدر ملاحظة أن طاقة الأمواج السابق ذكرها لا يمكن أن تتسبب في بناء قلعة من الرمال على الشاطئ. فنحن عندما نرى قلعة من الرمال على الشاطئ نكون على يقين من أن أحداً ما قد صنعها. إن الفرق بين بناء القلعة الرملية والأحجار المرتبة يتمثل في أن الحالة الأولى تعبر عن عملية شديدة التعقيد ذات طابع فريد، بينما الثانية تعبر فقط عن عملية التكرار. وهو ما يشبه الآلة الكاتبة عندما تكتب حرفاً معيناً أ أ أ أ أ أ أ أ وتكرره لمئات المرات، لمجرد أن شيئاً ما (تأثير طاقة معينة) قد وقع تركيزه على هذا الحرف بالذات. وبطبيعة الحال لا تنطوي عملية تكرار كتابة هذا الحرف على أي معلومات، وبالتالي لا تنطوي على أي تعقيد. فالأمر يحتاج إلى عقل واع لتكوين تسلسل من الحروف على درجة من التعقيد لتنطوي على أي معلومات.
وما سبق ينطبق أيضاً عندما تهب الرياح داخل غرفة ما تمتلئ بالغبار والأتربة. فقبل حدوث هذا التأثير- تأثير الرياح- كانت الأتربة تنتشر وتملأ كل أرجاء الغرفة، ومع هبوب الرياح قد تتجمع هذه الأتربة في أحد أركان الغرفة، وهذا ما يُطلق عليه اسم الترتيب الذاتي. ولكن الأتربة أو الجزيئات التي تكوِّن الأتربة لا يمكن أن تتجمع بتنظيم نفسها ذاتياً لتكوّن صورة رجُل على أرضية الغرفة!
وهذه الأمثلة تشبه -إلى حد كبير- سيناريو التنظيم الذاتي الذي يقترحه دعاة نظرية التطور. فهم يقولون إن المادة تميل لتنظيم نفسها، ثم يسوقون مثالاً على الترتيب الذاتي وليس التنظيم الذاتي محاولين الخلط بين المفهومين. أما العالِم بريغوجين فقد ساق بنفسه أمثلة على الترتيب الذاتي للجزيئات بسبب تأثير طاقة ما. وفى كتاب عنوانه لغز أصل الحياة
(The Mystery of Life’s Origin) فسّرَ كلٌّ من ثاكستون وبرادلى وأولسين (وهم العلماء الأمريكيون الثلاثة مؤلفو هذا الكتاب) هذه الحقيقة بقولهم: في كل حالة من حالات الحركة العشوائية للجزيئات في سائل ما تتحول هذه الحركة العشوائية ويُستبدَل بها سلوك يؤدى إلى ترتيبٍ لهذه الجزيئات. لقد اقترح بريغوجين وإيجين وغيرهما إمكانية وجود نمط شبيه من التنظيم الذاتي بصورة متأصلة في الكيمياء العضوية، وأن ذلك يمكن أن يُعَد من الأسباب الجوهرية للتعقيد الشديد الذي تتصف به الجزيئات الكبيرة التي يعد وجودها أساسياً للأنظمة الحية. ولكن هذه الأمثلة التي استخدمها العلماء للقياپ ذات صلة ضعيفة بقضية أصل الحياة. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو فشلهم في التفرقة بين الترتيب والتعقيد؛ فالانتظام أو الترتيب لا يمكن أن يؤدى إلى اختزان الكم الكبير من المعلومات الذي تتطلبه الأنظمة الحية. فما تتطلبه الأنظمة الحية هو تركيب غير منتظم، ولكنه محدد، وليچ تركيباً مرتب المكونات. وهذا الخلط يعد عيباً خطيراً في الحالات القياسية التي ساقوها؛ فليست هناك علاقة واضحة بين الترتيب التلقائي الذي يحدث من جراء تدفق طاقة ما إلى مثل هذه الأنظمة وبين العمل الذي يتم لبناء دوري للجزئيات الكبيرة التي تمتلئ بكم مكثف من المعلومات مثل الحمچ النووي DNA والبروتينات. (129)
وفي الحقيقة، فقد اضطر بريغوجين نفسه إلى الاعتراف بأن ما ساقه من جدل لا يمكن اعتباره سبب أصل الحياة، قائلاً: إن مشكلة الترتيب الحيوى تتضمن الانتقال من نشاط الجزيء ذاته إلى ترتيب أرقى منه، وهو ترتيب الخلية. وهذه المشكلة هي أبعد ما تكون عن حلها بهذه الفروض . (130)
لماذا -إذن- لا يزال دعاة نظرية التطور يحاولون تصديق تفسيرات وسيناريوهات غير علمية مثل التنظيم الذاتى للمادة؟ لماذا يصرون على رفچ وإغفال الذكاء الواضح الذى تتصف به الأنظمة الحية؟ والإجابة هى: لأنهم يؤمنون بالماديات ويعتقدون أن المادة لديها قدرة سحرية على خلق الحياة. وقد فسر البروفسور روبرت شابريو، الأستاذ بجامعة نيويورك والخبير فى خبايا الأحماض النووية، فسر اعتقادات أنصار نظرية التطور وإيمانهم بالماديات الكامن خلف هذه الاعتقادات بقوله: يلزم التوصل إلى مبدأ آخر من مبادئ التطور ليعبر بنا الفجوة الواقعة فى المسافة بين اختلاط المواد الكيميائية الطبيعية وأُولى عمليات التكرار الفعالة. وهذا المبدأ لم يوصَف تفصيلاً بعدُ كما لم يتم إثباته، إلا أنه من المنتظر حدوث ذلك حتى إنه قد أعطي مسميات مثل التطور الكيميائى والتنظيم الذاتى للمادة. إن وجود هذا المبدأ أمر مسلم به فى الفلسفة المادية الجدلية، كما طبقها ألكساندر أوبرين على أصل الحياة .
إن هذا الموقف كله يبين بوضوح أن نظرية التطور هى عقيدة تخالف العلم وما يستند إليه من تجارب، وأن وجود الأحياء يمكن تفسيره فقط بفعل قوى خارقة للطبيعة. هذه القوى الخارقة للطبيعة هى قدرة الله -سبحانه وتعالى- الذى خلق الكون بأسره من العدم. وقد أثبت العلم أن نظرية التطور لا تزال مستحيلة التحقيق من منظور قوانين الديناميكا الحرارية، وأن وجود الحياة لا تفسير له سوى الخلق.
لأنه لو كانت الحياة عبثا ربما خيرتك الصدفة والتطور في ما ترغب فيه ، ولكان العلم يفسر كل ما يخطر على بالك ، ولكان بالإمكان منع الشلل وغيره من الأمراض التي تعجز الإنسان ، كما نلاحظ اختلاف اعمار الوفيات واختلاف الإبتلاء واختلاف الإيمان فهذا دليل على الخلق وليس الصدفة كما يدعي الملاحدة ..





















elta Books, 1992.70. David Pilbeam, "Humans Lose an Early Ancestor", Science, April 1982, pp. 6-7.71. C. C. Swisher III, W. J. Rink, S. C. Antón, H. P. Schwarcz, G. H. Curtis, A. Suprijo,Widiasmoro, "Latest Homo erectus of Java: Potential Contemporaneity with Homo sapiens inSoutheast Asia", Science, Volume 274, Number 5294, Issue of 13 Dec 1996, pp. 1870-1874;also see, Jeffrey Kluger, "Not So Extinct After All: The Primitive Homo Erectus May HaveSurvived Long Enough To Coexist With Modern Humans, Time, December 23, 1996.72. Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, New York: Toplinger Publications, 1970, pp.75-94.73. Charles E. Oxnard, "The Place of Australopithecines in Human Evolution: Grounds for Doubt", Nature, Vol 258, p. 389.
Comment