يوم القيامة , هو ذلك اليوم الموعود , وهو اليوم الآخر ؛ سمي بذلك لانه آخر أيام هذه الحياة الدنيا ! يوافي الخالق العباد وأعمالهم , فيجازي أهل الاحسان إحساناً , ويجازي أهل الكفران خذلاناً ! قد غفل الناس عن المقام بين يديّ الواحد الديّان ," وقفوهم إنهم مسؤولون" , حتى بات الفكر يهيم في كل واد الا اودية الاخرة , وبات البعض متحرجاً من طرق أبواب الغيب ! لا يقبل منها الا ما كان موقعاً عليه من بني الغرب ! مُطرزاً بالماديات , معرضاً عن الماورائيات ! وقد أخبر الله بهذا حيث قال"كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون " يقول بن القيم في الصواعق المرسلة " إنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفا لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرج منه وضيق وهذا خلاف المشهود بالباطن لكل ذي عقل سليم فإنه كلما كان الرجل أتم عقلا كان الحرج بالكتاب أبعد منه قال تعالى لرسوله" المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه "
والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به كما قال تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعّد في السماء ", ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه ... " . ا.ه
فلا يصح ايمان العبد حتى يؤمن بالله رباً , وبالاسلام ديناً , وبمحمد صلى الله عليه وسلم وسلم , نبيّاً ورسولاً , وبالقضاء والقدر خيره وشره , وبالملائكة , واليوم الاخر , وهذا ما ينعقد عليه قلبه المؤمن , فمتى ما تحقق هذا الايمان وكمُل ارتقى العبد فيه , وسما , وعلا .! فإن لهذه الاعتقادات الغيبية انعكسات على النفس والمال والمجتمع والسلوك والاخلاق , فبضدها تتهدم القيم والاخلاق ! إذ الالحاد لا دين له ! وهو في انحدار دائم , يتدحرج فيه صاحبه الى سفول ! فأخلاق الملحد , وتعاملاته , واقواله , وأفعاله , دونيّة نفعيّة ! لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة ! .
وهذه الانعكاسات الانتكاسية قد شوهدت آثارها على الافراد والمجتمعات والسلوك , بما لا يدع في نفس ريباً من خذلان معطياتها , فلو قلّبت شريط الذاكرة بما حلّ في روسيا على عهد لنين , وستالين , لمررت على مشاعد مروعة ! واحلام مفزعة , وأساطير مقلقة ! ولن تنسى الجموع مالم يكن في الحسبان , ولا داخل في الخلدان ! , حيث اجتاح شبح الفقر والجوع مناطق عدة من روسيا, حوّلت البعض منهم بسحر الجوع الى "آكلي لحوم البشر " وهذا ما لم يكن متوقعاً , إثر احداث التصفيق والتطبيل لزعيم الماركسية ! وقل مثله في الصين الشيوعية وماو الحكيم ! .
وقد شهد الكثير من علماء الغرب , والفلاسفة , بأنه لا بد من الدين , وان ايجابيات الايمان باليوم الاخر , تعمل عملها بضبط سلوكيات المجتمع واقوالهم وأفعالهم .. الخ
فهذا القاضي ماتيوهالوس (Mathew Halos) ، وهو من كبار قضاة القرن السابع عشر يقول:(إن القول بأن الدين خدعة ، هو بمثابة إبطال لجميع المسئوليات التي تقع علي عاتقنا لاستقرار النظام الاجتماعي. ! , ويقول الشيخ وحيد الدين خان " لنستطيع أن ندرك أبعاد هذه النظرية لو تأملنا أن كثيرا من علمائنا الملحدين الذين لا يعتقدون أن الآخرة أمر واقع ، قد اضطروا- بناء علي تجارب التاريخ- إلي القول بأنه لا يوجد شيء غير (الآخرة) لمراقبة الإنسان ، وإخضاعه لسلوك طريق الحق والعدل في جميع الظروف.
لقد أنكر الفيلسوف الألماني (كانت) فكرة (الإله) ، قائلا: (إنه لا يجد أدلة شافية علي وجوده). فهو ينكر (الصواب النظري) في الدين ، ولكنه ، في نفس الوقت ، يضطر إلي أن يسلم (بالصواب العملي) في الدين ، من الناحية الأخلاقية.
و(فولتير) أيضا لا يؤمن بحقائق ما وراء الطبيعة ، ولكنه يري:(أن أهمية الإله والحياة الآخرة عظيمة جدا ، حيث أنهما أساسان لإقامة (المبادئ الأخلاقية). . وهو (فولتير) يري أن هذه العقيدة وحدها كفيلة بإيجاد إطار أخلاقي أفضل للمجتمع. ولو أن هذه العقيدة زالت فلن نجد دافعا للعمل الطيب ، وسيترتب علي ذلك انهيار النظام الاجتماعي).
إن الذين يرون أن (الآخرة) فكرة خيالية ينبغي أن يفكروا: كيف أصبحت فكرة خيالية ذات أهمية قصوي بالنسبة إلي واقع حياتنا؟, لماذا لا نستطيع بدونها إقامة نظام اجتماعي سليم؟,ولماذا تنهار قيم حياتنا عندما نتخلى عن هذه الفكرة ؟,هل يمكن أن تحتل فكرة خيالية هذه الأهمية الكبرى في الحياة؟, هل وجدتم مثالا ما في الكون لفكرة خيالية غير كائنة ، أصبحت تتمتع بهذه الأهمية الحقيقية في الحياة ، رغم أنها لا علاقة لها بواقعنا؟ ! إن حاجتنا الملحة إلي الآخرة لتنظيم الحياة ، وإقامتها علي أسس عادلة حقيقية ، هي-في حد ذاتها- تأكيد بأن الآخرة من كبريات حقائق الكون ، ولست أبالغ إذا قلت: إن هذا الجانب المنطقي من الاستدلال يثبت حقية هذه النظرية ، علي مستوي التحقيق المعملي العلمي. " (الاسلام يتحدى 120-121)
ان الاسلام عقيدة متكاملة , منضبطة الاطراف , تمتاز بالشمول , يتفيء ظلال شريعته الاقتصاد , والسلوك , والانضباط , وقد نبذ النبي صلى الله عليه وسلم الاحلف التي كانت في عهده حتى أبقى على الاسلام حيث قال "لا حلف في الاسلام " متفق عليه ؛ قال بدر الدين العيني في عمدة القاري " قوله لا حلف في الإسلام لأن الحلف للاتفاق , والإسلام قد جمعهم وألف بين القلوب فلا حاجة إليه و, كانوا يتحالفون في الجاهلية لأن الكلمة منهم لم تكن مجتمعة " , فالاسلام كلمته جامعة , شاملة , موجب الاستمساك بغرزه .
ومن جملة هذه العقائد الايمان باليوم الاخر , فبينما كنت أقلب صفات الكتب اذ وقعت عيني على فصول لكتابٍ بديعٍ الا وهو "الاسلام يتحدى" لمؤلفه : وحيد الدين خان , ذكر فيه " دليل الاخرة " وذكر كلاماً قويّاً في مبناه , مثبتاً فيه هذا اليوم العظيم , الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ! فنسأل الله السلامة والعافية .
وقد عالج فيه صاحبه قضايا الملاحدة والماديين بأسلوب جليل , سهل المأخذ , فنشطت لنقله لتيقظ رقده القلوب التائه , ولتستبين به الافئدة الحائرة , ولتسر به القلوب المطمئنة -ان شاء الله-.
وهذا وقد تعددت اسماء يوم القيامة لعظيم ذلك اليوم , والعرب تعدد أسماء الشيء اذا عظم ! ,ولمراجعة أهوال ذلك اليوم العظيم ينظر (القيامة الكبرى للاشقر رحمه الله )
وبالله التوفيق .
من أهم الحقائق التي يدعونا الدين إلي الإيمان بها: فكرة الآخرة. والمراد بها: أن هناك عالما غير عالمنا الحاضر ؛ وسوف نعيش في ذلك العالم خالدين ؛ وأن عالمنا هذا هو مكان للاختبار والابتلاء ، وجد فيه الإنسان لأجل معلوم ؛ وأن الله سوف ينهي هذا العالم حين يحين أجله لبناء العالم الآخر علي طراز جديد ؛ وأن الناس سوف يبعثون مرة أخري ؛ وسوف تعرض أعمالهم-خيرا أو شرا- علي محكمة الله الذي يجزي كل إنسان بما عمل في الحياة الدنيا.أهذه النظرية صحيحة؟ أم هي باطلة؟ وهل هناك إمكان لهذه الآخرة؟ . . سوف نعرض هنا بعض جوانب القضية.
ليكن الجانب الأول من هذا العرض هو البحث عن (إمكان) وقوع الآخرة. فهل هنالك وقائع وإشارات تصدق هذه الدعوى؟
إن فكرة (الآخرة) تقتضي-أول ما تقتضي- ألا يكون الإنسان والكون في شكلهما الحالي أبديين ، وقد علمنا في الصفحات الماضية-بما لا يدع مجالا للشك- أن أبدية الكون والإنسان مستحيلة وأيقنا يقينا لا يتزعزع ، بأن الإنسان يموت وأن الكون سينتهي طبقا لقانون (الطاقة المتاحة). ولست أدري إذا ما كان هنا طريق للنجاة من هذه النهاية المروعة.
أ-مسألة الموت:
إن الذين لا يؤمنون بالعالم الثاني-الآخرة- يحاولون بدافع الغريزة أن يجعلوا من هذا الكون عالما أبديا لأفراحهم ، ولذلك بحثوا كثيرا عن أسباب (الموت) حتى يتمكنوا من الحيلولة دون وقوع هذه الأسباب من أجل تخليد الحياة ، ولكنهم أخفقوا إخفاقا ذريعا ، وكلما بحثوا في هذا الموضوع ، رجع إليهم بحثهم برسالة جديدة عن حتمية الموت ، وأنه لا مناص منه.
لماذا الموت ؟
هناك ما يقرب من مائتي إجابة عن هذا السؤال الخطير الذي كثيرا ما يطرح في المجالس العلمية ، منها:
(فقدان الجسم لفاعليته) ، (انتهاء عملية الأجزاء التركيبية) ، (تجميد الأنسجة العصبية) ، (حلول المواد الزلالية القليلة الحركة ، محل الكثيرة الحركة منها) ، (ضعف الأنسجة الرابطة) ، (انتشار سموم (بكتريا) الأمعاء في الجسم). . وما إلي ذلك من الإجابات التي تتردد كثيرا حول ظاهرة الموت.
إن القول بفقدان الجسم لفاعليته جذاب للعقل. . فإن الآلات الحديدية والأحذية والأقمشة كلها تفقد فاعليتها بعد أجل محدود ، فأجسامنا أيضا تبلي وتفقد فاعليتها كالجلود التي نلبسها في موسم الشتاء. ولكن العلم الحديث لا يؤيدنا لأن المشاهدة العلمية للجسم الإنساني تؤكد: أنه ليس كالجلود الحيوانية ، والآلات الحديدية ، وليس كالجبال. . وأن أقرب شيء يمكن تشبيهه به هو ذلك (النهر) الذي لا يزال يجري منذ آلاف السنين علي ظهر الأرض فمن ذا الذي يستطيع القول بأن النهر الجاري يبلي ويهن ويعجز؟ ! بناء علي هذا الأساس يعتقد الدكتور (لنس بالنج) أن الإنسان أبدي إلي حد كبير نظريا ؛ فإن خلايا جسمه آلات تقوم بإصلاح ما فيه من الأمراض ومعالجتها تلقائيا! وبرغم ذلك فإن الإنسان يعجز ويموت ؛ ولا تزال علل هذه الظاهرة أسرارا تحير العلماء.
إن جسمنا هذا في تجدد دائم ، وإن المواد الزلالية التي توجد في خلايا دمائنا ، تتلف كذلك ثم تتجدد ؛ ومثلها جميع خلايا الجسم تموت وتحل مكانها خلايا جديدة ؛ اللهم إلا الخلايا العصبية. وتفيد البحوث العلمية إن دم الإنسان يتجدد تجددا كليا خلال ما يقرب من أربع سنين ، كما تتغير جميع ذرات الجسم الإنساني في بضع سنين. ونخرج من هذا بأن الجسم الإنساني ليس كهيكل ، وإنما هو كالنهر الجاري ؛ أي أنه (عمل مستمر). ومن ثم تبطل جميع النظريات القائلة بأن علة الموت هي وهن الجسم وفقده لقوته ، فإن الأشياء التي فسدت أو تسممت من الجسم أيام الطفولة أو الشباب قد خرجت من الجسم منذ زمن طويل ، ولا معني لأن نجعلها سبب الموت ، فسبب الموت موجود في مكان آخر ، وليس في الأمعاء والأنسجة البدنية والقلب.
ويدعي بعض العلماء أن الأنسجة العصبية هي سبب الموت ، لأنها تبقي في الجسم إلي آخر الحياة ولا تتجدد. ولو صح هذا التفسير القائل بأن النظام العصبي هو نقطة الضعف في الجسم الإنساني ، فمن الممكن أن نزعم أن أي جس خال من (النظام العصبي) لابد أن يحيا عمرا أطول من الأجسام ذات النظام العصبي ، ولكن المشاهدة العلمية لا تؤيدنا ، فإن هذا النظام لا يوجد مثلا في الأشجار ، وبعضها يعيش لأطول مدة ، ولكن شجرة القمح التي لا يوجد بها هذا النظام العصبي لا تعيش أكثر من سنة ، وليس في كائن (الأميبا) جهاز عصبي ، وهي مع ذلك لا تبقي علي قيد الحياة أكثر من نصف ساعة ، ومقتضي هذا التفسير أيضا أن تلك الحيوانات التي تعد من (نسل أعلي) ، والتي تتمتع بنظام عصبي أكمل وأجود لابد أن تعيش مدة أطول مت تلك التي هي أحقر نسلا وأضعف نظاما. ولكن الحقائق لا تؤيدنا في هذا أيضا ؛ فإن السلحفاة والتمساح وسمكة (باتيك) أطول عمرا من أي حيوان آخر ، وكلها من النوع الثاني-حقير النسل وضعيف النظام.
لقد أخفقت تماما تلك البحوث التي استهدفت أن تجعل من الموت أمرا غير يقيني يمكن ألا يقع فبقي الاحتمال الذي أكدته الأزمان ، وهو أن يموت الإنسان في أي عمر ، وفي أي زمن ، ولم نستطع العثور علي أي إمكان يمنع الموت رغم جميع الجهود. لقد بحث الدكتور (الكسيس كيرل) هذه المشكلة في مقال طويل بعنوان (الزمن الداخلي) فذكر الجهود المخفقة التي بذلت في هذا الصدد ، ثم قال
إن الإنسان لن يسأم أبدا من البحث عن (الخلود) والسعي وراءه ، مع أنه لن يظفر به إلي الأبد ، فتركيبه الجسماني يخضع لقوانين معينة ، إنه يستطيع إن يوقف الزمن (الفسيولوجي) لأعضاء الجسد حتى يؤخر الموت لفترة قصيرة ، ولكنه لن يتغلب علي الموت أبدا)
(ب) ظواهر وأمثلة طبيعية:
في ضوء هذه الوقائع لم تعد مسألة نهاية العالم غير مفهومة ، فنحن علي علم بالقيامات الصغرى التي تقع علي سطح الأرض ، وهي التي ستحدث مرة أخري علي نطاق أوسع ، حتى تشمل الأرض المأهولة كلها. إن الظاهرة الأولي التي ينذر بإمكان القيامة هي الزلازل. . . فبطن الأرض يحتوي علي مادة شديدة الحرارة ، نشاهدها عندما ينفجر البركان وهذه المادة تؤثر علي الأرض بشتى الطرق ، فمنها ما تصدر عنه أصوات مروعة رهيبة وما نحس به من الهزات الأرضية التي نسميها (الزلازل ) إنها لا تزال كلمة رهيبة في حياة الإنسان المعاصر ، رغم تقدم العلوم والتكنولوجيا كما كانت رهيبة في حياة الإنسان القديم. هذه الزلازل هي حملة الطبيعة ضد الإنسان الذي لا يملك إزاءها شيئا ، فالخيار كله في يد الفريق الأول. عن الإنسان لا يملك شيئا يقاوم به الزلازل فهي نذير يذكره دائما بأنه يعيش فوق مادة حمراء ملتهبة جهنمية ، لا يفصله عنها سوي قشرة جبلية رقيقة ، لا يزيد سمكها عن خمسين كيلو مترا وهذه القشرة ليست ، بالنسبة إلي الكرة الأرضية ، إلا بمثابة القشرة من ثمرة التفاح. يقول عالم الجغرافيا (جورج جاموف): (إن هناك جهنم طبيعية تلتهب تحت بحارنا الزرقاء ومدننا الحضارية المكتظة بالسكان ، وبكلمة أخري: نحن واقفون علي ظهر لغم (ديناميت) عظيم ، ومن الممكن أن ينفجر في أي وقت ليدمر النظام الأرضي بأكمله )
وهذه الزلازل تجتاح جميع نواحي الأرض ولا تخلو الجرائد أي صباح من أخبارها ، ولكن يكثر وقوعها في الأماكن التي توجد بها البراكين لاعتبارات جغرافية. وأقدم زلزال رهيب سجله التاريخ هو زلزال إقليم (شنسي) الصيني الذي وقع عام 1556م. ولقي أكثر من 8.000.000 نسمة مصرعهم في هذه الكارثة. وقد وقع زلزال في (لشبونة) عاصمة البرتغال عام 1755م ، فدمر المدينة كلها ، وأباد ثلاثين ألفا من الناس في ست دقائق. وقد قيل: إن هذا الزلزال هز ربع أروبا. ومن هذا النوع من الزلازل ما وقع في ولاية (آسام (الهندية عام 1897م ، وهو يعد من الزلازل الخمسة الكبرى في التاريخ فقد أحدث دمارا وخرابا عظيمين في منطقة شمال الهند ، كما غير اتجاه النهر العملاق (برهام بوترا) ، وطفرت هضبة (إيفرست) بجبال الهملايا ، فارتفعت مائة قدم!
إن هذه الزلازل (قيامة) علي نطاق غير واسع. . . فعندما تنفجر الأرض بصوتها المخيف ، ودويها الرهيب ، وعندما تتساقط الجدران ، وسقف الأبنية المسلحة الفخمة ، حتى كأنها أوراق (الكوتشينة) ، وعندما يصبح أعلي الأرض أسفلها ، وأسفلها أعلاها ، وعندما تحتل الخرائب الموحشة محل المدن العامرة الكبرى في ثوان معدودة ، وعندما تسير طوابين النعوش ، وتتراكم علي ساحات المدن وطرقها تراكم الأسماك علي ساحل البحر- فتلكم هي قيامة الزلزال.
وفي تلك اللحظة يشعر الإنسان بعجزه أمام قوي الطبيعة ، فإن الزلازل لا تقرع أبواب المدن إلا بغتة ، دون سابق إذن أو إنذار ، والبلية كل البلية في أن الإنسان لا يستطيع أن يتنبأ بمكان الزلازل ، ولا بموعد وقوعها ، وهي في نفسها تنبؤ عن قيامة كبري ، سوف تفجؤنا غداة يوم علي غرة من ، إن هذه الزلازل دليل ناطق بأن خالق الأرض قادر علي تدميرها ، كما يشاء.
وهذه هي حال الفضاء الخارجي ؛ فالكون فضاء لا حدود له ، تدور فيه نيران هائلة لا حصر لها ، هي (السيارات والنجوم) ، مثالها كملايين الخذاريف(80) التي تدور علي سطح معين بأقصى سرعة يمكن تخيلها. . وهذا الدوران يمكن أن يتحول في أي يوم إلي صدام عظيم لا يمكن تصوره. وفي تلك اللحظة الرهيبة يكون ما في الكون أشبه بآلاف من القاذفات النفاثة المليئة بالقنابل النووية ، وهي تواصل رحلتها في الجو ، ثم تصطدم كلها مرة واحدة! ! إن اصطدام الأجرام السماوية ليس بغريب مطلقا بل الغريب حقا هو عدم وقوع هذا الاصطدام ؛ فدراسة علم الفلك تؤكد إمكان اصطدام الأجرام السماوية ، والحديث عن وجود النظام الشمسي يدور حول وقوع صدام كبير بين بعض الأجرام السماوية قديما ؛ فإذا استطعنا أن نتصور هذا التصادم علي نطاق أوسع لاستطعنا أن نفهم جيدا ذلك (الإمكان) الذي نحن بصدده. . فهذا الواقع هو بعينه ما نسميه. . (القيامة). ! إن فكرة (الآخرة) التي تقرر أن نظام الكون الموجود حاليا سوف يدمر يوما ، لا تعني سوي أن واقع الكون الذي نشاهده في صورة صغيرة أولية ، سوف يتجلى يوما في صورة نهائية كبري. فالقيامة حقيقة معلومة في أعماقنا ، فنحن اليوم نعرفها في حد (الإمكان) ولسوف نلقاه غدا في صورة الواقع.
يتبع ان شاء الله ...
والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به كما قال تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعّد في السماء ", ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه ... " . ا.ه
فلا يصح ايمان العبد حتى يؤمن بالله رباً , وبالاسلام ديناً , وبمحمد صلى الله عليه وسلم وسلم , نبيّاً ورسولاً , وبالقضاء والقدر خيره وشره , وبالملائكة , واليوم الاخر , وهذا ما ينعقد عليه قلبه المؤمن , فمتى ما تحقق هذا الايمان وكمُل ارتقى العبد فيه , وسما , وعلا .! فإن لهذه الاعتقادات الغيبية انعكسات على النفس والمال والمجتمع والسلوك والاخلاق , فبضدها تتهدم القيم والاخلاق ! إذ الالحاد لا دين له ! وهو في انحدار دائم , يتدحرج فيه صاحبه الى سفول ! فأخلاق الملحد , وتعاملاته , واقواله , وأفعاله , دونيّة نفعيّة ! لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة ! .
وهذه الانعكاسات الانتكاسية قد شوهدت آثارها على الافراد والمجتمعات والسلوك , بما لا يدع في نفس ريباً من خذلان معطياتها , فلو قلّبت شريط الذاكرة بما حلّ في روسيا على عهد لنين , وستالين , لمررت على مشاعد مروعة ! واحلام مفزعة , وأساطير مقلقة ! ولن تنسى الجموع مالم يكن في الحسبان , ولا داخل في الخلدان ! , حيث اجتاح شبح الفقر والجوع مناطق عدة من روسيا, حوّلت البعض منهم بسحر الجوع الى "آكلي لحوم البشر " وهذا ما لم يكن متوقعاً , إثر احداث التصفيق والتطبيل لزعيم الماركسية ! وقل مثله في الصين الشيوعية وماو الحكيم ! .
وقد شهد الكثير من علماء الغرب , والفلاسفة , بأنه لا بد من الدين , وان ايجابيات الايمان باليوم الاخر , تعمل عملها بضبط سلوكيات المجتمع واقوالهم وأفعالهم .. الخ
فهذا القاضي ماتيوهالوس (Mathew Halos) ، وهو من كبار قضاة القرن السابع عشر يقول:(إن القول بأن الدين خدعة ، هو بمثابة إبطال لجميع المسئوليات التي تقع علي عاتقنا لاستقرار النظام الاجتماعي. ! , ويقول الشيخ وحيد الدين خان " لنستطيع أن ندرك أبعاد هذه النظرية لو تأملنا أن كثيرا من علمائنا الملحدين الذين لا يعتقدون أن الآخرة أمر واقع ، قد اضطروا- بناء علي تجارب التاريخ- إلي القول بأنه لا يوجد شيء غير (الآخرة) لمراقبة الإنسان ، وإخضاعه لسلوك طريق الحق والعدل في جميع الظروف.
لقد أنكر الفيلسوف الألماني (كانت) فكرة (الإله) ، قائلا: (إنه لا يجد أدلة شافية علي وجوده). فهو ينكر (الصواب النظري) في الدين ، ولكنه ، في نفس الوقت ، يضطر إلي أن يسلم (بالصواب العملي) في الدين ، من الناحية الأخلاقية.
و(فولتير) أيضا لا يؤمن بحقائق ما وراء الطبيعة ، ولكنه يري:(أن أهمية الإله والحياة الآخرة عظيمة جدا ، حيث أنهما أساسان لإقامة (المبادئ الأخلاقية). . وهو (فولتير) يري أن هذه العقيدة وحدها كفيلة بإيجاد إطار أخلاقي أفضل للمجتمع. ولو أن هذه العقيدة زالت فلن نجد دافعا للعمل الطيب ، وسيترتب علي ذلك انهيار النظام الاجتماعي).
إن الذين يرون أن (الآخرة) فكرة خيالية ينبغي أن يفكروا: كيف أصبحت فكرة خيالية ذات أهمية قصوي بالنسبة إلي واقع حياتنا؟, لماذا لا نستطيع بدونها إقامة نظام اجتماعي سليم؟,ولماذا تنهار قيم حياتنا عندما نتخلى عن هذه الفكرة ؟,هل يمكن أن تحتل فكرة خيالية هذه الأهمية الكبرى في الحياة؟, هل وجدتم مثالا ما في الكون لفكرة خيالية غير كائنة ، أصبحت تتمتع بهذه الأهمية الحقيقية في الحياة ، رغم أنها لا علاقة لها بواقعنا؟ ! إن حاجتنا الملحة إلي الآخرة لتنظيم الحياة ، وإقامتها علي أسس عادلة حقيقية ، هي-في حد ذاتها- تأكيد بأن الآخرة من كبريات حقائق الكون ، ولست أبالغ إذا قلت: إن هذا الجانب المنطقي من الاستدلال يثبت حقية هذه النظرية ، علي مستوي التحقيق المعملي العلمي. " (الاسلام يتحدى 120-121)
ان الاسلام عقيدة متكاملة , منضبطة الاطراف , تمتاز بالشمول , يتفيء ظلال شريعته الاقتصاد , والسلوك , والانضباط , وقد نبذ النبي صلى الله عليه وسلم الاحلف التي كانت في عهده حتى أبقى على الاسلام حيث قال "لا حلف في الاسلام " متفق عليه ؛ قال بدر الدين العيني في عمدة القاري " قوله لا حلف في الإسلام لأن الحلف للاتفاق , والإسلام قد جمعهم وألف بين القلوب فلا حاجة إليه و, كانوا يتحالفون في الجاهلية لأن الكلمة منهم لم تكن مجتمعة " , فالاسلام كلمته جامعة , شاملة , موجب الاستمساك بغرزه .
ومن جملة هذه العقائد الايمان باليوم الاخر , فبينما كنت أقلب صفات الكتب اذ وقعت عيني على فصول لكتابٍ بديعٍ الا وهو "الاسلام يتحدى" لمؤلفه : وحيد الدين خان , ذكر فيه " دليل الاخرة " وذكر كلاماً قويّاً في مبناه , مثبتاً فيه هذا اليوم العظيم , الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ! فنسأل الله السلامة والعافية .
وقد عالج فيه صاحبه قضايا الملاحدة والماديين بأسلوب جليل , سهل المأخذ , فنشطت لنقله لتيقظ رقده القلوب التائه , ولتستبين به الافئدة الحائرة , ولتسر به القلوب المطمئنة -ان شاء الله-.
وهذا وقد تعددت اسماء يوم القيامة لعظيم ذلك اليوم , والعرب تعدد أسماء الشيء اذا عظم ! ,ولمراجعة أهوال ذلك اليوم العظيم ينظر (القيامة الكبرى للاشقر رحمه الله )
وبالله التوفيق .
دليــــل الآخـــــــــــرة
من أهم الحقائق التي يدعونا الدين إلي الإيمان بها: فكرة الآخرة. والمراد بها: أن هناك عالما غير عالمنا الحاضر ؛ وسوف نعيش في ذلك العالم خالدين ؛ وأن عالمنا هذا هو مكان للاختبار والابتلاء ، وجد فيه الإنسان لأجل معلوم ؛ وأن الله سوف ينهي هذا العالم حين يحين أجله لبناء العالم الآخر علي طراز جديد ؛ وأن الناس سوف يبعثون مرة أخري ؛ وسوف تعرض أعمالهم-خيرا أو شرا- علي محكمة الله الذي يجزي كل إنسان بما عمل في الحياة الدنيا.أهذه النظرية صحيحة؟ أم هي باطلة؟ وهل هناك إمكان لهذه الآخرة؟ . . سوف نعرض هنا بعض جوانب القضية.
أولا: إمكـــان الآخـــــــــــرة:
ليكن الجانب الأول من هذا العرض هو البحث عن (إمكان) وقوع الآخرة. فهل هنالك وقائع وإشارات تصدق هذه الدعوى؟
إن فكرة (الآخرة) تقتضي-أول ما تقتضي- ألا يكون الإنسان والكون في شكلهما الحالي أبديين ، وقد علمنا في الصفحات الماضية-بما لا يدع مجالا للشك- أن أبدية الكون والإنسان مستحيلة وأيقنا يقينا لا يتزعزع ، بأن الإنسان يموت وأن الكون سينتهي طبقا لقانون (الطاقة المتاحة). ولست أدري إذا ما كان هنا طريق للنجاة من هذه النهاية المروعة.
أ-مسألة الموت:
إن الذين لا يؤمنون بالعالم الثاني-الآخرة- يحاولون بدافع الغريزة أن يجعلوا من هذا الكون عالما أبديا لأفراحهم ، ولذلك بحثوا كثيرا عن أسباب (الموت) حتى يتمكنوا من الحيلولة دون وقوع هذه الأسباب من أجل تخليد الحياة ، ولكنهم أخفقوا إخفاقا ذريعا ، وكلما بحثوا في هذا الموضوع ، رجع إليهم بحثهم برسالة جديدة عن حتمية الموت ، وأنه لا مناص منه.
لماذا الموت ؟
هناك ما يقرب من مائتي إجابة عن هذا السؤال الخطير الذي كثيرا ما يطرح في المجالس العلمية ، منها:
(فقدان الجسم لفاعليته) ، (انتهاء عملية الأجزاء التركيبية) ، (تجميد الأنسجة العصبية) ، (حلول المواد الزلالية القليلة الحركة ، محل الكثيرة الحركة منها) ، (ضعف الأنسجة الرابطة) ، (انتشار سموم (بكتريا) الأمعاء في الجسم). . وما إلي ذلك من الإجابات التي تتردد كثيرا حول ظاهرة الموت.
إن القول بفقدان الجسم لفاعليته جذاب للعقل. . فإن الآلات الحديدية والأحذية والأقمشة كلها تفقد فاعليتها بعد أجل محدود ، فأجسامنا أيضا تبلي وتفقد فاعليتها كالجلود التي نلبسها في موسم الشتاء. ولكن العلم الحديث لا يؤيدنا لأن المشاهدة العلمية للجسم الإنساني تؤكد: أنه ليس كالجلود الحيوانية ، والآلات الحديدية ، وليس كالجبال. . وأن أقرب شيء يمكن تشبيهه به هو ذلك (النهر) الذي لا يزال يجري منذ آلاف السنين علي ظهر الأرض فمن ذا الذي يستطيع القول بأن النهر الجاري يبلي ويهن ويعجز؟ ! بناء علي هذا الأساس يعتقد الدكتور (لنس بالنج) أن الإنسان أبدي إلي حد كبير نظريا ؛ فإن خلايا جسمه آلات تقوم بإصلاح ما فيه من الأمراض ومعالجتها تلقائيا! وبرغم ذلك فإن الإنسان يعجز ويموت ؛ ولا تزال علل هذه الظاهرة أسرارا تحير العلماء.
إن جسمنا هذا في تجدد دائم ، وإن المواد الزلالية التي توجد في خلايا دمائنا ، تتلف كذلك ثم تتجدد ؛ ومثلها جميع خلايا الجسم تموت وتحل مكانها خلايا جديدة ؛ اللهم إلا الخلايا العصبية. وتفيد البحوث العلمية إن دم الإنسان يتجدد تجددا كليا خلال ما يقرب من أربع سنين ، كما تتغير جميع ذرات الجسم الإنساني في بضع سنين. ونخرج من هذا بأن الجسم الإنساني ليس كهيكل ، وإنما هو كالنهر الجاري ؛ أي أنه (عمل مستمر). ومن ثم تبطل جميع النظريات القائلة بأن علة الموت هي وهن الجسم وفقده لقوته ، فإن الأشياء التي فسدت أو تسممت من الجسم أيام الطفولة أو الشباب قد خرجت من الجسم منذ زمن طويل ، ولا معني لأن نجعلها سبب الموت ، فسبب الموت موجود في مكان آخر ، وليس في الأمعاء والأنسجة البدنية والقلب.
ويدعي بعض العلماء أن الأنسجة العصبية هي سبب الموت ، لأنها تبقي في الجسم إلي آخر الحياة ولا تتجدد. ولو صح هذا التفسير القائل بأن النظام العصبي هو نقطة الضعف في الجسم الإنساني ، فمن الممكن أن نزعم أن أي جس خال من (النظام العصبي) لابد أن يحيا عمرا أطول من الأجسام ذات النظام العصبي ، ولكن المشاهدة العلمية لا تؤيدنا ، فإن هذا النظام لا يوجد مثلا في الأشجار ، وبعضها يعيش لأطول مدة ، ولكن شجرة القمح التي لا يوجد بها هذا النظام العصبي لا تعيش أكثر من سنة ، وليس في كائن (الأميبا) جهاز عصبي ، وهي مع ذلك لا تبقي علي قيد الحياة أكثر من نصف ساعة ، ومقتضي هذا التفسير أيضا أن تلك الحيوانات التي تعد من (نسل أعلي) ، والتي تتمتع بنظام عصبي أكمل وأجود لابد أن تعيش مدة أطول مت تلك التي هي أحقر نسلا وأضعف نظاما. ولكن الحقائق لا تؤيدنا في هذا أيضا ؛ فإن السلحفاة والتمساح وسمكة (باتيك) أطول عمرا من أي حيوان آخر ، وكلها من النوع الثاني-حقير النسل وضعيف النظام.
لقد أخفقت تماما تلك البحوث التي استهدفت أن تجعل من الموت أمرا غير يقيني يمكن ألا يقع فبقي الاحتمال الذي أكدته الأزمان ، وهو أن يموت الإنسان في أي عمر ، وفي أي زمن ، ولم نستطع العثور علي أي إمكان يمنع الموت رغم جميع الجهود. لقد بحث الدكتور (الكسيس كيرل) هذه المشكلة في مقال طويل بعنوان (الزمن الداخلي) فذكر الجهود المخفقة التي بذلت في هذا الصدد ، ثم قال
إن الإنسان لن يسأم أبدا من البحث عن (الخلود) والسعي وراءه ، مع أنه لن يظفر به إلي الأبد ، فتركيبه الجسماني يخضع لقوانين معينة ، إنه يستطيع إن يوقف الزمن (الفسيولوجي) لأعضاء الجسد حتى يؤخر الموت لفترة قصيرة ، ولكنه لن يتغلب علي الموت أبدا) (ب) ظواهر وأمثلة طبيعية:
في ضوء هذه الوقائع لم تعد مسألة نهاية العالم غير مفهومة ، فنحن علي علم بالقيامات الصغرى التي تقع علي سطح الأرض ، وهي التي ستحدث مرة أخري علي نطاق أوسع ، حتى تشمل الأرض المأهولة كلها. إن الظاهرة الأولي التي ينذر بإمكان القيامة هي الزلازل. . . فبطن الأرض يحتوي علي مادة شديدة الحرارة ، نشاهدها عندما ينفجر البركان وهذه المادة تؤثر علي الأرض بشتى الطرق ، فمنها ما تصدر عنه أصوات مروعة رهيبة وما نحس به من الهزات الأرضية التي نسميها (الزلازل ) إنها لا تزال كلمة رهيبة في حياة الإنسان المعاصر ، رغم تقدم العلوم والتكنولوجيا كما كانت رهيبة في حياة الإنسان القديم. هذه الزلازل هي حملة الطبيعة ضد الإنسان الذي لا يملك إزاءها شيئا ، فالخيار كله في يد الفريق الأول. عن الإنسان لا يملك شيئا يقاوم به الزلازل فهي نذير يذكره دائما بأنه يعيش فوق مادة حمراء ملتهبة جهنمية ، لا يفصله عنها سوي قشرة جبلية رقيقة ، لا يزيد سمكها عن خمسين كيلو مترا وهذه القشرة ليست ، بالنسبة إلي الكرة الأرضية ، إلا بمثابة القشرة من ثمرة التفاح. يقول عالم الجغرافيا (جورج جاموف): (إن هناك جهنم طبيعية تلتهب تحت بحارنا الزرقاء ومدننا الحضارية المكتظة بالسكان ، وبكلمة أخري: نحن واقفون علي ظهر لغم (ديناميت) عظيم ، ومن الممكن أن ينفجر في أي وقت ليدمر النظام الأرضي بأكمله )
وهذه الزلازل تجتاح جميع نواحي الأرض ولا تخلو الجرائد أي صباح من أخبارها ، ولكن يكثر وقوعها في الأماكن التي توجد بها البراكين لاعتبارات جغرافية. وأقدم زلزال رهيب سجله التاريخ هو زلزال إقليم (شنسي) الصيني الذي وقع عام 1556م. ولقي أكثر من 8.000.000 نسمة مصرعهم في هذه الكارثة. وقد وقع زلزال في (لشبونة) عاصمة البرتغال عام 1755م ، فدمر المدينة كلها ، وأباد ثلاثين ألفا من الناس في ست دقائق. وقد قيل: إن هذا الزلزال هز ربع أروبا. ومن هذا النوع من الزلازل ما وقع في ولاية (آسام (الهندية عام 1897م ، وهو يعد من الزلازل الخمسة الكبرى في التاريخ فقد أحدث دمارا وخرابا عظيمين في منطقة شمال الهند ، كما غير اتجاه النهر العملاق (برهام بوترا) ، وطفرت هضبة (إيفرست) بجبال الهملايا ، فارتفعت مائة قدم!
إن هذه الزلازل (قيامة) علي نطاق غير واسع. . . فعندما تنفجر الأرض بصوتها المخيف ، ودويها الرهيب ، وعندما تتساقط الجدران ، وسقف الأبنية المسلحة الفخمة ، حتى كأنها أوراق (الكوتشينة) ، وعندما يصبح أعلي الأرض أسفلها ، وأسفلها أعلاها ، وعندما تحتل الخرائب الموحشة محل المدن العامرة الكبرى في ثوان معدودة ، وعندما تسير طوابين النعوش ، وتتراكم علي ساحات المدن وطرقها تراكم الأسماك علي ساحل البحر- فتلكم هي قيامة الزلزال.
وفي تلك اللحظة يشعر الإنسان بعجزه أمام قوي الطبيعة ، فإن الزلازل لا تقرع أبواب المدن إلا بغتة ، دون سابق إذن أو إنذار ، والبلية كل البلية في أن الإنسان لا يستطيع أن يتنبأ بمكان الزلازل ، ولا بموعد وقوعها ، وهي في نفسها تنبؤ عن قيامة كبري ، سوف تفجؤنا غداة يوم علي غرة من ، إن هذه الزلازل دليل ناطق بأن خالق الأرض قادر علي تدميرها ، كما يشاء.
وهذه هي حال الفضاء الخارجي ؛ فالكون فضاء لا حدود له ، تدور فيه نيران هائلة لا حصر لها ، هي (السيارات والنجوم) ، مثالها كملايين الخذاريف(80) التي تدور علي سطح معين بأقصى سرعة يمكن تخيلها. . وهذا الدوران يمكن أن يتحول في أي يوم إلي صدام عظيم لا يمكن تصوره. وفي تلك اللحظة الرهيبة يكون ما في الكون أشبه بآلاف من القاذفات النفاثة المليئة بالقنابل النووية ، وهي تواصل رحلتها في الجو ، ثم تصطدم كلها مرة واحدة! ! إن اصطدام الأجرام السماوية ليس بغريب مطلقا بل الغريب حقا هو عدم وقوع هذا الاصطدام ؛ فدراسة علم الفلك تؤكد إمكان اصطدام الأجرام السماوية ، والحديث عن وجود النظام الشمسي يدور حول وقوع صدام كبير بين بعض الأجرام السماوية قديما ؛ فإذا استطعنا أن نتصور هذا التصادم علي نطاق أوسع لاستطعنا أن نفهم جيدا ذلك (الإمكان) الذي نحن بصدده. . فهذا الواقع هو بعينه ما نسميه. . (القيامة). ! إن فكرة (الآخرة) التي تقرر أن نظام الكون الموجود حاليا سوف يدمر يوما ، لا تعني سوي أن واقع الكون الذي نشاهده في صورة صغيرة أولية ، سوف يتجلى يوما في صورة نهائية كبري. فالقيامة حقيقة معلومة في أعماقنا ، فنحن اليوم نعرفها في حد (الإمكان) ولسوف نلقاه غدا في صورة الواقع.
يتبع ان شاء الله ...

Comment