أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
مقابلة العباد تكون بحسب أعمالهم , فان أحسنوا أحسن الله إليهم , وإن أساؤوا قوبلوا بسيآتهم سيئة من جنسها , وان مكروا مكر الله بهم , وهذا في غاية العدل والرحمة والانصاف .وتتجلى صفة القوة والعزة في مقابلة المسيئين من جنس صنيعهم . والمِلال من هذا الباب ؛ فمن ملّ , ملّ الله منه كما في الحديث "فوالله لا يملّ الله حتى تملوا" .
وأصل الملّ : كما يقول أبو الحُسين بن فارس : على تقليب شيء، والآخر على غَرَضٍ (اي: ضجر) من الشَّيء " فمتى ما أدى قليل الايمان والديانة العبادة على ملالٍ منها , جوزي على قبيح فعله , وقلة تقواه , واستهتاره بذلك , فيملّ الله منه ومن عبادته فيتركه واياها , وهو نظير قوله " نسوا الله فنسيهم " وقوله " ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين " , فلا يقبل الله من العبد عمله إلا ما كان خالصاً خابتاً مُقبلاً فيها على الله . فمن هذه الحيثية ومن هذه المقابلة كانت صفة الغضب , والمكر , والاعراض والترك , والملال ؛ صفة كمال اذا ما قُوبلت بما يليق بجنسها من اعمال العباد , فمن مكر مكر الله به , ومن نسي الله نسيه الله , ومن ملّ ملّ الله منه .. كما أنه من أحسن أحسن الله إليه .
Comment