أجنحة المكر الثلاثة (التبشير-الاستشراق-الاستعمار) - عبد الرحمن الميداني

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • قسورة
    عضو
    • Nov 2005
    • 157

    #1

    أجنحة المكر الثلاثة (التبشير-الاستشراق-الاستعمار) - عبد الرحمن الميداني

    في سلسلة
    أعدَاء الإسلام
    3

    أجْنِحَةُ المَكْرِ الثَّلَاثةْ

    وَخوافيهَا
    التبشير - الاستِشراق - الاستِعمار

    دراسة وتحليل وتوجيه
    ودرَاسَة منهجيّة شاملة للغزو الفكري

    عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني
    الطبعة الثامنة ومزيدة


    دار القلم
    دمشق
    من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ
  • شريف المنشاوى
    عضو
    • May 2006
    • 636

    #2
    فين الرابط يا قسورة الدراسة دى مهمة
    قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
    أَنَا وَمَنِ
    اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

    Comment

    • حازم
      طالب علم
      • Sep 2004
      • 1886

      #3
      الله يكرمك يا قسورة ويجازيك خيرا يا اخى عن الاسلام والمسلمين بما تقوم من عمله بنسخ الكتب

      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شريف المنشاوى مشاهدة المشاركة
      فين الرابط يا قسورة الدراسة دى مهمة
      قسورة لم يضع روابط لان الكتاب ليس موجود على الانترنت اصلا بل سيقوم بنسخه لاول مرة كحال كواشف زيوف وصراع مع الملاحدة
      إذا رضيت لنفسك بالهوان وجعلت من نفسك نعلاً فلا تلومن من انتعلك !
      روابط هامة :

      Comment

      • شريف المنشاوى
        عضو
        • May 2006
        • 636

        #4
        شكرا اخى حازم على التوضيح
        لماذا لم ترد على رسائلى ؟
        لعل المانع خير
        قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
        أَنَا وَمَنِ
        اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

        Comment

        • قسورة
          عضو
          • Nov 2005
          • 157

          #5


          بسم الله الرحمن الرحيم
          دُعَـــاء

          الحمد لله ، والصلاة والسلام على أنبيائه الذين اصطفى ، ورسله الذين اجتبى ، ونعوذ برب الفلق من شر ما خلق ، ومن شر غاسق إذا وقب ، ومن شر النفاثات في العقد ، ومن شر حاسد إذا حسد ، ونعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس . اللهم من كادنا فكده ، ومن بغى علينا فأهلكه . يا من كفانا ولم يكفه شيء ، اكفنا شر كيد أعدائنا ، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم ، اللهم إنا نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بنا غضبك ، أو يحل علينا سخطك ، أو تمكن منا عدونا وعدوك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .

          القِسمُ الأول
          الغَزوُ بالحِيَل وَوَسَائل المَكْرِ غَيْر المبَاشِرَة

          وفيه أربعة عشر فصلاً:

          الفصل الأول : مقدمات عامة .
          الفصل الثاني : المبشرون وأعمالهم .
          الفصل الثالث : المستشرقون وأعمالهم .
          الفصل الرابع : الاستعمار والمستعمرون .
          الفصل الخامس : عناصر التلاقي والأهداف والأعمال المشتركة للأجنحة الثلاثة .
          الفصل السادس : وسائل الغزاة وحيلهم .
          الفصل السابع : من وسائل الغزو الجديد : التفريغ والملء .
          الفصل الثامن : خطط العدوّ لغزو الإسلام بتفريغه من مضامينه الصحيحة .
          الفصل التاسع : الغزاة وأعمالهم في هدم وحدة المسلمين وتقليل أعدادهم .
          الفصل العاشر : الغزو بفكرة القومية .
          الفصل الحادي عشر : أعمال الغزاة ضد اللغة العربية .
          الفصل الثاني عشر : الغزاة وتفصيل أعمالهم في الإفساد الخلقي والسلوكي .
          الفصل الثالث عشر : الغزو بالمذاهب الاقتصادية .
          الفصل الرابع عشر : ما تعانيه الحركات والمؤسسات الإسلامية من قبل الغزاة وأنصارهم .




          الفصْل الأوّل
          مقَدِّمَات عَامَّة


          1- الحروب الصّليبية وخيبتها وتحوّل اتجاهها .
          2- الغزو الفكري وخطره .
          3- تاريخ ظاهرة الغزو الفكري .
          4- المهمات الرئيسية لأعداء الإسلام .
          5- المنهج الرئيسي للغزو الفكري .
          6- الوسائل الرئيسية لأعداء الإسلام .
          7- تعريفات للأجنحة الثلاثة .
          8- المؤازرون من الداخل لقوى المكر الخارجية .





          ( 1 )

          الحروب الصليبية وخيبتها وتحول اتجاهها
          1- العوامل التي مهّدت لطمع الصليبيين بالمسلمين

          تواطأت الدول النصرانية كلُّها على الإسلام والمسلمين منذ بيَّتَت المكيدة ، ودبرت الخطة ، وأعدت العدة للحروب الصليبية ، ثم قامت فعلاً بهذه الحروب ، وقدمت لها حشوداً كبيرة من رجالها ، وأموالها ، وأعتدتها ، وواتتها فرصة العمل ، لأن المسلمين قد أمسَوا في واقع من التخلف والتفرق ومجافاة الإسلام لا يُحسدون عليه ، بل يرثى لحالهم فيه .

          فالإسلام في مفاهيمه الصحيحة قد كان بينه وبين تطبيقات المسلمين العملية مسافة المخالفة والمعصية والإثم ، وكان بينه وبين تصور جمهور المسلمين له خلاف في كثير من الأمور . وكانت الحكومات الإسلامية في مختلف الأمصار متنازعة متنافرة ، قد أوهنتها عوامل العداء والطمع والأثرة وحب الذات . وكانت الشعوب الإسلامية قد نالت من كيانها عوامل حب الدنيا ، والانغماس في الشهوات ، والإخلاد إلى الأرض ، وحطمت من قواها عدة عوامل ، منها البخل بالأموال وبالأنفس ، وفقد الثقة بالنفس ، وضعف اليقين بالله والاعتماد عليه ، وهذا هو المرض الذي يصيب كل أمة ذات مجد رفيع ، متى بدأت عجلات مركبة المجد فيها تنحدر إلى ما دون القمة ، بسبب الغرور بمظاهر القوة وتراث المجد ، وبسبب الانغماس بالشهوات ، والاستغراق في مفاتن الحياة الدنيا من مال وجاه ، وبسبب التنازع والتفرق والغفلة عن مكامن الخطر ، وإهمال ما يجب عليها من الصيانة المستمرة لكل قواعد مجدها ،وأسس عزتها ، سواء أكانت فكرية أم نفسية أم خلقية أم سياسية ، وسواء أكانت فردية أم اجتماعية .

          وكان هذا الواقع في المسلمين المباين لتعاليم الإسلام من أبرز الأسباب التي مكنت عدوها من أن يجد لنفسه ثغرات في صفوف المسلمين ، ينفذ منها إلى نواصي قوتهم ، فيعمل على توهينها ، وتجزئتها ، وتبديد ما يستطيع منها ؛ بكل وسيلة من وسائل القوة والبأس ، أو الخديعة والمكر .

          ولدى البحث والتأمل نلاحظ أن نفوسهم التي بين جنوبهم قد كانت أول عدوٍّ داخلي لهم مكن لعدوّهم من خارج الحدود أن يدخل إليهم ، ويقاتلهم في مرابعهم وأمصارهم ، ثم يستولي عليهم ، ويستعمر لنفسه بلادهم .

          إن العدو من شأنه أن يمكر ويبيت كل سوء ، ولكن الذي يمكن عدوه من نفسه أشد عداوة لنفسه من عدوه ، لأنه يفعل في نفسه ما لا يفعله أحدٌ به ، وذلك بسبب غفلته ، أو شهوته أو سوء تفكيره وتقديره وتدبيره أو سوء تصرفه وسوء عمله .

          تلخيص العوامل:
          1- بعد المسلمين عن تطبيق الإسلام تطبيقاً صحيحاً .
          2- بعد جمهور المسلمين عن فهم الإسلام فهماً سليماً .
          3- تنازع حكام وأمراء المسلمين ، وتقاتلهم من أجل السلطة .
          4- تعلق جماهير المسلمين بحبّ الدنيا ، والانغماس في الشهوات ، واتباع الهوى .
          5- البخل بالأموال والأنفس ، وكراهية الموت .
          6- ضعف اليقين بالله ، وفقد الثقة بالنفس .

          2- الحروب الصليبية أيقظت المسلمين من نومهم

          كانت الحروب الصليبية عاملاً محركاً للمسلمين ، وموقظاً لهم من نومهم أو من غفواتهم ، حتى يهبوا ويلتفتوا إلى سهام عدوهم ، التي بدأت تجتاز الثغور إلى مقاتلهم ، ويدركوا واقعهم ، ويتبصروا أسباب الضعف الذي أصابهم ، ويعملوا على ترميم القواعد التي تآكلت من بنيانهم ، والأسس التي خلخلها المنافقون الذين دخلوا في صفوفهم ، عاملين على تقويض كل حقيقة للإسلام ، وكل مجد للمسلمين ، فكان موقف المسلمين يومئذٍ يحمل خطتين من خطط العمل ، على شيء من الضعف في تركيزهما .

          الخطة الأولى : خطة الدفاع عن البلاد الواقعة هدفاً للعدو الصليبي ، ضمن الإمكانات التي تسمح بها حالة تجميع القوى المبعثرة عند حلول الأزمة .

          الخطة الثانية : خطة العمل على إصلاح الداخل الذي نخرت عظامه أسباب الفساد والتخلف والفرقة بين صفوف المسلمين .

          وقيّض الله للمسلمين الشهيد نور الدين ، ثم البطل صلاح الدين ، ثم فيضاً آخر من أبطال المسلمين عرباً وغير عرب ، ولم يتم للمسلمين النصر على عدوهم ورد كيدهم إلا بمقدار ما أصلحوا من واقعهم ، وقوّموا من معوجهم .

          اجتهدوا وجهِدوا في إزالة عوامل الضعف من صفوفهم ، فاستجمعوا قوتهم ، وردتهم المحنة الكبرى التي أصابتهم إلى الله ، فالتجأوا إليه ، والتمسوا النصر من عنده ، فألهمهم الله أن يحققوا في أنفسهم أسباب النصر ، ثم منحهم من فضله التأييد على عدوهم ، لما استكملوا من شروطه وأسبابه ما يكفي لتأييدهم بالنصر وفق سنة الله في عباده ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

          وتم جلاء الصليبيين عن بلاد المسلمين بعد حقبة من الدهر ، كانت سياط التأديب الإلهي فيها تصيبهم من كل جانب ، وقد لبثوا خلالها بين كر وفر مع عدوين : عدو صليبي محارب ، وعدو من داخل الأنفس يغري بالجبن والبخل ، وبالدعة واتباع الشهوات ، ويغذي بالتحاسد والتباغض والفرقة ومعصية الله والرسول ، وبالتثاقل عن كل واجب ، وتباطؤ الهمة عن كل إصلاح أو تغيير .

          ولدى التأمل في الحكمة الربانية ، نرى أن في تسليط جيوش الصليبيين على بلاد المسلمين حينئذٍ لوناً من ألوان التأديب الرباني ، الذي رد للمسلمين شيئاً من كيانهم الذاتي ، الذي كان به مجدهم واصطفاؤهم على الأمم ، والذي كانوا به أمةً وسطاً ، وخير أمةٍ أخرجت للناس ، ألا وهو كونهم مسلمين حقاً ، عقيدةً وعملاً ، ودعوة إلى الله وجهاداً في سبيله ، فهم يحققون في أنفسهم كل أسباب النصر التي أمر الله بها ، في عباداتهم ، وفي معاملاتهم ، وفي نظم حياتهم ، وفي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وفي جهادهم في سبيل نشر دين الله ، والدفاع عن الإسلام وجماعة المسلمين .

          إنه ليس بين الله وبين أحدٍ من عباده نسب ولا قرابة ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، فليس أحد بأكرم عند الله من أحد من هذه الناحية ، الناس كلهم عباده مخلوقون بقدرته ، ولكن لله أوامر ونواهي وسنناً ، وعلى مقدار نصيب العبد من التقوى يكون نصيبه من إكرام الله وتأييده ، وما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء وفق حكمته ، وحكمته قضت بنصر المؤمنين "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين"، ومهما ابتعد الخصمان عن طاعة الله وتأييد دينه وكَلَهما الله لأسبابهما الدنيوية ، وأغرى بينهما العداوة والبغضاء .

          3- تجربة حروب أقنعت الصليبيين بضرورة التحوّل إلى مخطّط آخر

          كانت خطة مدبري الحروب الصليبية القيام بحرب مادية مسلحة بالأسلحة العسكرية ، لغزو بلاد المسلمين ، واستلاب أموالهم ، وهدم حضارتهم ، وتحويلهم عن دينهم الذي هو مصدر قوتهم ووحدتهم ، ومنبع حضارتهم وتقدّمهم في شتّى المجالات الإنسانية .

          كانت هذه خطة الصليبيين ، يوم كانت عقول المسلمين وأفكارهم ونفوسهم لا تسمح لعوامل التنصير أن تؤثر فيها ، يوم كانت العواصم الإسلامية في العالم تعيش في خيرات مجدٍ خلَّفَهُ المدّ الإسلامي في العلم والحضارة والتقدّم ، في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية المادّية والنظرية ، بالإضافة إلى ألوان المعارف الروحية الدينية ، والكمالات الأخلاقية ، والنظم التشريعية الشاملة كل شؤون السلوك الإنساني الفردية والاجتماعية ، والكفيلة بضمان الحق والعدل والسعادة .

          بينما كانت عواصم العالم الآخر غارقة في أوحال الجهالة والتخلف ، والبعد عن القيم الحقيقية للأخلاق الفاضلة الكريمة ، والكمالات الإنسانية ، والمفاهيم الصحيحة للحياة ، بدءاً ومعاشاً ومعاداً .

          ثم أرسل مدبرو الحروب الصليبية عيونهم إلى البلاد الإسلامية ، وبثوا جواسيسهم ، ليتحسَّسُوا واقع المسلمين ، وليكتشفوا مواطن القوة والضعف لديهم ، وليتخذوا لهم من ضمن البلاد الإسلامية أعواناً لهم يوالونهم .

          وقد ظفروا من ذلك بنصيب كبير تصيّدوه من أهل الذمّة ، ومن الطوائف والفرق المنحرفة ، التي كانت قد نشأت في جسم الأمة الإسلامية بأنواع الكيد اليهودي والمجوسي والصليبي ، وليحدّدوا لأنفسهم أخيراً الثغرات التي يمكن أن يظفروا بها ، إذا جمعوا جموعهم ، وأعدّوا عدّتهم ، وهيَّئوا قوتهم .

          ثم لما سنحت لهم الفرصة ركبت قراصنتهم البحار ، ولعاب الأمل بانتزاع الأرض المباركة من أيدي المسلمين يسيل على عرض أشداقهم ، وأحلام الظفر بعرش المشرق العربي الإسلامي ، وسائر بلاد المسلمين تتراقص لهم ، واحتلوا بعض الثغور الإسلامية على حين غِرّة من المسلمين ، يرافقها ضعف في قوتهم ، وتفرق في صفوفهم .

          واستمرت الحروب بينهم وبين المسلمين قرابة قرنين كاملين ، هما القرنان الثاني عشر والثالث عشر من الميلاد ، ثم انتهت بجلائهم بعد أن أسسوا لأنفسهم في المشرق العربي الإسلامي عروشاً صغيرة تابعة لممالكهم من وراء البحار .

          ولما كتب الله عليهم الجلاء ، على أيدي الأبطال المسلمين الذين رفعوا راية الإسلام ، وقاتلوا في سبيل الله ، وباعوا الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، فأظفرهم الله بعدوهم ، وأيدهم بنصره ، كانت عظة هذه الحروب في نفوس الصليبيين وجوب تحويل المعركة مع المسلمين من حرب سافرة مسلحة توقظهم من سباتهم ، وتعيدهم إلى أسس دينهم ، وتحيي فيهم روح الجهاد في سبيل الله ، إلى حرب مقنَّعةٍ يدخل في حسابها الغزو الفكري والنفسي والخلقي ، والغزو الحضاري والمدني والاقتصادي ، وأخذ مفكروهم يضعون الخطط لتنفيذ هذه الحروب المقنّعة .

          وبدأ جنود هذه الحروب القادمون بأقنعة شتى ينفذون خططها بكل مكر ودهاء وخبث ، متسترين بالعلم أو بالتجارة أو بالصناعة أو بتحسين مظاهر المدنية أو بالتعاون والمحبة الإنسانية أو بالطب والمستشفيات أو بالخبرات الفنية في مختلف مجالات الحياة إلى غير ذلك من أقنعة جميلة مقبولة لدى أنفس الشعوب . وكانت ثمرة هذه الحروب المقنّعة وافرة لأعداء الإسلام والمسلمين .

          4- التحول الصليبي إلى خطط الغزو الفكري مع ما يتيسر لهم من غزو عسكري

          إذن فقد كان الاتجاه عند أعداء الإسلام والمسلمين منذ قرون خلت أن يباشروا أولاً بالغزو المادي المسلح ، ليؤدي وظيفته المادية من جهة ، وليكون سبيلاً للغزو الفكري والنفسي والخلقي من جهة ثانية ، حتى إذا تم للغازي الاحتلال الفكري والنفسي كانت ضحيته مركباً ذلولاً يصرفها طوع بنانه ، ومرتعاً سهلاً يفعل به ما يريد .

          ثم تحول الاتجاه عند أعداء الإسلام بعد تجاربهم الطويلة مع المسلمين ، فغدا أن يعملوا على تهيئة الشعوب الإسلامية من الداخل ، وذلك بأسلوب الغزو الفكري والنفسي والخلقي عن طريق عملائهم وأجرائهم ، وتحت ستار المبادئ التي تزعم أنها إنسانية ، لتكون الشعوب مؤهلة فكرياً ونفسياً لتسليم قيادهم طائعة مختار لأعدائها ، في غزو مادي لا يحمل الغزاة فيه سلاحاً ، ولا يكلفهم قتالاً .

          لقد أدركوا بعد التجارب الطويلة أن الغزو المادي قبل الغزو الفكري والنفسي والخلقي يولد في الشعوب رد فعل عنيف ، يحمي أكثريتها من تقبل الغزو بكل أنواعه ، لما فيه من العداء السافر ، والتسلط بالقهر والغلبة المكروه للنفوس ، حتى إذا تحركت كوامن النهضة في الشعوب ، وواتتها الفرصة ، ردت الغزاة على أعقابهم ، وكان عمر الاحتلال في البلاد قصيراً ، في حساب تاريخ الشعوب ، مهما عظمت فيها قلاعه ، وتكاثرت فيها جيوشه .

          والغزو الجديد الفكري والنفسي والخلقي الذي خططوا له يحمل في ثناياه أفدح الأخطاء على كيان الشعوب الإسلامية ، ووحدتها وأسس مجدها ، ويجعلها طعمة سائغة يزدردها العدو دون أن يجد من ذلك غصَّةً في حلقومه ، كما يفقدها كل مقوم من مقوماتها الإنسانية الراقية ، التي بها كانت خير أمة أخرجت للناس ، ويجعلها كبقرة حلوب ، تُعلفُ بمقدار ما تستثمر من لبن أو لحم أو حرث .

          وما دام الإنسان إنساناً فإن معظم تصرفاته خاضعة لإرادته ، وإرادته خاضعة لمفاهيمه في الحياة خيراً كانت هذه المفاهيم أم شراً ، وقد أدرك المخططون للغزو الجديد أن المكر والحيلة أجدى في الإنسان من أية وسيلة ، وأن القوى المختلفة التي في أيدي المسلمين يمكن بالمكر والحيلة أن تسخر ضدهم ، وذلك إذا تحولت أفكارهم عن مفاهيم إسلامهم ، وفسد منطقهم وإدراكهم للأمور ، وغدت تصوراتهم تخدم أغراض عدوهم منهم ، وانتهى المخططون إلى أن وضعوا لأنفسهم القاعدة التالية : " إذا أرهبك سلاح عدوك فأفسد فكره ، ينتحر به " وكذلك فعلوا وكذلك يفعلون باستمرار في الشعوب الإسلامية . وكلما استجمعت هذه الشعوب شيئاً من قوتها ، وأبصرت مراكز عدوها ، وأرادت أن ترفع رأسها إلى المجد مكر بها أعداؤها وأعداء دينها ، فأفسدوا لديها جانباً من جوانب الفهم السليم للأمور ، والفكر الصحيح في معالجة المشكلات الكبرى ، ثم استدرجوها إلى مزالق خطرة تلجأ فيها إلى استخدام أسلحتها ضد أنفسها ، فتكون بمثابة من ينحر نفسه حماقة وجهلاً .

          فمن أهم واجبات المسلمين والحالة هذه أن يتبصروا دائماً بهذا السلام الجديد الخطر ، ويصروا على الاستمساك بمفاهيمهم الصحيحة التي تهديهم إليها تعاليم دينها ، مهما زيَّن لهم أعداؤهم غيرها .
          * * *

          ( 2 )

          الغزو الفكري وخطره

          تعريف الغزو الفكري:
          الغزو الفكري : عنوان أطلق في الثلث الأخير من القرن الرابع عشر الهجري ، الموافق للثلث الثالث من القرن العشرين الميلادي ، على المخططات والأعمال الفكرية والتثقيفية والتدريبية والتربوية والتوجيهية وسائر وسائل التأثير النفسي والخلقي والتوجيه السلوكي الفردي والاجتماعي ، التي تقوم بها المنظمات والمؤسسات الدولية والشعبية من أعداء الإسلام والمسلمين ، بغية تحويل المسلمين عن دينهم تحويلاً كليَّاً أو جزئيَّاً ، وتجزئتهم وتمزيق وحدتهم وتقطيع روابطهم الاجتماعية ، وإضعاف قوتهم لاستعمارهم فكرياً ونفسياً ، ثم استعمارهم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً استعماراً مباشراً أو غير مباشر .

          وأُعطي هذا العنوان لأن الفكر أهم عناصره بدءاً أو انتهاءً .

          خطر الغزو الفكري

          إن اليد التي يمكن أن تضغط على زناد المدفع ، فتنطلق منه قذيفة تدك بنياناً شامخاً ، والتي يمكن أن تحرك مفتاحاً فينبعث منه صاروخ يروّع ويقتل ألوفاً من الناس ، والتي يمكن أن تغمز زراً في آلة فتندفع منها قنبلة ذرية أو هيدروجينية فتدكّ مدينة ، وتقتل شعباً ، وتقوّض حضارة ، والتي يمكن أن تخطّ أمراً إلى جيش فيتوجّه إلى حربٍ طاحنة يتحكم بها ويوجّه حركاتها – نفس صاحبها التي تسيطر عليها فكرة مهيمنة على عقله فعواطفه فإرادته .

          من هذا يظهر لنا أن الفكرة من وراء القوى الإنسانية أقوى قوة تتحكم بهذه القوة ، وأقدر الناس على التحكم بالقوى المادية هم أقدرهم على تزويد العقول بالأفكار التي يريدون إقناع العقول بها ،وأعجز الناس في ذلك هم أكثرهم تهاوناً ببث الأفكار التي يمكن أن تخدم غاياتهم .

          ومهما بلغت أمة من الضعف في القوى المادية أمام أمة أخرى ، فإنما تستطيع أن تستخدم لغاياتها قوى الأمم الأخرى ، متى استطاعت أن تغذي عقولهم بما تشاء من أفكار ، وتملأ قلوبهم بما تشاء من قناعات ومعتقدات .

          وقد أدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة ، وهالتهم قوة المسلمين الضاربة في أكثر من نصف المعمورة أيام كان للمسلمين تلك القوة ، فأخذوا يحركون جيوش الغزو الفكري من كل مكان ، ويوجهونها شطر بلاد المسلمين ، ليهدموا الوحدة الفكرية الناظمة لهم في سلك وحدة جماعة المسلمين ، ولتكون مُحدَثات الأفكار التي تدخل إلى أفرادهم بمثابة جيش سحري غير مرئي ، يمعن في صفوف المسلمين قتلاً وتشريداً ، ويمعن في قلاعهم هدماً وتخريباً ، دون أن يصيبه سهم واحدٌ في هذه الحرب الخبيثة ، التي يغفل عنها السواد الأعظم من الذين توجّه ضدّهم هذه الحرب .
          وكان في مقدمة أعداء الإسلام الذين خططوا لهذا الغزو الفكري طائفة يهود ، وقد كانوا بمثابة الشيطان في عصابة المجرمين ، ثم سار الصليبيون هذه المسيرة ضد المسلمين بتعصب مقيت ، بعد خيبة الحروب الصليبية ، وجندوا لذلك الجيوش الكثيرة ، وجربوا خلال عدة قرون مخططات شتى ، أخضعوها للتطوير والتحسين ، لتُظفرهم بمكاسب أوفر مما يبتغون تحقيقه في الشعوب الإسلامية .

          وكان لهذا الغزو الشيطاني الخبيث أثره البالغ ، وقطف أعداء الإسلام من ثمره ، ووهنت قوة المسلمين ، وتشتت شملهم ، واستجاب كثير من أبناء المسلمين لوساوس الغزاة ودسائسهم ، فاتبعوهم في كثير من أفكارهم ، ونظم حياتهم وطرائق عيشهم وأخلاقهم وعاداتهم.

          ويتابع أعداء الإسلام عمليات هذا الغزو الشيطاني الخبيث ، بغية القضاء على الإسلام ، وتحويل المسلمين عنه تحويلاً تاماً ، ومن وسائلهم تحريف الحقائق الإسلامية وتشويهها ، وتزيين زيوف الأفكار الغازية وتحسينها .

          وكان ما بذله أعداء الإسلام من جهود يكفي لتحقيق ما جعلوه هدفاً لهم ، لولا أن الإسلام حق من عند الله ، ولولا أن الله عز وجل يصونه من أعدائه ويحميه باستمرار ، وذلك بما يقيض له من رجال يحافظون عليه ويدافعون عنه ، لا يضرّهم من خالفهم .

          ألا وإن من واجب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يتنبهوا إلى هذا الغزو المركز على عقولهم وقلوبهم ونفوسهم أفراداً وجماعات ، ويفيدوا من خطط أعدائهم ، ويحملوا أفكارهم ومعارفهم الحقة إلى العالم أجمع ، وليس عليهم في إقناع الناس بالإسلام كبير عناء ، يكفيهم أن يعرضوا تعاليمه عرضاً منطقياً ميسراً بألسنتهم وأقلامهم ، وأن يلتزموا بمنهج الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، وأن يحملوا أنواره بأعمالهم وتطبيقاتهم ، ويخلصوا لله في أقوالهم وأعمالهم ، وما أسرع ما يقطفون ثمرات جهودهم وافرة بإذن الله تعالى ، وتوفيقه ونصره المبين .
          * * *

          ( 3 )

          تاريخ ظاهرة الغزو الفكري

          بدأت ظاهرة الغزو الفكري للإسلام والمسلمين منذ فجر الإسلام ، وكان دهاة هذا الغزو الماكر الخبيث من اليهود .

          فقد واجه اليهود الإسلام والمسلمين في المدينة بألوان مختلفات ، وأشكال شتى ، من وسائل الكيد للتأثير على الإسلام بغية التحريف فيه ، وللتأثير على مشركي العرب بغية صدهم عن الدخول في الإسلام ، وللتأثير على المسلمين بغية إخراجهم وتشجيعهم على الردة عنه .

          واستخدموا وسيلة النفاق ضمن وسائلهم الكثيرة ، ولكن الله عز وجل حمى دينه ورسوله والمسلمين من مكايدهم ، مدة عصر الرسول ، ومدة خلافة أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – حتى سقط عمر صريع اغتيال كان للمكر اليهودي أصابع خبيثة خفيّة فيه.

          ثم كان لهم في المسلمين عبر تاريخهم حتى عصرنا هذا مكايد كثيرة ، من مكايد الغزو الفكري ، ظهرت في مؤامرات المنافق اليهودي "عبد الله بن سبأ" التي نجم عنها ظهور فرق الشيعة الغلاة ، وأشنعهم الذين ألَّهوا علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، ثم ظهرت في مؤامرات المنافق اليهودي "ميمون بن ديصان القَدَّاح" التي نجم عنها ظهور فرق الباطنية على اختلاف نزغاتها ، وما كان من عصاباتهم من كيد ضدّ الإسلام والمسلمين الذي اكتوى المسلمون بناره طوال قرون . ثم ظهرت في مكايد يهود "الدونمة" ضد السلطنة العثمانية الإسلامية وضد المسلمين عامة . ثم ظهرت في مؤسسي الشيوعية في بلدان العالم الإسلامي ، وناشري المذاهب الفكرية المعاصرة الرامية إلى هدم الدين والأخلاق والشرائع والنظم الاجتماعية الحسنة .

          ومع المكر اليهودي التقى المكر المجوسي منذ القرن الأول الهجري ، ومع ظهور الإسلام وانتشاره ضعف مكر المجوس ، ولم يبق منه إلا مسائل فكرية مندسة ، في بعض أصحاب الأهواء من الفرق المنحرفة المنتمية إلى الإسلام والمسلمين .

          وكان للنصارى تحركات في الغزو الفكري المندس منذ فجر الإسلام ، إلا أنها لم تكن ذات أثر قوي ظاهر ، حتى قامت الحروب الصليبية ، وباءت بالخيبة ، وبدأ مفكروهم يخطّطون لتنصير العالم الإسلامي ، أو صرفه عن الإسلام ولو إلى الإلحاد والكفر بكل دين .

          ثم اتسعت دوائر الغزو الفكري اليهودية النصرانية التبشيرية والاستشراقية ، مرافقة للتحركات الاستعمارية التي قامت بها الدول النصرانية ضد العالم الإسلامي ، وأخذت وسائل هذا الغزو تتنامى وتتكامل ، وتجري فيها تعديلات وتبديلات نبّهت عليها التجارب وساعدت عليها الوسائل الحضارية الحديثة ، حتى أخذت نضجها الشيطاني في القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي).

          فقد كانت وسائله تبشيراً بالنصرانية بصورة بدائية ، تستخدم المناقشة والمجادلة في المسائل العقدية الدينية ، وهذه مُنيت بالهزائم المنكرة ، أمام جدليات علماء المسلمين ومناظراتهم ، حتى أمام صغار مثقفي المسلمين وعامتهم .

          ثم تواصى الغزاة بترك هذه الوسيلة من وسائل الغزو الفكري ، وبالتحول إلى وسائل أخرى ليس فيها مواجهة صريحة مباشرة .

          وفيما يلي صور من حملات الغزو الفكري التبشيري الاستعماري:

          (1) تحت عنوان الحركة التبشيرية: جاء في كتاب "لبنان في التاريخ" "وكان من نتائج الحروب الصليبية فكرة اجتذاب المسلمين إلى اعتناق المسيحية عن طريق الإقناع ، بدلاً من طريق القوة والإكراه . وهي فكرة كان لها فيما بعد أبعد الأثر في الحياة الثقافية في الشرق الأدنى .

          إن الخيبة التي منيت بها الحملات الصليبية في الوصول إلى غايتها ، وموت الدوافع التي كانت تدفع بالناس للالتحاق بها ، مهّد الطريق لفكرة جديدة: استمالة المسلمين واجتذابهم بطرق سلميّة وديّة ، وهذه الفكرة هي أساس مبدأ التبشير المسيحي".

          ففي عام (1154م) أسس راهب صليبي في الأرض المقدسة رهبنة عرفت فيما بعد بالرهبنة الكرملية ،نسبة إلى جبل الكرمل حيث كانت تقيم .

          ثم انتشروا في سورية ولبنان ، وقد أسسوا لهم مركزاً في طرابلس . وتلا ذلك تأسيس رهبنتين جديدتين ، عند مستهل القرن الثالث عشر : الفرنسسكان والدومينيكان .

          وبعد مدة قصيرة أُسست إرسالية تبشيرية فرنسسكانية في مدينة طرابلس ، وأُسس ديرٌ لهم في بيروت .

          وفي عام (1230م) وصلت دمشق إرسالة دومينيكانية ، ومن ثَمَّ تقدّمت إلى طرابلس وعكة ، وأماكن أخرى ، حيث أسست لها أديرة .

          وكتب أحد أساقفة الدومينيكان "وليم الطرابلسي" سنة (1270م) كتاباً جاء فيه : نريد مرسلين لا جنوداً ، لاسترداد الأرض المقدسة .

          وقد لاقت هذه الفكرة الجديدة استحساناً عظيماً عند رجل يدعى "ريموند لَلْ" الذي أصبح زعيم الحركة المفوه (توفي عام 1315م) كان "لَلْ" قسطلانياً يجيد العربية".

          الوجود المسيحي في الخليج:
          (2) وجاء في الترجمة الملخصة عن الوجود المسيحي في الخليج العربي إعداد : أحمد فون ، ونفر من المؤسسة الإسلامية في ليستر – بريطانيا ، ما يلي:

          بدأ وصول الكنائس الغربية ووكلاؤها بالمنطقة في عصر الاستعمار ، وفي عام (1870م) قامت الكنيسة الأمريكية الإصلاحية بمدّ نشاطها إلى التاريخ ، من خلال جهودها الطيّبة والعلمية ، وذلك في مقرّها القديم في العراق .

          أما الكنيسة الإنكليكية فكان لها صلة قديمة مع الجيوش البريطانية ، الموجودة في الخليج .

          والكاثوليك وصلوا خاصة من الهند وإفريقية الشرقية ، وكثير من موظفي الشركات البترولية أسسوا الكنائس على المستوى المحلّي ، وبالإضافة إلى ذلك توجد الكنائس الجديدة التي أقامتها الطبقة العاملة المهاجرة من الهند والباكستان .

          إن عدد المسيحيين الوطنيين بدول الخليج ليس بكثير ، بل هو قليل جداً ، إذ يقدّر عددهم بأقل من (150) وهناك مصادر أخرى تقول بأنهم (500) على الشاطئ الممتد من الكويت إلى عدن . ولكن عددهم كثير بين العمال المهاجرين والمسيحيين المقيمين في دولة الكويت والبحرين وقطر وأبو ظبي ودُبي وعمان ، إذ يصل عددهم إلى (60.000) ستين ألفاً وذلك مقابل مجموع السكان الذي يقدر بحوالي (3.1) مليون شخص ، وهذه هي القوة العددية المسيحية بالمنطقة التي كانت مسلمة كلّيّاً .

          منظمات التبشير المسيحية:

          يعدد المؤلف أسماء المنظمات التبشيرية ويذكر أنه توجد 12 بعثة إنجليزية في منطقة الخليج و42 أمريكية ، وكلها تصنف تحت ثلاثة أقسام رئيسية:

          1- جمعية البعثات الكنسية .
          2- جمعية الكنيسة العالمية .
          3- زمالة الإنجيل والبعثة الطبية .

          ويعدد المنظمات المختلفة العاملة في منطقة دول الخليج ويذكر :

          1- جمعية البعثة الكنسية (cms) مؤسسة عام 1799م ، ويذكر منها 3 في البحرين ، وواحد في عمان ، وواحدة في أبو ظبي وتعمل في مجال وزارة الصحة والتعليم وميزانيتها لعام 1979م هي 2.100.108 جنيه استرليني .
          2- زمالة الإخلاص للمسلمين (FFM) مؤسسة عام 1915م ، وتعمل مباشرة في وسط المسلمين ومهمتها تنظيم المؤتمرات وإعداد الكتب للمسلمين وخاصة الذين ينتصرون منهم .
          3- جمعية تنصير الشرق الأوسط (MECO) تأسست عام 1976م ، ومهمتها الرئيسية إنتاج الكتب ونشرها في أوساط المسلمين وباللغة العربية وخاصة للشرق الأوسط ومنطقة الخليج ، وأحدث مشروع لها الإنجيل للأطفال بالعربية وطبع في قبرص ، وتنظيم تدريب المبشرين في دولة الإمارات العربية المتحدة.
          4- الكنيسة الإصلاحية في أمريكا (RCA) وهي بروتستانتية أمريكية تعود لعام 1857م ، وباشرت نشاطها في البحرين والكويت وعمان منذ عام 1889 وميزانيتها 4.533.763 دولار سنوياً ، ولها 6 بعثات في البحرين 3 في الكويت 12 في عمان .
          5- عملية التحريك (OM) تأسست عام 1958م ، وتهتم بتنظيم وتدريب المبشرين المتطوعين لفترات قصيرة ، ومن أهم أعمالها أنه تتبعها سفينتان عائمتان متنقلتان تحويان مخازن هائلة من الكتب ومراكز لتدريب المبشرين ، اسمها لوجوس وبها 16 بعثة متفرغة ، ودولوس وبها 25 بعثة متفرغة ، الأولى متخصصة في آسيا وموانئ الخليج ، والثانية في أمريكا الشمالية .
          6- بعثة الإنجيل المتحدة (TEAM) تأسست عام 1890م في إسكندنافيا ، وتغير اسمها عام 1949م ، وهي منظمة دولية تهتم بالأمور التربوية والطبية والإذاعية ، ومركز الخليج الرئيسي في أبو ظبي ، وميزانيتها 9 ملايين دولار سنوياً ، ويتركز نشاطها في المستشفى التابعة لها في أبو ظبي ، ولها 15 بعثة في الإمارات العربية المتحدة .
          7- الصليب الإفنجيلي على اتساع العالم (WEC) ، تأسست عام 1913م... وتهتم بالأمور الطبية والثقافية والتدريب والكتب وأعمال الترجمة وتدير عيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة ولها خمسة أعضاء متفرغين .

          تعرض المؤلف بعد ذلك إلى سرد تاريخ البعثات التنصيرية ، ووضع الكنائس التي في منطقة الخليج . فسرد دول البحرين والكويت وعمان وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة واستعرض في كل دولة منها البعثات والكنائس والمعاهد التابعة لها .

          1- البحرين :

          ذكر أن أول بعثة دخلتها كان منذ عام 1890م حيث دخلها المدعو (صموئيل زويمر) ، ومنذ عام 1894م والكنيسة لها وجود في مجال الطب ، وأنشأ عيادات طبية في كل من البحرين والكويت ومسقط وعمان . وهذه الطريقة مكّنت الاتصال المباشر بالمسلمين ،إلى أن تأسس المستشفى الأمريكي في البحرين عام 1902 م ، ثم المدارس للبنين والبنات ،ومن الأهمية بمكان الأدب النصراني ، والإذاعة النصرانية ، والمكتبة النصرانية المدعوة مكتبة العائلة في البحرين حيث تبيع الإنجيل والكتب النصرانية الأخرى بمعدل 1/2 مليون دولار سنوياً ، وأما الراديو فهو باللغة العربية وموجه إلى منطقة الخليج ، وله أهمية كبرى ويرسل من إسبانيا وفرنسا ويعدد الكنائس والملل التابعة لها : الكنيسة السورية الأرثوذكسية – الكاثوليكية – الرومانية والإنجيلية والكنيسة الوطنية الإفنجيلية (بروتستانت)، وكنيسة الله ،والمباني التابعة لها في المنامة والعوالي . يلفت النظر هن إلى أن الكنيسة لاوطنية البروتستانتية تضم 150 عربياً نصرانياً ، منهم 60 يحملون الجنسية البحرينية ، وتتمتع بميزات خاصة . ويعدد المؤلف الكنائس والمستشفيات والمدارس التابعة لها في البحرين .

          2- الكويت :

          يقول المؤلف إنه منذ عام 1920 م أسست الكنيسة الإصلاحية مستشفى بالكويت ، أدير من قبل الأمريكان حتى عام 1967م ، حيث استولت عليها الحكومة الكويتية وكذلك المدارس ويوجد روم كاثوليك وأرثوذكس في الكويت ، وركّزوا جهودهم لتنصير المسلمين ، وتوجد اليوم مكتبة نصرانية في الكويت ، تلبي حاجات النصارى وربما المسلمين وكذلك راديو التنصير يلعب دوراً هاماً كما هو الحال في البحرين . ويعدد المؤلف الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية في الكويت والمباني التابعة لها والمدارس والمكتبات ومما هو جدير بالذكر أن الكويت هي البلد الوحدي في الخليج التي بها مجلس اتحاد للكنائس .

          3- أما بالنسبة لعمان :

          فإن زويمر وزميله كانتين قد دخلا البلاد ، وأسسا بعثة طبية ومدارس كستار لنشاطهما ، ويتركز النشاط الآن في المكتبات والكتب النصرانية ، والإنجيل والإذاعة . أما عن الكنائس ففيها نشاط كبير للإصلاحيين الأمريكان والكاثوليك والأثوذكس . وتوجد (5) كنائس في ماطرا ومسقط وثلاث مستشفيات تملكها الحكومة ولكن تدار بواسطة البعثات التبشيرية ومدارس أيضاً تملكها الحكومة وتديرها الكنيسة .

          4- قطر :

          أول عيادة تبشيرية أسست فيها عام 1948م ، ولكن الحكومة استولت عليها بعد 3 سنوات ، ويظهر أنه لا توجد معاهد تربية للتبشير في قطر ولا مكتبات . إلا أن راديو التنصير يبث في قطر مثل سائر دول الخليج . أما الكنائس في قطر فهي كاثوليكية تضم 2500 عضواً معظمهم هنود ، ولا يوجد بناء كنسي رسمي . وقد رفضت الحكومة مؤخراً اقتراحاً بذلك ، ومعظم أعمال التبشير تتم في بيوت تملكها شركات البترول ، والروتستانتية ومارثوما الهندية الأرثوذكسية .

          5- الإمارات العربية المتحدة :

          يقول المؤلف إن دولة الإمارات العربية المتحدة فيها حوالي 50 ألف نصراني ، ويتركز العمل في مستشفى العين ، الذي يضم 40 سريراً ، ومع أبو ظبي تشكلان أهم مراكز للتبشير والتنصير في المنطقة ، ويتم توزيع الكتب النصرانية في ساحة المستشفى للزوار . أما المرضى فيركز عليهم وتعطى لهم نسخ الإنجيل ولهم قاعة للمطالعة ، وتوجد عدة عيادات تدار من البعثات التبشيرية ، واحدة في الفجيرة ، وأخرى في الشارقة (أقفلت حالياً) ، وكانت تدار من قبل نساء نصرانيات . ويوجد منذ عام 1960م مستشفى في واحة البريمي ، تابع للتنصير وتوجد مدرستان تابعتان للكاتدرائية في أبو ظبي ، يدرس بها حوالي 800 طفلاً ، وبهذا يتركز النشاط في المجالات الطبية والتربوية . وتوجد مكتبات توزع الكتب بكافة اللغات ومناهج إنجيلية وإذاعة الراديو التنصيري .

          أما عن الكنائس فالبروتستانتية تركز نشاطها في دُبي وأبو ظبي والعين والكنيسة في العين يرأسها لبناني وفي المستشفى هناك نشاط كبير . وأما المجموعة الأخرى فيقودها راهب سوري ضم إليه مسلمين تنصروا والكاثوليكية والأرثوذكسية لها 6 كنائس ضخمة في أبو ظبي ودُبي والعين . أما عن المستشفيات فهي خمس أيضاً: في العين والشارقة والفجيرة والبريمي . وأما مستشفى رأس الخيمة فقد أقفل عام 1978م . والمدارس اثنتان والمكتبات ثلاث .

          ذكر المؤلف بعد ذلك اهتمام الكنيسة بالعمال المهاجرين في الخليج ، وذكر نشاط منظمة باكستان النصرانية .

          وأما عن منطقة الخليج كحقل تبشيري اليوم فقد ذكر المؤلف أن القوى التي تعمل على التنصير هي :

          1- البعثات الرسمية التنصيرية منها 80 في الخليج .
          2- صانعو الخيام وهم مبشرون على شكل فنيين وأطباء ومدرسين .
          3- المسلمون الذين درسوا في الغرب وعادوا ربما يتنصرون مستقبلاً .

          ولهذا كما يذكر المؤلف يهتم النصارى بتدريب العرب المسيحيين من لبنان وأقباط مصر لهذا الغرض . وأما الطرق التي يتبعها النصارى لتنصير المسلمين في الخليج فهي أربع:

          1- العمل الطبي :

          حيث ينتج الاتصال المباشر . والمسلم بحاجة للنصراني فيذهب إليه ، ويتم نشر عملية التنصير كما هي الحال في الإمارات في مستشفى العين .

          2- الاتصال على المستوى الشخصي:

          يتم ذلك بواسطة صانعي الخيام ، وإذا وجدوا تجاوباً يتعمقون فيه ، وخاصة لدى بعض المسلمين في مجالات العمل والتقنية وصانعو الخيام مبشرون ، يأتون على شكل حرفيين كأطباء لإدارة المستشفيات ، أو مدرسين للتعليم ومهندسين وتدفع لهم رواتب عالية ويختارون بعناية .

          3- إنتاج الأدب :

          إنتاج الأدب وتوزيعه في سبيل تنصير المسلمين ، كالمكتبات والمعاهد ، وخاصة سفينة لوجوس في موانئ الخليج .

          4- راديو التنصير :

          وهو وسيلة هامة جداً ويذيع باللغة العربية من إسبانيا وفرنسا وليبيريا وسيشل . هذا بالإضافة إلى المدارس هناك وكتب الأدب وقصص الأطفال ثم الأشرطة والأفلام . ويظهر أن راديو التنصير مع صانعي الخيام هي استراتيجية التنصير في الخليج ، بينما المستشفيات والمكتبات ساعدت كخطوة سابقة في عمل التنصير الحالي .

          يختتم المؤلف دراسته بإعطاء إحصائية وجدول عن كل قطر من أقطار الخليج فيذكر في جدول -1-:

          البلد..........................عدد السكان الكلي....................نسبة الغرباء في البلاد المئوية
          1- البحرين.....................216078...................................17% أجانب
          2- الكويت.....................1.130000.................................53% أجانب
          3- عمان.......................800000...................................20% أجانب
          4- قطر........................200000...................................68% أجانب
          5- الإمارات المتحدة...........800000...................................48% أجانب
          6 المجموع....................3.146078.............................41.8% أجانب

          وتتناول عدد المسلمين والمسيحيين ونسبهم في كل بلد على حدة:

          البلد............... نسبة المسلمين..................نسبة المسيحيين...................عدد المسيحيين..............فئات أخرى
          البحرين.................98%..........................1%.............................4515....................1%
          الكويت..................82%..........................4%............................50600..................14%
          عمان...................99%...................1% مع فئات أخرى.....................1655..................... -
          قطر....................97%..........................2.5%...........................3200...................1.5%
          الإمارات المتحدة.......94%..........................5%..............................25960.................. 1%

          ملاحظات:

          1- البحرين والإمارات مراكز حساسة وخطرة ، والنفوذ النصراني فيها قوي .

          2- الكويت بها أعلى نسبة من السيخ والبوذيين والوثنيين 14% .

          3- يتركز الموارنة في الكويت والإمارات .

          4- الهنود المسيحيون يدخلون دول الخليج بصورة غير مشروعة ، ويتكاثرون هناك .

          5- لا بد من فضح هذه المخططات لإيقاف تيار التنصير قبل فوات الأوان .

          * * *

          (3) ومن خطاب البابا شنودة لشعب الكنيسة في مصر نقرأ ما يلي :

          "يجب مضاعفة الجهود التبشيرية الحالية ، إذ إن الخطة التبشيرية التي وضعت على أساس اتفق عليه للمرحلة القادمة ، وهو زحزحة أكبر عدد ممكن من المسلمين عن دينهم والتمسك به . على أن لا يكون من الضروري اعتناقهم المسيحية ، فإن الهدف هو زعزعة الدين في نفوسهم ، وتشكيك الجموع الغفيرة منهم في كتابهم وصدق محمد ، ومن ثم يجب عمل كل الطرق واستغلال كل الإمكانيات الكنسية للتشكيك في القرآن ، وإثبات بطلانه وتكذيب محمد .

          وإذا أفلحنا في تنفيذ هذا المخطط التبشيري في المرحلة المقبلة ، فإننا نكون قد نجحنا في إزاحة هذه الفئة من طريقنا ، وإن لم تكن هذه الفئات مستقبلاً معنا فلن تكون علينا .

          غير أنه ينبغي أن يراعى في تنفيذ هذا المخطط التبشيري أن يتم بطريقة هادئة لبقة وذكية ، حتى لا يكون ذلك سبباً في إثارة حفيظة المسلمين أو يقظتهم" .

          * * *

          وفي هذا الكتاب يجد القارئ منهجهم المعاصر المقرون بالتحليل والتحذير التوجيه .

          (4) عمليّات التنصير في أندونوسيا:

          جاء في الرسالة التي نشرها المجلس الأعلى الأندنوسي للدعوة الإسلامية بجاكرتا ، والصادرة في سنة (1410هـ و1989م) تعريف موجز بأعمال التنصير التي قامت به المؤسسات التنصيرية في أندونوسيا ، وأهم ما جاء فيها ما يلي :

          نظرة تاريخية:

          * بدأ انتشار الإسلام في أندونوسيا منذ أواخر القرن السابع الميلادي عن طريق الدعوة السلمية ، التي كان يقوم بها التجار المسلمون .

          * ثم بدأ يدخل الدين النصراني إلى أندونوسيا عن طريق المستعمرين البرتغاليين والأسبانيين ، وذلك في القرن السادس عشر الميلادي .

          ففي عام (1519م) أخذ الاستعماريون ينشرون النصرانية في جزيرة "تيرناتي" فقاومهم المسلمون .

          وفي عام (1549م) قامت حرب بين الوافدين المستعمرين النصارى وبين السُكان المسلمين بقيادة : "سلطان باب الله" .

          وفي عام (1605م) كانت القيادة العليا في البلاد بأيدي الاستعمار الهولندي الذي أبدى قسوة وعنفاً .

          وبدأت إقامة الكنائس في "جاكرتا" سنة "1855 م" وفي "سور أبايا" سنة "1856م" وفي "سمارانغ" عام "1858م" .

          ومن ذلك الوقت توالت إقامة الكنائس والمدارس النصرانية في جزيرة "جاوا" .

          وقد تمكن المستعمرون الهولنديّون من السيطرة على جميع الأراضي التي أخذوها من الشركة التجارية ، التي تحمل اسم "شركة الهند الشرقية الهولندية" سنة "1799م".

          * وبعدما انتهت الحرب العالمية الثانية سنة (1945م) تمكّن الشعب الأندنوسي من إعلان استقلاله ، وكان عدد السكان (170 مليون) 90 في المائة منهم مسلمون .

          * وصار المبشرون يستخدمون وسائلهم الماكرة للتنصير ، ولا يبدون أي تسامح تجاه المسلمين .

          الأنشطة التنصيرية في أندونوسيا:
          تتلخص الأنشطة التنصيرية التي يقوم بها المنصرون في أندونوسيا بما يلي:
          (1) اختيار القُرى النائية ، وإغراء الفقراء والمساكين ليتنصروا بالمساعدات الإنسانية : (مواد غذائية – ملابس مستعملة – أدوية – نقود – مواشي "أغنام وأبقار" – آت زراعية – تهيئة مياه – ترميم بيوت قديمة – تقديم العلاج اللازم للمرضى ومن مات منهم دُفِنَ وفق المراسم النصرانية).

          (2) تقديم فرص العمل مقترنة بالإغراء بالدخول بالنصرانية .

          (3) عرض الأفلام ذات التعليمات النصرانية ، والأفلام التي تعرض الرذيلة وتشجع على الفاحشة .

          (4) التدريبات المهنية المجانية استمالة للتنصر .

          (5) استخدام عادات المسلمين التقليدية في الأذكار والأوراد والعبادات مع تبديل المضمون بعبارات نصرانية ، فبدل عبارة : "لا إله إلا الله" يجعلون المسلمين يرددون عبارة : "الإله الابن".

          ويعقد المبشرون في وقت صلاة الجمعة لقاء دورياً مشابهاً مع تغيير في المضمون يشتمل على مفاهيم وطقوس نصرانية .

          (6) الدخول مع المهاجرين المسلمين من مناطق مزدحمة إلى جزر قليلة الازدحام ، حتى إذا تمكنوا فيها جلبوا القساوسة المنصرين , وتعاونوا معهم لتنصير أهل هذه الجزر .

          (7) بناء الكنائس والأديرة .

          (8) دعوة المسلمين والمسلمات لحضور سهرات أعياد الميلاد النصرانية الماجنة ، التي تيسر السبيل للعلاقات الفاحشة المختلطة ، والتي تستدرج إلى زواج الذكور النصارى بالمسلمات ، تمهيداً لتنصيرهن .

          (9) إقامة مؤسسات تجارية تعاونية بين المسلمين والنصارى لاستدراج المسلمين إلى قبول الدخول في الديانة النصرانية .

          (10) استغلال المناصب الحكومية التي يحتلها النصارى ، لتأمين مصالح النصارى ، وكل من يتنصر من المسلمين .

          (11) استخدام التعليم وسيلة للتنصير ونشر التعاليم والعادات وأنواع السلوك النصرانية .

          * * *

          ( 4 )

          المهمات الرئيسية لأعداء الإسلام

          لدى البحث العميق ، والتحري الدقيق تقصياً للحقائق ، نلاحظ أن كثيراً من الأفكار المشوهة عن الإسلام وتاريخ المسلمين والمضادة لهما المنتشرة في صفوف الأجيال الحديثة من أبناء المسلمين ، والمنتشرة في معظم البلاد غير الإسلامية ، ليست إلا أثراً مباشراً أو غير مباشر ، من آثار دسائس المبشرين ، والمستشرقين والمستعمرين ضد الإسلام ومن ورائهم كيد يهودي يعمل لمصلحة نفسه ويستغل جهود كل مفسدة . ومعهم في حرب الإسلام الشيوعيون والمنافقون والملحدون وسائر الكفرة بالله واليوم الآخر .

          وقد وفد هؤلاء إلى البلاد الإسلامية وفي حقائبهم العلمية أو الدعائية أو الدبلوماسية تعليمات مكتوبة وغير مكتوبة تحمّلهم مهمات متعددة . وأكبّ فريق منهم على دراسة معارف المسلمين دون أن يفدوا إلى بلاد المسلمين . ونستطيع أن نستبين من نتائج أعمالهم المهمات التالية :

          المهمة الأولى : هدم الإسلام في عقائده وعباداته ونظمه وأخلاقه ولكن هذه المهمة التي يحملونها في محافظ أيديهم وحفائظ نفوسهم وقلوبهم وأفكارهم يضفون عليها أول الأمر أقنعة مبهرجة براقة تخدع الناظرين وتستميل قلوبهم ونفوسهم وأفكارها لتوقعهم في الشرك حتى إذا ظفروا بصيدهم شدوا عليهم وثاق الأسر المعنوي الشامل للأسر الفكري والقلبي والنفسي .

          وأثر الأسر الفكري يكون بربط أفكار أبناء المسلمين وبناتهم بمجموعة المعارف المزيفة ، التي يُلبسونها أثواب الحقائق المسلمة ، ضمن حشد من المعارف المادية الحقة ، المسلمة منطقياً ، والمؤيدة بالشواهد الواقعية . والواقع تحت الأسر الفكري يجد نفسه مشدوداً فكرياً بأسباب خفية إلى مواقع الغزاة .

          وأثر الأسْرِ القلبي يكون بتوليد عواطف الميل أو الرضى أو الحب لما يأتي به هؤلاء الغزاة ، من كل أمرٍ مضاد لرسالة الإسلام وتاريخ المسلمين .

          وأثر الأسْرِ النفسي يكون بربط الأهواء والشهوات والغرائز النفسية بأسباب الفتنة المادية التي ينشرها الغزاة بينهم .

          المهمة الثانية : تجزئة المسلمين أينما كانوا من الأرض ، حتى يمسوا أشتاتاً متباعدة متنافرة متقاطعة مبددة ، ولا تجمعهم جامعة ولا تؤلف بين قلوبهم مودة ولا تعقد بين جماعاتهم أواصر دينية أو تاريخية أو مصلحية .

          المهمة الثالثة : تشويه صورة الأمة الإسلامية الحالية والتاريخية الغابرة ، بكل وسيلة من وسائل الكذب والافتراء ، والتزوير للحقائق ، وذلك بغية حقن هذا الجيل من أحفاد المسلمين بالشعور بالنقص والتخلف ، كما يكون أطوع للسوق في أيدي الغزاة إلى ركب أعداء الإسلام ، الذين يتابعون كل أثر إسلامي بالهدم والتدمير ومحاولات الإبادة ، وبغية حقن الشعوب الأخرى بالكراهية للمسلمين ، والنفور منهم ، ولا سيما الشعوب التي كانت تجد فيهم صورة رائعة من صور العدل ، وصورة عظيمة من صور القوة الكبرى ، والمعرفة المتقدمة المتنامية المتكاثرة التي لا تقنع بأية مرحلة بلغتها من مراحل البحث والمتابعة ، لأن الإسلام قد وضع لها زمرة من أسس حوافز المتابعة الدائبة الدائمة للمعرفة .

          المهمة الرابعة : خداع الشعوب الإسلامية بربط كل صورة من صور التقدم الحضاري والمدني بخطة هدم الإسلام وتجزئة المسلمين ، التي يزينونها لهم ، ويربط كل صورة من صور التخلف الحضاري والمدني بالاستمساك بالإسلام وبالمفاهيم والمعارف التي يحملها علماء المسلمين وخداع الشعوب الأخرى التي كان بينها وبين المسلمين مشاركات وطنية داخل البلاد الإسلامية في تعاطف متبادل وتعاون كريم ، وذلك بإلقاء مسؤولية تخلفها على المسلمين وبث الكراهية والبغضاء في قلوبها عليهم ، بغية إيجاد طوابير التي تُجنَّد لحرب المسلمين داخل بلادهم .

          وانطلقت كتائب هذا الجيش الثلاثي المؤلف من المبشرين والمستشرقين والمستعمرين بوسائلها المتنوعة ، غازية على نطاق واسع كل بلد من بلاد المسلمين ، في غارة تاريخية طويلة الأمد ، محكمة الكيد لم يعرف التاريخ لها نظيراً ، فلم تدع بلداً من بلاد المسلمين إلا دخلته ، ولم تترك ميداناً من ميادينهم إلا أجرت خيولها فيه , ولا قمة من قممهم إلا حاولت أن تعتلي صهوتها وتهدمها ، ولا حصناً من حصونهم إلا أنفذت إلى داخله رهطاً من المخربين المفسدين ، إلا أن جوهر الإسلام الحق استطاع أن يحافظ على نقائه ، في روائع نصوصه ، وفي طوائف من المسلمين قائمين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم ، مهما كثر الخبث وانتشر الفساد في الأرض ، وهؤلاء هم بذور النماء التي ستهيئ لها الموجات التاريخية بإذن الله وتوفيقه فرصة التكاثر السريع ، مهما اجتث أعداء الإسلام من أفرادها في كل عصر .

          * * *

          من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

          Comment

          • قسورة
            عضو
            • Nov 2005
            • 157

            #6


            ( 5 )

            المنهج الرئيسي للغزو الفكري

            لدى سبر ما يمكن اتخاذه من خطط كيدٍ ضد مذهب أو فكرة أو دين له أمة من الناس تؤمن به ، ولدى استقصاء هذه الخطط عن طريق التقسيم العقلي الذي يفيد الحصر ، يظهر لنا ما يلي :

            إن الغزاة يضعون هدفهم غزو أمرين رئيسيين لدى أعدائهم وهما:

            الأمر الأول: الفكر الذي يمثّل عقائد الأمّة المغزوّة ومفاهيمها ومبادئها .

            الأمر الثاني: السلوك النفسي والظاهر ، الذي هو تعبير حركي عن عقيدة الإنسان ومفاهيمه ومبادئه .

            ومن الظاهر في التصرفات الإنسانية أنَّ تغير العقائد والمفاهيم والمبادئ ينجم عنه تغيير في السلوك يلائم العقائد والمفاهيم والمبادئ الجديدة ، ثم لا يبقى من السلوك القديم إلا ما هو متأصل عضوياً بتأثير العادة .

            ويلاحظ أيضاً أن تغيير السلوك بالممارسات العملية المقترنة بالاستحسان أو الاستمتاع أو إرضاء الغرائز والشهوات ، سينجم عنه ولو بعد حين تغيير في العقائد والمفاهيم والمبادئ ، ولا يبقى من القديم إلا مفاهيم تجريدية عامة مقطوعة الصلة بالسلوك الذي هو الأمر القائم في الممارسة ، أو مفاهيم ذات آثار شكلية لا تتعارض مع هذا السلوك .

            والسبب في هذه الظاهرة الإنسانية أن الإنسان يحاول ما استطاع أن لا يكون متناقضاً مع نفسه ، وأن لا يكون مزدوج الشخصية ، أي : أن لا يكون سلوكه مناقضاً لمفاهيمه ومبادئه وعقائده ، أو أن لا تكون مفاهيمه ومبادئه وعقائده مناقضة لسلوكه .

            إن التناقض في داخل النفس الواحدة ، ذاتِ التركيب الفطري المتلائم المتناسق ، يحدث ازدواجاً متصارعاً ،من آثاره القلق والتوتر النفسي وعدم الارتياح الداخلي ، وهي أعراض علة مرضية نفسية يحاول الإنسان أن يتخلص منها ما استطاع .

            قد تحدث المصالحة التوفيقية لمدة من الزمن ، عن طريق الاعتراف الداخلي بالمعصية ، إرضاءً للشهوات والنزوات والأهواء ، ولكن متى طال الزمن وفقدت المفاهيم والعقائد والمبادئ تغذيتها عن طريق الفكر أو عن طريق السلوك ضمرت ثم تضاءلت ثم تلاشت ثم جاءت المفاهيم والعقائد والمبادئ الأخرى الملائمة للسلوك الممارس ، فاكتسحت البقايا وحلّت محلّها .

            وغزو كلٍّ من الفكر والسلوك إما أن يكون عن طريق الفكر ، وإما أن يكون عن طريق السلوك التطبيقي .

            ووفق القسمة العقلية الحاصرة ، الناتجة عن ضرب اثنين في اثنين ،تظهر لنا الشعب الرئيسية الأربع لهذا المنهج ، وهي الشعب المبينة في الجدول التالي:

            القوة الغازية...............................الأمة المغزوة
            1- شعبة غزو الفكر ................... للفكر
            2- شعبة غزو الفكر ................... للسلوك
            3- شعبة غزو السلوك العملي........... للفكر
            4- شعبة غزو السلوك العملي........... للسلوك

            هذه شعب أربع رئيسية ، ويتفرع عنها سبل فرعية كثيرة ، ولها وسائل متنوعة كثيرة لا تكاد تحصر .

            وفيما يلي شرح هذه الشعب الأربع :

            الأولى : شعبة غزو الفكر للفكر :

            ويكون فيها أمران :

            1- تزيين الأفكار التي يراد الغزو بها ، والإقناع بأنها صحيحة ونافعة لاعتقادها واتخاذها مبادئ للحياة ومناهجها .

            2- تشويه وتقبيح الأفكار التي يراد حربُها ، ونسخُها من أذهان وقلوب الأمة المغزوة ، ويراد تغيير آثارها في السلوك .

            وكلٌّ من التزيين والتقبيح يعتمد على زخرف القول ، وأنواع التضليلات الفكرية ، والمغالطات والجدليات الباطلة .

            ومن أمثلة ذلك: تزيين فكرة النظام الرأسمالي الغربي ، أو النظام الشيوعي ، وتشويه وتقبيح نظام الإسلام الاقتصادي .

            الثانية : شعبة غزو الفكر للسلوك :

            ويكون فيها أمران :

            1- تزيين السلوك الذي يراد تحويل الأمة المغزوّة إليه عن طريق الفكر ، والإقناع بأنه هو السلوك الأفضل والأحسن لحياة الإنسان .

            2- تقبيح السلوك الذي يراد تحويل الأمة المغزوة عنه ، عن طريق الفكر والإقناع بأنه سلوك لا يلائم مصلحة الناس ، ولا يلائم ما ينفعهم ، ولا يحقق لهم سعادتهم .

            وكلٌّ من التزيين والتقبيح يعتمد على زخرف القول وأنواع التضليلات الفكرية والمغالطات والجدليات الباطلة .

            ومن أمثلة ذلك : تزيين فكرة الاختلاط المطلق بين الذكور والإناث . وتقبيح واقع المجتمع الإسلامي الملتزم بتعاليم الإسلام ، والبعيد عن مفاسد الاختلاط .

            الثالثة : شعبة غزو السلوك العملي للفكر :

            ويكون الغزو فيها بأمرين :

            1- بعرض أنماط السلوك النفسي أو العملي الجسدي ، المعبّرة عن مفاهيم الغزاة وعقائدهم ومبادئهم بصورة مزينة محببة مغرية للتأثير غير المباشر على أفكار الأمة المغزوّة وإقناعها بصحة مفاهيم الغزاة وعقائدهم ومبادئهم .

            كعرض أنماط سفور المرأة وعريها بطرق شائقة جذابة ، ترغب في فكر سفور المرأة وعريها .

            2- بعرض أنماط السلوك النفسي أو العملي الجسدي المعبّرة عن مفاهيم الأمة المغزوة وعقائدها ومبادئها . وتُعرض هذه الأنماط بصورة مشوهة منفرة ، للتأثير غير المباشر على أفكار الأمة المغزوة ، وإقناعها بالتخلي عن مفاهيمها وعقائدها ومبادئها التي تؤمن بها .

            كتشويه مظاهر حجاب المرأة المسلمة ، بممارسات عملية مشوهة ، مدفوعة أو مندسة للتنفير من فكرة حجاب المرأة الإسلامي والحكم الشرعي الآمر به .

            الرابعة : شعبة غزو السلوك العملي للسلوك:

            ويكون الغزو فيها بالاستدراج التطبيقي لأنماط السلوك النفسي والعملي الجسدي ، الملائمة للأفكار والمفاهيم والعقائد والمبادئ التي يراد الغزو بها ، والتي هي مظاهر لها ومعبرات عنا ، بغية تحويل الأمة الإسلامية عن أنماط سلوكها القديم الملائم لمفاهيمها وعقائدها ومبادئها .

            ومن أمثلة ذلك إقامة الاقتصاد عملياً في البلاد الإسلامية على النظام الربوي ، وافتتاح دور الفسق والفجور باسم الفن ، أو بأسماء أخرى .

            وبعد اعتياد السلوك الجديد المصحوب بما يرضي المطامع ، أو الأهواء والشهوات والغرائز يسهل جداً على الغزاة أن يزينوا للمستجيبين لهذا السلوك الفكرة التي يريدون غزوه بها ، ويسهل عليهم إقناعهم بصحتها ، كما يسهل عليهم إقناعهم بعدم صحة أفكارهم ومفاهيمهم وعقائدهم ومبادئهم القديمة ، ذات المظاهر السلوكية المخالفة لما اعتادوه في سلوكهم الجديد .

            يضاف إلى ذلك ، أن الإنسان يحاول دائماً أن يجد الأفكار والمفاهيم والمبادئ التي تؤيّد وتبرّر أنماط سلوكه التي تأصّلت عليها عادته ، واستحلتها أهواؤه وشهواته وغرائزه ومطامعه ، مهما كانت فاسدة وضارة ومخالفة لقيم الحق والخير والجمال والفضيلة الخلقية ، ويحاول ما استطاع أن لا يكون متناقضاً مع نفسه ، بين مفاهيمه وسلوكه ، وأن لا يكون مزدوج الشخصية يعاني من صراع داخلي ، كما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذا البحث .

            ومع الاستدراج التطبيقي لأنماط السلوك الغازي يكون الاستدراج التزييني للتخلي عن أنماط السلوك النفسي العملي الجسدي ، الملائمة للمفاهيم والعقائد والمبادئ التي يراد مكافحتها وتحويل الأمة المغزوة عنها .

            ومتى تخلّى الإنسان عن السلوك المعبر عن مفاهيمه وعقائده ومبادئه ، وطال عليه الأمد ، ضمرت في عمقه مفاهيمه القديمة وعقائده ومبادئه ، ثم تستمر في الضمور حتى تضمحل وتتلاشى ، وعندئذ تحل محلها المفاهيم والعقائد والمبادئ الملائمة لأنماط سلوكه الجديد ، الذي غدا هو المسيطر على ممارساته وأعماله وعاداته . وفي هذه الحالة يسهل على الغزاة الإقناع بالتخلي عنها كلياً .

            * * *

            ( 6 )

            الوسائل الرئيسية للغزو الفكري

            اشتملت الفقرة السابقة على شرح المنهج الرئيسي للغزو الفكري ، بشعبه الأربع .

            ولكن يتفرع عن هذا المنهج الرئيسي سُبُل فرعية كثيرة يستخدم الغزاة فيها عدة وسائل لتحقيق أهدافهم .
            وبنظرة سريعة تنكشف للباحث الوسائل الرئيسية التالية :

            الوسيلة الأولى :

            تشويه عقائد المسلمين ومفاهيمهم الفكرية ، وتشويه النظم الإسلامية ، وسائر أحكام الإسلام وشرائعه وأخلاقه وكل ما يتعلق بالتراث الإسلامي وتاريخ المسلمين .

            وقد اهتمّ أعداء الإسلام باستخدام هذه الوسيلة اهتماماً عظيماً ، لصدّ الناس عن الإسلام ، وتنفير أبناء المسلمين منه ، وتقبيح صورة الإسلام في أفكارهم ونفوسهم .

            والسبب في ذلك أن أعداء الإسلام قد عرفوا حقاً قوة الإسلام ، وقدرته على الانتشار والاتساع وما فيه من حق غلاب ، ذي سطوة على الأفكار والنفوس ، وما فيه من ملاءمة للفطرة الإنسانية ، وملاءمة للمصالح البشرية التي تكشفها التجربة الطويلة .

            ويستخدم الغزاة للوصول إلى هذا التشويه ما يلي:

            أ- التشكيك بالحق ، عن طريق زخرف القول .

            ب- إلقاء الشبهات ، وتوجيه المطاعن افتراءً وزوراً .

            جـ- المغالطات الجدلية التي تعتمد على الأكاذيب والتزييفات وحيل التحريف والإيهام وكتم الحق وتلبيس الحق بالباطل وحيل إظهار بعض الأمر وإخفاء بعضه .

            إلى غير ذلك من أمور .

            الوسيلة الثانية :

            محاربة اللغة العربية الفصحى واللغات الإسلامية الأخرى ومحاولة طمس علومها وآدابها بمختلف الوسائل بغية صرف المسلمين عن مصادر التشريع الإسلامي وسائر التراث الإسلامي وبغية تجزئة المسلمين .

            وقد اتخذت هذه المحاربة صوراً ماكرة متعددة ، استخدم فيها أسلوب النصيحة حيناً والتسلل بما يُسمّى "علم اللغات العامة" حيناً آخر ، وهذا التسلل دخل إلى الدراسات الجامعية .

            وظهرت هذه المحاربة في الدعوة إلى إحلال اللهجات العامية محل العربية الفصحى ، أو التعديل في قواعدها وقوانينها ، أو تبديل كتابتها إلى الحرف اللاتيني ، أو التعديل في طريقة كتابتها .

            وظهرت أيضاً بتشييع الآداب الشعبية ، والفنون الشعبية (الفولكلور) والتبعية لأساليب الآداب الغربية كنظام ما يسمى بالشعر الحر .

            الوسيلة الثالثة:

            إحياء القوميات القديمة ، وتراثها وتاريخها الجاهلي ، وآثارها وآدابها الجاهلية ، لمزاحمة الإسلام من جهة ولتفتيت الشعوب الإسلامية من جهة ثانية ، وذلك بربطها بجاهلياتها القديمة ونعراتها القومية وعصبياتها العرقية .

            الوسيلة الرابعة:

            استخدم الأجراء أو المندسين واستغلال المغفلين والجهلة وأصحاب الأهواء والمنحرفين في سلوكهم من الفساق وعصاة المسلمين لتحريف عقائد المسلمين ومفاهيمهم الفكرية مقدمة للإقناع بفساد العقائد والمفاهيم والشرائع الإسلامية ، وضرورة نبذها والتخلي عنها . واستخدام هؤلاء أيضاً لتشويه التطبيقات الإسلامية وتحويلها إلى بدع وخرافات ليكون ذلك ذريعة لمحاربة الإسلام تحت ستار أن هذه التطبيقات المشوهة هي تطبيقات إسلامية .

            الوسيلة الخامسة:

            الاستدراج البطيء إلى ممارسة السلوك الذي يراد الغزو به ، وترك السلوك الذي يراد التحويل عنه ، ويكون ذلك:

            أ- بالرفقة والمصاحبة .
            ب- بإغراء الأهواء والشهوات والمطامع .
            جـ- بشراء الضمائر .
            د- بالغمس بالبيئات الفاسدة ، استدراجاً إليها وهي في بلاد الغزاة أو إنشاءً لها بالتدرج داخل بلاد المسلمين .
            هـ - بعرض نماذج هذا السلوك مزيناً محبباً للنفوس ، والتأثير عليها بطرق غير مباشرة ، كالقصص والتمثيليات والمسرحيات .

            الوسيلة السادسة:

            استخدام النفاق والمنافقين والأقنعة المزوّرة ، ويكون ذلك بما يلي:

            أ- بإدخال الكفرة في صفوف المسلمين متظاهرين بالإسلام ، لإفساد حال المسلمين فكراً وسلوكاً ، والإضرار بهم وهم داخل صفوفهم .

            ب- بإخراج بعض أبناء المسلمين من دينهم إخراجاً فكرياً وقلبيّاً ، وتوصيتهم بأن يظلّوا متظاهرين بالإسلام نفاقاً ، ليقوموا بما يريده الغزاة من غزوٍ فكري وسلوكي داخل أمتهم التي هم من سلالتها ، وينتمون إليها في الظاهر .

            الوسيلة السابعة :

            استغلال ردود الأفعال بعد أحداث طارئة أو أحداث مفتعلة أو بعد هجوم فكري منظم .

            كاستغلال حالة انفعال المسلمين تجاه هجوم طارئ أو تجاه هجوم مفتعل عليهم ، لإشعال نيران فتنة بينهم وبين غيرهم ، واستدراجهم إلى مذابح تقضي على قسم كبير منه ، أو إلى ثورات واضطرابات تبدّد طاقاتهم وتجزّئ صفوفهم .

            ومن أمثلة استغلال رد الفعل غير الواعي ما فعله المستشرقون من الهجوم الفكري على الإسلام بأنه لم ينتشر في العالم عن طريق الإقناع ، وإنما انتشر عن طريق الإكراه بالسيف ، فكان رد الفعل لدى بعض المسلمين مقالتهم بأن الإسلام ليس فيه إلا قتال الدفاع فقط ، وهذا هو ما يريده أصحاب الهجوم أنفسهم .

            الوسيلة الثامنة:


            استخدام الخطوات المتدرجة للنقل من موقع فكري إلى موقع فكري آخر .

            وذلك لأنَّ النقل المفاجئ السريع أمرٌ تأباه النفوس ، وتقابله تلقائياً بالعناد والرفض .

            ومن الخطوات المتدرجة التحريف في مفاهيم الإسلام شيئاً فشيئاً ، على فترات زمنية متباعدة .

            وهذه الوسيلة هي من وسائل الشيطان التي حذرنا الله منها ، في أربعة مواضع من القرآن الكريم .

            الموضع الأول: في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول) المكية ، وفي سياق التحذير من تحريم ما أحل الله من بهيمة ألأنعام ، فقال الله تعالى فيها خطاباً للناس عامة:

            {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}

            وفي هذا دلالة على أن للشيطان خطوات يبدأ فيها بتزيين تحريم بعض ما أحلَّ الله ، ثم ينتقل إلى تزيين تحريم أمر آخر ، ثم إلى تزيين إباحة ما حرم الله ، وتستمرّ الخطوات تتتابع حتى يكون الشيطان هو معبود الناس ، ويتخذه الناس شريكاً لله .

            الموضع الثاني : في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) أول سورة مدنية ، وقد أتبع الله النهي عن اتباع خطوات الشيطان ببيان أن الشيطان يأمر بالسوء والفحشاء والافتراء على الله ، فيبدأ بالمعاصي الصغرى على اختلاف دركاتها ، وعنوانها (السوء) ، ثم ينتقل إلى المعاصي الكبرى على اختلاف دركاتها ، وعنوانها (الفحشاء) ، ثم ينتقل إلى أكبر الكبائر ومشاركة الله في إلهيته ، وعنوان ذلك (الافتراء على الله).

            فقال الله عز وجل فيها خطاباً للناس أجمعين :

            {ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

            الموضع الثالث: في سورة (البقرة) أيضاً ، وفي سياق التعريف بقسم من الناس يعجب السامع قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام .

            ولعل هذا السياق يشعر بالتحذير من ذوي الأقوال المزخرفة المعجبة ، التي تستدرج إلى مواقع الضلال الفكري أو الانحراف السلوكي .

            فقال الله تعالى فيها خطاباً للذين آمنوا :

            {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}

            وفي أمر المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة إلزام لهم بأن لا يكون بينهم تقاتل ولا صراع مهما دعت الدواعي .

            وبعد هذا حذرهم من اتباع خطوات الشيطان ، وذلك لأن من خطواته استدراج المؤمنين إلى الخلاف فالعداوة والبغضاء فالقتال .

            ويتعاون شياطين الإنس الذين تعجب أقوالهم في الحياة الدنيا مع شياطين الجن الذين يوسوسون لإلقاء الخلاف والعداوة والبغضاء بين صفوف المؤمنين ، ليقتتلوا ، فتُدمَّر قواهم ، وتجزّأ وحدتهم ، ويظفر بهم عدوّهم .

            الموضع الرابع : في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول) المدنية ، وفي سياق عرض قصة الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وأحكام الله في القذف ، والتحذير من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، ونشر شائعات السوء ، لأن ذلك من الخطوات التي تشجّع على ارتكاب الفاحشة ، مع ما فيه من إثارة العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، وتقطيع أواصر الأخوة الإيمانية ، فقال الله تعالى فيها :

            {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ....}.

            * * *

            ( 7 )

            تعريفات للأجنحة الثلاثة


            أطلقت كلمات التبشير والمبشرين ، والاستشراق والمستشرقين والاستعمار والمستعمرين بمعانٍ ودلالات جرى بها العرف في الغرب والشرق ، وغدت مصطلحاتٍ يراد منها ما شاع في العرف ، فنحن نطلقها وفق ما جرى عليه الاصطلاح ، ولو كانت دلالاتها اللغوية الأصلية تخالف ما تطوّرت إليه في الاصطلاح أو في واقع ما تطلق عليه ، أو من تطلق عليه .

            وفيما يلي تعريف بهذه الكلمات :

            التبشير: تعريف أطلقه رجال الكنيسة النصرانية على الأعمال التي يقومون بها لتنصير الشعوب غير النصرانية ،ولا سيّما المسلمون .

            ثمّ تحوّل هدف التبشير داخل الشعوب المسلمة إلى غاية التكفير ، وإخراج المسلمين عن دينهم ، ولو إلى الإلحاد والكفر بكل دين .

            والمبشرون: هم الذين يجنّدون أنفسهم للقيام بمهمات التبشير ، سواء أكانوا من العاملين أو العاملات في السلك الكنسي أو المتطوعين والمتطوعات من ذوي الاختصاصات الأخرى ، وذلك عن طريق الدعوة إلى النصرانية صراحة ، أو عن طريق التعليم المنهجي ، أو التثقيف العام ، أو الخدمات الصحية أو الاجتماعية أو غيرها ودسّ الأفكار التبشيرية فيها .

            وأصل (التبشير) في اللغة الإخبار بما هو خير ، أو تبليغ ما هو خير ، ولكن واقع حال المبشرين الصليبيين وأهدافهم من التبشير ، جعلت التبشير يحمل معنىً آخر غير معناه اللغوي الأصلي . فحملت كلمة (التبشير) الدلالة التي سبق بيانها لدى تعريفه الاصطلاحي الشائع .

            الاستشراق : تعبير أطلقه الغربيون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين ، شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم وأوضاعهم الاجتماعية ، وبلادهم وأرضهم وحضاراتهم وكل ما يتعلق بهم .

            وكان هدفهم الأساسي دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية ، لخدمة أغراض التبشير من جهة ، وخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين من جهة أخرى ، ولإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية .

            والمستشرقون: هم الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين ، ويقدّمون الدراسات اللازمة للمبشرين ، بغية تحقيق أهداف التبشير ، وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار .

            ومع الدراسات الاستشراقية الموجهة لأغراض التبشير والاستعمار قام بعض محبي العلم بدراسات استشراقية حيادية غير موجهة ، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة ، وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية فأسلم .

            الاستعمار : تعبير أطلق على استيلاء شعب بالقوة العسكرية على شعب آخر لنهب ثرواته واستغلال أرضه وتسخير طاقات أفراده لمصالح المستعمرين .

            ويرافق ذلك اتخاذ مخططات تحويل هذا الشعب عن دينه ومفاهيمه ومبادئه وأخلاقه وسلوكه الفردي والاجتماعي إلى ما عليه دولة الشعب الغالب المستعمر ، من مبادئ ونظم وعادات إذا كان بين الغالب والمغلوب تباين في ذلك .

            وأصل الاستعمار في اللغة طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران ، ولكن الواقع والأهداف النفسية للمستعمرين أمور جعلت الاستعمار يحمل معنى آخر غير معناه اللغوي الأصلي ، فحملت كلمة "الاستعمار" الدلالة التي سبق بيانها لدى تعريفه الاصطلاحي الشائع .

            ( 8 )

            المؤازرون من الداخل لقوى المكر الخارجية


            يمكن حصر القوى المؤازرة من داخل صفوف المسلمين لكتائب الجيوش الغازية لبلاد المسلمين غزواً فكرياً ، بغية هدم الإسلام وتجزئة المسلمين في أربعة أصناف منبثة داخل الشعوب الإسلامية . وقد تكون مؤازرتهم لهم بقصد وقد تكون بغير قصد ، وربما تكون في صورة مقارعة كتائب هذا الجيش الغازي ومحاربتها لتضليل الجماهير عن حقيقة المؤازرة . وبعض هؤلاء المؤازرين من هذه الأصناف يسيئون إلى الإسلام والمسلمين بحسن نية ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، وذلك بالانتصار للإسلام وفق الصور الخاطئة التي يفهمونها عنه .

            والأصناف المؤازرة لكتائب جيوش أعداء الإسلام هي الأصناف الأربعة التالية :

            الصنف الأول : الأجراء ، وهم الذين باعوا نفوسهم لأعداء دينهم وأمتهم بثمن بخس دراهم معدودة أو منافع محدودة أو مناصب موعودة أو شهوات مبذولة ومتع مرذولة .

            وكم سَّلم صنف الأجراء لأعداء الإسلام مفاتيح مادية ومعنوية لكنوز عظيمة داخل الحصون الإسلامية ، فمن صنف الأجراء زمر سياسيون يطبقون خطط أعداء الإسلام عن طريق السياسة ، ومنهم زمر عسكريون يفعلون مثل ذلك في الميادين العسكرية ، ومن صنف الأجراء أيضاً زمر ضعفاء النفوس من المتعلمين وذوي المكانة الدينية يصطنعون لأعداء الإسلام المبررات ، ويسهلون لهم المهمات ، ويبردون حماسة الناس ضدهم . وقد يستخرجون لهم الفتاوى والتأويلات ، وقد يتصيدون لهم من بطون الكتب الإسلامية الآراء الضعيفة المردودة ، التي اقتضت الحركة العلمية الحية المتقدمة في عصور ازدهار الثقافات الإسلامية عرضها ومناقشتها وردها بالحجج والبراهين ، ولكن هؤلاء الأجراء يتعمدون التقاطها وعرضها من جديد ، وربما يكونون متطوعين يغفلون عن أثرها السيء الذي تفعله في نفوس الأجيال الناشئة ، بما تعطيه من مفاهيم خاطئة عن الإسلام . أما هدف أعداء الإسلام منها فيتلخص في أمرين :

            الأمر الأول : تشجيع فريق من المسلمين للأخذ بها واعتناقاها ، إبعاداً لهم عن حقيقة الإسلام النقية الصافية .

            الأمر الثاني : إبراز صورة مشوهة عن الإسلام للأجيال التي يريدون أن يسبوها سبياً فكرياً ونفسياً من أحضان أسرتها وبيآتها الإسلامية ، وبها يستطيعون أن يهدموا الإسلام من أفكار هؤلاء الناشئين ، وأن ينفروهم من طريقة آبائهم وأسرهم ، الملتزمين بالصورة المشوهة التي ساهم الأجراء باستخراجها وبثها ، أو تحويرها والتلاعب فيها .

            الصنف الثاني : الخارجون . وهم الذين خرجوا عن دينهم وأمتهم خروجاً كلياً أو جزئياً . وأخطر هؤلاء الخارجين الخارجون من طبقة المثقفين بالثقافات الحديثة ، وهم في الحقيقة جنود من جنود العدو في أثواب وطنية ، ولا تعدو مهمتهم أن تكون صورة تامة لمهمة المستشرقين والمبشرين والمستعمرين ، إلا أنهم يستعلنون بوجه وطني ، لأنهم من الأمة أعراقاً وأنساباً ، وهذا الوجه الوطني لا يستطيع أن يلبسه العدو الأصلي ، لذلك فإن تأثيره يظل أقل وأضعف حينما يباشر مكيدته بنفسه بصورة علنية .

            وهؤلاء الخارجون يستوردون المبادئ والمذاهب الفكرية البعيدة عن مجال التقدم المادي للحياة الإنسانية ، مما تصنعه الخطط الأجنبية المعادية للإسلام والمسلمين ، ويعرضونها بأقلامهم بين الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين ، ويرفعون من شأنها ، ويمجدون أصحابها ، ويغرسون في قلوب هذه الأجيال حبَّها والتعلق بها ، واعتبارها حقاً وفتحاً عظيماً في ميادين المعرفة ، ثم يتعهدون غراسها بالسقي والحضانة والتغذية المستمرة ، حتى يثمر في أفكارهم وقلوبهم إلحاداً بالله وكفراً وتنكراً وازدراء لدينهم وأمتهم ، وكراهية لكل ما يتصل بالإسلام من حقائق ، ولكل ما يتصل بتاريخ المسلمين من عزٍّ وطيد ، ومجدٍ تليد .

            الصنف الثالث : المتهاونون ، وهم الذين لا يبالون الأحداث ولا يكترثون بالأمور ، ولا هم لهم في الحياة إلا أكل وشربٌ ومسكن ونكاح ،وتكاثر وتفاخر بأعراض من الحياة الدنيا ، ويبذلون في ميادين هذه الأمور كل ما وهبهم الله من قوى فكرية وجسدية ونفسية ، فكل وقدة حرارية تتدفق بها حياتهم لا يرون لها سبيلاً إلا هذه الميادين ، ولا ينظرون إلى أمور دينهم وأمتهم إلا بمقدار ما يكون لهذه الأمور من تأثير على الميادين التي فتنوا بها فتنة سلبتهم كل تفكير بغيرها .

            وقد نجد فريقاً من هؤلاء سليم العقيدة الشخصية ظاهر التدين ، وهو مع ذلك يروى مانعاً مثلاً من ترويج كتب الإلحاد والكفر بالله ، وكتب إفساد الأخلاق ونشر الرذيلة ، إذا كان له منها ربح كثير ، ولا يرى مانعاً من ترويج سلع الفحش والرذيلة والتجارة بالمحرمات الشرعية حينما يكون الربح الكثير مرتبطاً بذلك ، ولا يرى مانعاً من الرضى بحكم أعداء الإسلام حينما تكون مصالحه التجارية أو الوظيفية ميسرة عن طريقهم . ولا يرى مانعاً من تسليم أبنائه وبناته إلى أيدي المبشرين والمستعمرين ، يربونهم تربيةً معادية للإسلام والمسلمين ، رغبة بأن يتقنوا لغة أجنبية إتقاناً حسناً ، ليساعدوهم على تسهيل مصالح الاستيراد والتصدير . ولا يرون مانعاً أيضاً من استيراد الخمور ونحوها رغبة بزيادة موارد خزينة الدولة ، عن طريق الضرائب على ما يستورد منها ، إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة .

            وهؤلاء المتهاونون الذين لا يبالون الدين ، ولا يكترثون بما يهدمه ولا بما يبنيه ، هم السواد الأعظم داخل الشعوب الإسلامية ، وهم في الحقيقة حقول العمل والاستغلال ، التي تنتشر فيها قوى أعداء الإسلام .

            ولئن لم يكن لهؤلاء أعمال إيجابية ظاهرة تساهم مع الأعداء في هدم الإسلام وتوهين المسلمين ، فإن استكانتهم واستخذاءهم وتهاونهم مساهمة سلبية خطيرة تعطي كل الفرص الملائمة للأعمال الإيجابية المضادة ، وخطر هذا التهاون من أبلغ الخطر . إنه أشد خطراً من الفرار في المعارك الحاسمة مع العدو إذ هو مساهمة صامتة .

            الصنف الرابع : المنفرون من الدعاة ، وهم بعض القائمين بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان أحكام الدين ، وهم جهلة بحقيقة الإسلام أو بطرق الدعوة إليه ، مع تعصبهم لما يرون من فكر غير صحيح عن الإسلام ، أو عن طريق الدعوة إليه والعمل له .

            ونجد هذا القسم أحياناً متصدراً مراكز إسلامية مرموقة .

            وعناصر هذا القسم يقدمون بما يقولون وبما يعملون صورة للإسلام مشوهة منفرة ، ويكون ضررهم أشد وأبلغ حينما لا يرى الناس الإسلام إلا من خلال الصورة المشوهة المنفرة التي يقدمونها .

            وجهل هؤلاء يساعد أعداء الإسلام على بث أفكارهم بين أبناء المسلمين ، فهم في الحقيقة قوة مؤازرة مساعدة وهم لا يعلمون ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً وهم لا يشعرون .

            وكثيراً ما يكون هؤلاء بمثابة عقبات صادة ، تصد من لديهم استعدادات حسنة لالتزام الإسلام عقيدة وعملاً .

            * * *



            من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

            Comment

            • قسورة
              عضو
              • Nov 2005
              • 157

              #7

              الفصْل الثاني
              المبشِّرون وأعمالهمْ

              1- عرض موجز لتاريخ التبشير وأعمال المبشرين .
              2- مؤتمرات المبشرين .
              3- مجالات أنشطة المبشرين .
              4- التآزر بين المبشرين والمستعمرين .




              ( 1 )

              عرض موجز لتاريخ التبشير وأعمال المبشرين

              1- الغارة على العالم الإسلامي من كلام المستشرق المبشر الفرنسي (لُ. شاتيليه) :

              قام المبشرون على اختلاف نزعاتهم الدينية ، وتعدد مذاهبهم المتصارعة ، وجمعياتهم التبشيرية ، برسم خارطة العالم الإسلامي رسماً دقيقاً تناول جميع الجوانب البشرية وغير البشرية وأعدوا للعالم الإسلامي في خطتهم للإغارة عليه حشداً عظيماً من إرساليات التبشير ، وعزموا على أن يتناسوا ما بينهم من خلافات مذهبية عنيفة ؛ بغية جمع طاقاتهم لمحاربة الإسلام ، وهدم دعائمه ، وتحويل المسلمين عن تعاليمه ، وإيقاف امتداده الطبيعي .

              ويستطيع الباحث أن يطلع على معلومات بالغة الأهمية ، تتعلق بأعمال المبشرين في العالم الإسلامي ، من البحث المستفيض الذي نشرته مجلة العالم الإسلامي الفرنسي الاستشراقية ثم التبشيرية ، في سنة (1912م) تحت عنوان : "الغارة على العالم الإسلامي" .

              وهذه المجلة كانت تصدرها جمعية اسمها : "الإرسالية العلمية المغربية" مؤلفة من عدد من المستشرقين ، وكان رئيس تحرير المجلة يومئذٍ المستشرق المسيو "لُ. شاتليه".

              وباستطاعتنا أن نكشف الأهداف التي يلتقي عليها المستشرقون والمبشرون من كلام المسيو (لُ. شاتليه) في مقدمته للبحث المشار إليه إذ يقول :

              "قلنا في سنة (1910م) عندما كنا نخوض على صفحات هذه المجلة في موضوع السياسة الإسلامية : ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبيناً قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية ، ليتسنى لها توسيع نطاق هذا العمل ، والتثبت من فائدته . ويجدر بنا لتحقيق هذا بالفعل أن لا نقتصر على المشروعات الخاصة التي يقوم بها الرهبان المبشرون وغيرهم ، لأن لهذه المشروعات أغراضاً خاصة . ثم ليس للقائمين بها حول ولا قوة في هيئتنا الاجتماعية ، التي من رأيها الاتكال على الحكومة ، وعدم الإقبال على مساعدة المشروعات الخاصة التي يقوم بها الأفراد ، فتبقى مجهوداتهم ضئيلة بالنسبة إلى الغرض العام الذي نتوخاه ، وهو غرض لا يمكن الوصول إليه إلا بالتعليم الذي يكون تحت الجامعات الفرنسية ، نظراً لما اختص به هذا التعليم من الوسائل العقلية والعلمية المبنية على قوة الإرادة .

              وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيز الفعل ليبث في دين الإسلام التعاليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنسية .

              هذا ما ارتأيناه يومئذ ، وسيظهر ما يؤيده في الفصول التالية المتعلقة بإرساليات التبشير البرتستانتي الانجلوسكسونية والجرمانية الدائبة على العمل في العالم الإسلامي، حتى أصبحت أهميتها تفوق بكثير ما اعتاد الفرنسيون أن يتصوروه ، لأن النشاط وقوة الجأش التي يظهرها القائمون بأعمال هذه الإرساليات تختلف عن التي تمتاز بها أمتنا .
              وكنا منذ أمد بعيد نودّ أن نخوض في ذكر تفاصيل أعمال هذه الإرساليات التي اشتهرت بخطتها ، ووفرة الوسائل التي أعدَّتها وتوسلت بها لمقاومة دين الإسلام".

              ثم يمضي هذا الكاتب المستشرق الفرنسي فيستشهد ببعض المؤسسات التعليمية التابعة لبعض إرساليات البشير في البلاد العربية والتركية ثم يقول :

              "ومن هذا يتبين لنا أن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة ، وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تبثُّ الأفكار الأوروبية .

              إلا أن لإرساليات التبشير مطامع أخرى كما يتبين من الجملة الآتية التي استخرجتها من رسالة أرسلها إليَّ من جزيرة البحرين في 2 آب (أغسطس)/سنة 1911م/ حضرة القسيس المحترم صموئيل زويمر منشئ مجلة العالم الإسلامي الإنكليزية ، وهو يبني فيها صروح آمال شامخة على أعمال المبشرين البروتستانت ، قال : (إن لنتيجة إرساليات التبشير في البلاد الإسلامية مزيتين : مزيد تشييد ومزية هدم ، أو بالأحرى مزيتي تحليل وتركيب).

              والأمر الذي لا مرية فيه هو أن حظ المبشرين من التغيير الذي أخذ يدخل على عقائد الإسلام ومبادئه الخلقية ... أكثر بكثير من حظ الحضارة الغربية منه" انتهى .

              فإذا أخذنا بقاعدة من فمك أدينك ؛ وجدنا في كلام هذا المستشرق ما يدين المستشرقين والمبشرين بأنهم قد قاموا بحرب مركزة ضد الإسلام صاحب رسالة الهداية للناس أجمعين ، وهم يعمون أنهم يريدون هداية الناس إلى الحق والخير .

              2- لمحة عن تاريخ التبشير اقتباساً من "أدوين بلس":

              منذ أن انتشر الإسلام وظهر على الدين كله ، وأهل الكتاب من يهود ونصارى يضمرون له ولأهل الحقد العظيم ، وزاد الأمر بالنسبة إلى النصارى أن دخيلاً دخل على نفوس قادتهم الدينين والسياسيين منذ الحروب الصليبية ، وارتداد الصليبيين على أدبارهم مهزومين إثر حروب قرنين من الزمان ، فولَّد هذا في نفوس هؤلاء أحقاداً وآلاماً صعب عليهم أن ينسوها ، فكان من نتائجها مخططاتهم الهادفة للغارة على العالم الإسلامي بحروب من نوع آخر ، منها مخططات التبشير بالنصرانية بين الشعوب الإسلامية ، أو تحويل المسلمين عن دينهم ولو إلى الإلحاد والكفر بكل دين .

              وأفضل ما يرجع إليه لدى دراسة تاريخ التبشير ما كتبه مؤرخوهم .

              جاء في كتاب (ملخص تاريخ التبشير) لمؤلفه "إدوين بلس" البروتستانتي: إن "ريمون لول" الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها ، فتعلم (لول) اللغة العربية بكل مشقة ، وجال في بلاد الإسلام ، وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة .

              ثم تحدث مؤلفه عن إرساليات التبشير في القرون الوسطى إلى الهند وجزائر السند وجاوة ، وعن اختلاط المبشرين بالمسلمين منذ ذلك الحين ، وعن اهتمام هولندة بالتبشير في جاوة في أوائل القرن الثامن عشر ، وعن محاولات المبشرين إخراج المسلمين عن دينهم ، وأشار إلى "بترِ هيلِنبغ" الذي أبدى نشاطاً تبشيرياً قوياً بين مسلمي سواحل إفريقية .

              وفي سنة (1664م) حضَّ البارون "دويتز" على تأسيس مدرسة كلية تكون قاعدة لتخريج المبشرين بعد تعليمهم أصول التبشير ووسائله ، وارتأى أحد الأحبار أن يعهد إلى الأروام بمسؤولية تبشير الأتراك المسلمين ، إلا أن البارون قد فشل في مشروعه يومئذ .

              ثم تحدث عن تاريخ تنظيم الإرساليات البروتستانتية من دانمركية وانكليزية وألمانية وهولندية ، وأخبار اتصال بعضها ببعض ، وأسماء الملوك والأمراء الذين كانوا عضداً لها ، ومؤيدين لأعمالها في القرن السابع عشر وما بعده في أقطار العالم .

              أما أعمال إرساليات التبشير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فقد ذكر مؤلف الكتاب : أن المستر (كاري) هو الذي فاق أسلافه في مهنة التبشير ، فدرس لغات اللاتين ، واليونان والفرنسيين والهولنديين والعبرانيين كما تعلم كثيراً من العلوم . وأخذ ينشر الكتب في التحريض على التبشير . وقد قوبلت هذه الكتب بالاستحسان في أوربا ، وبدأ المتبرعون يقدمون له المساعدات المالية لدعمه في مهمته ، وسافر إلى الهند بغرض التبشير ، ولتنظيم أعماله ، وصارت الأموال ترسل إليه من اللجان التي أخذت في أوربا تجمع له المساعدات من المكتتبين في مشروعه ، ثم طلب أن يرسل إليه رجال يؤازرونه في التبشير ، ونجم عن ذلك تأسيس "جمعية لندن التبشيرية" في عام (1795م) ، ثم تأسست جمعيات مماثلة في (اسكوتلندة) وفي (نيويورك)، وانتشرت هذه الفكرة في ألمانيا والدانمرك وهولندة والسويد ونرويج وسويسرا وغيرها .

              وتأسست أيضاً جمعيات فرعية كثيرة ، منها "جمعية التبشير في أرض التوراة العثمانية" أي : البلاد العربية التي كانت تحت حكم السلطنة العثمانية يومئذ .

              وزاد الشغف في أوربا بأعمال التبشير الهادفة إلى إخراج المسلمين عن دينهم ، إلى أن تأسست إرساليات تبشير طيبة على سبيل التجربة ، لتلحق بالإرساليات العامة .
              وذكر مؤلف الكتاب أن هذه الإرساليات نجحت نجاحاً باهراً ، لذلك أخذت تنمو وتزداد ، وتألفت لها أقسام نسائي ، وقد أرسل بعضها إلى الهند والأناضول .

              وفي عام (1855م) تألفت "جمعية الشبان المتطوعين للتبشير في البلاد الأجنبية" ويقول مؤلف الكتاب : إنها لعبت دوراً مهماً في تبشير المسلمين على الخصوص .

              ثم تبع ذلك تأسيس جمعيات التبشير في كل البلاد البروتستانت .

              وفي عام (1902م) تأسست "جمعية تبشير الشبان" ومهمتها استمالة النساء والبنات والشبان والطلبة على استماع صوت المبشرين .

              وفي عام (1907م) تأسست جمعية أخرى لتبشير الكهول ، وأخذت تباشر مهماتها وترفع التقارير بذلك .

              ويقول "إدوين بلس" في كتابه هذا : إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير في إفريقية ، والمسلم فقط هو العدو اللدود لنا .

              ويقول أيضاً: دخل المبشرون الكاثوليك ربوع إفريقية منذ القرن الخامس عشر ، أي في أثناء الاكتشافات البرتغالية ، وبعد ذلك بكثير أخذت ترد إرساليات التبشير البروتستانتية الإنكليزية والألمانية ، وكذلك إرساليات التبشير الفرنسية .

              ولم تهتم جمعية الكنيسة البروتستانتية بالتبشير في إفريقية الغربية إلى منذ سنة (1804م) حيث تعاونت إرسالياتها ، وانكفأت على الكونغو .

              ثم يقول : وهذه الجمعية تقاتل الآن (أي : أيام كتابته مؤلفه) بمؤازرة الأسقف "صموئيل كروتز" الزنجي سلطة الإسلام المتدفق في النيجر الغربية .

              وفي سنة (1819م) اتفقت جمعية الكنيسة البروتستانتية مع الأقباط ، وألفت في مصر إرسالية عهدت إليها بالتبشير في إفريقية الشرقية ، وقررت إرسال مبشرين إلى الحبشة ، ولكنها فشلت بسبب المنافسة بين اليسوعيين والبروتستانت ، ثم أخذ المبشرون السويديون والإنكليز يرتادون غربي إفريقية ، وتبعهم مبشرو المدرسة الجامعة ، فهبطوا مدينة "ممباسة" .

              ثم عززت ألمانيا إرسالياتها عقب اتساع مستعمراتها .

              وتوافد المبشرون على إفريقية الوسطى عقب بعثة "لفنسنون" و"ستانلي" سنة (1878م) ، فاقتسموا مناطقها مع اختلاف جنسياتهم ، بين ألماني واسكوتلندي وانكليزي ومورافي ، وقد انتشرت إرساليات هؤلاء بدون انقطاع من شرقي إفريقية إلى أواسطها حتى الخرطوم والحبشة وبلاد الجُلاَ .

              أما بلاد المغرب فلها مبشرون خاصون بها ترسلهم "جمعية تبشير شمال إفريقية" وهم منتشرون في المغرب والجزائر وتونس وسائر بلاد المغرب ، ومنهم المبشرون والأطباء التابعون لهم .

              ثم ذكر أن المبشرين البروتستانت يقومون في جزيرة مدغشقر بخدمة مهنتهم بكل جد ونشاط .
              ثم يقول متحدثاً عن المبشرين في آسيا الغربية :

              كان للمبشر "هنري مارتين" يد طولى في إرسال المبشرين إلى بلاد آسيا الغربية ، فبعد أن أقام في الهند مدة عرَّج على فارس والبلاد العثمانية ، وتوفي سنة (1812م) وبعده أخذت إرساليات التبشير تشد الرحال إلى الأناضول ، وفلسطين واتخذت لها مراكز في إزمير والقسطنطينية وبيت المقدس .

              ثم يقول المؤلف : ولما حدثت حوادث سنة (1860م) في سورية توجهت الأنظار إلى جبل لبنان ، وبعد عشر سنوات انتشرت لجنة التبشير الأمريكية في البلاد العثمانية عدا سورية.

              وعلى إثر تأسيس المركز البروتستانتي في الآستانة سنة (1846م) صارت الآستانة مركزاً عاماً آمناً لأعمال المبشرين .

              ثم يقول متحدثاً عن المبشرين في الهند :
              انتشرت إرساليات التبشير في الهند عقب إرسالية "جمعية لندن التبشيرية" التي قام بها (كاري) ثم تبعتها الإرساليات الأمريكية ، والاسكوتلندية والهولندية والنرويجية وغيرها . وكلها تؤدي وظائفها بنشاط وتقوم بأعمالها بكل دقة .

              وقد وقع هؤلاء في الحيرة أول الأمر ، لأنهم لم يعلموا بمن يبدأون في التبشير ، ثم اكتشفوا خطة التقاط الأطفال الذين يعضهم ناب الفاقة والفقر ، فيحسنون إليهم ويستجلبونهم نحوهم . وقرر مؤتمر التبشير الذي عقد في شيكاغو أن ينظر في وسائل تعميم التبشير في الهند .

              ثم تحدث عن التبشير في الملايو ، وذكر أن أهالي هذه البلاد اقتبسوا شيئاً من مذهب الكاثوليك عقب ظهور البرتغاليين ، ومن مذهب البروتستانت بعد استيلاء الهولنديين على هذه البلاد ، وقد أبدى الهولنديون قسوة وعدم تسامح في القرون الوسطى لنشر عقيدتهم .

              ثم يقول : وفي هذه الأيام (أي : أيام كتب مؤلفه) ذهبت إرساليات كثيرة إلى الملايو لتبشيرهم .

              ثم تحدث المؤلف عن التبشير في الصين فقال :

              وتاريخ ذهاب إرساليات التبشير إلى الصين يرجع إلى سنة (1813م) ، ولما افتتحت الثغور الصينية بعد ذلك انتشر فيها المبشرون والأطباء والممرضون التابعون لهم انتشاراً هائلاً ، واتسع نطاق أعمالهم وجاءت بثمرات كثيرة .

              وهكذا يحدثنا (إدوين بلس) عن تاريخ التبشير ، وقد استشهد المبشرون أنفسهم بكلامه وأثنوا عليه واعتمدوا على كتابه .

              واتسعت دوائر التبشير وتنوعت أساليبها داخل البلاد الإسلامية وبين المسلمين . فلينظر المسلمون ماذا جرى في بلادهم وبين شعوبهم وماذا يجري باستمرار ، وهم عن أعدائهم غافلون ،ولما يجب عليهم نحوهم مهملون .

              3- المبشر "زويمر" وكتابه "العالم الإسلامي اليوم"

              نشر المبشر القسيس "زويمر" الذي كان رئيساً لإرسالية التبشير في البحرين بمؤازرة بعض رفاقه في مهنة التبشير كتاباً بعنوان "العالم الإسلامي اليوم" ، جمع فيه طائفة من التقارير والمباحث التاريخية والاجتماعية ، مما كتبه المبشرون عن أحوال المسلمين القاطنين في مناطقهم التبشيرية ، وخلاصة عن أعمال المبشرين التي قاموا بها في مختلف البلاد ، وما نتج عنها من ثمرات لصالح مهمة التبشير .

              وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب الإلحاح على ضرورة التبشير بين المسلمين ، وانتقاد المؤسسات التبشيرية العالمية بأنها ارتكبت خطأ كبيراً بتركها المسلمين وشأنهم ، إذ ظهر لها أن أهمية الإسلام هي في الدرجة الثانية بالنسبة إلى ثمانمائة مليون وثني رأت أن تشتغل بهم ، ولم تنتبه إلى خطر الإسلام وحقيقة قوته وسرعة نموه إلا منذ ثلاثين عاماً فقط (أي : رجوعاً من تاريخ كتابة زويمر كتابه هذا الذي ظهر في أوائل القرن العشرين).

              وجاء في مقدمة هذا الكتاب أيضاً : أن أبواب التبشير صارت مفتوحة الآن في ممالك العالم الإسلامي ، مثل الهند والصين الجنوبية الشرقية ومصر وتونس والجزائر . ومن النصائح التي جاءت فيها للمبشرين ما يلي:

              1- يجب أن يكون تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم ، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها .

              2- ينبغي للمبشرين أن لا يقطنوا إذا رأوا تبشيرهم المسلمين ضعيفة ، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء .

              وفي هذا الكتاب فصل بعنوان "الإسلام في مصر" وقد تضمن هذا الفصل ملخص أعمال المبشرين البروتستانت في مصر ، والوسائل التي يتذرعون بها ، والنتائج التي توصلوا إليها .

              وفيه أن أهم معاهد التبشير التي أنشئت في مصر المعهد الذي أسسته جمعية اتحاد مبشري أمريكا الشمالية سنة (1854م) . وقد استطاع المبشرون منذ هذه الحقبة حتى سنة (1904م) أن يحتكوا المسلمين عن طريق مؤلفاتهم ومدارسهم وعن طريق المحاضرات العامة التي يقيمونها مرتين في كل أسبوع ، للموازنة والمناظرة بين الإسلام وبين الدين المسيحي ، ويحضر هذه المحاضرات جمع غفير من المسلمين ، ويسمح لهم أن يتكلموا . وقد غدا لدى مدارس المبشرين في القطر المصري (3000) ثلاثة آلاف طالب مسلم ، وخُمس هؤلاء من البنات المسلمات . وفي سنة (1882م) تأسس في مصر معهد علمي للتبشير ، تابع لجمعية تبشير الكنيسة ، وله أربعة فروع كما يلي:

              الأول : قسم طبي .
              الثاني : مدرسة للصبيان .
              الثالث : مدرسة للبنات .
              الرابع : مدرسة لنشر الإنجيل .

              وينشر مبشرو هذا المعهد مجلة أسبوعية ، وكراسات ولهم مكتبة خاصة بهم . وكان لأعمال هؤلاء المبشرين نتيجتان :
              الأولى : إخراج عدد قليل من الشبان والفتيات عن الإسلام ، وغرس العقائد التبشيرية في قلوبهم .

              الثانية : تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار غير الإسلامية .

              وفي سنة (1898م) تأسست الجمعية العامة لتبشير مصر ، فكان لها معاهد في الدلتا والسويس ، وأخذت تدير مدارس للصبيان والبنات ، وتبث فيهم المسيحية ، ونشطت هذه الجمعية حتى كان لها مجلة منتشرة جداً وبخاصة بين المسلمين ، وكان لها خزائن كتب تحوي كتباً عربية ذات علاقة بالإسلام .

              وأقل إرساليات التبشير أهمية في القطر المصري الإرسالية الهولندية ،التي تمركزت في قيلوب ، ومن أعمالها أنها أنشأت ملجأ تبشيرياً للأيتام .

              وقد جاء في هذا الفصل من الكتاب أن العقبة الوحيدة التي تقف في سبيل إرساليات التبشير هي أنه ليس لديها قوة تزيل بها الضرر الذي يحف بالذين يرتدون عن دينهم من المسلمين ، بسبب مقاطعة المسلمين لهم .

              4- ما كتبه المبشر المستر "م. هْوُرّي" حول التبشير في الهند

              من الذين كتبوا في موضوع "الإسلام وإرساليات التبشير في الهند" المبشر المستر "م. هوري" فقد تكلم عن حالة التبشير في شمالي الهند ، وعن انتشار الإسلام ووسائطه ، وأشار إلى دعاة جمعية "انجمن الإسلام" وتحدث عن التقدم الفكري والاجتماعي الذي حدث في هذه الجهات ، وأن الإسلام عرقل سير التبشير .

              وفي حديثه عن تاريخ التبشير في الهند قال : إنه ابتدأ منذ مائة سنة (أي : من أوائل القرن التاسع عشر) وذلك عندما نال المبشر "جيروم كزافيه" اليسوعي إذناً بالتبشير في (لاهور) ، ففتح باب الجدال في مسائل التوحيد و التثليث وألوهية المسيح .

              ثم جاء المبشر "هنري مارتين" فوضع أساساً قوياً للتبشير .

              ثم تلاه "فاندر" فترجم كتابه "ميزان الحق" من الفارسي إلى الأردية ، وزاد عليه ترجمة كتاب "طريق الحياة" وكتاب "مفتاح الأسرار" وبهذا آثار "فاندر" مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في (دهلي) و(أكرا) و(لكنو) .

              ثم تحدث عن جمعيات التبشير في شمال الهند فقال : وفي شمال الهند الان (أي : في أوائل القرن العشرين) ما لا يقل عن (12) جمعية تبشيرية بين إنكليزية وأمريكية وأسترالية ، وكلها ترمي إلى غاية واحدة .

              قال : وقد اشتد انتباه المبشرين إلى مكافحة الإسلام في الأيام الأخيرة ،فمنت فيهم فكرة الاختصاص بتبشير المسلمين على إثر كتابات الدكتور "مردوتش" ، وبادرت جمعيات متعددة إلى إرسال مبشرين اختصاصيين لهذا الغرض .

              أما ثمرة التبشير في أواسط الهند فهي أضعف بكثير من ثمرة التبشير في شمالي الهند ، بالرغم من اجتهاد جمعية "تبشير الكنيسة" التي في "مدراس" و"حيدر أباد" وبالرغم من تفاني إرسالية "زنانة التبشيرية" وفوق كل ذلك يكثر في هذه الجهات انتقال غير المسلمين إلى الإسلام ، وجمعية "انجمن الإسلام" تنجح دائماً بما لها من النشاط في حمل عدد كبير من غير المسلمين على اعتناق الإسلام .

              ومؤتمر المبشرين الذي عقد في القاهرة سنة (1906م) لم يفته البحث في حركة الإصلاح التي دخلت في مسلمي الهند ، ولم تفته الإشارة إلى "السير سيد أحمد خان" زعيم تلك النهضة ، وما تبذله مدرسته الإسلامية في (عليكرا) ومؤتمر التربية الإسلامية .

              وقد خطب القسيس "ويتبرتشّت" في مؤتمر القاهرة بموضوع "الإسلام الجديد" فذكر أن تعاليم أوربا تقرب المسلمين من الاستجابة للمبشرين ، ثم قال : يجب أن ننشئ جسراً فوق الهاوية التي تفصل بين العناصر ، ولتتوصل إلى ذلك يجب أن ننتفع من وجو الطلبة المسلمين في انكلترا . ويجب أن تلقى محاضرات ودروس منظمة بمراقبة رجال ممتازين . وأن تصرف العناية إلى المناقشات . ويجب أن يوسع نطاق المطبوعات بالأردية ، مثل مجلة (ترقي) ، وأن يترجم تاريخ التوراة للدكتور "بلاكي" وأن يتذرع لترويج ذلك بنشر الجرائد والكتب الإنكليزية التي يأنس بها المسلمون المتعلمون .

              5- تقريرات حول التبشير في البلاد العربية

              وضع المبشر القسّيس "أناتوليكوس" تقريراً حول موضوع التبشير في البلاد الإسلامية الخاضعة للدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين .

              فقال في تقريره عن سورية وفلسطين : تقف في طريق تبشير هذه البلاد عقبات خاصة ، بعضها من الحكومة وبعضها الآخر ناشئ عن حالة البلاد وموقفها الحاضر ، فسورية وفلسطين مملوءتان بالمذاهب المختلفة ، وللدين فيهما ارتباط بالسياسة . وأهم الوسائل التي يستخدمها المبشرون لتذليل هذه الصعوبات هي ما يلي :

              1- توزيع نسخ الكتاب المقدس .
              2- التبشير عن طريق الطب ، لأنه في مأمن من مناوأة الحكومة له ، والمسلمون يلجأون بأنفسهم إلى مستشفيات المبشرين ومستوصفاتهم .
              3- الأعمال التهذيبية كالمدارس والكليات التي تقبل أبناء المسلمين .
              4- الأعمال النسائية ، مثل زيارة المبشرات لمنازل المسلمين ، وإلقائهن المحاضرات الخاصة.
              5- توزيع الكتب والمؤلفات التبشيرية .

              التبشير في الجزيرة العربية

              وقد نظر المبشرون إلى الجزيرة العربية بحنق شديد ، لأنها قد كانت في يوم من الأيام مشرق شمس الإسلام ، ولأن فيها أماكن مقدسة يحج إليها المسلمون في كل عام وافدين من أقطار الدنيا .

              فقال المبشر "وليم جيفور بالكراف": متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه!!.

              وقال مؤلف كتاب "العالم الإسلامي اليوم" تعقيباً على فكرة "بالكراف": وقد أدرك أهمية هذه الفكرة القسيس "يانغ" صاحب التقرير عن التبشير في جزيرة العرب ، فجعلها نصب عينيه في كل الأعمال ، قال : ولكننا نتساءل عما إذا كان قد حان الوقت للعمل بها ، وعما تكون نتيجة التبشير حينئذ .

              وللمبشر القسيس "زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين سَبْقٌ في هذا المضمار ، فقد ألف كتاباً سماه "مهد الإسلام" ، تحدث فيه عن إرساليات التبشير في الجزيرة العربية ، وانتقل بعد هذا إلى ذكر النفقات الجسيمة التي تتكبدها إرساليات التبشير في جزيرة العرب ، ومما قاله : إن مرتبات المبشرين والموظفين عندهم وبائعي كتبهم تساوي ثلاثة أضعاف مرتبات أمثالهم في الهند ، ومما يخفف أمر هذه النفقات أن المبشرين في بلاد العرب اتخذوا لهم مراكز تمهد لهم سبيل التوغل في داخل الجزيرة .

              وكل الإرساليات هناك على اختلاف نزعاتها وأشكالها ومعاهدها الطبية والتهذيبية والأدبية ترمي إلى غاية واحدة ، والمرضى يشدون الرحال من أصقاع بعيدة إلى مستشفيات المبشرين في الموصل وبغداد والبصرة والبحرين والشيخ عثمان وعدن . وعندما يرحل الأطباء جائبين البلاد ، ينثرون في النفوس بذوراً يمكن للمبشرين وبائعي الكتب أن يحصدوها بعد ذلك ، وينمّو غراسها .

              والتعليم المدرسي والتربية اللذان يعنى بهما المبشرون قد أسفرا عن نتائج جمة ، وأثمرا ثمرات نافعة في الأطفال والمراهقين على السواء .

              6- اهتمام المبشرين بالمرأة

              عرف المبشرون ماللمرأة من تأثير على الأسرة ، وعلى المجتمع كله بوجه عام ، فوجَّهوا شطراً كبيراً من أعمالهم التبشيرية إليها .

              ولما كانت المرأة المسلمة الملتزمة بآداب الإسلام بعيدة عن الاختلاط في مجتمعات الرجال ، اضطر المبشرون أول الأمر أن يضموا إليهم فريقاً من المبشرات اللواتي يحملن مهمة التبشير إلى النساء المسلمات ، كما بدا لهم أن يؤسسوا جمعيات نسائية ، كجمعية الشابات المسيحيات ، وأن يؤسسوا مدارس للبنات على نسق المدارس التي أسسوها للذكور ، وأن يوجهوا عناية لفتح المدارس الداخلية ، لأن فرص التأثير فيها أكثر ، وأن يشجعوا التعليم المختلط ، وأن يفتحوا دوراً خاصة بالطالبات تشرف عليها طائفة من المبشرات ، وأن يقيموا الأندية النسائية والمخيمات الكشفية النسائية ، ثم ما زالوا يتدرجون في كسر الحواجز بين الذكور والإناث ، حتى شاعت المجتمعات المختلطة بين المسلمين والمسلمات بتأثير العدوى والسِّراية .

              وصفق المبشرون كثيراً ابتهاجاً وسروراً حينما فتحت المرأة المسلمة أبوابها ، ونزعت عنها جلبابها ، لأن ذلك قد أتاح لهم كل الفرص الملائمة للتغلغل عن طريقها إلى داخل الأسرة المسلمة كي يبثُّوا ما يريدون بثَّه من تعاليم تمليها عليهم مهمَّاتهم التبشيرية .

              يقول نفر من المبشرين : "بما أن الأثر الذي تحدثه الأمّ في أطفالها – ذكوراً وإناثاً- حتى السنة العاشرة من عمرهم بالغ الأهمية ، وبما أن النساء هنّ العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة ، فإننا نعتقد أن الهيئات التبشيرية يجب أن تؤكد جانب العمل بين النساء المسلمات ، على أنه وسيلة مهمَّة في التعجيل بتحويل البلاد الإسلامية إلى المسيحية".

              وفي مؤتمر القاهرة التبشيري الذي عُقد في عام (1906م) قدَّم الأعضاء المبشرات النداء التالي :
              "... لا سبيل إلا بجلب النساء المسلمات إلى المسيح . إن عدد النساء المسلمات عظيم جداً ... فكل نشاطٍ مجدٍ للوصول إليهن يجب أن يكون أوسع مما بذل إلى الآن ، نحن لا نقترح منظّمات جديدة ، ولكن نطلب من كلّ هيئة تبشيرية أن تحمل فرعها النسائي على العمل واضعة نصب عينيها هدفاً جديداً ، هو الوصول إلى جميع نساء العالم المسلمات في هذا الجيل..".

              وحين سمع القسيس الدكتور "صموئيل زويمر" قطب التبشير الصليبي الشكوى من استعصاء المسلم على المبشرين ، وعجزهم عن التأثير في قلبه ، أبان في تعقيبه : أنه ليس غرض التبشير التنصير فقط ، ولكن أقصى ما يجب على المسلم عمله هو تفريغ القلب المسلم من الإيمان بالله ، ثم قرر لهم أن أقصر طريق لذلك هو اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مدارسهم بكل الوسائل الممكنة ، لأنها هي التي تتولى عنهم مهمة تحويل المجتمع الإسلامي وسلخه من مقومات دينه .

              وقد ابتكر المبشرون وسيلة لتصيّد الفتيات اللاتي يتعرضن لأزمات عاطفية أو عائلية أو اقتصادية ، والتأثير عليهن وتبشيرهن ، وقد لخّص هذه الوسيلة مؤتمر قسنطينة التبشيري ، الذي انعقد في الجزائر بما يلي :

              "إن الحاجة الملحة المستعجلة إنما هي إلى إنشاء بيت أو بيوت للفتيات المطلّقات وللأرامل الصغار ، ويجب أن لا تكون هذه البيوت مؤسسات كبيرة ، بل أماكن يخيم عليها الجو العائلي ، ثم تفرق النساء فيها حسب أحوالهن وحاجاتهن ، وكذلك مُكثُ هؤلاء النسوة في تلك البيوت يجب أن يطول أو يقصر حسب المقتضيات الشخصية لكل واحدة منهن...

              وأخيراً نرى أن أمثال هؤلاء النسوة يكُنّ في أثناء مكثهن في هذه البيوت تحت تأثير الإنجيل ، ثم إننا نختار منهم أولئك اللواتي يرجى أن يُمرّنّ أكثر من غيرهنّ ، ليكنّ بدورهنّ مبشرات بين قومهنّ . ولقد اعتنق الإفرنسيون أيضاً هذا الرأي في التبشير بين النساء".

              وهكذا تتنوع أساليب المبشرين ، وتتعدد وسائلهم ، ولا تعدو جميعها أن تكون فخاخاً للصيد ، والذي يؤسف له أن التبشير ليس له غاية في ذاته ، لأنه لا يدعو إلى حق تدعمه الأدلة العقلية أو الأدلة العلمية ، إنما يدعو إلى دين دخل التحريف والتبديل إلى أصوله الكبرى ، ولا يستمسك أتباعه به إلا بدوافع التعصب الأعمى ، ومعظم أهداف التبشير تتجه أخيراً إلى تحقيق أهداف الدول الاستعمارية الطامعة بديار المسلمين وبخيراتهم .

              7- يتخوف المبشرون من الإسلام أكثر مما يتخوفون من أية قوة أخرى

              لقد كان جميلاً بالمبشرين وهم يدعون أنهم أنصار رسالة سماوية أن يتآزروا مع المسلمين لمحاربة الإلحاد بالله ، ولنشر الخير والفضيلة بين الشعوب ، ومقاومة الشر والرذيلة ، وإقامة العدل والأمن والسلام العالمي ، ونظائر هذه الأمور التي تلتقي عليها الأصول الصحيحة للشرائع السماوية كلها .

              فإن لم يحلُ لهم التآزر مع المسلمين فلا أقلّ من تجنب كلٍّ من الفريقين حقول عمل الفريق الآخر ، وأماكن سيادته ، أو تجنُّب التماس والتصادم ،حتى لا يظفر دعاة الإلحاد بالله ، وحملة الوجودية أو الفوضوية المطلقة ، بكلٍ منها .

              إلا أن كل الدلائل القولية والفعلية ما زالت تدل على أن المبشرين ينظرون إلى ألإسلام –وهو خاتم الأديان الربانية وصاحب سفينة النجاة العالمية المشحونة بالحق والخير والفضيلة والجمال- بتخوف شديد ، أكثر مما يتخوفون من الكتل البشرية الهائلة ، التي قد تجمع نحو ثلث سكان الأرض في دولة واحدة ، لا تدين بالديانة المسيحية .

              فهل بلغت في نفوس المبشرين عوامل التنافس بينهم وبين المسلمين من القوة والشدة أكثر مما بلغته عوامل العداء الحقيقي بينهم وبين دعاة الإلحاد بالله والكفر به وإنكار كل رسالة ربانية أنزلها الله لعباده على ألسنة رسله؟

              لقد كان على المبشرين أن يوجهوا كل جهودهم لعدو الأديان المشترك ، الذي لا يفرق بين دين ودين ، ولا بين مذهب ومذهب ، وإنما يرفع لواء المادية والوجودية ويفاخر بعقائده الكافرة بكل رسالة ربانية ، وقد غزت هذه الدعوات الإلحادية معظم شعوبهم ، فبينما تعمل جيوشهم التبشيرية في البلاد الإسلامية التي لا تعطيهم خلال عشرات السنين إلا أضعف الثمرات لصالح أهداف التبشير بالمسيحية ، تنتشر جيوش الإلحاد من وراء ظهورهم غازية بلادهم غربية كانت أم شرقية ، وغازية أبناء جلدتهم ،بمبادئها الوجودية ، وأخلاقها المنحلة ، ومذاهبها الاجتماعية الهادمة لكل المعاقل الدينية ، التي بناها أسلافهم خلال عشرين قرناً مضت في أوربا وأمريكا وسائر بلاد الدنيا ، وأمست هذه الجيوش الإلحادية تعيث في بلادهم فساداً . فأين المبشرون من مصادر الخطر الحقيقية على دينهم إن كانوا صادقين مع رسالتهم الدينية التي يزعمون أنهم يحملونها للناس؟!

              أما الإسلام فلا خطر على الحق والخير والعدل والأديان السماوية من قِبَله ، لقد استطاع المسلمون خلال أربعة عشر قرناً ، بما فيها أيام مجدهم وقوتهم ودولتهم الكبرى ، أن يعيشوا في ودٍ ووئام وبعدٍ عن كل تصادم ديني – إلا ما كان من قبيل الدفاع – مع سائر المنتسبين إلى الأديان السماوية الأخرى ، وإن كانت محرفة في نظره ، وانتهى دور العمل بها.

              فما بال المبشر "لورنس براون" يقول : " لقد كان نخوف بشعوب مختلفة ، ولكننا بعد اختبار لم نجد مبرراً لمثل هذه المخاوف ، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي ، وبالخطر الأصفر ،وبالخطر البلشفي ، إلا أن هذا التخوف كله لم يتفق كما تخيلناه ، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا ، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد ، ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا ، أما الشعوب الصفر فهنالك دول ديمقراطية كبرى تقاومها ... ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام ، وفي قوته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويته ، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي"؟!.

              هذا كلام أحد أقطاب المبشرين في العالم ، ولو أنه كان يهودياً لم يزد في حديثه عن اليهود على ما قال ، مع أن الشعوب النصرانية تعاني من الكيد اليهودي لدينها ومجتمعاتها ولكل مقوم من مقوماتها أكثر مما عانته الشعوب المسلمة ، بما في ذلك مشكلة فلسطين التي استخدم اليهود الدول النصرانية لدعمهم فيها ضد المسلمين .

              ولا عجب بعد هذه النصيحة التي قدمها هذا المبشر للشعوب النصرانية ، والنصائح المماثلة التي يقدمها زملاؤه ، أن نجد دولاً كبرى في العالم تدعم باطل اليهود ضد حق المسلمين ، وأن نجد دولاً مختلفة في مذاهبها العقائدية والاجتماعية تتصافح وتتآزر فيما بينها لمقاومة الإسلام .

              وليس لنا أمام هذه القوى العالمية المتآزرة ضدنا إلا أن نكافح ونصبر ونصمد ونقول: والله من ورائهم محيط ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

              8- السياسة التعليمية عند المبشرين

              تنحصر السياسة التعليمية عند المبشرين بأنها سياسة تهدف إلى استخدام العلم وسيلة لأغراض التبشير من جهة ، ولأغراض الدول الاستعمارية من جهة أخرى .

              وبمقدار ما يحقق التعليم لهم من هذه الأغراض يوسعون فيه ويضيّقون منه ، ويوجِّهون مناهجه وخططه الدراسية ، والكتب المصنفة له والوسائل المستخدمة فيها والعناصر التعليمية التي تمارسه وتشرف عليه .

              ونجد في أقوال المبشرين حشداً كبيراً من النصوص الدالة على أن التعليم عندهم لم يكن إلا وسيلة لتحقيق أغراض المبشرين .

              يقول نفر من المبشرين : "إن أهداف المدارس والكليات التي تشرف عليها الإرساليات في جميع البلاد كانت دائماً متشابهة . إن المدارس والكليات كانت تعتبر في الدرجة الأولى وسيلة لتحقيق أهداف التبشير ... حتى إن الموضوعات العلمية البحتة التي تُعلّم من كتب غربية وعلى أيدي مدرسين غربيين تحمل معها الآراء التبشيرية...".

              ويرى المبشِّر "هنري هريس جَسَب" "أن التعليم في الإرساليات التبشيرية إنما هو وسيلة إلى غاية فقط ، هذه الغاية هي قيادة الناس وتعليمهم حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين وشعوباً مسيحية ، ولكن حينما يخطو التعليم وراء هذه الحدود ليصبح غاية في نفسه ، وليخرج لنا خيرة علماء الفلك وعلماء طبقات الأرض وعلماء النبات ، وخيرة الجراحين والأطباء في سبيل الزهو العلمي ... فإننا لا نتردد حينئذٍ في أن نقول : إن رسالة مثل هذه قد خرجت عن المدى التبشيري إلى مدىً علماني محض ، إلى مدىً علمي دنيوي ...".

              ويقول "هنري هريس جَسَبْ" أيضاً : "إن المدارس شرطٌ أساسي لنجاح التبشير ، وهي بعد هذا وسيلة إلى غاية ،لا غاية في نفسها ، لقد كانت المدارس تسمّى بالإضافة إلى التبشير: (دقَّ الإسفين) وكانت على الحقيقة كذلك في إدخال الإنجيل إلى مناطق كثيرة لم يكن بالإمكان أن يصل إليها الإنجيل أو المبشرون من طريق آخر".

              ويرى بعض المبشرين : "أن المدارس قوة لجعل الناشئين تحت تأثير التعليم المسيحي أكثر من كل قوة أخرى ، ثم إن هذا التأثير يستمر حتى يشمل أولئك الذين سيصبحون في يوم ما قادة في أوطانهم".

              ونلمح في هذا الغرض السياسي الذي ظهرت آثاره فيما بعد ،إذ تسلَّم القيادة السياسية في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين ، من تخرَّجوا عل أيدي المبشرين وحملوا في نفوسهم ما أراد المبشرون أن يحملوه ،وأخذوا يطبقون المناهج والخطط الدراسية التي تخدم ما حملوه في نفوسهم من نفثات أعداء الإسلام والمسلمين .

              ولم يكن في استطاعة السياسة التعليمية عند المبشرين أن تتسامح في أمر يمسّ هدف التبشير ، فلم يكن في استطاعتها أن تقبل في مدارسها معلمين من المسلمين لأبناء المسلمين الذين يفدون إليها ، مهما كانت قدرتهم العلمية وكفاءتهم التعليمية ، لأن قبول مثل هؤلاء المعلمين يعتبر من وجهة نظر المبشرين مؤثراً على الأهداف التبشيرية ، ولئن قبلت بعض المعلمين من المسلمين فلغرض التمويه ، وإخفاء التعصب ضدّهم .

              عهد مؤتمر القدس التبشيري الذي انعقد في نيسان سنة (1935م) إلى المبشر "هـ دانبي" بأن يضع كتاباً توجيهياً ، يتضمن ما وصل إليه المؤتمرون من الملاحظات والآراء ، فوضع هذا الكتاب الذي عُهد به إليه ،وقد جاء فيه ما يلي :

              "ثم يتسع الشك على كل حال حينما نأتي إلى استخدام معلم غير مسيحي ليعلم موضوعات لا نجد لتعليمها معلماً مسيحياً ، أجل : إن البراعة في التعليم لا صلة لها بدين المعلم ، ومما لا ريب فيه أن معلماً مسلماً ذا خبرة بمهنته وذا كفاءة ، يمكن أن يكون له من الجاذب الشخصي وقوة الخلقِ والشعور بالواجب ما يجعل منه معلماً يبعث الحياة في طلابه ، أو مربياً صالحاً ، ثم هو يمكن أن يؤثر في طلابه أكثر من المعلم المسيحي المجرَّد من الصفات التي يتصف بها ذلك المعلم المسلم ، ولكن إذا كانت الغاية من التعليم في المدارس التبشيرية – كما يجب أن تكون – إنما هي تزويد الطلاب باستشراف مسيحي للحياة ، وتمرين لهم على ممارسة المبادئ المسيحية ، وتقريبهم من اختبار شخصي للإيمان المسيحي ، فكيف للمسلم الأمين أن يعاوننا على بلوغ هذه الغاية؟ ثم إذا كان هو يعتقد بهذه الغاية ، ولكنه لا يخطو خطوة يصبح بها مسيحياً ، أفلا يكون له حينئذٍ على تلاميذه تأثير سلبي ، فيستنتجون من سلوكه أن الدين ليس موضوعاً ذا أهمية حاسمة؟".

              هذا هو تفكيرهم تجاه أي معلم مسلم . فكيف نحن المسلمين أن نضع أبناءنا في أحضان المبشرين ، يعلمونهم كما يشاؤون؟ وكيف نرسل أبناءنا إلى المستشرقين الذين هم مبشرون في معاهد العلم الكبرى ، أو أنصاف مبشرين ، يخدمون أغراض التبشير وأغراض بلادهم الاستعمارية؟ ونبعثهم لا لتعلم العلوم البحتة ، وإنما لتعلم العلوم الإنسانية أو العلوم الدينية والعربية ،أفنريد أن نجعل الأزهر أو كليات الشريعة في العالم الإسلامي فروعاً للكنيسة في بلاد المسلمين؟!.

              أفلا يتدبرون المسلمون أمرهم من قبل أن يفلت الأمر نهائياً من أيديهم .

              9- المدارس الأجنبيّة والتبشيرية

              فتن المترفون من المسلمين بمظاهر العناية التعليمية والتربوية التي تقدمها المدارس الأجنبية والتبشيرية للتلاميذ الذين يتعلمون ويتربون فيها ، وفتنوا بما فيها من تعليم جيد للتكلم باللغات الأجنبية ، فصاروا يتسابقون إلى دفع أبنائهم وبناتهم إليها ، ويبذلون لأصحابها الأجور الشهرية أو السنوية الكبيرة ، ثمن قبول أبنائهم تلاميذ فيها .

              وتقبل هذه المدارس أبناء أثرياء المسلمين وبناتهم بصلف ظاهر ، وزهد متصنع في بعض الأحيان ، مع لهفة شديدة مكتومة إلى قبولهم ،لأن المشرفين على هذه المدارس يعلمون أنهم كلما قبلوا وافداً جديداً من أبناء المسلمين وبناتهم فقد ظفروا بصيد جديد ، وسرقوا من ذرياتهم عجينة لينة بكراً ، يطبعونها كما يشاؤون ، ويصورونها كما يريدون ، ويخرجونها من الإسلام إخراجاً سهلاً ، وهم يأخذون من أوليائها الأجر الباهظ على ذلك .

              ويعيش هؤلاء الأبناء ضمن هذه المدارس غرباء في كل شيء ،غرباء في الدين ، وغرباء في اللغة ،وغرباء في التقاليد والعادات ، ثم تلجئهم الضرورة إلى التكيف مع الواقع الذي يعيشون فيه ،وتقليد كل ما يشاهدونه ، ومحاكات الأوضاع الاجتماعية التي تفرض عليهم . وبعد فترة من الزمن تصبح هذه الأمور التي اقتبسوها بالمحاكاة والتقليد ومحاولة التكيف مع الواقع جزءاً من حياتهم وأسلوباً محبباً . فإذا رجعوا إلى أهليهم نفروا من واقعهم واستنكروه ، وشعروا بأنهم غرباء ، ووقعوا في صراع عنيف بين الحياة التي نشأوا عليها في مدارسهم ، وبين الحياة التي يشعرون بأنها حياة أهلهم وقومهم ، ولكن تأثير الحياة التي عاشوها في هذه المدارس المنطلقة من القيود الدينية وقيود المجتمعات الإسلامية ، والمزينة بمظاهر الأناقة والترتيب والنظام ، تظل أقرب إلى أهوائهم ونفوسهم وما يشتهون .

              لذلك فهم يحاولون بكل وسيلة أن يعملوا على تحويل واقع أسرهم وواقع مجتمعهم ، حتى يكونوا صورة للحياة التي عاشوا في هذه المدارس ، يهودية كانت أو نصرانية أو ملحدة كافرة بكل الأديان الربانية .

              وبعد سنوات التعليم ذات العدد ، يخرج الأبناء والبنات بزاد واسع من اللغات الأجنبية ، وبجهل كبير باللغة العربية ، لغة قومهم ودينهم ، وبجهل بتاريخ أمتهم وتشويه له ، وبجهل تام بالإسلام وبمصادره من قرآن وسنة ، يضاف إلى ذلك ما يحملون من ميل إلى أساليب الحياة غير الإسلامية ، وطرائق السلوك المجافية لأخلاق المسلمين وآدابهم .

              وقد عانيت ألماً شديداً حينما رأيتُ بعض أبناء المسلمين المنتسبين إلى هذه المدارس يحسن التكلم باللغة الإنكليزية أو الفرنسية أكثر مما يحسن التكلم بالعامية الشائعة في مجتمعه العربي ، فضلاً عن اللغة العربية الفصيحة ، لغة قومه ولغة دينه ولغة القرآن المجيد . وزاد ألمي كثيراً حينما طلبت من أحدهم أن يقرأ سورة الفاتحة فلم يحسن قراءتها ، لأنه لم يتعلمها ولم يكلف حفظها فيما سلف من عمره.

              والأشد من كل ذلك ما يتعلمه هؤلاء التلاميذ في هذه المدارس من أكاذيب وأضاليل وتشويهات متعمدة للحقائق عن الرسول محمد ، وعن القرآن الكريم وعن الحديث الشريف ،وعن التاريخ الإسلامي وعن مقاصد الشريعة وعن أحكامها وعن كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين عرباً أو غير عرب .

              وقد ذكر لي منتسبون إلى بعض هذه المدارس المؤسسة في بعض بلاد العربية زمرة مما يدرسونه فيها عن الإسلام وتاريخ العرب وسائر المسلمين ، وما يدرسونه عن محمد في الكتب المدرسية المقررة عليهم ، والمكتوبة باللغات الأجنبية التي يدرسونها فيها . فنالني ذهول لم أستطع دفعه لهول ما سمعت من أكاذيب ، وتشويه للحقائق العلمية المعروفة في بدهيات الإسلام وتاريخ المسلمين ،ولا يمكن أن يعزى ذلك إلى مجرد الجهل ، بل إلى مبلغ الحقد الذي تحمله ، والكيد الذي تكيده هذه المؤسسات التعليمية للإسلام والمسلمين ، وهو ما يدفعها إلى أن تسلك مسالك الكذب على الحقائق العلمية الناصعة ، وتقدمه إلى رواد معارفها باسم العلم ، وتحت ستار المعرفة النزيهة البعيدة عن التحيز والتعصب . وهي المعرفة التي تفرض على ناشديها أن يكونوا صادقين في عرضها ، مهما كانت مخالفة لأهوائهم ولما يشتهون .

              ولكننا إذا تدبرنا في الغاية التي أسست هذه المدارس من أجلها لم يخف علينا أنها أبعد المؤسسات التعليمية عن العلم الصحيح ، والنزاهة العلمية ، لأنها في جميع ما تقدمه إلى طلابها من أبناء المسلمين تهدف إلى محاربة الإسلام في الصميم ،وهدم كيان جماعة المسلمين.

              ومن مفتريات هذه المدارس التبشيرية على الإسلام

              ولهذه المدارس التبشيرية المعادية للإسلام مفتريات كثيرة عليه ، منها ما يلي :

              1- من عجيب النبأ ما ذكر لي بعض الطلبة من أبناء المسلمين الذين يدرسون في بعض هذه المدارس ، أن من الشائع في المدرسة التي يتلقى تعليمه فيها أن القرآن الكريم من وضع الراهب بَحيرى ، وأن هذا الراهب قد أخذ الإنجيل وصاغه صياغة جديدة ، وزاد عليه التشريعات التي توافق زمنه ، وهي التي تطابق ما جاء في السور المدنية ، ثم إن هذا الراهب قد أعطى كل ذلك لمحمد ، فتبناه وسماه قرآناً .

              ومن عجيب هذه الفرية المختلقة الحديثة ، التي يتعلمها أبناء المسلمين في بعض المدارس التبشيرية النصرانية أنها لا تستند إلى أية أكذوبة تاريخية ، سبق أن افتراها معاد قديم للإسلام ، وأن بدهيات التاريخ تثبت وقاحة مفتريها البالغة ، وتحديهم الأحمق للحقائق التاريخية الناصعة .

              فمن أية شبهة تصيد هؤلاء الأفاكون فريتهم هذه على رسول الله وعلى القرآن الكريم كتاب الله ، وظاهر في هذه الأخبار عن الرهبان تأكيد نبوة الرسول محمد بما عند أهل الكتاب من بشارات وعلامات لا تنطبق إلا عليه .

              وهل يليق بالأمانة العلمية المجردة أن يلجأوا إلى تضليلٍ مثل هذا التضليل ، وإلى افتراء مفضوح مكشوف مثل هذا الافتراء .

              إن فريتهم هذه أقل شأناً من فرية مشركي العرب ، إذ زعموا أن النبي كان يتعلم القرآن الكريم من رجل أعجمي كان في الحجاز ، فأنزل الله قوله في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):
              {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

              2- ومن التحويرات في الحقائق التاريخية التي تدسها المدارس التبشيرية والأجنبية والمستشرقون في عقول أبناء المسلمين الذين يتلقون علومهم على أيدي علماء الإسلام ، زعمهم أن الفتح الذي قام به العرب المسلمون إنما كان توسعاً عربياً لا امتداداً إسلامياً .

              ويركزون على هذا التضليل كثيراً من البحوث التاريخية والاجتماعية وغيرها ، ويهتمون باختيار الأسئلة الموجهة على وفقه ، ويطرحون هذه الأسئلة في الامتحانات التي يتوقف عليها نجاح تلاميذهم أو رسوبهم ، ويشحنون بهذه الأكاذيب عقول أبناء المسلمين ، ويسمونها علوماً ، وذلك من أدهى وسائل التضليل ، وهو شرٌ من الجهل ، لأن الجاهل يظل صامتاً فلا يتحدث بما لا يعلم ، ويتلقّف العلم من العالم به ،ولكن الذي يُلقّن الأكاذيب على أنها من الحقائق العلمية ، ويأخذ بذلك الشهادات العالية ، يرفع نفسه إلى مستوى العلماء ، ويقدمه المجتمع بسبب شهاداته إلى سدة القيادة التعليمية ، فينشر في أمته ما كان قد تلقاه من إفك في مدارس أعداء الإسلام .

              إن الدعوى التي يزعمون فيها أن الفتح الذي قام بها العرب المسلمون قد كان توسعاً عربياً لا إسلامياً لا تستند إلى حقيقة تاريخية ، وإنما هي أوهام لا وجود لها إلا في نفوس أعداء الإسلام الحاقدين ، الذين أكل الحقد قلوبهم من ظاهرة الفتح الإسلامي الذي حار فلاسفة مؤرخيهم في تعليله تعليلاً مادياً ، لأنهم أبعدوا أنفسهم عن تعليله تعليلاً دينياً إسلامياً ، فأوقعوها في متاهات مظلمة لا يهتدون فيها إلى ما يشفي تعطشهم لمعرفة السبب الحقيقي ، فأخذوا يرشقون التاريخ الإسلامي بسهامٍ مسمومة ، بغية أن يفرقوا الشعوب الإسلامية غير العربية عن العرب المسلمين ، ويهدموا كتلتهم العالمية الكبرى .

              ولدى مناقشة هذه الدعوى المفتراة ، لا بد أن نضع آثار الفتح الذي قام به العرب المسلمون ، في ميدان الموازنة بين ما جناه الإسلام من الفتح وما استفاده العرب منه ، ثم نضع في جانب آخر آثار الغزو الذي قامت به الدول الاستعمارية والخيرات التي جنتها هذه الدول ونقلتها إلى بلادها ، من البلاد التي استعمرتها حقبة من الزمن ، تحت ستار بعض الشعارات الإصلاحية ، التي كانت تزعم أنها تهدف إليها .

              إن نظرة سريعة إلى واقع حال الجزيرة العربية التي انطلق منها الفاتحون المسلمون من العرب ، تكشف أن مدن هذه الجزيرة قد بقيت أكثر البلاد الإسلامية فقراً ، وتخلفاً عن مظاهر الغنى والتقدم العمراني ، حتى قبيل منتصف القرن العشرين وظهور البترول فيها هو الذي جعلها تبدأ في مسايرة التقدم العمراني .

              بينما نشاهد الآثار العربية الإسلامية العظيمة ، التي تكشف للأجيال صورة تقدم الحضارة الإسلامية الباهرة ، موجودة في معظم المدن الواقعة خارج حدود الأرض التي انطلق منها الفاتحون من العرب والمسلمين .

              ففي الشام والعراق وإيران وتركيا والهند ومصر والمغرب والأندلس ، وغيرها من الأقطار التي فتحها العرب المسلمون ،آثار باهرة عظيمة ، تشهد للفتح الإسلامي بظاهرة التقدم المدني الحضاري ،أما مكة والمدينة وسائر مدن وقرى الجزيرة فقد بقيت على حالها ، لم تلبس لباس أصغر المدن الأخرى التي عمرها الفاتحون المسلمون من العرب .

              فلو كانت الغاية من الفتح غاية عربية لا إسلامية ، لاستطاع الفاتحون العرب بكل سهولة أن ينقلوا الأموال الكثيرة التي كانت تتدفق عليهم من أقطار الأرض إلى داخل جزيرتهم ، ويجعلوها صورة رائعة لمملكة عربية ذات مجد تليد ، كما فعل بعض أجدادهم حينما ظفروا بملك صغير في بعض المناطق العربية ، كتدمر والحيرة .

              ولكنها الحقيقة التاريخية الخالدة ، التي لا تغيرها أوهام المحرفين لحقائق التاريخ ، وهي أن الفتح قد كان فتحاً إسلامياً بحتاً ، ومن أجل ذلك استقبلته شعوب الأرض استقبال الأرض الظامئة للسحاب المثقلات بالخصب والخير الكثير ، ومن أجل ذلك انصهرت شعوب كثيرة في لغة الفاتحين ، وهجرت لغاتها الأولى.

              وفي مقابل هذه الصورة الرائعة الخالدة نشاهد صورة الدول الاستعمارية التي افترست أمماً وحضارات ، كيف صنعت بالبلاد التي دخلتها ، وكيف أفقرتها ، وكيف نقلت خيراتها إلى بلادها بكل وسيلة من وسائل السلب والنهب والاستيلاء ، لأن غزوها قد كان لصالح قومياتها وشعوبها ، لا لصالح الشعارات التي حملوا رايتها كاذبين .

              3- ذكر لي بعض أبناء المسلمين الذين يتلقون علومهم في هذا النوع من المدارس التبشيرية المعادية للإسلام ، أن مما يحاوله المعلمون فيها إقناع أبناء المسلمين من طلابهم بأن المسلمين يعبدون الكعبة وهي حجارة مبنية ، ويعبدون الحجر الأسود فيسجدون له ويقبلونه . وغرضهم من ذلك إلقاء الشبهة بأن عبادات المسلمين لون من ألوان العبادات الوثنية ، التي ينكرها المسلمون على غيرها ممن يتخذون من البشر آلهة يعبدونها ، ويعبدون صورها وأوثانها من دون الله .

              ويطمسون بهذا التمويه والتشويه وجه الحقيقة الناصع ، الذي عليه العبادات والمناسك الإسلامية ، مع أنه ليس بخفي على باحثيهم أن الإسلام حينما أمر بالاتجاه للكعبة في الصلاة ، وأمر بالطواف حولها ، قد أثبت في قلوب المسلمين مجموعة من العقائد التي هي من أسس العقيدة الإسلامية ، وهي العقائد التالية:

              العقيدة الأولى : أن الكعبة بناء أرضي لا يضر بذاته ولا ينفع .

              العقيدة الثانية : أن الصلاة وسائر أشكال العبادات إنما هي لله وحده لا شريك له .

              العقيدة الثالثة : أن الاتجاه إلى الكعبة ليس بحال من الأحوال عبادة لها ، وإنما هو طاعة لأمر الله ، وقد أمر الله بالاتجاه إليها توحيداً للجهة التي يتجه إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ، حينما يعبدون الله في صلاتهم ، وليس اتجاههم إليها عبادة لها ،كما أن سجودهم ووضع جباههم على الأرض ليس عبادة للأرض .

              العقيدة الرابعة : أن من يقصد عبادة الكعبة حينما يتجه إليها في الصلاة فإنه يشرك بالله الواحد الأحد ، ويتخذ الكعبة إلهاً من دون الله ، كما يتخذ عُبَّاد الأوثان أوثانهم آلهة من دون الله ، ويخالف بذلك أسس العقيدة الإسلامية ويخرج عن دائرتها .

              وتأسيساً لهذه العقائد قال الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

              {وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

              وقال تعالى فيها أيضاً:

              {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}

              وبياناً لمعنى المسجد الحرام ليس إلا قبلة يتجه المسلمون شطرها حينما يعبدون الله في صلواتهم قال الله تعالى مخاطباً رسوله محمداً ، ثم مخاطباً سائر المؤمنين في سورة (البقرة):


              {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}

              ومن الأمور البدهية أن ضرورة توحيد جماعة المسلمين تستدعي تحديد شكل عبادتهم لله تعالى ، وتستدعي توحيد الجبهة التي يجب أن يتجهوا جميعاً إليها حينما يعبدون الله تعالى ، وقد اختار الله من أرضه الواسعة مكاناً غير ذي زرع من أمكنتها ،وجعل له تاريخاً دينياً مجيداً على أيدي صفوة من أنبيائه ورسله ،فكان أول بيت عبادة وضعه الله للناس ، مُطَهَّراً للطائفين والعاكفين والركع السجود ، قال الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

              {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }.

              وقال تعالى في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):

              {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

              وأما الحجر الأسود فمعاذ الله أن يعبده أحد من المسلمين وإن لمسوه وقبلوه ، مهما كذب عليهم أعداء الإسلام ،وما الحجر الأسود في نظر المسلمين إلا كأحد الحجارة التي خلقها الله في كونه ، ولكن كما جعل الله الكعبة قبلة يتجه إليها المسلمون في صلواتهم ، ويدورون حولها حينما يعبدون الله في طوافهم ، جعل الحجر الأسود مشيراً إلى ركن من أركان الكعبة ، الذي تبتدئ أشواط الطواف عند محاذاته ، وما لمسه وتقبيله إلا رمز مبايع الله على الإخلاص له في العبادة ، وهو المنزه عن التشبيه بأي مخلوق مادي ، كما هو لون من ألوان عبادة الله المسنونة كالسجود لله على الأرض ومعلوم أن أي ساجد على الأرض لا يعبد مكان سجوده .

              وبياناً لهذه الحقيقة قال عمر بن الخطاب مخاطباً الحجر الأسود بعد أن قبَّله : "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك".

              4- ومن الأمثلة ما أعلنته الصحف مؤخراً عن طرد المعلمة البريطانية "شيلابورتر" ناظرة المدرسة الإنكليزية بالدوحة ، ومؤلفة كتاب : "العصور الوسطى" وإغلاق هذه المدرسة التبشيرية .

              فقد جاء في كتابها هذا الذي كان يدرَّس في المدرسة للطلاب العرب والأجانب في قطر الدسائس والأباطيل المفتريات التالية :

              الأولى : أن الإسلام منقول عن الثقافة الهيلنية الإغريقية . ومتأثر بالفلسفات اليونانية والوثنية .

              الثانية : أن الإسلام أذاب شخصية الفرد وقضى على كبريائه خاصة في البلاد التي شهدت الفتوحات الإسلامية .

              الثالثة : أن الإسلام جعل الإنسان المسلم غيبياً واتكالياً "ميتافيزيقيا" بتأكيده على مبدأ القناعة والتوكل والاعتماد على القضاء والقدر .

              الرابعة : أن الإسلام غذَّى النزعة الحربية والعدائية تجاه الشعوب ، ودرَّب أنصاره على مبدأ الحرب .

              الخامسة : أن الإسلام جعل المسلم يركع ويمرّغ جبهته في الأرض خلال صلواته خمس مرات يومياً ، لتكون العبادة مسألة شكلية ليس إلا .

              السادسة : أن الحضارة التي ينسبها المسلمون إلى أنفسهم ، ليست إلا حضارة هندية أو إغريقية أو فارسية ، وليس للعرب سوى الاقتباس والأخذ عن هذه الحضارات .

              السابعة : أن الفتوحات الإسلامية اعتمدت على تدمير الشعوب ،وإذلال المجتمعات التي وقعت تحت رحمة الغزو العربي الإسلامي .

              الثامنة : أن الرسول محمداً () شخصية ذات سطوة قمعية ، ترى أن الرأي رأيها ، ولأنه سليل أسرة قرشية عريقة ،فقد فرض زعامته عن طريق جده ، وساعدته خديجة في تمكين هذا النفوذ ، لأنه لم يكن مفكراً بل كان أمياً .

              وغير ذلك من افتراءات واضحة ، يستطيع أن يكشف زيفها أصغر طلاب العلوم الإسلامية , ولكن المبشرين يلقون هذه الزيوف على طلاب المدارس الابتدائية الذين تقل أعمارهم عن (12) سنة .

              من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

              Comment

              • قسورة
                عضو
                • Nov 2005
                • 157

                #8

                ( 2 )

                مؤتمرات المبشرين

                مرت أعمال المبشرين في مراحل تكاملت فيها خططهم وبرامجهم وأعمالهم الرامية إلى تحقيق أهدافهم ، وأخذوا خلال هذه المراحل يعدّلون فيها ويحسِّنون ، فيحذفون أشياء ويضيفون أخرى ، وجعلوا يطورون وسائلهم ، ويبتكرون فيها أشياء جديدة ، توصل إليها حيل الذكاء ، والتجارب والاختبارات ورصد نتائج الأعمال ، أو ترشد إليها مداولات الآراء في المؤتمرات التي يعقدونها لهذه الغاية .

                ولما كانت مؤتمراتهم تمثّل جانباً مهماً من تاريخ التبشير والمبشرين ، اقتضى البحث في تاريخ التبشير عرض أمثلة موجزة منها ، وفيما يلي طائفة من ذلك :

                1- المؤتمر التبشيري الذي انعقد في القاهرة سنة (1906م)

                كان "زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين أول من ابتكر فكرة عقد مؤتمر عام يجمع إرساليات التبشير البروتستانتية للتفكير في مسألة التبشير بين المسلمين .

                وفي سنة (1906م) أذاع اقتراحه ، وأبان الكيفية التي يكون بها ، فوضعت هذه الفكرة على بساط البحث في "ميسور" من ولاية "كرناكا" في الهند ، نظراً إلى أن هذه الولاية كانت ذات أهمية كبرى عند المبشرين ، فيما يتعلق بالمسائل الإسلامية ، لوجود مدرسة "عليكرا" هناك.

                ثم عرض الاقتراح على مؤتمر التبشير الذي كان ينعقد في مدينة "مرداس" الهندية كل عشر سنوات ، فأقر المؤتمرون عقد المؤتمر الذي قدم "زومير" الاقتراح بشأنه .

                ولما تقرر عقد المؤتمر شرع المبشر "زويمر" مع زميل له يعدان ما يلزم لتأليف لجنة مؤقتة تضع جدول أعماله ، وتدعو المبشرين المنتشرين في كل البلاد للاشتراك فيه .

                وفي اليوم الرابع من شهر نيسان "إبريل" من سنة (1906م) تم انعقاد المؤتمر في القاهرة ، وحضر فيه ممثلون عن إرساليات التبشير الأمريكية ، والإنكليزية والإسكتلندية والألمانية والهولندية والسويسرية وعن إرسالية التبشير الدانمركية الموجودة في الغرب.

                وانتخب "زويمر" رئيساً للمؤتمر ، وقد تناول جدول أعمال المؤتمر مداولة المسائل التالية:

                1- ملخص إحصائي عن عدد المسلمين في العالم .
                2- الإسلام في إفريقية .
                3- الإسلام في السلطنة العثمانية .
                4- الإسلام في الهند .
                5- الإسلام في فارس .
                6- الإسلام في الملايو .
                7- الإسلام في الصين .
                8- النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام .
                9- الارتداد .
                10- وسائل إسعاف الذين يضطهدون بسبب تركهم للإسلام .
                11- شؤون نسائية إسلامية .
                12- موضوعات تتعلق بتربية المبشرين والعلاقات بينهم وكيفية التعليم في الإسلام .

                ومن البحوث التفصيلية التي دارت في المؤتمر الصعوبات التي تحول دون تبشير المسلمين العوام ، والوسائل التي يمكن استجلابهم بها ، وتحبب المبشرين إليهم ، وقد وجه المؤتمرون لضرورة استخدام الوسائل التالية في التبشير :

                أ- استخدام وسيلة العزف بالموسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيراً .
                ب- عرض مناظر الفانوس السحري على المسلمين .
                جـ- تأسيس الإرساليات الطبية التي يجب أن ينبث بينهم .
                د- ضرورة تعلم المبشرين لهجات المسلمين العامية ، واصطلاحاتها نظرياً وعملياً وضرورة دراستهم للقرآن حتى يقفوا على ما يحتويه .
                هـ- أن يخاطب المبشرون عوام المسلمين على قدر عقولهم ومستوى علمهم .
                و- ينبغي أن يلقي المبشرون الخطب على عوام المسلمين بأصوات رخيمة ، وبفصاحة . وينبغي أن يخطب المبشر وهو جالس ليكون تأثيره أشد على السامعين . وأن لا تتخلل خطاباته كلمات أجنبية عنهم ، وأن يبذل عنايته في اختيار الموضوعات ، وأن يكون بصيراً بآيات القرآن والإنجيل ، عارفاً بمحل المناقشة . وأن يستعمل التشبيه والتمثيل أكثر مما يستعمل القواعد المنطقية .
                ز- ضرورة كون المبشر خبيراً بالنفس الشرقية .

                وناقش المؤتمر الصعوبات التي يلاقيها المبشرون لدى تبشير المتنورين من المسلمين ، وهذه الصعوبات هي التي جعلت المؤتمر يبحث في الوسائل التي يكون لها تأثير ما على عقيدة الأجيال الناشئة الإسلامية المتنورة .

                وهنا قال أمين سر المؤتمر : إن الخطة العدائية التي انتهجها الشبان المسلمون المتعلمون ضد المبشرين ؛ اضطرت المبشرين في القطر المصري إلى محاولة إعادة ثقة الشبان المسلمين بهم . فصار هؤلاء المبشرون يلقون محاضراتهم في موضوعات اجتماعية وخلقية وتاريخية ، ولا يستطردون فيها إلى مباحث دينية ، رغبة في جلب قلوب المسلمين إليهم .

                وأنشأوا بعد ذلك في القاهرة مجلة أسبوعية اسمها : "الشرق والغرب" افتتحوا فيها باباً غير ديني ، وأخذوا يبحثون فيه أموراً تتعلق بالشؤون الاجتماعية التاريخية . وأسسوا أيضاً مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة . والغرض من ذلك اجتلاب الزبائن ومحادثتهم أثناء البيع .

                وبعد ثلاث سنوات فقط تسنى للمبشرين أن يتوصلوا إلى النتائج التالية:

                الأولى : أنهم عرفوا أحوال البلاد ، وأفكار المسلمين وشعورهم وعواطفهم وميولهم .

                الثانية : أنهم حصلوا على ثقة عدد من المسلمين بهم .

                الثالثة : أن المبشرين تحققوا أنهم بتظاهرهم في وداد المسلمين وميلهم إلى ما تطمح إليه نفوسهم من الاستقلال السياسي والاجتماعي والنشأة القومية يمكنهم أن يدخلوا إلى قلوبهم .

                ثم عرض أمين سر المؤتمر اقتراحاً بتأسيس مدرسة جامعة تشترك فيها المؤسسات التبشيرية كلها ؛ على اختلاف مذاهبها ، لتتمكن من مزاحمة الجامع الأزهر بسهولة . وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإتقان تعليم اللغة العربية ،وقال : إن في الإمكان مباشرة هذا العمل في دوائر صغيرة .

                ثم اقترح أحد المندوبين في المؤتمر أن تراجع المؤلفات التي قدم عليها العهد لإصلاحها ، واستخدامها في تبشير المسلمين المتنورين ، الذين اقتبسوا علومهم في المعاهد العصرية مثل مدرسة أكفسورد وبرلين وأشار إلى وجوب تخفيف اللهجة في المجادلات الدينية.

                ثم بحث المؤتمر بعد ذلك في مسألة إرساليات التبشير الطبية ، فقام المستر "هاريس" وأبان عن وجوب الإكثار من الإرساليات الطبية ، لأن رجالها يحتكون دائماً بالجماهير ، ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين .

                ثم قام الدكتور "ارهارس" طبيب إرسالية التبشير في طرابلس الشام ، فقال : إنه قد مر عليه اثنان وثلاثون عاماً ، وهو في مهنته التبشيرية عن طريق الطب ، فلم يفشل إلا مرتين وذلك عقب منع الحكومة العثمانية أو أحد الشيوخ لاثنين من زبائنه من الحضور إليه .

                وأورد إحصاء لزبائنه فقال : إن (68) في المائة منهم مسلمون ، ونصف هؤلاء من النساء ، ثم قال : يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينسى ولا في لحظة واحد أنه مبشر قبل كل شيء ، ثم هو طبيب بعد ذلك .

                ثم تكلم المبشر الطبيب الدكتور "تمباني" وذكر الصعوبات التي يلقاها الطبيب في التوفيق بين مهنتي التبشير والطب ، كما حدث معه هو ، إلا أن ما بذله من المجهودات قد أعانه على النجاح ، حتى تمكن من تأسيس مستشفى التبشير عن طريق التبرعات ، وكان أول متبرع لهذا المستشفى رجلاً من المسلمين .

                وخطب الأستاذ "ممبسون" بعد ذلك فتحدث عن فضل الإرساليات الطبية ، ومما قاله : إن المرضى والذين ينازعون الموت بوجه خاص لا بد لهم من مراجعة الطبيب ، وحسن أن يكون هذا الطبيب في جانب المريض حينما يكون في حالة الاحتضار ، التي لا بد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر .

                ثم خطبت المبشرة "أناوستون" فتحدثت عن إرسالية التبشير الطبية في مدينة طنطا قائلة : إن ثلاثين في المئة من الذين يعالجون في مستشفى هذه الإرسالية هم من الفلاحين المسلمين وأكثرهم من النساء .

                وتحدث المؤتمر عن ألأعمال النسائية في التبشير ، وكان لهذا الأمر اهتمام كبير من قبل الأعضاء لأنه خاص كما قالوا بنصف مسلمي العالم .

                فقالت المبشرة "ولسون": إن النساء المبشرات يستعنَّ في الهند بالمدارس وبالعيادات الطبية ، وزيارة قرى الفلاحين لينشرن أفكارهن بين طبقات الناس .

                ثم حثت المبشرة "هلداي" على الرفق بالمرأة المسلمة ز

                ثم تناوب الحديث عدد من المبشرات ، فتحدثن عن نجاحهن في المناطق التي انتدبن للتبشير فيها ، وقالت إحداهن : إن المسلمات الفارسيات يظهرن ميلاً شديداً للعلم ، بالرغم من جهلهن باتساع نطاقه . وهن يعتقدن أن الذي يعرف جغرافية البلاد نابغة .

                ثم انتقل المؤتمر إلى بحث موضوع تربية النساء اللاتي يتطوعن للتبشير .

                وناقش المؤتمر بعد ذلك بعض وسائل التبشير الحكيم ، فعرض المبشر القسيس "هاريك" على المؤتمر نتائج أبحاثه التي أجراها في بلاد السلطنة العثمانية ، فكان مما عرضه أنه لا فائدة ترجى من استخدام وسيلة المناظرة والجدل ، التي وضعها المبشر الدكتور "فاندر" وذكر أن نشر الكتب التبشيرية بدون مناقشة أو جدل أكثر فائدة وأعم نفعاً . وقال : إن الجدل والمناظرة يبعدان المحبة التي لها وقع كبير على قلوب الأغيار ... فالمحبة والمجاملة هما آلة المبشر ، لأن طريق الاعتقاد غايته دائماً هي قلب الإنسان .

                وأكد المبشر "هاريك" على أنه يجب على المبشر أن يتحلى بمبادئ الدعوة التي يبشر بها قبل أن يُعنى بالأمور النظرية .

                ثم عرض المبشر القسيس "ثرونتن" على المؤتمر بعض النظريات الأولية في أساليب التبشير بين المسلمين ، واستنتج منها القواعد التالية :

                القاعدة الأولى : يجب على المبشر ألا يثير نزاعاً مع مسلم .

                القاعدة الثانية : يجب على المبشر ألا يحرض المسلم على الموافقة التسليم بالمبادئ التي تخالف دينه إلا عرضاً ، وبعد أن يشعر المبشر بأن الشروط الطبيعية والعقلية والروحية قد توافرت في ذلك المسلم .

                القاعدة الثالثة : إذا حدث سوء تفاهم حول المبادئ التي يُدعى المسلم إلى الاعتقاد بها ، فيجب أن يزال في الحال ، ولو أفضى الأمر إلى ترك المناقشة .

                ثم أكد الأسقف لاهور ضرورة استخدام الوسائل اللينة في التبشير ، فكان مما رآه ما يلي:

                1- إن المبشر الذي يُعدّ نفسه لمجادلة المسلمين في أمور الدين يجب أن تتفوق فيه الصفات الخلقية والاستقامة التامة على المزايا العقلية .
                2- أن يكون صحيح المجاملة . وأن يضع الأمل بالفوز على خصمه نُصب عينيه .

                ثم أبدى استنكاره لقسوة التعاليم القديمة ، وأنها كانت ترمي إلى التغلب على العدو ، لا إلى اكتساب مودته .

                ثم قال : ويظهر لي أن كثيراً من إخواننا المبشرين يريدون أن يبشروا الناس برشقهم بالحجارة .

                وختم كلامه بقوله : يجب على المبشر أن يتذرع بالصبر السكينة ، وأن يكون حاكماً على عواطفه إلى الغاية القصوى ، وأن لا يخالج نفسه أقل ريب في أنه هو الذي سيفوز .

                ثم انتهى المؤتمر ، وختمه رئيسه المبشر "زويمر" فقال :

                "إن انعقاد هذا المؤتمر كان بالتقريب نتيجة لأعمال "شبان التبشير المتطوعين" أما البحث في أحوال العالم الإسلامي وتبشيره فقد سبق الخوض فيه في مؤتمر "كلفلند"، وهذه الخريطة التي نراها أمامنا الآن موسومة باسم "خريطة تنصير العالم الإسلامي في هذا العصر" قد بعثت الأمل في قلوب ألوف من الطلبة في مؤتمر "ناشفيل" الذي انعقد في شهر فبراير (شباط) الماضي (أي من سنة 1906م) ، والتبشير متوقف على وجود زمرة من المبشرين المتطوعين الذين يقفون حياتهم ويضحونها في هذا السبيل . ثم ختم كلامه راجياً أن يكون لندائه صدىً في المدارس والجامعات في أوربا وأمريكا .

                2- مؤتمر "ادنبرج" التبشيري

                في شهر أيلول (سبتمبر) من سنة (1910م) انعقد مؤتمر ادنبرج التبشيري وكان للمسائل الإسلامية حظ كبير من مداولات أعضائه . وقد تفرغت فيه لجنتان من أهم لجانه للبحث في أمر الإسلام والمسلمين ، وكيفية القيام بمهام التبشير بينهم .

                وقد نشرت أعمال هذا المؤتمر في تسع مجلدات ، وتحدثت ثلاث مجلدات تبشيرية عن بعض ما جرى فيه من بحوث ، وهي :

                1- "مجلة الشرق المسيحي" التابعة لجمعية التبشير الشرقية الألمانية .
                2- "مجلة العالم الإسلامي" التبشيرية الإنكليزية .
                3- "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في بال بسويسرا.

                وقد جاء في مجلة "العالم الإسلامي" الفرنسية التبشيرية لدى حديثها عن هذا المؤتمر : وأعمال مؤتمر إدنبرج لم تكن حبراً على ورق ، بدليل أن المؤتمر الاستعماري الألماني الذي عقد عقب مؤتمر إدنبرج التبشيري اهتمّ بأمر إرساليات التبشير الجرمانية ، حتى خُيّل إلى الناس أن هذا المؤتمر الاستعماري السياسي تحول إلى مؤتمر تبشيري ديني .

                ونشرت "مجلة الشرق المسيحي" التابعة لجمعية التبشير الشرقية الألمانية مقالة بقلم المبشر الألماني "فون لبسيوس" تحت عنوان "دخول التبشير العام في طور جديد" ذكر فيها أهمية مؤتمر إدنبرج الذي أبان عن ارتقاء في أعمال المبشرين . وقد حضر هذا المؤتمر (1200) مئتان وألف مندوب ، منهم بعض كبار السياسيين في دول عالمية كبرى . واقتبس صاحب هذه المقالة من مستندات مؤتمر (إدنبرج) أن عدد جيش المبشرين البروتستانت قد بلغ (98388) ثمانية وتسعين ألفاً وثلاثمائة وثمانية وثمانين ، تعضدهم لجان يبلغ عدد أعضائها خمسة ملايين ونصف المليون . يضاف إلى ذلك أعداد كثيرة أخرى من رجال ونساء وطلاب وأساتذة وأطباء وممرضات وغيرهم . وقد كان هذا كله في سنة (1902م) ، ومن يقارن بينه وبين ما وصل إليه إحصاء العاملين في مهمات التبشير سنة (1911م) يلاحظ ارتقاء باهراً ، لأن عدد إرساليات التبشير العامة في هذه السنة قد بلغ (3838) ، وأما الإرساليات التي هي في الدرجة الثانية فقد بلغ عددها (34719) ، وعدد الأساتذة والتلاميذ قد بلغ مليوناً ونصف المليون تقريباً . ووصل عدد الجامعات والكليات إلى ثمانية وثمانين ، وصار لدى المبشرين خمسمائة واثنتان وعشرون مدرسة دينية لتخريج المبشرين . هذا إلى جانب حشد كبير من المدارس العليا والابتدائية والمستشفيات والصيدليات . ويشرف على إرساليات التبشير نحو ألف جمعية ما بين جمعيات عمومية عاملة ، وجمعيات لإعانتها وجمعيات أخرى .

                وجاء في "مجلة العالم الإسلامي" الإنكليزية التبشيرية التابعة لإرسالية البحرين ما يلي: ومجلتنا تستحسن الاهتمام الشديد الذي أبداه مؤتمر "إدنبرج" وستجتهد في متابعة البحث والمداولة في المسائل التي بحث المؤتمر فيها .

                وقد نشرت هذه المجلة مقالة بقلم المبشر المستر "تشارلس وطسون" تحت عنوان "العالم الإسلامي" قال فيها : إن من الخطأ الحكم على مؤتمر (إدنبرج) بأنه لم يهتم بالمسائل الإسلامية ... فقد كان المؤتمر مؤلفاً من ثمان لجان ، اختصت الأولى والرابعة منها بالتوسع في بحث المسألة الإسلامية ، أما مهمة اللجنة الأولى فهي أن تبحث في المسائل الإسلامية من الوجهة الخارجية ، وفي إيجاد ميدان عام مشترك لأعمال المبشرين واختيار خطة الهجوم والغارة وتقرير هذه اللجنة يتضمن إحصاءً متعلقاً بالمسلمين وعددهم ومبلغ ارتقائهم في كل قطر . ثم تناولت اللجنة البحث في الأمور الاجتماعية الإسلامية التي تمهد السبيل لتحويل المسلمين عن دينهم ، فحضّت جمعيات التبشير على توسيع نطاق التعليم الذي يشرف عليه المبشرون ، وحصرت قراراتها بجملتين اثنتين :

                وقد جاء في الجملة الثانية منهما ما يلي : "إن المسائل الإسلامية في الشرق على الخصوص صار لها مكان هام في أعمال المبشرين ، عقب الانقلابات التي حدثت في بلاد الدولة العثمانية وفارس . ولذلك أصبح من مقتضيات الظروف أن تقوم إرساليات التبشير بعمل ينطبق على المسائل الإسلامية".

                وقالت اللجنة الثالثة في تقريرها : "اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوروبيون كان لها تأثير في حل المسألة الشرقية ، يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها".

                وتداولت اللجنة الخامسة في كيفية تعليم المبشرين وتربيتهم ، وألحت على ضرورة تعليم الذين يقومون بالتبشير في البلاد الإسلامية دين الإسلام ، ولغة البلاد .
                وجاء في تقرير اللجنة الثامنة قولها : "الأمر الذي لا مرية فيه أن المهمة الصعبة التي يقوم بها المبشرون في البلاد الإسلامية لم تظهر في غاية الصعوبة إلا لأنه يعسر على جمعية تبشير واحدة أن تقوم بها ، ولكن وحدة العمل ستكون أحسن وأسرع لهذه المعضلة في إكمال مهمة التبشير".

                وتحدثت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في مدينة بال بسويسرا عن مؤتمر "إدنبرج" في سلسلة مقالات ، ومنها مقالة بقلم المبشر "شلاثار" وجاء فيها ما يلي :"ولما انتهت اللجنة السابعة من أعمالها قال "اللورد بلفور" رئيس الشرف: "إن المبشرين هم ساعد لكل الحكومات في أمور هامة ، ولولاهم لتعذر عليها أن تقاوم كثيراً من العقبات . وعلى هذا فنحن في حاجة إلى لجنة دائمة يناط بها التوسط والعمل لما فيه مصلحة المبشرين" فأجيب "اللورد بلفور" إلى اقتراحه ، وتألّفت لجنة مختلطة ، ولجنة لمواصلة العمل .

                نتائج مؤتمر إدنبرج

                وعلى إثر انتهاء أعمال مؤتمر "إدنبرج" تألَّفت لجنة لمواصلة الأعمال التي بدأ بها ، وانبثق عن هذه اللجنة فروع كثيرة ، بعضها للإحصائيات ، وبعضها للنشر والمطبوعات ، وبعضها للتربة والتعليم ، وآخر لحسم المشكلات بين المبشرين ، وفرع خاصٌ لدراسة علاقات المبشرين بالحكومات (أي: الاستعمارية) كما خُصّص أحد الفروع لدراسة العقبات التي تحول دون التبشير بين المسلمين .

                وفي شهر أيار (مايو) من سنة (1911م) اجتمعت لجنة مواصلة أعمال المؤتمر ، وبحثت في طرائق التربية والتعليم التي ينبغي للذين يقومون بمهمة التبشير بين المسلمين أن يتَّبعوها . وقررت أن تنتهز الفرص وتنتفع بالظروف السانحة ، وأن تنشر مجلة مشتركة تصدر سنة (1912م) مرة في كل ثلاثة أشهر .

                وتقول "مجلة العالم الإسلامي" الإنكليزية التبشيرية : إن أول ما ينفذ من قرارات مؤتمر "إدنبرج" إنشاء مدرسة تبشير مشتركة بين كل الفرق البروتستانتية ، وتكون خاصة بتعليم مبشري الأقطار الإسلامية . وهذه المدرسة يحتفل بافتتاحها في خريف سنة (1911م) وتقبل النساء والرجال ، وتُعلم فيها اللغة العربية والعلوم الإسلامية ، وتاريخ الأوضاع الإسلامية والأمور الاجتماعية التي اقتبسها المبشرون من بلاد الإسلام . وسيكون لهذه المدرسة مكتبة تحتوي على أمهات الكتب العربية وغير العربية المتعلقة بالإسلام .

                3- مؤتمر "لكنو" التبشيري

                في مطلع سنة (1911م) انعقد في الهند مؤتمر "لكنو" التبشيري. وتداول المؤتمرون أموراً كثيرة تتعلق بالعالم الإسلامي ، وكيفية إحكام الخناق عليه ، وتفكيك أواصر وحدة المسلمين .

                فكان ممن تكلم فيه المبشر القسيس "سيمون" فتحدث عن فكرة الجامعة الإسلامية التي تهيمن على الشعوب المسلمة في مختلف بلاد الإسلام ، ثم قال : "ولكن عبثاً يبني هؤلاء آمالهم على الجامعة الإسلامية ، لأن التربية غير الإسلامية قد انبثت في دمائهم بفضل مدارس التبشير".

                وتحدث في المؤتمر المبشر الأستاذ "مينهُف" فكان مما قاله : "ينبغي لإرساليات التبشير أن تحتك بالمسلمين ، وتتسلح بالمعدات الكافية لقتالهم . وأن لا تخشى ذلك كما كانت تفعل حتى الآن . وينبغي لهم أن لا تكون أعمالهم لاهوتية فقط ، بل ينبغي أن يطرقوا أبواب الطب والصناعة وكل الأعمال التي يتفوق فيها الأوربي على الشرقي".

                أما المبشر الأستاذ "استِوَرد كروفورد" فقد علق في المؤتمر المذكور أهمية كبرى لدى تبشير المسلمين على أسلوب التدرج والصبر، ثم قال : "إن المسلمين يقتبسون من حيث لا يشعرون شطراً من المدنية المسيحية ، ويدخلونها في ارتقائهم الاجتماعي . وما دامت الشعوب الإسلامية تتدرج إلى غايات ونزعات ذات علاقة بالإنجيل ؛ فإن الاستعداد لاقتباس المسيحية يتولد فيها من غير قصد منها..

                وفي تقرير المبشر القسيس "ويسلون" ما يفصح عن أن "ويلسون" هذا لا يشك في أن التربية الغربية هي بمثابة قوة تنحل بها عرى الروابط الإسلامية .

                وقال المبشر القسيس "جون تكل" في تقريره : "إن الوقوف على أسباب نمو الإسلام يمهد للحصول على وسائل توقيف تياره" ثم أورد بعض مقترحات تتعلق بالاحتياطات التي يجدر بالمبشرين اتخاذها ، وأهمها ضرورة زيادة القوى البشرية الاختصاصية .

                أما القرارات التي دونها هذا المؤتمر التبشيري في محضر جلساته فقد كان منها ما يلي:

                1- يعقد المؤتمر مرة أخرى في القاهرة سنة (1916م) وإذا طرأت أمور سياسية ، أو أمور أخرى تحول دون اجتماعه في هذه المدينة ، فيعقد في لندن .

                2- مؤتمر "لنكو" يوافق مؤتمر إرساليات التبشير الذي عقد سنة (1910م) على ضرورة حصر الجهود في القارة الإفريقية ، دون أن تمس الجهود التي تبذل في البلاد الأخرى .

                ولذلك فهو يرى أنه يجدر بالجمعيات التبشيرية ، أن تتكاتف وتتعاضد لكي تؤلف سلسلة قوية من إرساليات التبشير تطوف كل إفريقية ، وتؤسس مراكز قوية في الأماكن التي هي موطن الخطر .

                ويجب أن يكون إخراج هذه الفكرة إلى حيز الفعل موضع بحثٍ أهم وأوسع مما كان في السابق ، سواء من جهة تربية المبشرين ، أو من جهة حسن اختيارهم . الأمر الذي يحتم اتخاذ التدابير بلا تأخير لإتمام المشروعات التي بوشر بها.

                3- ويرى المؤتمر أنه من الضروري العاجل تأسيس مدرسة في مصر خاصة بالتبشير ، تكون عامة لكل الفرق البروتستانتية . ويشدد بلزوم التدقيق التام في انتقاء المبشرين الأكفاء الممتازين بصفاتهم ومواهبهم العقلية ، وبلزوم تعليمهم اللغة العربية بوجه خاص .

                4- مؤتمر القدس التبشيري

                كان القسيس الدكتور "صموئيل زويمر" رئيس إرسالية التبشير في البحرين منذ مقدمه إلى الشرق في أوائل القرن العشرين ، إلا أن نشاطه التبشيري الزائد ، وسعيه لعقد مختلف المؤتمرات التبشيرية ، جعله يرتقي في المراتب بين المبشرين حتى صار رئيس المبشرين في الشرق .وحتى صاروا يلقبونه بالرسول المختار إلى العالم الإسلامي ، أي : حامل رسالة تحويل المسلمين عن دينهم .

                فمن المؤتمرات التبشيرية التي دعا إليها هذا القس مؤتمر القدس الذي تم انعقاده برئاسته في نيسان سنة (1935م) إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين .

                وبعد أن شرح أعضاء المؤتمر العقبات الكثيرة التي اعترضت سبيل المبشرين ، والتي لم تسمح لهم بأن يخرجوا المسلمين عن دينهم ، ويدخلوهم في المسيحية ، وبعد أن خطب كثير منهم خطبهم اليائسة ، قام "زويمر" رئيس المؤتمر ، وألقى على المؤتمرين الخطبة التالية :

                "أيها الإخوان الأبطال ، والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية ، واستعمارهم لبلاد الإسلام ، فأحاطتكم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدّس ، لقد أدّيتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن أداء ، ووفقتم لها أسمى توفيق . وإن كان ليخيل إليَّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه . إنني أقركم على أن الذين دخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين ، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة:

                * إما صغير لم يكن له من أهله من يعرّفه ما هو الإسلام .

                * أو رجلٌ مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته ، وقد اشتدّ به الفقر ، وعزت عليه لقمة العيش .

                * وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية .

                ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمّدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية ، فإنَّ في هذا هداية لهم وتكريماً ، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ، ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله ، وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها ، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية . وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام ، وهذا ما أهنئكم عليه ، وتهنئكم الدول المسيحية والمسيحيون جميعاً عليه كل التهنئة .

                لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية ، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية ، والفضل إليكم وحدكم أيها الزملاء . إنكم أعددتم له بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد .

                إنكم أعددتم شباباً في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله ،ولا يريد أن يعرفها ، وأخرجتم المسلم من الإسلام ، ولم تدخلوه في المسيحية ، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار ، لا يهتم للعظائم ويحب الراحة والكسل . ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات فإذا تعلم فللشهوات ، وإذا جمع المال فللشهوات ، وإن تبوأ أسمى المراكز فللشهوات ، ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء .

                إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه ، وانتهيتم إلى خير النتائج ، وباركتم المسيحية ،ورضي عنكم الاستعمار ، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب".

                وبهذه الكلمات انتهى خطابه ، وما أحسب هذا الخطاب بحاجة إلى أي تعليق عليه ، ولكنني لست أدري ما هو هذا الرب الذي تُلتمس بركاته ثواباً على تضليل الناس ، وإخراجهم من دينهم وعقائدهم بالله وبرسالاته ، وغمسهم بالشهوات والموبقات والرذائل؟!.

                ويكفيني عن أي تعليق قول الله تعالى في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول):

                {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ?للَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ?للَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}.

                وقد بلغ القسيس زويمر الخامسة والثمانين ومات سنة (1952م) دون أن يظفر بما كان يصبو إليه ، إلا أنه قد لقي عند ربه جهنم وبئس المصير ، إذ كرّس حياته لتضليل أهل الإيمان ، وتحويلهم عن صراط الله .

                5- مؤتمرات أخرى

                وما يزال المبشرون يعقدون المؤتمرات لتطوير وتحسين وسائلهم لتنصير العالم الإسلامي .

                ومن هذه المؤتمرات مؤتمر كنسي عقد في ولاية "كولارادو" بأمريكا في عام (1977م).وموضوع هذا المؤتمر هو ما يلي :

                "العمل على اكتشاف وتحديد المسؤوليات المسيحية في أمريكا الشمالية تجاه تنصير المسلمين".

                وهذا المؤتمر امتداد لمؤتمرات أخرى عقدت لهذا الغرض في "لوزان" عام (1974م) بهدف تنصير شعوب العالم .

                وتم اختيار المرشحين لهذا المؤتمر من المبشرين المهتمين بتنصير المسلمين .

                وكان الإحساس السائد بين المشاركين في المؤتمر أنه يجب تغيير طريقة العمل الرئيسية وفقاً لوضع العالم الإسلام المعاصر . وأنه يجب قبول مبدأ قدرة الله وسيطرته وتحكمه ، لإزالة الشك الذي لدى المسلمين الذي يرى أن العالم المسيحي يشجع بقوة عملية توجيه العالم الإسلامي إلى العلمانية .

                ووافق المشتركون في المؤتمر على أن الموقف المتشدد تجاه العالم الإسلامي لن يعين في عملية تنصير العالم الإسلامي ، لذلك فهي يعتقدون أنه يجب العمل على إيجاد جوّ ودّي بينهما .

                ومن مقررات هذا المؤتمر ما يلي:

                1- يجب بذل الاهتمام الكافي والتركيز بقوة على زرع جاليات مسيحية في قلب العالم الإسلامي ، وهم سيحاولون بدورهم تطويل وإيجاد وسائل منهجية جديدة أكثر ملاءمة عند تقديم الإنجيل للمسلمين .

                ويجب الاهتمام الشديد باستخدام الآيات القرآنية ذات الصلة بهذه الموضوعات ، وخاصة في المراحل الأولية لعملية التنصير .

                2- بناء وزرع الكنائس التي تهتم بالمتنصرين ، والترتيبات الخاصة بهم والشعائر الدينية .

                إلى غير ذلك من مقررات .

                من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                Comment

                • قسورة
                  عضو
                  • Nov 2005
                  • 157

                  #9

                  ( 3 )

                  مجالات أنشطة المبشرين

                  1- التحدي المباشر للإسلام عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين .

                  كان المجال الأول الذي بدأ به المبشرون (المنصّرون) هو مجال التحدي المباشر للإسلام ، عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين .

                  وقد بدأ هذا التحدي القس "فاندر" أحد مؤلفي كتاب "ميزان الحق" عمدة المبشرين والمستشرقين في مناظراتهم للمسلمين .

                  وتصدى له في الهند الشيخ رحمة الله الهندي (الكيرانوي) (1233-1308هـ) صاحب كتاب "إظهار الحق" .

                  وقامت بينهما مناظرة علنية في (11 رجب سنة 1270هـ) الموافق لـ(10 نيسان 1854م) في مدينة "أكبر آباد آكره" إحدى مجالات النشاط التبشيري في الهند . وقد حضر هذه المناظرة ولاة المديرية ، وموظفو الثكنة الإنكليزية من الإنكليز ، وعدد كبير من أعيان البلد ووجهائه .

                  وقد أسفرت هذه المناظرة في يومها الأول عن اعتراف القس "فاندر" بوقوع التحريف في ثمانية مواضع من الإنجيل .

                  وفي اليوم التالي تزايد عدد الذين حضروا المناظرة من الحكام الإنجليز والمسيحين والهنادك والسيخ ، وظهر ضعف القس "فاندر" في المناظرة وظهر تعنته .

                  وفي اليوم الثالث لم يعد القس إلى مجلس المناظرة التي لم تنته ، وكان كلما علم بوجود الشيخ "رحمة الله" في مكان غادره .

                  ثم عدل المبشرون عن مثل هذه المواجهة الصريحة ، وانطلقوا في المجالات الأخرى غير المباشرة .

                  2- مجال الخدمات الصحية

                  وكان ذلك بتأسيس المستشفيات والمستوصفات التبشيرية ، وتوجيه الأطباء المتنقلين ، والمستوصفات المتنقلة ، وقد تحملوا في ذلك مشقات الدخول في أصعب الأماكن الإفريقية ، وغيرها .

                  وقد وجهوا اهتمامات كبرى لتنصير المسلمين في مجال خدماتهم الطبية، في معظم بلدان العالم الإسلامي الكبرى والصغرى ، واستثمروا مؤسساتهم الطبية استثماراً اقتصادياً واسعاً مع قيامهم بمهمّات التنصير .

                  3- مجال تأسيس الكنائس والأديرة والرهبنات

                  وذلك في كل بلد إسلامي يوجد فيه نصارى ، ولو لم يتجاوزوا عدد أصابع اليدين ، لتكون هذه المؤسسات الدينية بؤرة للتنصير ، ومسوغاً للادعاءات المستقبلية بحقوق تاريخية في بلاد المسلمين .

                  4- مجال تأسيس المدارس

                  وذلك في المرحلة دون المرحلة الجامعية التي هي من اختصاص المستشرقين ، وقد أسسوا في هذا المجال مدارس كثيرة في بلدان العالم الإسلامي ، من دور الحضانة حتى شهادة الدراسة الثانوية ، وأتقنوا بناءها ونظامها ،واجتذبوا إليها أعداداً هائلة من أبناء وبنات المسلمين ، وكان من ثمراتها إخراج أجيال متنكرة لدينها ولأمتها ولأوطانها تابعة للغرب ، متشبثة بذيول الحضارة الأوروبية ، وبريق ألوانها مع ما فيها من انحلال وفوضى خلقية وسلوكية ، دون الأخذ بعوامل النهضة المادية الحقيقية .

                  ومن الأمثلة على ذلك: ما تكشفه الإحصائيات عن وجود قرابة (140) مدرسة طائفية وأجنبية في الأردن في السبعينات من القرن العشرين الميلادي الجاري ، وعدد الطلاب والطالبات فيها يزيد على ثلاثين ألفاً ، معظمهم من أبناء وبنات المسلمين ، والمعلمون والمعلمات فيها معظم من غير المسلمين .

                  5- مجال الخدمات الاجتماعية المختلفة

                  كدور الأيتام والعجزة الأرامل والمطلقات ونحو ذلك .

                  6- مجال العلاقات الاجتماعية:

                  فمن ذلك الصلات الودية الشخصية والصداقات والزيارات العائلية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة ، واتخاذ هذه الأمور وسيلة لإفساد المسلمين والمسلمات .

                  7- استغلال الأزمات والكوارث الفردية والاجتماعية

                  ويتجلى ذلك بتصيد اللقطاء والمشردين والمشردات وأصحاب الأزمات المختلفة من أبناء وبنات المسلمين ، وكذلك الذين فقدوا أهلهم في الحروب ، والفتن والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الأخرى وإيوائهم لتنصيرهم.

                  ومن أمثلة ذلك: الحملات المكثفة التبشيرية لتنصير أطفال المسلمين اللاجئين في الصومال ، التي نشرت الصحف عنها في عام (1402م).

                  والحملات التبشيرية لتنصير أطفال لاجئي الأفغان في باكستان ، الذين فرَّ بهم أهلوهم ، خوفاً عليهم من التدمير الشيوعي الأحمر ، وقد نُشر عنها في عام (1403هـ).

                  وهذه الحملات تأتي تحت قناع هيئة الصليب الأحمر .

                  وكذلك الحملات التبشيرية لتنصير أطفال من أندنوسيا ، ليكونوا إذا كبروا مبشرين بالنصرانية بين ذويهم ، وقد أسموا هذا المشروع بمشروع "الأسر البديلة".

                  وحصل ما هو أشنع من ذلك في أطفال المسلمين اللبنانيين ، وذلك في الفتن السياسية التي قامت بين الطوائف اللبنانية المختلفة ، في السبعينات ، وأوائل الثمانينات من القرن العشرين الجاري ، إذ كانوا يُلتقطون ليؤخذوا إلى معسكرات وملاجئ التنصير ، أو إلى القتل.

                  ونشرت الصحف أنَّ بعض النصارى اللبنانيين باعوا ألفين من أطفال المسلمين في لبنان ، إلى المؤسسات التنصيرية في أوربا وأمريكا .

                  ونشرت الصحف أيضاً ما يثبت أن هناك منظمات سرية يشرف عليها قساوسة لشراء أطفال من أبناء المسلمين ، بغية أخذهم إلى معسكرات التنصير .

                  8- تأسيس الإذاعات

                  وهي الإذاعات الخاصة بالدعوة إلى النصرانية ،ونشر الإنجيل بصورة علنية ظاهرة ، أو بصورة خفية متوارية .

                  ومن هذه الإذاعات :

                  1- إذاعة "مونت كارلو".
                  2- إذاعة "صوت الغفران".
                  3- إذاعة "مركز النهضة".
                  4- إذاعة قبرص في نيقوسيا .
                  5- إذاعة فيبا بجمهورية السيثيل في المحيط الهندي .

                  9- توزيع المطبوعات والمنشورات الداعية إلى النصرانية

                  وذلك ببثها بين صفوف المسلمين ، مقروناً بالأساليب الودية ، والوعد بتلبية المطالب .

                  والمبشرون بالنصرانية يستغلون إمكاناتهم الواسعة المادية والعلمية والبشرية ، لطبع ملايين الكتب والرسائل والمنشورات وتوزيعها بين المسلمين .

                  ومع ما لديهم من أموال وفيرة تحوَّل إليهم فوائد ودائع المسلمين في البنوك الغربية ، الذين يودعون أموالهم فيها ولا يأخذون فوائدها الربوية ، وهم بذلك قد ساعدوا أعداء الإسلام بأموالهم مرتين .

                  10- الإغراء بين الجنسين

                  وذلك بتصيد الشباب عن طريق الفتيات الحسناوات المرضيات بصداقاتهن الخاصة والآسرات للنفوس والباذلات أجسادهن ولو بطرق محرّمة .

                  11- تأسيس الجمعيات والمنظمات والنوادي

                  ومن مجالات أنشطة المبشرين بالنصرانية ، الجمعيات والمنظمات والنوادي ذات النشاط الاجتماعي أو الأدبي أو الثقافي ، أو الفني أو الرياضي .

                  ومن هذه المنظمات ما يلي :

                  1- منظمة "نداء الرجاء" بمدينة "شتوتكارت" الألمانية .
                  2- منظمة "بعثة الصداقة" التي لها فروع في لبنان وهولندا وألمانيا وفرنسا وأمريكا .
                  3- منظمة "مركز الشبيبة النصراني" ومركزها الرئيسي بألمانيا الغربية ، ومؤسسها "فالترشرمان" الألماني الجنسية . إلى غيرها من المنظمات .

                  12- المساعدة على افتتاح أكبر عدد ممكن من دور الخمر

                  وقد تمَّ ذلك في بلدان العالم الإسلامي ، لنشر معاقرة الخمور بين المسلمين .

                  وقد لاحظ المتتبعون في السودان أن الكنيسة والمؤسسات وراء تعطيل أي مشروع لتحريم الخمر ، فعندما أعلن مجلس منطقة أم درمان تحريم بيع الخمور ، قامت الكنيسة بمعارضة ذلك ، واضطربت ودفعت الأموال الطائلة لتعطيل تنفيذ القرار .

                  13- الاهتمام بالمجتمعات الإسلامية النامية والنائية

                  تهتم حركات التنصير بالمجتمعات النائية والنامية ، والتي يكثر فيها الأمية ، وينتشر فيها الفقر والمرض لاستغلال حاجاتهم والبؤس الذي يعانون منه . الأمر الذي قد يسهّل عليهم بيع دينهم لتحصيل الغذاء والدواء والكساء ، والعمل الذي يحصّلون عن طريقه أرزاقهم .

                  ويقنع المنصّرون بمن يتنصّر طمعاً بتأمين حاجاته ،لا عن إيمان بالنصرانية ولا عن اعتقاد بصحتها .

                  14- استغلال أشرطة "الكاسيت"

                  واستخدمت حركات التنصير – مع انتشار آلات التسجيل على نطاق واسع في العالم – طبع أشرطة "الكاسيت" وحشوها بما يريدون بثّه من أفكار ، وتوزيعها في مجالات أنشطتهم.

                  15- تأسيس منظمات سرية تعمل في الخفاء

                  ومن أمثلة هذه المنظمات السرية ما أعلنته الصحف السودانية في أواخر السبعينات من أن سلطات الأمن السودانية اكتشفت خلية سرية تعمل في الخفاء لبث الدسائس والأفكار المعادية للإسلام والداعية إلى النصرانية وذلك إذ داهمت هذه السلطات وكر خلية من خلايا هذه المنظمة في "الخرطوم" العاصمة السودانية .

                  وزعيم هذه الخلية طبيب سويسري يعمل في "الخرطوم". وهي تابعة لمنظمة دولية مركزها في "بازل" بسويسرا . ولهذه المنظمة فروع في ألمانيا ، والنمسا ولبنان .

                  وحين تمت مداهمة هذا المركز عثر على (200) ألف كتاب من الكتب المعادية للدين الإسلامي والمحرفة له والمشوهة لصورته الحقيقية والداعية إلى الردة عنه .

                  وضبطت فيه أيضاً كميات كبيرة من الأشرطة التي سجلت فيها موضوعات وأحاديث مناوئة للإسلام . وبعضها يشتمل على تلاوات شبيهة بالتلاوات القرآنية وهي ليست قرآناً بل معادية ومناقضة له ، بغية تضليل عوام المنتمي إلى الإسلام في إفريقية وغيرها ، حيث الجهل بالإسلام منتشر .

                  وذكرت الصحف السودانية آنئذٍ أن رئيس هذه المنظمة ، هو الألماني "فالترفشرمان" ، وأنه كان قد بعث بخطاب إلى الطبيب السويسري مدير الخلية في "الخرطوم" يدعوه فيه إلى تكثيف النشاط للحدّ من المدّ الإسلامي .

                  16- مجال المسابقات بأنواعها

                  ومن هذه المسابقات الإعلان عن مسابقات عن طريق المراسلة ، ومضامين هذه المسابقات تتطلب التعرف على موضوعات يُهم المبشرين التعريف بها .

                  وتُرصد لهذه المسابقات جوائز مادّية وعينية قيمة ، بغية شد انتباه الناس إليها ، وتحريك مطامع ذوي المطامع للمشاركة فيها .

                  17- تأليف الكتب

                  وهي الكتب المعدة لتكون مراجع للبحوث الدينية ، ومنها الكتب التالية:

                  1- "ميزان الحق" مؤلف من ثلاثة أجزاء .
                  2- "تنوير الأفهام في مصادر الإسلام" .
                  3- "الهداية" مؤلف من أربعة أجزاء .
                  4- "مقالة في الإسلام" .
                  5- "الباكورة الشهية في الروايات الدينية" .
                  6- "دعوة الحق" .
                  7- "أصول الإيمان" .
                  8- "الصليب في الإنجيل والقرآن" .
                  9- "دين المسيح لم ينسخ" .
                  10- "شخصية المسيح في الإنجيل والقرآن" .

                  18- مجال الفنادق العالمية الكبرى

                  وذلك باستغلال الفنادق العالمية الكبرى ذات الفروع في معظم عواصم العالم ، ودس ما يمكن عن طريقها من غزو تبشيري صليبي ، وسلوك غربي يخدم مصالح الاستعمار الغربي ، ويحوّل المسلمين عن مفاهيمهم الإسلامية ، وأنواع سلوكهم الإسلامي .

                  19- استخدام الأسواق المجمعة "السوبر ماركت"

                  يتم ذلك باستغلالها لترويج ما يخدم أفكار الغزاة ، ويشجع على ممارسة أنواع سلوكهم وطرائق حياتهم .

                  20- إنشاء معاهد لإعداد المنصّرين المتخصصين بتنصير المسلمين

                  مثل : "معهد صمويل زويمر" الذي أنشئ في شمال كاليفورنيا ، وقرروا إنشاء معهد آخر ورصدوا له مليار دولار أمريكي .

                  وهناك مجالات كثير أخرى قائمة ، أو يمكن أن تتفتق أذهان أعداء الإسلام لاستخدامها.





                  ( 4 )

                  التآزر بين المبشرين والمستعمرين


                  1- تتابعت مخططات المبشرين الهادفة إلى محو الإسلام من الوجود ، وتمزيق وحدة المسلمين ، واتسعت دوائر أعمالهم وملاحقتهم للإسلام في كل بلد اتساعاً كبيراً ، ولكنهم لم يظفروا بكل ما يريدون تحقيقه داخل المجتمعات الإسلامية ، عن طريق أعمالهم ونشاطاتهم الخاصة المنفصلة عن الحكومات الاستعمارية ، فلجأوا إلى هذه الحكومات يلتمسون منها العون والتأييد المالي والسياسي والعسكري .

                  فرأت الدول الاستعمارية جيوش المبشرين كنزاً ثميناً لها ، فقررت أن تدعمها في أهدافها التبشيرية ، لتستخدمها في الأهداف الاستعمارية .

                  وقد كان المبشرون الذين يفدون إلى البلاد الإسلامية ، يأتون أول الأمر متسترين بأسماء مختلفة ، فإذا استقروا في البلاد أخذوا يقومون بالتبشير على مقدار وسعهم ، فإذا وجدوا من الدول الإسلامية مراقبة لهم وتذمراً من أعمالهم وملاحقة لتصرفاتهم لجأوا إلى قناصلهم طالبين حمايتهم ، وكان المسؤولون في القنصليات الأجنبية يدافعون عنهم ويحمونهم بوصفهم من رعاياهم . وكلما ضعفت الدول الإسلامية أمام نفوذ الدول الأجنبية زادت هذه الدول في دعم المبشرين داخل البلاد الإسلامية ، وفي حمايتهم وتأييدهم .

                  ومن أمثلة ذلك : لما أراد الخديوي إسماعيل باشا أن يغلق مدارس المبشرين البروتستانت في مصر ، لأن هؤلاء كانوا يتدخلون في السياسة ، ويثيرون الاضطرابات في البلاد ، ويزيدون مشاكل الحكومة تدخلت في الأمر قنصليتان تابعتان لأكبر دولتين يومئذٍ ، فأيدتا المبشرين ، وحملتا الحكومة المصرية على أن تتقيد بالخط الهمايوني (أي: بالدستور) الذي ينص على احترام الحرية الدينية . علماً بأن احترام الحرية الدينية لا يتعارض مع الأمر بإغلاق مدارس تبشيرية أجنبية ،تحاول أن تعبث بعقائد المسلمين وتخرجهم عن دينهم . ولكن سياسة دعم المبشرين هي التي حرضت الدول الأجنبية على أن تتدخل لصالح التبشير هذا التدخل السافر .

                  2- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين ما جاء في الكتاب المئوي للمبشرين اليسوعيين ، بعد أن أمست سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي ، وهو قولهم : "أجل لقد كنا نعتمد على مساعدة فرنسا الظافرة والآن ها هي فرنسا هنا".

                  3- وفي المؤتمر الذي أقامه المبشرون على ظهر الباخرة "غالف" في البحر الأحمر ، صرح حاكم إفريقية الشرقية : بأنه يجب على الحكومة وعلى المبشرين أن يشتركوا في العمل ضد الإسلام .

                  4- وفي سبيل مؤازرة المبشرين للدولة الاستعمارية المتربصة ، أخذ المبشرون يفتعِلُون داخل البلاد الإسلامية الأسباب التي تقود إلى الحرب ، لأن الحرب ستضعف الدولة الإسلامية . ومن خلال ذلك يجد المبشرون منافذ واسعة لهم كي يقوموا بمهمة التبشير بين المسلمين على ما يحبون . ويحاول المستعمرون من جهتهم تحقيق أهدافهم الاستعمارية ، بينما يحاول المبشرون تحقيق أهدافهم التبشيرية .

                  وهذا ما أعطى الحروب التي كانت تُشن ضد العالم الإسلامي صفة دينية صليبية بما في ذلك الحروب التي شنتها الدول الأوربية على الحكومات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين .

                  يقول المبشر لورانس براون : "وكذلك شنت الدول الأوربية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين حروباً عدوانية على الحكومات المسلمة ، ثم انتزعت منها أراضيَ ضمتها إلى سلطانها هي . ولقد كانت النتائج في أحوال كثيرة غير سارة لبعض الشعوب التي استعبدت ، وخصوصاً من المسلمين ، ولكن هذه الشعوب لم تصل بعد إلى درجة تشعر فيها بأنها أصبحت أقليات مضطهدة".

                  ويقول "وليم كاش" في كتاب صغير له : "قبل هذه التطورات التي طرأت على العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى ، كان المبشرون قد اتخذوا مراكز استراتيجية في العالم الإسلامي ، واستطاعوا في أثناء الثورات والحروب والاضطرابات أن يتابعوا عملهم بهدوء وثبات . ولقد كتب هذا الكتاب الصغير ليدل على هذه التطورات التي حدثت ، وليبين للكنائس تلك الحاجة الملحة للتقدم بمشروعها في يوم الفرصة السانحة".
                  وقبل أن يحتل الاستعمار الإيطالي أرتيريا استخدم الطليان المبشر الطلياني الأب "سابيتو" ليتاع لهم "عَصَب" من الأريتريين ، ففعل ، وكان ذلك هو البداية للاحتلال الاستعماري .

                  وكذلك كانت للمبشرين أدوار كثيرة مماثلة في التمهيد للاستعمار ، كما كان للدول الاستعمارية أدوار كثيرة في مساعدة المبشرين ومؤازرتهم وحمايتهم لهم ، وخطط العمل من الفريقين يكمل بعضها بعضاً .

                  5- ونجد الآن بعد استقلال البلاد الإسلامية من الاستعمار المباشر ، نشاطاً كبيراً للمبشرين في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين ، وهذا النشاط تدعمه الدول الاستعمارية الكبرى . منه نشاط المبشرين في إفريقية ونشاط المبشرين الكبير في أندونيسيا ، إذ تتزايد فيها الإرساليات التبشيرية تزايداً كبيراً .

                  نشرت صحيفة "واشنطن بوست" في عددها الصادر في (7/9/1973م) تعليقاً بعنوان : "تعاظم التنصير في أندونيسيا" أشارت فيه إلى ازدياد عدد الكنائس في وسط أندونيسيا المسلمة ... وذكرت أن جاوه – وهي أكثر الجزر ازدحاماً بالسكان – إذ تبلغ نسبة عدد سكانها (65%) من مجموع سكان أندونيسيا ، أصبحت تربة صالحة لنشاط الإرساليات التبشيرية ، وقد تضاعف عدد كنائس البروتستانت والكاثوليك في جاوه الوسطى والشرقية إلى أربعة أضعاف ما كان عليه ... ويبلغ عدد أعضاء كنيسة جاوه الشرقية وحدها "210000" واحداً وعشرين ألف شخص ... ورغم ما يواجه رجال التبشير في بعض المناطق الإسلامية من مقاومة وإعراض ، إلا أنهم بالإغراء المادي المسيحي استطاعوا أن يتغلبوا على هذه المصاعب .

                  وقالت الجريدة : إنه توجد في أندونيسيا الآن جريدتان إحداهما للبروتستانت ،والأخرى للكاثوليك .

                  وقالت : إن المسيحيين الذين تبلغ نسبتهم (5%) من مجموع سكان البلاد يسيطرون على بعض المرافق .

                  وأعادت الصحيفة إلى الأذهان أن طلائع البعثات التبشيرية دخلت أندونيسيا في عام (1500م) مع البرتغاليين الذين استعمروا جزر البهارات ... وقد استمرت الحملات التبشيرية وبعثاتها تتوالى على البلاد في مختلف العهود التي مرت بها . انتهى .

                  ومع تزايد النشاط التبشيري في أندونيسيا أخذت الأموال تتدفق عليها من دول الغرب ومن أمريكا بالذات ، ومعظم هذه الأموال لخدمة أهداف المبشرين الرامية إلى تنصير الشعب المسلم في أندونيسيا .

                  6- ومما يدل على أن التبشير تمهيد للاستعمار ومقدمة له ، ما جاء في خطاب القسيس "زويمر" الذي ألقاه في مؤتمر القدس التبشيري الذي سبق بيانه إذ قال فيه للمؤتمرين : "وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية" .

                  ويقول المبشر "لورنس براون" – وهو أ؛د أقطاب المبشرين في العالم : ".. ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام ، وفي قوته على التوسع والإخضاع وفي حيويته . إنه الجدال الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي".

                  وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنكليزية : "إن شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي ، ولهذا الخوف أسباب منها : أن الإسلام منذ أن ظهر في مكة لم يضعف عددياً ، بل هو دائماً في ازدياد واتساع ، ثم إن الإسلام ليس ديناً فحسب ، بل إن من أركانه الجهاد ، ولم يتفق قط أن شعباً دخل في الإسلام ثم عاد نصرانياً".

                  7- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين ما جرى في المؤتمر الاستعماري الألماني .

                  فقد نشرت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في مدينة بال بسويسرا مقالة ذات شأن عن موقف إرساليات التبشير في المؤتمر الاستعماري الألماني . ومما يزيد في أهمية هذه المقالة أنها مكتوبة بقلم المبشر "م. ك. اكسنفلد" صاحب التقرير عن الفرع المختص بالإسلام في المؤتمر الاستعماري المذكور . وهو أيضاً أمين سر جمعية التبشير في برلين . قال صاحب المقالة : إن المؤتمر الاستعماري امتاز بمزيتين :

                  الأولى : أنه بحث في الشؤون الصناعية والاقتصادية .

                  الثانية : إجماعه على وجوب ضم المقاصد السياسية والاقتصادية إلى الأعمال الأخلاقية والدينية في سياسة الاستعمار الألماني .

                  واستشهد بقول "شنكال" رئيس غرفة التجارة في همبرغ: "إن نمو ثروة الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات ، وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة ،لأن هذا هو الشرط الجوهري للحصول على الأمنية المنشودة ، حتى من الوجهة "الاقتصادية" .

                  ثم حضَّ "اكسنفلد" على تقدير عمل المبشرين ، وإحلاله في محله اللائق به . وعندما أخذ المؤتمر الاستعماري يبحث في أعمال فرعه الرابع الخاص بالمسألة الإسلامية أفاض المبشرون المشتركون في المؤتمر ، وتوسعوا في القول ، حتى خُيّل للجميع أن المؤتمر الاستعماري تحول إلى مؤتمر تبشيري .

                  وجاء في قرارات المؤتمر الاستعماري المذكور ما يلي :

                  "إن ارتقاء الإسلام يتهدد نمو مستعمراتنا بخطر عظيم ، ولذلك فإن المؤتمر الاستعماري ينصح الحكومة بزيادة الإشراف والمراقبة على أدوار هذه الحركة ز

                  والمؤتمر الاستعماري مع اعترافه بضرورة المحافظة على خطة الحياد تماماً في الشؤون الدينية يشير على الذين في أيديهم زمام المستعمرات أن يقاوموا كل عمل من شأنه توسيع نطاق الإسلام ، وأن يزيلوا العراقيل من طريق انتشار المسيحية ، وأن ينتفعوا من أعمال إرساليات التبشير التي تبث مبادئ المدنية ، خصوصاً بخدماتهم التهذيبية والطبية .

                  ومن رأي المؤتمر " أن الخطر الإسلامي يدعو إلى ضرورة الانتباه لاتخاذ التدابير – من غير تسويف – في كل الأرجاء التي لم يصل إليها الإسلام بعد".

                  وجاء في خطاب ألقاه الأستاذ "باكر" أحد أعضاء المؤتمر الاستعماري الألماني : "إن السياسة التي ينبغي الجري عليها في معاملة المسلمين تحتم علينا وضع خطة جديدة في مجرى سياسة حكومتنا .. والمبشرون هم الذين اختصوا وحدهم بالاهتمام بأمر الإسلام ، والبحث في شؤونه في كل مستعمراتنا الألمانية إلى هذه الأيام الأخيرة ... وأنا لا أرى أن تظل الحالة على ما هي عليه ، بل من رأيي أن تنتقل أزمة السياسة الإسلامية منذ الآن وبعد الآن إلى يد الحكومة في مستعمراتنا ، ويجب على حكومتنا في هذه الخطة الجديدة التي أشير إليها أن تستعين بالوجهة الوطنية لا بالوجهة الدينية ، كيما تتوصل إلى مقاصدها".

                  ثم قال : وأنا أقترح على حكومتنا أن تضع خطة موطدة الأركان في الأمور الآتية :

                  الأول : في الخطة العامة للنظام الإداري والديني .

                  الثاني : في علاقة الشرع الإسلامي بالقوانين الأوربية .

                  الثالث : في نظام التعليم .

                  ثم ختم خطابه بقوله : "يجب علينا بالرغم من العناية برعاية الإسلام أن نهتم بمقاومة انتشاره في مستعمراتنا على قدر الإمكان ، وليس هنالك غير وساطة واحدة توصلنا إلى هذه الغاية ، وهي إنشاء مراكز ثابتة الأركان ، كما تفعل إرساليات التبشير".

                  8- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين ما قاله القس اليسوعي "مييز" في معرض حديثه عن سياسة فرنسا الدينية في الشرق:

                  "إن الحرب الصليبية الهادئة التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر ، لا تزال مستمرة إلى أيامنا هذه ، ولقد احتفظت فرنسا طويلاً بروح الحرب الصليبية ، وبالحنين إلى تلك الحروب الحية نفسها ، وكان من غايات الامتيازات الأجنبية دائماً أن تحتفظ فرنسا بالدور الذي يلعبه رهبانها ، وقد اعْتُرِفَ لقناصلنا وسُفرائنا بالحماية للنصارى ، وكثيراً ما اختارت فرنسا قناصِلَها وسفراءها من رجال الدين" .

                  9- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين الكتاب الذي أصدرته لجنة التبشير الأمريكي ، والتي تهتم بالاستفادة من الحروب في أعمال التبشير في عام (1920م) وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب :

                  "من أبرز الأمور المتعلقة بدخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى ، أن الآراء والمبادئ التي كانت تهدف إليها الإرساليات التبشيرية ، وقد تبنتها الآن الأمة الأمريكية ، ثم أعلنت أنها هي أهدافها الأخلاقية ، وغاياتها من خوض تلك الحرب ، إن هذه المبادئ التبشيرية قد سمّيت الآن أسماء سياسية فقط" .

                  ( 5 )

                  الأموال التي تجمع للتنصير مع إعداد المنصرين ووسائل التنصير


                  (1) إينا "نيويورك"

                  ذكرت مجلة أمريكية أن ما تم جمعه خلال العام الماضي من تبرعات لأغراض كنسية من غرب أوربا وشمال أمريكا بلغ (151) بليون دولار ، وذلك لتمويل النشاط الكنسي في إفريقية ، ولدى المؤسسات التنصيرية "1900" محطة إذاعة وتليفزيون ، ولديهم أربعة ملايين وعشرين ألف منصر متفرغ ، وأربعمائة مجلة دورية مسيحية .

                  (2) وجاء في مقالة كتبه : "د. كامل الدقس" :

                  "أن مجلس الكنائس العالمي رصد (130) بليون دولار أمريكي لتنصير قارة آسيا وأفريقية . وقد رصدوا لجزيرة جاوة وحدها بليون دولار ، لكي تكون مسيحية بحلول سنة "2000م" وقد جمع "بيلي جراهام" زعيم البروتستانتيين في أمريكا بليوني دولار أمريكي لتمويل مشروعاته التنصيرية في أفريقية وآسيا . ولدى الفاتيكان ميزانية ضخمة للتنصير قدّرها بعضها الاقتصاديين بأنها تجعل من العالم الثالث أغنى دول العالم".

                  * * *
                  من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                  Comment

                  • قسورة
                    عضو
                    • Nov 2005
                    • 157

                    #10


                    الفصْل الثالث
                    المستَشرقون وَأعمَالهمْ


                    1- تعريف عام بالاستشراق والمستشرقين .
                    2- موجز تاريخ الاستشراق .
                    3- مدارس الاستشراق .
                    4- دوافع المستشرقين وأهدافهم .
                    5- مجالات أنشطة المستشرقين .
                    6- أخطر وسائل المستشرقين الفكرية .
                    7- موازين البحث عند المستشرقين .
                    8- الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين .
                    9- مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالهما .
                    10- المستشرقون يدركون قدرة الإسلام الذاتية .




                    ( 1 )

                    تعريف عام بالاستشراق والمستشرقين




                    سبق في الفصل الثاني من هذا الكتاب تعريف الاستشراق والمستشرقين ، وإعادةً توضيحاً له في بدء الفصل الخاصّ ببحث هذا الجناح من أجنحة المكر بالإسلام والمسلمين أبيّن ما يلي:

                    تعريف الاستشراق

                    تعبير أطلقه غير الشرقيين على الدراسات المتعلقة بالشرقيين : (شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم وأوضاعهم الاجتماعية وبلدانهم وسائر أراضيهم وما فيها من كنوز وخيرات وحضاراتهم وكل ما يتعلق بهم).

                    وكان هدف الغربيين من هذا الإطلاق العام الذي يشمل كل الشرق والشرقيين ، مسلمين أو غير مسلمين ، أن يكون غطاءً للهدف الأساسي ، الذي هو دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين لخدمة أغراض التبشير من جهة ، وأغراض الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين من جهة أخرى ، ثم لإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية وتجزئتها وتفتيت وحدتها .

                    ثم توسعت الدراسات الاستشراقية بعد توسع الاستعمار الغربي في الشرق ، فتناولت جميع ديانات الشرق وعاداته وحضاراته وجغرافيته وتقاليده ولغاته وكل ما يتعلق به .

                    المستشرقون

                    هم الذين يقومون بالدراسات الاستشراقية من غير الشرقيين ، ويقدمون دراساتهم ونصائحهم ووصاياهم:

                    1- للمبشرين بغية تحقيق أهداف التبشير .

                    2- وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار .

                    وكثير من المستشرقين قساوسة منتظمون في السلك الكنسي ، فهم بمقتضى مهنتهم أصحاب مهمات تبشيرية .

                    وآخرون منهم موظفون ببلدانهم في الدوائر السياسية والإدارية المختصة بشؤون الاستعمار بصفة باحثين أو مستشارين أو نحو ذلك .

                    واندس في الاستشراق يهود كثيرون ينافقون النصارى ويخدمون سراً أهدافاً يهودية ضمن المخطط اليهودي العام .

                    وظهر ضمن المستشرقين نفرٌ عُني بالدراسات الاستشراقية ، رغبة في البحث العلمي المتجرد ، دون أن يكون مدفوعاً بدافع تبشيري ، أو دافع استعماري ، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة دون تحيز ، وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية ، واستطاع أن يتحرر من تقاليده العمياء وعصبيته الجاهلية فأسلم .

                    ثم اتسعت الدراسات الاستشراقية لأهداف متعددة ، اقتصادية وسياسية وعسكرية وعلمية وغير ذلك .

                    واحتلَّ كثير من المستشرقين مراكز علمية مرموقة في الجامعات الغربية ، وأوكل إليهم في هذه الجامعات أمر منح الشرقيين في العلوم الإسلامية والعربية الشهادات العليا : (الماجستير والدكتوراة) ، بغية صناعة حملة شهادات من بلدان العالم الإسلامي ، طبق ما يريد المبشرون والمستعمرون .

                    واستغلّ اليهود هذا المجال من مجالات الاستشراق استغلالاً واسعاً ، حتى أمسى عدد وفير من كراسي الأستاذية للدراسات الاستشراقية في الجامعات الغربية يحتله يهود ، يعملون لتحقيق أهداف يهودية ، وهم يلبسون بين النصارى أقنعة مزوّرة ، كما أن لليهود مندسين كثيرين في كل مجال من مجالات الاستشراق الأخرى بأسماء يهودية أو بأسماء مستعارة أخرى.

                    ( 2 )

                    موجز تاريخ الاستشراق


                    لا يعرف بالضبط من هو أوَّل غربي عني بالدراسات الشرقية ،ولا في أي وقت كان ذلك ، ولكن من المؤكد أن بعض الرهبان الغربيين قصدوا الأندلس في إبان عظمتها ومجدها ، وتثقفوا في مدارسها ، وترجموا القرآن والكتب العربية إلى لغاتهم ، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف العلوم ، وبخاصة في الفلسفة والطب والرياضيات ...

                    ومن أوائل هؤلاء الرهبان الراهب الفرنسي "جربرت" الذي انتخت بابا لكنيسة روما عام (999م) ، بعد تعلمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده ، ومنهم الراهب "بطرس المحترم 1092-1156" ، ومنهم الراهب "جيراردي كريمون 1114-1187".

                    وبعد أن عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم نشروا الثقافة المكتوبة باللسان العربي ، ومؤلفات أشهر علمائهم ، ثم أسست المعاهد للدراسات العربية أمثال مدرسة "بادوي" العربية ، وأخذت الأديرة والمدارس الغربية تدرس مؤلفات العرب المترجمة إلى اللاتينية – وهي لغة العلم في جميع بلاد أوربا يومئذ- ، واستمرت الجامعات الغربية تعتمد على الكتب العربية وتعتبرها المراجع الأصلية للدراسة قرابة ستة قرون .

                    ولم ينقطع منذ ذلك الوقت وجود أفراد درسوا الإسلام واللغة العربية وترجموا القرآن وبعض الكتب العربية العلمية والأدبية ، حتى جاء القرن الثامن عشر – وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب في استعمار العالم الإسلامي والاستيلاء على ممتلكاته – فإذا بعدد من علماء الغرب ينبغون في الاستشراق ، ويصدرون لذلك المجلات في جميع الممالك الغربية ، ويغيرون على المخطوطات العربية في البلاد العربية والإسلامية ، فيشترونها من أصحابها الجهلة ، أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت في نهاية الفوضى ، وينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم ، وإذ بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنتقل إلى مكتبات أوربا ، وقد بلغت في أوائل القرن التاسع عشر مائتين وخمسين ألف مجلداً ، وما زال هذا العدد يتزايد حتى اليوم .

                    وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام (1873م) ، وتتالى عقد المؤتمرات التي تلقى فيها الدراسات عن الشرق وأديانه وحضاراته ، وما تزال تعقد حتى هذه الأيام .

                    فقد بدأ الاستشراق إذن منذ دقَّت جيوش الفتح الإسلامي أبواب أوربا العريضة ، وكان المسلمون قد احتلوا عرش السيادة الدولية ، وملأوا سمع الزمان وبصره وقلبه وسائر مشاعره.

                    وأخذت أوربا الغارقة في الجهل والتخلف الحضاري يومئذ تبحث عن أسباب نهضة المسلمين ، وبلوغهم هذا المجد العظيم الذي بلغوه ، وأخذ بعض رجال الكنيسة الأوربيين يدرسون علوم هؤلاء الفاتحين ولغاتهم ، لعلهم يظفرون بما يوقفون به مد هذا الفتح الإسلامي ، ولعلهم يكتبسون من علوم المسلمين ما ينفعهم في إنقاذهم من تخلفهم ، ويفتح لهم أبواب الارتقاء ، فكان الاستشراق طلباً لعلوم الشرقيين ولغاتهم وأوضاعهم ، وبحثاً عنها .

                    وفي أعقاب الحروب الصليبية وضعت الخطة لغزو المسلمين بوسائل أخرى غير وسيلة الحرب المسلحة بالأسلحة المادية ، واقتضت خطة الغزو الجديد التوسع في الدراسات الاستشراقية ، لتكون تمهيداً لهذا الغزو ، وإعداداً لشروطه الفكرية والنفسية .

                    ولما كان المحركون للحرب الصليبية من رجال الكهنوت الأوربيين والعلوم العليا تكاد تكون منحصرة في الكنيسة لديهم يومئذ ، كان أوائل المتوجهين للدراسات الشرقية من هؤلاء الرجال ، ولا ريب أن أغراضهم في ذلك تواكب أغراض الحروب الصليبية التي أخذت أسلوباً جديداً في الغزو ، غير أسلوب الغزو المادي المسلح بالأدوات الحديدية ،وتتفق مع أهداف التبشير بالمسيحية .

                    وانطلق المتوجهون للدراسات الشرقية يعملون في هذا المضمار بجد ، ويترجمون إلى لغاتهم كتباً كثيرة من كتب المسلمين .

                    ونبتت نابتة الفكر الاستعماري في دول أوربا بعد نهضتها ، واحتاج الطامعون باستعمار بلاد المسلمين إلى زاد من الدراسات الشرقية ، فوجهت الدوائر الاستعمارية أعداداً من المتعلمين في بلادها للتفرغ للدراسات الشرقية ، من جوانب متعددة : لغوية ودينية واجتماعية وتاريخية وسياسية وغير ذلك . وكان كثير منهم من منسوبي الكنيسة الذين يحملون في نفوسهم أهداف التبشير .

                    فالتقت في الاستشراق أهداف جمعيات التبشير وأهداف الدوائر الاستعمارية ، ومن طبيعة الأهداف التي تسبق الأعمال في التصور أن تكون موجهة للأعمال ومؤثرة فيها . إلا من نما في قلبه وجدان حب الحق ، وسيطرت عليه الرغبة بنصرته ولو كان ضد هواه ، وضد عصبياته الخاصة .

                    ثم أسست للاستشراق معاهد ، وتألفت جمعيات من المستشرقين للتعاون في الأعمال المتعلقة بالدراسات والعلوم الشرقية ، كنشر بعض المخطوطات العربية ووضع الفهارس الشاملة لبعض الكتب الإسلامية الأصول , ووضع بعض المعاجم المفهرسة ، وتفصيل آيات القرآن الكريم بحسب موضوعاتها ، ونحو ذلك .

                    ودخلت هذه الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى ، فكان لها فروع حتى مستوى تحصيل شهادة الدكتوراة ، وأخذ فريق من المستشرقين يؤلف المؤلفات المتعلقة بالعلوم الإسلامية لخدمة أهداف الاستشراق الأساسية الرامية إلى تشويه الإسلام وتشويه التاريخ ألإسلامي ووضع الشبهات وتصيد الأدلة لها ، وتوجيه الانتقادات الملفقة إلى أحكام الإسلام وشرائعه ، وتتبع الأخبار الساقطة والأقوال الضعيفة المردودة ، وتفسير الظواهر تفسيراً مادياً بحسب ما يروق لهم ، وشرح النصوص القرآنية على أساس أن القرآن ليس من كلام الله ،وليس كتاباً منزلاً ، وشرح الأحاديث النبوية على أساس أن محمداً عبقري من الناس وليس برسول كسائر الرسل ، وتعليل الفتح الإسلامي بالرغبات الشخصية المماثلة للرغبات التي توجد عند الاستعماريين ، وإبعاد كل دافع ديني إسلامي عن كل حدث تاريخي للمسلمين ، ومحاولات التحريف في النصوص عند الاستشهاد بها ، واللجوء إلى المغالطات الكثيرة لدى مناقشة الموضوعات الإسلامية ، وتعمد إبراز سقطات الفساق من المسلمين في مدى تاريخهم الطويل والتشكيك بصحة الأحاديث الصحيحة المروية بتوجيه المطاعن إلى رواة الحديث ولو كانوا من أصحاب الرسول ، والتشكيك بالقرآن الكريم ، بتوجيه المطاعن المفتراة إلى نقله وتدوينه والقراءات الثابتة فيه وإلى مضامينه ، وبتوجيه المطاعن إلى ظاهرة الوحي التي تلقى بها الرسول كتاب ربه ، إلى غير ذلك من أمور لا تحصى ، وأساسها جميعاً الرغبة بإبطال الحق تعصباً واتباعاً للهوى .

                    ورأى اليهود الاستشراق باباً خطيراً من أبواب التسلسل إلى البلاد التي يحلمون بالسيطرة عليها وفق طريقتهم ، ويريدون أن يتخذوا لأنفسهم صنائع فيها من أبنائها ، فتخصص فريق منهم بالدراسات الشرقية وتابعوا المسيرة ضمن الخطط اليهودية ، حتى احتل اليهود عدداً وفيراً من كراسي الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى ، وأخذوا يخدمون الأغراض اليهودية الصهيونية في هذا المجال تحت ستار خدمة أغراض المستشرقين المسيحيين وأغراض الدوائر الاستعمارية .

                    ودخل الأوربيون الشرقيون بعد نجاح الثورة الشيوعية في بلادهم ميادين الاستشراق تبعاً للغرب وبغية استخدام دراساتهم في هذا المجال لتقويض الإسلام واستدراج الشعوب الإسلامية إلى الشيوعية .

                    ( 3 )

                    مدارس الاستشراق

                    وإذْ دخل ميادين الاستشراق عناصر مختلفة الغايات والأهداف ، على الرغم من أن ساحة عمل الجميع واحدة ،كان باستطاعتنا أن نلاحظ أنه قد غدا للاستشراق عدة مدارس ، كلُّ منها له أهداف تنسجم مع المذهب الفكري أو الديني الذي يتبعه المنتسبون إليها .

                    وباستطاعتنا أن نقسّم هذه المدارس إلى ما يلي :

                    1- المدرسة النصرانية ، وهي تنقسم إلى فرعين:

                    أ- الكاثوليكية .

                    ب- البروتستانتية .

                    وهذان الفرعان يلتقيان في الأعمال والأهداف ، وإن اختلفا في بعض الآراء المذهبية.

                    2- المدرسة اليهودية:

                    وهذه المدرسة ذات أهداف خاصة تخدم مخططات اليهودية العالمية ، مهما لبست في البيئات التي تكون فيها من ألبسة النفاق تمالئ فيها هذه البيئات ، ومهما سترت وجهها الحقيقي بأقنعة مزورة .

                    3- المدرسة الإلحادية العامة :

                    والمنتمون إلى هذه المدرسة هم المستشرقون الملحدون في الغرب ، وتتلخص أهدافهم بنشر الفكر الإلحادي ، وإقامة مفاهيم الحياة على المادية التي تنكر وجود الله عز وجل ، وهؤلاء موزعون في مختلف المذاهب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

                    4- المدرسة الإلحادية الشيوعية :

                    والمنتمون إلى هذه المدرسة هم المستشرقون الشيوعيون ، وتتلخص أهدافهم بنشر الإلحاد والشيوعية معاً ، واستدراج شعوب الأمة الإسلامية إليهما .


                    ( 4 )

                    دوافع المستشرقين وأهدافهم


                    باستطاعتنا أن نتلمس دوافع المستشرقين وأهدافهم من أعمالهم ، ومما حققوه من أهداف ، ومن النظرات التاريخية إلى واقع حال الدول الغربية ، قبل أن تنبت فيها نابتة الاستشراق ، وإلى واقع حالها بعد ذلك ،ومن النظر إلى صلة الاستشراق بالتبشير بالنصرانية ، وإلى صلته بالاستعمار .

                    وفيما يلي خلاصة عن دوافعهم وأهدافهم مع العلم بأن الدوافع تلتقي مع الأهداف ،باعتبار أن الدافع يمثل المحرض النفسي لاتخاذ الوسائل التي توصل إلى الأهداف الغائية من العمل .

                    الأول : الدافع الديني أو المذهبي ضد الإسلام والمسلمين

                    عرفنا أن الاستشراق بدأ بالرهبان والقساوسة والنصارى ، ثم استمر بعد ذلك ومعظم المستشرقين من رجال الكهنوت المسيحي ، وكان هؤلاء مدفوعين بدافع الانتصار للنصرانية ، والرغبة بتنصير المسلمين الذين اكتسحوا امبراطوريتهم واستطاع دينهم الحق أن يغلب النصرانية المحرفة في نفوس أتباعها .

                    واتجه هؤلاء للطعن في الإسلام وتشويه محاسنه وتحريف حقائقه بغية إقناع جماهيرهم التي تخضع لزعاماتهم الدينية بأن الإسلام دين لا يستحق الانتشار ، وبأن المسلمين قوم همج لصوص سفاكو دماء يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي .

                    ثم اشتدت حاجتهم إلى هذا الهجوم في العصر الحاضر ، بعد أن رأوا الحضارة الحديثة قد زعزعت أسس العقيدة بالنصرانية عند الغربيين ، وأخذ تشكُّكُهم بكل التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم يزداد ، فلم يجدوا وسيلة أجدى من تشديد الهجوم على الإسلام لصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة . وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى ، ثم الحروب الصليبية ثم الفتوحات الإسلامية العثمانية في أوربا بعد ذلك في نفوس الغربيين من خوف شديد من قوة الإسلام ، ومن كره لأهله ، فاستغلوا هذا الجو النفسي ، وازدادوا نشاطاً في الدراسات الإسلامية .

                    وحين قامت جمعيات التبشير ، ووضعت من أهدافها تحويل المسلمين عن دينهم إلى النصرانية ، أو إلى اللادينية والإلحاد الكامل ، كانت دوافع الاستشراق لدى المبشرين وأنصارهم ومؤيديهم هي دوافع التبشير أنفسها ، وهي تتلخص بالرغبة الملحة في سلخ المسلمين عن دينهم ، ومحاولة إدخالهم في النصرانية ، أو إبقائهم ملاحدة لا دين لهم ، حتى يكونوا أطوع للدول النصرانية الطامعة باستعمار بلاد المسلمين ، واستغلال خيراتها .

                    ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به .

                    فهدف هذا الدافع : هو إخراج المسلمين عن دينهم ، فإن أمكن تنصيرهم فذالك ، وإلا فإبقاؤهم لا دين لهم مطلقاً هدف مرجو يحقق للنصارى منافع ومصالح سياسية واقتصادية واستعمارية وغير ذلك .

                    ولإخراج المسلمين عن دينهم وسائل كثيرة ، منها:

                    1- تنفير المسلمين من دينهم وحملهم على كراهيته .
                    2- تشويه الإسلام ، والتشكيك في أسسه ، وتوجيه المطاعن له.
                    3- تشويه التاريخ الإسلامي ، وتشويه حضارة المسلمين ، وكل ما يتصل بالإسلام من علم وأدب وتراث .
                    4- نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها ، وبعث الطوائف الضالة والحركات الهدامة القديمة .
                    5- تزيين ما في المسيحية من تعاليم وأحكام .
                    6- استدراج المسلمين للأخذ بالحضارة المادية الحديثة ، وما فيها من مغريات للنفوس ، ومرضيات للأهواء ، وآسرات للشهوات ، وباهرات للنظر .
                    7- ادعاء أن الفقه الإسلامي مقتبس من القانون الروماني .
                    8- ادعاء أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع التطور الحضاري .
                    9- الدعوة إلى نبذ اللغة العربية وتبديل طريقة كتابتها .

                    الثاني : الدافع الاستعماري

                    لم ييأس الصليبيون بعد هزيمتهم في الحروب الصليبية من العودة إلى احتلال بلاد العرب وسائر بلاد المسلمين ، فاتجهوا لدراسة هذه البلاد ، في كل شؤونها : من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ولغات وتاريخ وغير ذلك مما يتعلق بها من جغرافية وسكان بغية أن يتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها ، وإلى مواطن الضعف فيغتنموها .

                    ثم لما تم لهم الاستيلاء العسكري والسيطرة السياسية ، كان من دوافع الدراسات الاستشراقية الرغبة بإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين ، وبث الوهن والارتباك في تفكيرهم ، وكان لهم في ذلك وساوس كثيرة ، تسللوا بها إلى نفوس أبناء المسلمين ، ومن هذه الوساوس ما يلي :

                    1 ً- التشكيك بفائدة ما في أيدي المسلمين من تراث ، وبما عندهم من عقيدة وشريعة وقيم إنسانية .

                    والغرض من ذلك أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم ، ويرتموا في أحضان الغرب ، يستجدون منه المقاييس الأخلاقية والمبادئ والعقائد والحلول لمشاكلهم الحياتية والعادات والتقاليد وأنواع السلوك ليتم للغرب بذلك إخضاع المسلمين لحضارته وثقافته إخضاعاً كاملاً .

                    2 ً- إحلال مفاهيم جديدة ، أو إحياء مفاهيم ماتت منذ تمكن الإسلام من قلوب المسلمين ، كالقوميات الفرعونية والفينيقية والآشورية والعربية الكردية والتركية والفارسية ونحو ذلك ليتسنى لهم تشتيت شمل الأمة الإسلامية الواحدة ، التي تجمعها رابطة واحدة ، هي وحدة الدين الذي يهيمن على جميع مشاعر الإنسان الداخلية وسلوكه الظاهر .

                    وللاستشراق الذي يقوم به الشيوعيون دافع مشابه ، وهو دافع يطمع بالتسلط الكامل على بلاد المسلمين .

                    ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به .

                    فهدف هذا الدافع : هو السيطرة على بلدان العالم الإسلامي ، وعلى الشعوب الإسلامية ، طمعاً باستغلال الأرض واستعباد الناس والسيطرة على كل شيء وسيلة لتحقيق أهواء النفوس وشهواتها ،وأن يكن لها العلو في الأرض .

                    الثالث : الدافع الاقتصادي

                    ومن الدوافع التي حرضت كثيراً من الغربيين على الدراسات الاستشراقية رغبتهم بغزو البلاد الإسلامية غزواً اقتصادياً ،يهدفون فيه إلى الاستيلاء على الأسواق التجارية والمؤسسات المالية المختلفة والاستيلاء على الثروات الأرضية واستغلال الموارد الطبيعية والحصول عليها بأبخس الأثمان وإماتة الصناعات المحلية القديمة ، لتكون بلاد المسلمين بلاد استهلاك لما تصدره المصانع الآلية الغربية .

                    وضمن هذا الدافع وجهت المؤسسات الاقتصادية الغربية ، من يهتمون بالدراسات الاستشراقية ، ليكونوا وسطاءهم ورسلهم ومستشاريهم والمترجمين لهم في مهماتهم ومطالبهم الاقتصادية أو أبدت استعدادها لاستخدام من يعمل لهم في هذا المجال ، فاتجه فريق من الغربيين لهذه الدراسات ، طمعاً بأن يجدوا أعمالاً لهم لدى المؤسسات الاقتصادية .

                    وظهر أيضاً فريق من الباحثين العلميين اهتم بالدراسات الاستشراقية ، ليقوم نشر كتب التراث الإسلامي ، والاستفادة من نشرها في تحصيل الثروات التي يحصل عليها الناشرون عادة .

                    وهكذا صارت الدراسات الاستشراقية وسيلة من وسائل كسب المال لكثير من المستشرقين .

                    ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به .

                    فهدف هذا الدافع : تحصيل الأموال والمطامع الاقتصادية .

                    الرابع : الدافع السياسي

                    قبل الاستعمار وبعد تحرر البلاد الإسلامية منه رأت الدوائر الاستعمارية أن حاجتها السياسية تقضي بأن يكون لها في قنصلياتها ، وسفاراتها ومندوبيها في الأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية ، من لديهم زاد جيد من الدراسات الاستشراقية ، ليقوم لهم هؤلاء بمهمات سياسية متعددة مرتبطة بالشعوب الإسلامية ، وبلدان العالم الإسلامي ، ومنها ما يلي :

                    1 ً- الاتصال بالسياسيين والتفاوض معهم ، لمعرفة آرائهم واتجاهاتهم .
                    2 ً- الاتصال برجال الفكر والصحافة للتعرف على أفكارهم وواقع بلادهم .
                    3 ً- بث الاتجاهات السياسية التي تريدها دولهم ، فيمن يريدون بثها فيهم ، وإقناعهم بها .
                    4 ً- الاتصال بعملائهم وأجرائهم الذين يخدمون أغراضهم السياسية داخل شعوب الأمة الإسلامية .

                    وكم بثَّ حاملو هذا الدافع في شعوب المسلمين من أفكار؟! وكم دسوا من دسائس؟! وكم استخدموا من أجراء لإثارة الفتن وإقامة ثورات وانقلابات عسكرية؟!.

                    إلى غير ذلك من أعمال .

                    ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به .

                    فهدف هذا الدافع : تحقيق غايات سياسية ، تريد تحقيقها الدول الموجهة لهذا النوع من الدراسات لتسيير دول العالم الإسلامي في أفلاكها .

                    الخامس : الدافع العلمي النزيه

                    ومن المستشرقين نفر قليل جداً أقبلوا على الدراسات الاستشراقية بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها .

                    وكان هؤلاء النفر من المستشرقين أقل من غيرهم خطأً في فهم الإسلام وتراثه ، لأنهم لم يكونوا يتعمدون أن يدسوا أو يحرفوا .

                    لذلك جاءت بحوث هؤلاء أقرب إلى الحق ، وإلى المنهج العلمي السليم ، من أبحاث الجمهرة الغالبة من المستشرقين ، بل منهم من اهتدى بدراسته إلى الإسلام ، وآمن به ، وانتمى إلى الأمة الإسلامية .

                    على أن هؤلاء قلما يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الدراسات الاستشراقية بأمانة وإخلاص ، لأن أبحاثهم المجردة عن الهوى الجانح لا تلقى رواجاً لا عند رجال الدين ، ولا عند رجال السياسة ، ولا عند عامة الباحثين الغربيين .

                    بل كثيراً ما يتعرض هؤلاء لمضايقات ومقاومات شديدة ، من قبل رجال الدين ورجال السياسة في بلدانهم .

                    ولما كان الاستشراق النزيه الراغب بالبحث العلمي الحيادي المتجرد عن الهوى الجانح ، لا يدر على مرتاديه مكاسب ومغانم ، كان من الطبيعي أن يندر وجود هؤلاء المرتادين في أوساط المستشرقين .

                    ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به .

                    فهدف هذا الدافع : إشباع نهم علمي متجرد ، وتحصيل معرفة صحيحة تتصل بأمة ذات علم ، وحضارة أصيلة .

                    وهؤلاء مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق ، إما لجهلهم بأساليب اللغة العربية ، وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها ، فيتصورونها كما يتصورون مجتمعاتها ، ناسين الفروق الطبيعية والنفسية والزمنية التي تفرق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها ، وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها .

                    ومن هؤلاء من يعيش بقلبه وفكره في جو البيئة التي يدرسها ، فيأتي بنتائج تنطبق مع الحق والصدق والواقع ، ولكن هؤلاء يلقون عنتاً من سائر المستشرقين ، إذ سرعان ما يتهمون بالانحراف عن المنهج العلمي ، أو الانسياق وراء العاطفة ، أو الرغبة في مجاملة المسلمين والتقرب إليهم ، كما فعلوا مع "توماس أرنولد" حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم "الدعوة إلى الإسلام" ، فقد برهن فيه على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين ، على عكس مخالفيهم معهم . هذا الكتاب الذي يعتبر من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام ، يطعن فيه المستشرقون المتعصبون بأن مؤلفه كان مندفعاً بعاطفة قوية من الحب والعطف على المسلمين ، مع أنه لم يذكر حادثة إلا أرجعها إلى مصدرها .

                    ومن هؤلاء من يؤدي به البحث الخالص لوجه الحق إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيين ، كما فعل المستشرق الفرنسي الفنان "دينيه" الذي عاش في الجزائر فأعجب بالإسلام وأعلن إسلامه ، وتسمى باسم ناصر الدين دينيه" وألف مع عالم جزائري كتاباً عن سيرة الرسول ، وله كتاب "أشعة خاصة بنور الإسلام" بيَّن فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله ، وقد توفي هذا المستشرق المسلم في فرنسا ، ونقل جثمانه إلى الجزائر ودفن فيها .

                    ومنهم أيضاً المستشرق "عبد الكريم جرمانوس" وهو عالم مجري اعتنق الإسلام في الهند ، ولد سنة (1885) وتوفي سنة (1979م) وكان يتمنى أن يعيش مائة عام ، لأن اللغة العربية في رأيه تحتاج إلى مائة سنة لفهمها . كان عضواً في المجمع اللغوي في القاهرة . أحب الإسلام واللغة العربية وخدمهما . ألف أكثر من مائة وخمسين كتاباً عن الإسلام ، منها:

                    1- الله أكبر .
                    2- الحركات الحديثة في الإسلام .
                    3- شوامخ الأدب العربي .
                    4- معاني القرآن .
                    5- دراسات في التركيبات اللغوية العربية .

                    وقد أجاد عدة لغات منها الإنكليزية والفارسية والأردية والتركية مع العربية .

                    ومنهم الطبيب الفرنسي "موريس بوكاي" صاحب كتاب "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" الذي أثبت فيه موافقة ما جاء في القرآن لأحدث الحقائق العلمية التي توصل إليها الناس بوسائلهم ، بخلاف ما في الكتب التي يزعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنها مقدسة .

                    ومنهم المستشرق الأسباني الدكتور "سيمون هايك" كما نقل عنه : محمود بيومي في جريدة المدينة العدد (8203) الخميس 27/03/1410هـ.
                    وغيرهم ممن عرفوا الحق واتبعوه .

                    ( 5 )

                    مجالات أنشطة المستشرقين

                    تخصص المستشرقون في مجالات الأنشطة المعرفية والتوجيهية العليا ، منها : التعليم الجامعي ، والمؤسسات العالمية لتوجيه التعليم والتثقيف ، والوظائف الاستشارية العليا للدول الغربية ، وتأليف وإصدار الكتب والموسوعات العلمية ، وإصدار المجلات الثقافية ، وعقد مؤتمرات وإلقاء محاضرات علمية ، وعقد ندوات ، ولقاءات حوار حول موضوعات يهم المستشرقين دس أفكارهم فيها ، ونحو ذلك .

                    وقد تفرغ منهم مجموعات متعددة لأداء المهمات الاستشراقية ، في كل مجال من المجالات التالية :

                    الأول : كراسي الدراسات الإسلامية العربية والشرقية بوجه عام ، في الجامعات الغربية ، واتخاذها بؤرة لاصطياد أبناء الشعوب الإسلامية ، والتأثير عليهم فكرياً وسلوكياً ونفسياً .

                    الثاني : تأسيس الجامعات العلمية في بلدان العالم الإسلامي خاصة وبلدان الشرق عامة ، لتخريج أجيال منسلخة من إسلامها ، ومستعدة لتقبل المذاهب الفكرية المعاصرة الوافدة ، ولكل ما يلقى إليها من أفكار ومبادئ .

                    مثل : كلية بغداد التي أسسها المطران : "وليم آ – رايس) والأب : "إدوارد ف. مدارس" كما ذكر المبشر ، الأب : "رتشرد يوسف مكارتي اليسوعي" في إهداءه لكتاب التمهيد للباقلاني ، الذي حققه وأخرجه عام 1975م والجامعة الأمريكية في بيروت ، والجامعة الأمريكية في مصر ، والجامعة الأمريكية في تركيا .

                    الثالث : إنشاء الموسوعات العلمية الإسلامية ، والشرقية بوجه عام ، التي تتناول الشرقيات من جميع جوانب المعرفة ، واتخاذها وسيلة لدس الأفكار الاستشراقية السامة التي يريدون دسها ، وإقناع أجيال الشعوب الإسلامية بها .
                    والموسوعة الإسلامية التي أصدرها المستشرقون بعدة لغات ، قد حُشد لها كبار المستشرقين ، وأشدهم عداءً للإسلام ،ودُسَّ فيها السم بالدسم ، ونثرت فيها أباطيل كثيرة عن الإسلام والمسلمين ، ومن المؤسف أنها مرجع لكثير من المثقفين من المسلمين ، إذ يعتبرونها حجة فيما تورده من معارف حول قضايا إسلامية ، وهي فيها غير نزيهة ، لأن كتابها منحازون ضد معظم قضايا الإسلام والمسلمين .

                    وكذلك الموسوعات العامة : كالموسوعة الفرنسية (لاروس) والموسوعة البريطانية .

                    الرابع : عقد المؤتمرات الاستشراقية ، لتبادل الرأي فيما يحقق أهداف الاستشراق ، وما زالوا يعقدون هذه المؤتمرات منذ عام (1873م) وحتى الآن .

                    الخامس : عقد الندوات ولقاءات التحاور الرامية إلى بث الأفكار الاستشراقية والترويج لها ، وإقناع مثقفي العالم الإسلامي بها .

                    وفي هذه الندوات ولقاءات التحاور يستدرجون بعض المسلمين من حيث يشعر هؤلاء أو لا يشعرون لتحريف الإسلام ، دفاعاً عنه حيناً ، وتطويعاً له حتى يساير المفاهيم الغربية حيناً آخر ، بحيلة مرونة الشريعة الإسلامية .

                    السادس : إصدار المجلات الخاصة ببحوثهم حول الإسلام والمسلمين وشعوبهم وبلادهم وكل ما يتعلق بهم .

                    السابع : إمداد إرساليات التبشير بالخبراء من المستشرقين ، ودعمها بما تحتاج إليه من جهودهم .

                    الثامن : تأليف الكتب في موضوعات مختلفات عن الإسلام ، والرسول ، والقرآن وتاريخ المسلمين ومجتمعاتهم .

                    وفي معظم هذه الكتب كثير من التحريف المتعمد في نقل النصوص أو ابتسارها أو في فهمها واستنباط المعاني منها . وفيها أيضاً كثير من التحريف في تفسير الوقائع التاريخية ، وتعليل أحداثها .

                    ومن مظاهر تزييفهم ومغالطاتهم في الوقائع التاريخية التعميمات الفاسدة ، إذ يأخذون الحوادث الفردية القليلة من حوادث التاريخ ، ويتخذون منها قاعدة عامة شاملة يدينون بها كل الأفراد ، ويعتبرونها صورة لكل تاريخ المسلمين ، وهذا من التضليلات التي يرفضها أي باحث علمي ، ولا يقبلها صغار العامة فضلاً عن المثقفين ، فكيف بمن يدعون الأمانة العلمية ، ويتظاهرون بالحرص عليها .

                    وغدت هذه الكتب مرجعاً للمبشرين ، ولكل الدارسين من المسلمين في الجامعات الغربية ، ولكل المستغربين من أبناء الشعوب الإسلامية .

                    التاسع : إلقاء المحاضرات في الجامعات ، والجمعيات والأندية العلمية ، ومن المؤسف أن أشدهم خطراً وعداءً للإسلام يستطيعون تحريك الأيدي الخفية لاستدعائهم إلى الجامعات العربية والإسلامية ، لإلقاء المحاضرات التي يتحدثون فيها عن الإسلام ، ويدسون فيها ما يستطيعون دسه من أفكار، رغبة في بثها والإقناع بها .

                    العاشر : نقشر المقالات في المجلات والصحف المحلية للبلاد الإسلامية ، لبث أفكارهم عن طريقها ، والترويج لها بين المسلمين .

                    وقد استطاعوا أن يستأجروا عدداً من هذه المجلات والصحف لنشر مقالاتهم ، والترويج لأفكارهم .

                    واستطاعوا أيضاً أن يستأجروا كتاباً وأساتذة جامعيين وغير جامعيين ، وأدباء وشعراء يحملون أفكارهم من أبناء الشعوب المسلمة وينشرونها بأقلامهم وألسنتهم ليكونوا أكثر تأثيراً في الأجيال الناشئة وهؤلاء هم أتباع المستشرقين وذيولهم وأجراؤهم وعملاؤهم من الشرقيين فهم شرقيون مستغربون .

                    الحادي عشر : ووجه المستشرقون عناية عظمى لإفساد المرأة المسلمة ، عن طريق دعوات تحريرها ، وانطلاقها للعمل في شتى حقول المجتمع ، وإعطائها – بحسب دعواهم المضللة – كامل حريتها وكامل حقوقها .

                    وأثاروا الشبهات حول أحكام الإسلام الخاصة بشأن المرأة . وافتروا أنواعاً كثيرة من المفتريات .
                    وتبع المستشرقين في ذلك غير المسلمين من مواطني البلاد الإسلامية ومعهم المستغربون الملاحدة والأجراء من أبناء المسلمين .

                    ولما رأى أعداء الإسلام أن الريف في البلاد الإسلامية ظل بعيداً عن تيار الاستغراب ، تحركوا بخطوات منظمة لإفساد الريف بوجه عام ، وإفساد المرأة فيه بوجه خاص ، فانطلق المستشرقون يخططون عن طريق التعليم في الريف لإقامة ما أسموه "التربية الأساسية"، وجاءت التوصيات بضرورة العناية بمراكز "التربية الأساسية" في الريف ، لتؤدي دورها المرسوم لها ، في إفساد الريف وتغريبه لا سيما المرأة فيه.

                    ( 6 )

                    أخطر وسائل المستشرقين الفكرية


                    التشكيك – إلقاء الشبهات – المغالطات – تزيين الأفكار البديلة – افتراء الأكاذيب – دس السموم الفكرية بخفاء وتدرج .

                    ترجع الوسائل الفكرية الرئيسية التي استخدمها المستشرقون لهدم الإسلام وتجزئة المسلمين وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية ، وتشويه حاضرها ، وخداع أجيال هذه الأمة بنبذ الإسلام واتباع مناهج وأساليب الحضارة المادية المعاصرة إلى الأصول التالية :

                    1- التشكيك في مصادر الدين الإسلامي وصحة نبوة الرسول .
                    2- إلقاء الشبهات حول أحكام الإسلام التشريعية ومصادرها .
                    3- المغالطات .
                    4- تزيين الأفكار البديلة .
                    5- افتراء الأكاذيب واختراع التعليلات والتفسيرات الباطلات .
                    6- التلطف في دس السموم الفكرية بصورة خفية ومتدرجة ، حتى يبتلعها المغزوّون وهم لا يشعرون ، وقد يأخذونها وهم فرحون بحلاوة ما يرافقها .
                    ونلاحظ في مكتوباتهم حول الإسلام والمسلمين ما يلي:
                    الأول : التشكيك في صحة رسالة النبي محمد ، فجمهور المستشرقين ينكرون أن يكون محمد نبياً أوحى الله إليه ، وأنزل عليه كتاباً من لدنه ، ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحابه ، لا سيما عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى "صرع" كان ينتاب النبي حيناً بعد حين ، ومنهم من يرجعه إلى تخيلات كانت تملأ ذهن النبي ،ومنهم من يفسرها بمرض نفسي ، إلى غير ذلك.

                    مع أنهم لا ينكرون ظاهرة الوحي في الواقع الإنساني ، لأنهم يعترفون بأنبياء التوراة ، فهم إما يهود أو نصارى ، وكل تفسير سلكوه لظاهرة الوحي عند محمد يمكن أن تفسر به ظاهرة الوحي عند أنبيائهم الذين يعترفون هم بنبواتهم ، إلا أن تعنتاً مبعثه التعصب الديني هو الذي جعلهم يفرقون بين أمرين متساويين تماماً ، فيعترفون بأحدهما ويجحدون الآخر عصبية عمياء .

                    الثاني : ويتبع التشكيك في رسالة محمد إنكارهم كون القرآن كتاباً منزلاً عليه من عند الله عز وجل ، وحين يفحمهم ما ورد في القرآن من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية ، مما يستحيل صدوره عن أمي مثل محمد يزعمون ما زعمه المشركون الجاهليون في عهد الرسول ، فيقولون : إن محمداً استمد هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها ، ويجعلون القرآن مأخوذاً من كتب أهل الكتاب ، ويتخبطون في ذلك تخبطاً عجيباً . وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف ولم تكتشف إلا في هذا العصر ، يرجعون ذلك إلى ذكاء محمد وعبقريته الخاصة ، فيقعون في تخبط أشد غرابة من سابقه .

                    الثالث: وإذ أنكروا رسالة محمد وزعموا أن القرآن ليس بكلام الله ، لزمهم أن يعلنوا أن الإسلام ليس ديناً منزلاً من عند الله ، وإنما هو ملفق من الديانتين اليهودية والنصرانية ، وهم في هذا يخبطون خبط عشواء ، إذ لا يملكون أي مستند يؤيده البحث العلمي السليم. جلُّ ما يملكونه ادعاءات تستند إلى وجود نقاط التقاء بين الإسلام والديانتين السابقتين ، الأمر الذي يرجع في حقيقته إلى وحدة الرسالات الربانية في أصولها الصحيحة .

                    ويلاحظ أن المستشرقين اليهود – أمثال "جولدتسيهر" و"شاخت" – هم أشد حرصاً على ادعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه .

                    أما المستشرقون المسيحيون فيجرون وراءهم في هذه الدعوى ، إذ ليس في المسيحية تشريع يستطيعون أن يزعموا تأثر الإسلام به ، وأخذه منه ، وإنما في المسيحية مبادئ أخلاقية وبعض تعديلات تشريعية ، زعموا أنها أثرت في الإسلام ، ودخلت عليه منها ، وقد يعممون من غير أي أصل يستندون عليه .

                    ولم يكن التشابه في الأديان السابقة سبباً في نظرهم في إنكار المتأخر منها ، ثم ليس المفروض في الديانات الربانية أن تتعارض أو تتناقض في أصلوها أو مبادئها أو تشريعاتها ، بل المفروض فيها ما دام مصدرها واحداً أن تتلاقى وتتفق ، ويدعم بعضها بعضها ، وأن يكون المتأخر منهما متمماً للسابق ، وهذه هي حقيقة الدين الرباني ، الذي أرسل الله لتبليغه للناس رسلاً تترى ، وختمهم بمحمد بن عبد الله .

                    الرابع: التشكيك في صحة الحديث النبوي الذي اعتمده علماء المسلمين المحققون ، ويتذرع هؤلاء المستشرقون بما دخل على الحديث النبوي من وضع ودس ، متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماء المسلمين لتنقية الحديث الصحيح ، مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري ، مما لم يعهد عندهم في ديانتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم.

                    والذي حملهم على الشطط في دعواهم هذه ما رأوه في الحديث النبوي الذي اعتمده علماء المسلمين من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة ، وهم لا يؤمنون بنبوة الرسول محمد ، فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن رجل واحد أمي ، إنما هو عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى ، فالعقدة النفسية عندهم هي عدم تصديقهم بنبوة محمد ، ومن هذه العقدة تنبعث تخبطاتهم وأوهامهم .

                    الخامس : التشكيك في قيمة الفقه الإسلامي الذاتية ، ذلك التشريع العظيم الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور . لقد سُقط في أيديهم حين اطلاعه على عظمته وهم لا يؤمنون بنبوة محمد ، فلم يجدوا بداً من الزعم بأن هذا الفقه مستمد من القانون الروماني ، أي : أنه مستمد من الغربيين ، وقد بين علماء المسلمين الباحثون تهافت هذه الدعوى وفيما قرره مؤتمر الفقه المقارن المنعقد بلاهاي من أن الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته وليس مستمداً من أي فقه آخر ، ما يفحم المتعنتين منهم ، ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلاً .

                    السادس : التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي ، لتظل الأمة العربية المسلمة عالة على مصطلحات الغربيين ، وبذلك تشعر هذه الأمة بفضل الغربيين وسلطانهم الأدبي .

                    والتشكيك في غنى الأدب العربي ، وإظهاره على أنه مجدب فقير ، بغية أن تتجه الأمة العربية إلى آداب الغربيين ، وهذا هو الاستعمار الأدبي الذي يبغونه مع الاستعمار العسكري الذي يباشرونه .

                    السابع : تشكيك المسلمين في قيمة تراثهم الحضاري ، إذ يدعون أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان ،وأن المسلمين لم يكونوا إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها ، ولم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكار حضاري ، وحين يتحدثون بشيء من الحضارة الإسلامية وحسناتها ، فإنما يذكرونها على مضض ومع انتقاص كبير .

                    الثامن : إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم ، وبث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قيم وعقيدة ومثل عليا ، ليسهل على الاستعمار المباشر وغير المباشر تشديد وطأته عليهم ، ونشر ثقافته الحضارية فيما بينهم ، فيكونوا عبيداً لها ،يجرهم حبها إلى حبهم أو إلى إضعاف روح المقاومة في نفوسهم .

                    التاسع : إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم ، وذلك عن طريق إحياء القوميات القديمة ، وإثارة النعرات بين شعوبهم ، وإقامة الحواجز المصطنعة بين بلدانهم وأقاليمهم ، وإقامة العقبات الكثيرة دون تقاربهم ، ووحدة كلمتهم ، ووحدة صفهم ، والعمل على تعميق تجزئتهم في دويلات صغرى متعادية متناحرة .

                    وفيما يلي أمثلة من افتراءاتهم:

                    المثال الأول : يحاول فريق من المستشرقين إقناع العالم الغربي ، والذين يتأثرون بهم من الشعوب الأخرى ، ومن الجهلة من أبناء المسلمين ، بأن الإسلام شكل جديد للوثنية ، وأن محمداً نصب تمثاله الذهبي في الكعبة المحرمة بعد ما أخرج منها التماثيل والأصنام القديمة وكسرها .

                    هذه فرية ظاهرة جداً ، لا يقبلها من الغربيين أنفسهم ، من اطلع على القدر اليسير من الأصول الإسلامية المنقولة بأمانة .

                    المثال الثاني : فريتهم المفضوحة التي زعموا فيها أن محمداً أخذ القرآن عن بحيرا الراهب في بصرى الشام ، حين سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو غلام ، وقد سبق شرح هذه الفرية .

                    المثال الثالث : زعمهم أن الفقه الإسلامي مستمد من القانون الروماني ، مع أن أي ناظر في مصادر التشريع الإسلامي يكتشف بأدنى تأمل أن الفقه الإسلامي مستنبط من القرآن والسنة ، وأن أدلة مسائله أحكامه مبينة في كتب الفقه الإسلامي ، فلا وجود لأية أمارة ظاهرة أو خفية تسمح بإثارة هذه الشبهة ، فضلاً عن أن تتحول إلى قضية تطرح في ميدان البحث العلمي.

                    المثال الرابع : الترويج للرواية التاريخية الساقطة التي تزعم أن القائد الأموي لجيش يزيد بن معاوية بعد أن أخضع المدينة المنورة ، وقتل من أهلها من قتل ، أباحها لجنوده ثلاثاً عملاً بوصية يزيد الذي أمره بذلك .

                    المثال الخامس : تفسير الفتح الإسلامي بأنه لم يكن لنشر دين الله ، ولإعلاء كلمته ، وإنما كان هدفه الحصول على وسائل العيش الثرة ،في بلاد الشام والعراق وفارس ومصر، والتخلص من ظروف العيش السيئ داخل الجزيرة العربية .

                    المثال السادس : فرية بعضهم أن محمداً نقل معظم أصول الدين الإسلامي وفروعه من اليهودية والنصرانية ، أو من الأمم الأخرى الهندية والفارسية ، وصاغها بطريقته الخاصة صياغة عربية .

                    هذه أمثلة مفضوحة مكشوفة ، زيفها واضح ، والافتراء فيها بين ، ولكن توجد مئات القضايا الجزئية التي أدخلها المستشرقون في بياناتهم لمفاهيم الإسلام وتعاليمه ، ومنها ما قد يخفى على بعض أهل العلم والخبرة لأن التحريف فيها يسير قد يظنه الخبير خطأً في الاجتهاد ، أو قصوراً في الفهم . وهم يسلكون في الأفكار المحرفة أسلوب التدرج ، إذ قد يبدأ التحريف بمقدار درجة واحدة من درجات الدائرة الهندسية ، حتى إذا استقرت فكرة هذا التحريف انتقلوا إلى درجة وراءها ، وهكذا تسلسلاً ، حتى يكون بين المحرف والأصل مسافة كبيرة جداً .

                    وعلى الباحث أن يحذر الدسائس حذراً شديداً ، وأن يكون على بصيرة دائمة ، وارتباط وثيق بنصوص الإسلام الكبرى ومصادره الأولى ، وما كان عليه سلف الأمة الصالح ، وأن يغلب جانب الشك في كل ما يقوله المستشرقون وتلامذتهم من أفكار ومفاهيم وأخبار وروايات عن الإسلام وتاريخ الأمة الإسلامية ، وحاضر العالم الإسلامي ، وإن كان الكلام مغلفاً بالثناء والإطراء والتمجيد .

                    فقد علمتنا الملاحظة والتجربة الطويلة أن كيد هؤلاء عظيم ، قد يدخل على أكثر أهل العلم يقظة وحذراً .

                    من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                    Comment

                    • قسورة
                      عضو
                      • Nov 2005
                      • 157

                      #11

                      ( 7 )

                      موازين البحث عن المستشرقين


                      نظرة عامة :

                      يعتمد جمهور المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلامية على ميزان غريب بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي ، فمن المعروف أن العالم المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه ، ويتابع النصوص المراجع الموثوق بها ، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة الحتمية التي ينبغي له اعتمادها والأخذ بها .

                      إلا أن أغلب المستشرقين يضعون في أذهانهم فكرة معينة يريدون تصيد الأدلة لإثباتها ، وحين يبحثون عن هذه الأدلة لا تهمهم صحتها بمقدار ما يهمهم الاستفادة منها لدعم آرائهم الشخصية ، وكثيراً ما يستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية ، ومن هنا يقعون في مفارقات عجيبة ، لولا الهوى والغرض المريض لربأوا بأنفسهم عنها ، وكثيراً ما يعتمدون على الوهم المجرد لتفسير الأمور ، ويقيسون المسلم الذي يؤمن بالله ويخشاه على الذين لا تردعهم دين ولا خلق قويم ، ويعتبرون أن كل سلوك المسلمين أفراداً وجماعات ، لا بد أن يفسر بالأغراض الشخصية والنوازع النفسية الدنيوية ، وأن أي دافع ديني أخروي يبتغي به وجه الله لا وجود له عندهم ، إلى غير ذلك من موازين ساقطة في نظر أي باحث علمي يخلص للحقيقة ويحترم منطقه وعقله .

                      وفيما يلي طائفة من الأمثلة التي تكشف هذه الموازين عند المستشرقين ، حينما يكتبون في الإسلام وتاريخ المسلمين .

                      1- في محاولة المستشرق "جولدتسيهر" لإثبات زعمه بأن الحديث في مجموعه من صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة ، وليس من قول الرسول ، ادعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الإسلام ، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول كان لاصقاً بكبار الأئمة ، وقد حشد لذلك بعض الروايات الساقطة المتهافتة ، من ذلك ما نقله عن كتاب "حياة الحيوان" للدميري ، من أن أبا حنيفة رحمه الله لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر قبل أحد أم كانت أحد قبلها!!.

                      وما لا شك فيه أن أقل الناس اطلاعاً على التاريخ يرد مثل هذه الرواية ، فأبو حنيفة وهو من أشهر أئمة الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثاً مستفيضاً ، وذلك في فقهه الذي أثر عنه ، وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه كأبي يوسف ومحمد ، من غير المتصور بحال من الأحوال أن يكون جاهلاً بوقائع سيرة الرسول ومغازيه ،وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب ، ويكفي ذكر كتابين في فقهه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي في الإسلام.

                      أولهما – كتاب الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف رحمه الله .

                      ثانيهما – كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن رحمه الله ، وقد شرحه السرخسي وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية ، وقد طبع هذا الكتاب تحت إشراف جامعة الدول العربية، برغبة من جمعية محمد بن الحسن الشيباني للحقوق الدولية .

                      وفي هذين الكتابين يتضح إلمام تلامذة الإمام – وهم حاملو علمه – بتاريخ المعارك الإسلامية في عهد الرسول وعهد خلفائه الراشدين .

                      و"جولدتسيهر" لا يخفى عليه أمر هذين الكتابين ، وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أبو حنيفة جاهلاً بالسيرة أو عالماً بها ، من غير أن يلجأ إلى رواية "الدميري" في كتابه "الحيوان" وهو ليس مؤرخاً ، وكتابه ليس كتاب فقه ولا تاريخ ، وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه ،من غير بحث عن صحتها . ولا يخفى ما كان من أبي حنيفة ومعاصريه ومقلديهم من بعدهم من خصومة في المنهج الاجتهادي الذي اعتمده ، وقد كانت هذه الخصومة مادة دسمة لرواة الأخبار ومؤلفي كتب الحكايات والنوادر ، لنسبة حوادث وحكايات ، منها ما يرفع من شأن أبي حنيفة ، ومنها ما يضع من سمعته ، وأكثرها ملفق مختلق ، موضوع للمسامرة والتندر من قبل محبيه أو كارهيه على السواء ، الأمر الذي يجعلها عديمة القيمة العلمية في نظر العلماء والباحثين .

                      فـ"جولدتسيهر" أعرض عن كل ما دون من تاريخ أبي حنيفة تدويناً علمياً ثابتاً ، واعتمد رواية مكذوبة ليدعم بها ما تخليه من أن السنة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى .

                      2- أعرض المستشرق "جولدتسيهر" عما أجمعت عليه كتب الجرح والتعديل وكتب التاريخ ، من صدق الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله (50-124هـ)، وورعه وأمانته ودينه ، وزعم أن الزهري لم يكن كذلك ، بل كان يضع الحديث للأمويين ، وهو الذي وضع حديث : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلخ..) لعبد الملك بن مروان ، وكل حجته أن هذا الحديث من رواية الزهري ، وأن الزهري كان معاصراً لعبد الملك ابن مروان!!.

                      3- يحاول المستشرقون أن يؤكدوا تعالي العرب الفاتحين عن المسلمين الأعاجم ، وانتقاصهم من مكانتهم ، وغرض المستشرقين من هذا إفساد قلوب المسلمين من غير العرب على المسلمين من العرب ، لإقامة الحواجز القومية بينهم .

                      يقول المستشرق "بروكلمان" في كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" :

                      "وإذا كان العرب يؤلفون طبقة الحاكمين فقد كان الأعاجم من الجهة الثانية هم الرعية ، أي : القطيع . وجمعها رعايا كما يدعوهم ، وهو تشبيه سامٍ قديم كان مألوفاً حتى عند الآشوريين".

                      لقد تجاهل "بروكلمان" جميع الوثائق التاريخية التي تؤكد عدالة الفاتحين المسلمين ، ومعاملتهم أفراد الشعب على السواء ، من غير تفرقة بين عربي وغيره ، وتعلق بلفظ "الرعية" تعلقاً لغوياً ، واستنتج منها أن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظر القطيع من الغنم ، ولو رجعنا إلى مادة "رعى" في قواميس اللغة وجدناها تقول كما يلي : "الراعي : الوالي . والرعية : العامة . ورعى الأمير رعيته رعاية . وكل من ولي أمر قوم فهو راعيهم ، وهم رعيته ، فعيلة بمعنى مفعول . وقد استرعاه إياهم استحفظه . واسترعيته الشيء فرعاه" .

                      فالراعي في اللغة يطلق على رئيس القوم وولي أمرهم ، كما يطلق على راعي الغنم ، والرعية تطلق في اللغة على القوم ، ومن معاني الرعاية الحفظ والإحسان .

                      فإطلاق لفظ الرعية على القوم وضع لغوي ، ولم يجعل المسلمون إطلاق هذه الكلمة خاصاً بالأعاجم ، بل إطلاقها شامل كل قوم عرباً كانوا أو عجماً ، تبعاً للوضع اللغوي ، والأحاديث في ذلك كثيرة معروفة ، منها قول الرسول في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره : "ألا كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم ، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسوؤل عنه ، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".

                      قال الحافظ ابن حجر في كتابه "فتح الباري 13/96" لدى شرحه هذا الحديث : "والراعي : هو الحافظ المؤتمن صلاح ما اؤتمن على حفظه ، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه".

                      وقد جاء أيضاً إطلاق الرعية على المسلمين في الحديث الذي رواه البخاري وغيره : "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين ، فيموت وهو غاشٌّ لهم إلا حرم الله عليه الجنة".

                      فكيف أغمض "بروكلمان" عينيه عن هذا كله ، واستجاز لعلمه أن يدعي بأن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع ، وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ الرعية؟

                      أليس هذا خيانة علمية ، وتضليلاً مكشوفاً ؟.

                      أين ادِّعاؤه هذا من النصوص الكثيرة التي ألغت الفوارق القومية والعرقية واللونية ، وجعلت المسلمين جميعاً سواسية في الحقوق العامة؟.

                      إن الهوى الجانح والغرض المريض يعميان البصائر عن رؤية الحق ، ويصمان الآذان عن سماعه .

                      4- زعم المستشرق "مايور" كما نقله عنه "مرجليوث" أن أهل البدو كانوا كثيري الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان ، أن النبي مارس هذا الفن حتى نبغ فيه .

                      وهذا يعطينا صورة عن موازين البحث الفاسدة عند هؤلاء ، حينما يبحثون المسائل المتعلقة بالإسلام .

                      إن المسألة هنا عند "مايور" تقوم على استنتاج وهمي من أمرٍ لم يقع ، فلا العرب كانوا يتعلمون البلاغة ، ولا كانت لها مدارس وتلامذة يضعون قواعدها ، ولا النبي عرف عنه قبل النبوة فعل ذلك ، وليس بين أيدينا نص واحد يثبته ، بل إن المؤكد أن الرسول لم ينقل عنه أثر من نثر أو شعر قبل النبوة ، وقبل أن يتنزل عليه القرآن الكريم .

                      5- يفرط المستشرقون في اختراع العلل والأسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعاً ليس له سند إلا التخيل والتحكم ، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا أنهم يتخليون أحداث الشرق والعرب والمسلمين وعاداتهم وأخلاقهم ، بأوهامهم وخيالاتهم الغريبة البعيدة عن واقع حال الشرق والعرب والمسلمين ، ولا يريدون أن يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها وأذواقها وعاداتها .

                      وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم "ناصر الدين دينيه" في حديثه عن أسلوب المستشرقين وموازينهم في الحكم على الأشياء ، مما جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضاً واضحاً في الحكم على شيء واحد ، كل ذلك لأنهم حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوروبية ، فضلوا بذلك ضلالاً بعيداً، لأن هذا غير هذا ، ولأن المنطق الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين .

                      قم قال : إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النبي بهذا الأسلوب الأوروبي البحث ، لبثوا ثلاثة أرباع قرن يدققون ويمحصون بزعمهم ، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيهم ، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة والروايات المشهورة من السيرة النبوية ،فهل تسنى لهم شيء من ذلك؟

                      الجواب : أنهم لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد ، بل إذا أمعنا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون ، من فرنسيين وإنكليز وألمان وبلجيكيين وهولنديين وغيرهم لا نجد إلا خلطاً وخبطاً ، وإنك لترى كل واحدٍ منهم يقرر ما نقضه غيره من هؤلاء المدققين بزعمهم ، أو ينقض ما قرره .

                      ثم أخذ "دينيه" يورد الأمثال على هذه المتناقضات، وختم كلامه بقوله :

                      "وإن أردنا استقصاء هذه المتناقضات التي نجدها بين تمحيصات هؤلاء الممحصين بزعمهم يطول بنا الأمر ، ولا نقدر أن نعرف أية حقيقة ، ولا يبقى أمامنا إلا أن نرجع إلى السيرة النبوية التي كتبها العرب ، فأما المؤلفون الذين زعموا أنهم يريدون ترجمة محمد بصورة عملية شديدة التدقيق ، فلم يتفقوا منها ولو على نقطة مهمة ، وبرغم جميع ما نقبوه ونقروه ، وحاولوا كشفه بزعمهم ، فلم يصلوا ولن يصلوا إلا إلى تمثيل أشخاص في تلك السيرة ،ليسوا أعرق في الحقيق الواقعية من أبطال أقاصيص "فالترسكوت" و"اسكندردوماس" فهؤلاء القصاص تخيلوا أشخاصاً من أبناء جنسهم يقدرون أن يفهموهم ، ولم يلحظوا إلا اختلاف الأدوار بينهم ، أما أولئك المستشرقون فنسوا أنه كان عليهم قبل كل شيء أن يسدوا الهوة السحيقة التي تفصل بين عقليتهم الغربية والأشخاص الشرقيين الذين يترجمونهم ،وأنهم بدون هذه الملاحظة جديرون بأن يقعوا في الوهم في كل نقطة .

                      تلخيص موازين البحث عندهم

                      ويمكن تلخيص موازين البحث عند المستشرقين في الموضوعات الإسلامية بما يلي :

                      1- تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلمين , والتعصب الأعمى للنصرانية ، وللشعوب والأمم المنتمية إليها .

                      2- وضع الفكرة مقدماً ثم البحث عن أدلة تؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية ، ولو اضطرهم الأمر إلى اعتماد أسلوب المغالطات والأكاذيب ، واقتطاع النصوص ، وهذا عكس المنهج العلمي الاستدلالي السليم .

                      3- تفسير النصوص والحوادث والوقائع والنيات والغايات تفسيراً لا تتفق مع دلالاتها وأماراتها الحقيقة ، ولا مع النتائج التي أثبتها تاريخ الأمة الإسلامية .

                      4- تضخيم الأخطاء الصغر ، وجعلها تطغى على ساحة صورة تاريخ المسلمين ، وطمس الصور الرائعة المشرقة في هذا التاريخ .

                      5- تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أمة مهما عظمت كمالاتها ، ووضعها في صورة واحدة ، وتقديمها على أنها هي كل صورة تاريخ المسلمين .

                      6- تصيد الشبهات التي يشتبه وجه الحق فيها على كثير من الناس . ولا يستبين لهم ما لم يمتحنوها بالتجارب الطويلة ، وإثارة الانتقادات حولها ، وتحريك الزوابع المملوءة بالغبار وما تحمله من قمامات . وفي ذلك يستغلون أنانيات النفوس وأهواءها وشهواتها ،ويستغلون شعارات خادعات براقة المظهر ، زخرفية القول ، كشعار حرية المرأة .

                      7- اعتماد ما يوافق هواهم من كل خبر ضعيف ، ورأي مردود شاذ ، وقول ساقط لا سند له من عقل ولا نقل صحيح .

                      8- رفض الحق بالنفي المجرد ، الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم .

                      9- تفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالمنظار الذي يفسرون به التاريخ الغربي والحضارة الغربية ، مع تباين الواقعين عقيدة ونظاماً وشريعة ، وبيئة ودوافع تبايناً كلياً .

                      10- استنباط القواعد الكلية العامة من الحوادث الفردية الجزئية ، التي لا يصح منطقياً تعميمها .

                      11- الاعتماد على الوهم المجرد لتفسير الأمور والوقائع .

                      12- قياس المؤمن المسلم الذي يخشى الله على الذين لا تردعهم روادع دين ولا خلق .

                      وتفسيرهم لسلوك المسلمين أفراداً وجماعات بأنه مدفوع بأغراض شخصية ، ونوازع نفسية دنيوية ، وليس أثراً لدافع ابتغاء مرضاة الله وثواب الآخرة .

                      ( 8 )

                      الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين


                      رافق جهود المستشرقين فتنة المسلمين بالحضارة المادية الغربية ، ووقعهم فريسة خطط التحويل عن طريق برامج التعليم ومناهجه وأساليبه ومضامينه في كل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية والعلوم الدينية والعربية وفتنة المسلمين بالشهادات التي تمنحها الجامعات الغربية ، لا سيما شهادات الماجستير والدكتوراه ، يضاف إلى ذلك غزو آخر ماكر ، جعل الجامعات في بلاد المسلمين تحصر المراتب العلمية فيها بحملة هذه الشهادات العليا ، وتؤثر وتقدم حامليها من الجامعات الغربية على حامليها من الجامعات الإسلامية ، ووضعت بهذا الغزو الماكر شروط خاصة وشكليات معينة للتدريس في هذه الجامعات ، وهذه الشروط والشكليات تحجب عن التدريس فيها الذين لا يحملون الشهادات العليا ، مهما كانوا على درجة كبيرة من العلم ، وتدفع إلى احتلال مراكز التعليم ونيل الألقاب الكبيرة حملة هذه الشهادات ، وإن كانوا فارغين من العلم ، ومحرومين من الإخلاص لدينهم وأمتهم ، وإن كانوا أدوات لتنفيذ خطط الأعداء داخل بلادهم .

                      مع أن الشهادات العليا الجارية على أصولها دون غش ولا تزوير ، إنما هي أول الطريق الذي يهيئ للدارس الجاد وسائل متابعة المعرفة ، فإما أن يبدأ الدارس –بعمله الذاتي- تكوين نفسه بالبحث الجاد الدؤوب ، وإما أن يجعل الشهادة غاية ينتهي عندها ، ويقف عند حدودها .

                      وقد أعلن هذه الحقيقة البروفيسور "ارنولدون" إذ يقول كما جاء في كتاب : Revol Against Reason Prof. مطبوعة لندن عام 1948 ص192 :

                      "إن عصرنا هو عصر عقدة الشهادات ، فالماجستير والدكتوراه أصبحت غاية في حد ذاتها لشبابنا ، ولكن كل ينسى هذه الحقيقة : وهي أن الماجستير والدكتوراه ما هي إلا حروف الأبجدية الأولى لبداية المعرفة ، والمعرفة لا يمكن تخزينها في زجاجة الماجستير أو الدكتوراه . إن هذه لنظرة مزيفة ،جامعاتنا هي فقط مؤسسات علمية لإعداد الطلبة ليتعرفوا على كيفية التحصيل العلمي والمعرفة" ا هـ.

                      وقد أدرك المبشرون والمستشرقون عقدة الشهادات في البلاد الإسلامية ، فوجهوا توصيتهم للجامعات الغربية ، بشراء من يستطيعون شراءه من أبناء المسلمين بالشهادات ، فقد جاء ما يلي في كتاب المشكلة الشرقية Eastern Problem London. 1957-P.149 :
                      " لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تماماً ، ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية ، فيجب أن تختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة والشخصية الممزقة والسلوك المنحل من الشرق ولا سيما من البلاد الإسلامية ، وتمنحهم المنح الدراسية ، حتى تبيع لهم الشهادات بأي سعر ، ليكونوا المبشرين المجهولين لنا ، لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبوا إليه في البلاد الإسلامية . إن اعتقادي لقوي بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالاً تاماً جنون الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات . واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا ومآربنا باسم تهذيب المسلمين والإسلام".

                      تحت كل هذه المؤثرات المتعددة اندفع فريق من أبناء المسلمين إلى الجامعات الغربية ، لنيل شهادة الماجستير والدكتوراة في مختلف العلوم ، بما في ذلك العلوم الدينية والعلوم العربية ، والعلوم الإنسانية والاجتماعية ، التي أولاها المستشرقون عناية خاصة ، لجعلها شبكة مقنعة لاصطياد أبناء المسلمين ، وبنائهم بناء جديداً ، يجعلهم خدام أغراض الاستشراق وأغراض التبشير والاستعمار ، في أفكارهم ومفاهيمهم وفي أعماله وتنظيماتهم ، داخل بلاد المسلمين من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون ، ويمنحونهم الشهادات العليا ، والألقاب العلمية الكبيرة ، لأقل بحث يكتبونه في غير العلوم البحتة ، ويربطون من يربطون منهم بوسائلهم الكثيرة ، الموصولة بأجهزتهم المستورة ، ويعودون إلى بلادهم وقد امتلأت نفوسهم غروراً ، يضاف إلى ذلك ما تعرضوا إليه من تحول في السلوك ، ضمن البيئات الغربية التي أقاموا فيها خلال فترة التحصيل , وافتتان بمظاهر الحضارة المادية التي شاهدوها .

                      وسقطت معظم الجامعات المنشأة في بلاد المسلمين تحت الأيدي الخفية للاستشراق والتبشير والدوائر الاستعمارية ، وغدت خططها ومناهجها وتوجيهاتها تخضع بطريق غير مباشر لما تفرضه وتمليه هذه الأيدي الخفية ، وغدت الكنيسة الغربية تفخر بأن العلوم الإسلامية والعلوم العربية تدرس على طريقتها التي تخدم أغراضها في بلاد المسلمين ، وبأن المشرفين على تدريس هذه العلوم من تلامذة أبنائها .

                      وأي انتكاس أقبح من هذا الانتكاس ، أن يتعلم المسلمون دينهم ولغاتهم وفق طرائق أعدائهم وأعداء دينهم ، ووفق دسائسهم وتشويهاتهم وتحويراتهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم .

                      هل يقبل اليهود والنصارى أن يتعلموا أصول ديانتهم وفروعها على أيدي علماء المسلمين وأن يأخذوا منهم الشهادات لذلك؟.

                      فما بال المسلمين يسقطون من هذا الانتكاس الشائن؟ إن الاستعمار المادي المباشر أهون من هذا اللون من ألوان الاستعمار ، الذي وصل إلى القاعدة الكبرى التي تقوم عليها الأمة الإسلامية ، وهي قاعدة دينها وعلومها المتصلة بهذا الدين.

                      وتأثر كثيرون من الذين درسوا في الجامعات الغربية من أبناء المسلمين بدراسات المستشرقين، وانخدعوا بأساليبهم, وأخذوا يرددون شبهاتهم ويروجون لها بين المسلمين ويعتبرونها حقائق علمية مسلماً بها، وأخذوا يعلمونها طلابهم من المسلمين، ويكتبون فيها المؤلفات العديدة، وتعمل الدوائر الاستعمارية على ترويج هذه الكتب، ودعم مؤلفيها، ودفعهم بأيد خفية إلى أعلى مراكز الإدارة والتوجيه داخل بلادهم، للاستفادة منهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار، وفي تهديم الإسلام وتشويه تاريخ المسلمين .

                      وغدا كثير من الكتاب في العلوم الإسلامية، وفي التاريخ الإسلامي، وفي اللغة العربية، لا يرجع إلا إلى ما كتبه المستشرقون، ويعتبرون ذلك أفضل المصادر التي يرجعون إليها، أما المصادر الإسلامية فلا يكلفون نفوسهم عناء الرجوع إليها، ولا البحث فيها، ثقة عمياء بما كتبه المستشرقون، أو خدمة مأجورة لما توجههم له الدوائر الاستعمارية، وأجهزة الاستشراق، وجمعيات التبشير.

                      ومن غريب الأباطيل التي يروجها المستشرقون ما حدثنيه الأستاذ الدكتور (وصفي أبو مغلي ) عن صديقه وأستاذه الدكتور (بحر محمد بحر) وهو سوداني ويعمل مدرساً في جامعة عين شمس في مصر، أنه حينما كان يدرس في انجلترا، قال أحد المدرسين وهو يتحدث عن الحضارة الإسلامية : كان إله محمد الناقة التي كان يركبها، والدليل على ذلك أنه حينما هادر إلى المدينة ودعاه أهلها للنزول عندهم قال لهم : دعوا الناقة حيث تبرك، فاستدل من ذلك على أنه كان يعبد الناقة ويتلقى منها الوحي.

                      هل يحتاج مثل هذا التضليل إلى تعليق أكثر من إطلاق ضحكات سخرية وتعجب؟!.

                      شهادة صدق

                      عرض الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله لقاءاته المباشرة لعدد من المستشرقين في جولة طاف فيها على أكثر جامعات أوربا عام (1956 م)، وما جرى بينه وبينهم من أسئلة ومناقشات، واستخلص من هذه الجولة النتائج التالية :

                      أولاً : أن المستشرقين – في جمهورهم- لا يخلو أحدهم من أن يكون قسيساً أو استعمارياً أو يهودياً، وقد يشذ عن ذلك أفراد.

                      ثانياً : أن الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية _ كالدول السكندنافية _ أضعف منه عند الدول الاستعمارية.

                      ثالثاً : أن المستشرين المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يتخلون عن "جولدتسيهر" وأمثاله المفضوحين في تعصبهم.

                      رابعاً : أن الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة، وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جنباً إلى جنب، ويلقى منهما كل تأييد.

                      خامساً أن الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية، من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين.

                      ففي فرنسا لا يزال "بلاشير" و"ماسينيون" وهما شيخا المستشرقين الفرنسيين في وقتنا الحاضر يعملان في وزارة الخارجية الفرنسية، كخبيرين في شؤون العرب والمسلمين.

                      وفي إنكلترا رأينا أن الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن وأكسفورد وكمبردج وأدنبرة وجلاسكو وغيرها، ويشرف عليه يهود وإنكليز استعماريون ومبشرون، وهم يحرصون على أن تظل مؤلفات "جولدتسيهر" و"مرجليوث" ثم "شاخت" من بعدهما، هي المراجع الأصلية لطلاب الاستشراق من الغربيين، وللراغبين في حمل شهادة الدكتوراة عندهم من العرب والمسلمين، وهم لا يوافقون على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام، وكشف دسائس أولئك المستشرقين.
                      وأثبت في غضون مقاله أسماء أخطر المستشرقين المعاصرين وأهم في رسالة صادرة عن دار البيان في الكويت عام (1387هـ).

                      أما لقاءاته للمستشرقين فقد ذكر فيها عليه رحمة الله ما يلي، تحت عنوان: (مع المستشرقين وجهاً لوجه في أوروبا):

                      "لقد كنت كتبت عن المستشرقين كلمة موجزة في كتابي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" قبل أن أزور أكثر جامعات أوربا عام (1956م) وأختلط بهم وأتحدث إليهم وأناقشهم. فلما تم لي ذلك ازددت إيماناً بما كتبته عنهم، واقتناعاً بخطرهم على تراثنا الإسلامي كله سواء كان تشريعياً أم حضارياً، لما يملأ نفوسهم من تعصب ضد الإسلام والعرب والمسلمين.

                      كان أول من اجتمعت بهم هو البروفسور "أندرسون" رئيس قسم قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في العالم الإسلامي – في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن – وهو متخرج من كلية اللاهوت في جامعة "كمبردج"، وكان من أركان حرب الجيش البريطاني في مصر خلال الحرب العالمية الثانية ـ كما حدثنا هو بذلك عن نفسه ـ, تعلم اللغة العربية من دروس اللغة العربية التي كان يلقيها بعض علماء الأزهر في الجامعة الأميركية في القاهرة، ساعة واحدة في كل أسبوع لمدة سنة واحدة. كما تعلم العامية المصرية من اختلاطه بالشعب المصري حين توليه عمله العسكري الآنف الذكر، وتخصص في دراسة الإسلام من المحاضرات العامة التي كان يلقيها المرحوم "أحمد أمين" والدكتور "طه حسين" والمرحوم الشيخ "أحمد إبراهيم". ثم انتقل من الخدمة العسكرية بعد الحرب إلى رئاسة قسم قوانين الأحوال الشخصية في جامعة (لندن) كما ذكرنا.

                      لا أريد أن أذكر أمثلة عن تعصبه ضد الإسلام وقد حدثني كثيراً ذلك المرحوم الدكتور (حمود غرابة) مدير المركز الثقافي الإسلامي في لندن حينذاك.

                      ولكني أكتفي بأن أذكر ما حدثني به البروفسور "أندرسون" نفسه، من أنه أسقط أحد المتخرجين من الأزهر، الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة لندن، لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام، وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك، وسألت هذا المستشرق : وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب، وأنتم تدعون حرية الفكر في جامعاتكم ؟ قال:
                      لأنه كان يقول : الإسلام يمنح المرأة كذا، والإسلام قرر للمرأة كذا, فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟ هل هو أبو حنيفة أو الشافعي حتى يقول هذا الكلام ويتكلم باسم الإسلام؟ إن آراءه في حقوق المرأة لم ينص عليها فقهاء الإسلام الأقدمون، فهذا رجل مغرور بنفسه حين ادعى أنه يفهم الإسلام أكثر مما فهمه أبو حنيفة والشافعي.

                      وزرت جامعة أدنبرة "اسكتلندة"، فكان المستشرق الذي يرأس الدراسات الإسلامية فيها قسيساً بلباس مدني ، وقد وضع لقبه الديني مع اسمه على باب بيته .

                      وفي جامعة "جلاسكو" (استكلندة أيضاً) كان رئيس الدراسات العربية فيها قسيسا عاش رئيساً للإرسالية التبشيرية في القدس قرابة عشرين سنة، حتى أصبح يتكلم العربية كأهلها. وقد حدثني بذلك عن نفسه في الزيارة، وكنت قد اجتمعت به قبل ذلك في المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي انعقد في "بحمدون" (لبنان) عام (1954م) .

                      وفي جامعة أكسفورد وجدنا رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهودياً يتكلم العربية ببطء وصعوبة، وكان أيضاً يعمل في دائرة الاستخبارات البريطانية في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهناك تعلم العربية العامية، ثم عاد إلى بلاده انكلترا ليرأس هذا القسم في جامعة اكسفورد. ومن العجيب أني رأيت في منهاج دراساته التي يلقيها على طلاب الاستشراق : تفسير آيات من القرآن الكريم من الكشاف للزمخشري – وهو لا يحسن فهم عبارة بسيطة في جريدة عادية – ودراسة أحاديث من البخاري ومسلم، وأبواب من الفقه في أمهات كتب الحنفية والحنابلة، وسألته عن مراجع هذه الدراسات: فأخبرني أنها من كتب المستشرقين أمثال : جولدتسيهر؛ ومرجليوث، وشاخت، وحسبك بهؤلاء عنواناً على الدراسات المدخولة المدسوسة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين.

                      أما في جامعة كمبردج فكانت رئاسة قسم الدراسات العربية والإسلامية فيها للمستشرق المعروف "آربري" واختصاصه في اللغة العربية فحسب. وقد قال لي – خلال أحاديثي معه _: بأننا نحن المستشرقين نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام، ومن الواجب أن لا نخوض في هذا الميدان، لأنكم _ أنتم المسلمين العرب – أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث, وربما قال هذه مجاملة أو اعتقاداً منه بصحته.

                      وفي مانشستر (انكلترا) اجتمعت بالبروفسور "روبسون" وكان يقابل سنن أبي داود على نسخة مخطوطة، وله كتابات في تاريخ الحديث، يتفق فيها غالباً مع آراء المستشرقين المتحاملين، وقد حرصت على أن أبين له أن الدراسات الاستشراقية السابقة فيها تحامل وبعد عن الحقيقة, وتعرضت لآراء جولدتسيهر, وأثبت له أخطاءه التاريخية والعلمية، فكان مما أجاب به عنه: "لا شك أن المستشرقين في هذا العصر أكثر اطلاعاً على المصادر الإسلامية من جولدتسيهر نظراً لما طبع ونشر وعرف من مؤلفات إسلامية كانت غير معلومة في عصر جولدتسيهر".
                      فقلت له: أرجو أن تكون أبحاثكم – المستشرقين – في هذا العصر أقرب إلى الحق والإنصاف من جولدتسيهر، ومرجليوث، وأمثالها .
                      فقال: أرجو ذلك .
                      سوفي جامعة "ليدن" بهولندا اجتمعت بالمستشرق الألماني اليهودي "شاخت" وهو الذي يحمل في عصرنا هذا رسالة "جولدتسيهر" في الدس على الإسلام، والكيد له، وتشويه حقائقه، وباحثته طويلاً في أخطاء "جولدتسيهر" وتعمده تحريف النصوص التي ينقلها عن كتبنا، فأنكر ذلك أول الأمر، فضربت له مثلاً واحداً مما كتبه جولدتسيهر – وكنا نجلس في مكتبته الخاصة _فقال: معك الحق، إن جولدتسيهر أخطأ هنا. قلت له: هل هو مجرد خطأ؟ فاحتد وقال : لماذا تسيؤون الظن به ؟ فانتقلت إلى بحث تحليله لموقف الزهري من عبد الملك ابن مروان، وذكرت له من الحقائق التاريخية ما ينفي ما زعمه جولدتسيهر وبعد مناقشة في هذا الموضوع قال: وهذا خطأ أيضاً من جولدتسيهر، ألا يخطئ العلماء ؟ قلت له: إن جولد تسيهر هو مؤسس المدرسة الاستشراقية التي تبني حكمها في التشريع الإسلامي على وقائع التاريخ نفسه، فلماذا لم يستعمل مبدأه هنا حين تكلم عن الزهري ؟ وكيف جاز له أن يحكم على الزهري بأنه وضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاءً لعبد الملك ضد ابن الزبير ، مع أن الزهري لم يلق عبد الملك إلا بعد سنوات من مقتل ابن الزبير ؟ وهنا اصفر وجه "شاخت" وأخذ يفرك يدا بيد ، وبدا عليه الغيظ والاضطراب ، فأنهيت الحديث معه بأن قلت له : لقد كان مثل هذه "الأخطاء" كما تسميها أنت ، تشتهر في القرن الماضي ، وينتاقلها مستشرق منكم عن آخر على أنها حقائق علمية ، قبل أن نقرأ –نحن المسلمين- تلك المؤلفات إلا بعد موت مؤلفيها ، أما الآن فأرجو أن تسمعوا منا ملاحظاتنا على "أخطائكم" لتصححوها في حياتكم قبل أن تتقرر كحقائق علمية .

                      ومن الملاحظ أن هذا المستشرق كان يدرس في جامعة القاهرة – فؤاد سابقا – وله مؤلف في تاريخ التشريع الإسلامي كله دس وتحريف ، على أسلوب شيخه جولدتسيهر .

                      وفي جامعة "أبسلا" في السويد التقيت بالشيخ المستشرق "نيبرج" وهو الذي كان قد أشرف على تصحيح كتاب "الانتصار لابن الخياط" – على ما أظن – وطبعته قديما "لجنة التأليف والترجمة في القاهرة" ، وجرى بيني وبينه حديث طويل كان أكثره حول أبحاث المستشرقين ومؤلفاتهم عن الإسلام وتاريخه ، وجعلت "جولدتسيهر" محور الحديث عن المستشرقين ، وذكرت له أمثلة من أخطائه وتحريفه للحقائق ، فكان مما قاله بعد ذلك : إن جولدتسيهر كان في القرن الماضي ذا شهرة علمية ، ومرجعا للمستشرقين ، أما في هذا العصر – بعد انتشار الكتب المطبوعة في بلادكم عن العلوم الإسلامية – فلم يعد جولدتسيهر مرجعا كما كان في القرن الماضي .. لقد مضى عهد جولتسيهر في رأينا .

                      وقد أتيح لي خلال تلك الرحلة أن أواصل زيارة الجامعات عدا ما ذكرته منها في عواصم كل من : (بلجيكا) و (الدانيمرك) و (النرويج) و (فنلندا) و (ألمانيا) و (سويسرا) و (فرنسا) ، واجتمعت بمن كان موجودا فيها حينئذ من المستشرقين".

                      ( 9 )

                      مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالها


                      مما كتب الأستاذ "إبراهيم خليل أحمد" في كتابه "المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي" أستفيد المقارنة التالية ، ومن الجدير بالذكر أن المذكور قد كان قسيساً وعاملاً في مضمار التبشير بالمسيحية بين المسلمين ، ثم هداه الله إلى اعتناق الإسلام ، فهو ذو خبرة مباشرة بالعمل التبشيري ، وعلى اطلاع حسن بأعمال المستشرقين وأهدافهم ، وقد كشف بعد اعتناقه الإسلام كثيرا من الحقائق التي يعرفها ، وقدم بها شهادة عارف خبير .

                      أ- التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم الاستعمار ، وعملاء التبشير والاستشراق عملاء للاستعمار وخدام لسياسته ، وإن ظهروا بوجوه مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد منه .

                      ب- تقاسم التبشير والاستشراق والاستعمار جوانب الأعمال المقررة في الخطة العامة لغزوة الإسلام والمسلمين وديار الإسلام .

                      فحمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية ، وادعى لبحثه الطابع العلمي العالي ، واستخدم الكتابة والتأليف وإلقاء المحاضرات ، والمناقشات في المؤتمرات العلمية العامة ، وكراسي التدريس في الجامعات . فألف المستشرقون المؤلفات الكثيرة ، وألقوا المحاضرات والدروس الكثيرة ، وجمعوا الأموال ، وأنشأوا الجمعيات الاستشراقية ، وعقدوا المؤتمرات ، وأصدروا الصحف والمجلات ، وسلكوا مسالك أخرى كثيرة ، مما رجوا أن يحقق أهدافهم .

                      وحمل التبشير أعباء الدعوة الجماهيرية ، في حدود مظاهر العقلية العامة ، التي تتناسب مع مفاهيم الجماهير ، استخدم وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة ورياض الأطفال والمراحل الابتدائية والثانوية للبنين والبنات ، واستخدم أيضا إنشاء المؤسسات الخيرية التي تتظاهر بالعمل الخيري ، كالمستشفيات ، ودور الضيافة ، والملاجئ للكبار ، ودور الأيتام ، وكان له نشاط دعائي عن طريق الطباعة والنشر والأعمال الصحفية .

                      ج- استطاع الأمريكيون تحت لواء الامتيازات الممنوحة للأجانب ، وباسم الصداقة للشعوب الآسيوية الأفريقية أن يغزوا آسيا وأفريقية بوفود المبشرين والمستشرقين ، واستطاعوا بأموالهم أن يؤسسوا لهم مراكز تبشيرية وعلمية كثيرة في العالم الإسلامي .

                      د- يسير العمل التبشيري في البلاد التي تتمتع باستقلالها وحريتها مستخدما أسلوب الدهاء المكر ، وذلك باستخدام تلاميذ المبشرين والمستشرقين من الوطنيين ، حتى لا يصطدموا بقوانين البلاد فيكرهوا على الرحيل الفوري .

                      هـ - استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية ليقوم بمهماته وهو آمن على نفسه ، واستعان بأفكار ومؤلفات المستشرقين .

                      و- ينقسم العمل التبشيري ثلاثة أقسام :

                      1- التبشير بين الجماعات : وهذا يحدث بالمدارس والمستشفيات والندوات الدينية العامة .

                      2- التبشير مع الفرد الواحد : وهذا يحتاج إلى مثابرة وصبر واستعداد للترحاب بالضيف ، وإظهار كل إمكانيات الود والصداقة ، حتى يأنس إليه الفرد ويثق به ،وهنا يصبح آلة مسخرة يكيفها المبشر كما يشاء ، ويصل بها إلى النصرانية طواعية واختياراً .

                      3- العمل التبشيري الصامت : ويكون هذا بتوزيع الكتاب المقدس ، وتوزيع النشرات الدينية ، والصور ، والأيقونات .

                      ز- من الكتب الجدلية التي يستعين بها المبشر للوصول إلى غايته ما يلي :

                      1- كتاب "ميزان الحق" للدكتور فاندر المستشرق الأمريكي ، والدكتور سنكلير تسدل .
                      2- كتاب "الهداية" ويقع في أربع أجزاء ، وهو يشتمل على مطاعن كثيرة للإسلام والقرآن الكريم .
                      3- كتاب "مقالة في الإسلام" تأليف المستشرق الدكتور سال .
                      4- كتاب "مصادر الإسلام" تأليف الدكتور سنكلير تسدل .

                      وهذه الكتب الأربعة تعتبر للمستشرقين والمبشرين من أخطر المراجع ، للهجوم على الإسلام والقرآن والرسول محمد صلوات الله عليه .

                      ح – نجح التبشير والاستشراق والاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية بتربية أجيال متعاقبة ، لا تفقه الإسلام ، ولا تحفظ القرآن إلا آيات معدودة ، ولذا كان من اليسير جداً غزوهم غزواً فكرياً واسعاً .

                      ط- يدعو المبشرون والمستشرقون إلى قراءة الكتب ضمن الخطط التي يرسمونها ، فيؤسسون المكتبات العامة ، ويؤثثونها بكل وسائل الراحة للقراء والمطالعين ، ويزودونها بمختلف أنواع الكتب في شتى العلوم والفنون ، وبدار طباعة لطبع جريدة أسبوعية باسم الصداقة ، ويرسلونها إلى المترددين على مكتباتهم العامة ، ويستغلون المكتبة في القيادة التوجيهية للمترددين عليها ، ويعملون مسابقات في المطالعة بتلخيص مجموعة في المكتب تختار من بين مجموعة تعرضها لجنة المكتبة ، ويمنحون جوائز تشجيعية في حفل رائع للفائزين .

                      ي- لم يكن المبشرون ولا معظم المستشرقين يوما ما ينصفون الحقيقة العلمية للعلم بل كانت أبحاثهم موسومة بصورة واضحة من أسس عقائدهم ، ومقاصدهم الخبيثة .

                      ك- سلك المبشرون والمستشرقون كل مسلك ظنوه محققاً لأهدافهم ، واستطاعوا أن يتسللوا إلى المجمع اللغوي بمصر ، والمجمع العلمي بدمشق ، والمجمع العلمي ببغداد ، كما تدخلوا – بتأييد من الاستعمار – في مجال التربية والتعليم محاولين غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين ، ونجحوا في هذا إلى حدٍ كبير .

                      فمن المستشرقين الذين اشتركوا في المجالات العلمية الرسمية المستشرقون التالية أسماؤهم :

                      1- هـ ا . ر . جب ، أكبر مستشرق إنكليزي ، وكان عضوا بالمجمع اللغوي بمصر ، وهو الآن أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة هارفارد الأمريكية ، ومن كبار محرري وناشري (دائرة المعارف الإسلامية) ، وله كتابات كثيرة فيها عمق وخطورة ، وهذا هو شر خطورته .

                      2- لوي ماسينيون ، أكبر مستشرق فرنسي معاصر ، وهو مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقية ، والراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر ، وكان عضوا بالمجمع اللغوي المصري ، والمجمع العلمي العربي بدمشق ، وهو متخصص في الفلسفة والتصوف الإسلامي .

                      3- د. س. مرجوليوث ، مستشرق إنكليزي متعصب ضد الإسلام ، ومن محرري (دائرة المعارف الإسلامية) ، كان عضواً بالمجمع اللغوي المصري ، والمجمع العلمي بدمشق .

                      4- ر. ا. نيكولسون ، كان من أكبر مستشرقي إنجلترا المعاصرين، ومن محرري (دائرة المعارف الإسلامية) ، تخصص في التصوف الإسلامي والفلسفة ، وكان عضواً بالمجمع اللغوي بمصر ، وهو من المنكرين على الإسلام أنه دين روحي ، ويصفه بالمادية وعدم السمو الإنساني .

                      5- جريفني ، الإيطالي ، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق .

                      6- جوتهيل ، الكولومبي ، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق .

                      7- جويدي ، الإيطالي ، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق .

                      8- جي سو ، الفرنسي ، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق .

                      9- نالينو ، الإيطالي ، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق ، وهو مشهور بكتاباته ضد الإسلام .

                      10- هارتمان ، ألماني الأصل ، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق ، ومن مؤلفاته : "الإسلام والقومية" .

                      11- م. هوتمان ، الهولندي ، وكان عضوا بالمجمع العلمي بدمشق ، ومن محرري (دائرة المعارف الإسلامية) .

                      ل- يعمل المستشرقون وفق خطط مدروسة ، إذ يجتمعون في هيئة مؤتمرات بين الحين والحين ، وكذلك يعمل المبشرون .

                      م- من المستشرقين نفر اشتغلوا بالآداب الشرقية والعربية والعلوم الإسلامية ، ثم ساروا بدراستهم إلى الموازنة بين الآداب الغربية وسمّوها وكمالها والآداب العربية (الإسلامية) وتخلفها عن ركب الحياة (كما يزعمون) .

                      ن- إذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر ، ثم اتصل من بعد ذلك بالمستعمرين ، فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك ، وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقظون دائما ، يحدقون بعيونهم ويصيخون بآذانهم إلى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات ، حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض سبيل نشاطهم وعملهم ، فهم في سرية أعمالهم كالجمعية الماسونية ، تنشد في الظاهر السلام العالمي ، لكنها دعوة سرية لاستتباب حكم التوراة في ربوع العالم .

                      س- يعتمد المستشرقون والمبشرون في تحقيق أهدافهم وتمويلها على ما تقوم به المؤسسات الدينية والسياسية والتجارية في الغرب ، وكان ملوك وأمراء أوربا وأثرياء أمريكا يحبسون أوقافاً لهذا ومنحاً لهذا العمل .

                      ( 10 )

                      المستشرقون يدركون قدرة الإسلام الذاتية


                      كتب المستشرق البريطاني البروفسور "مونتجمري وات" مقالاً في جريدة التايمز اللندنية في (8/3/1968م) جاء فيه :

                      "إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام ، فإنه من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى" .

                      واستطرد معبّراً عن قلقه بتأكيد قول أحد زملائه ، وهو المستشرق "السير هاملتون جيب" فقال :

                      "وكما نوه (السير هاملتون جيب): فإن هنالك احتمالاً من الحكمة للغرب أن لا يقلّل من شأنه ، ألا وهو ظهور الإسلام من جديد ، وكقوَّةٍ عالميّة".

                      * * *

                      من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                      Comment

                      • قسورة
                        عضو
                        • Nov 2005
                        • 157

                        #12


                        الفصْل الرابع

                        الاسْتِعْمَار وَالمُسْتَعْمِرُون


                        1- فكرة عامة عن بدء الاستعمار .
                        2- الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية العربية .
                        3- الاستعمار البريطاني للهند وآثاره .
                        4- أبرز أعمال الكيد التي قام بها الاستعمار في بلاد المسلمين .
                        5- وثيقة من دولة استعمارية لنصارى وطنيين .


                        ( 1 )

                        فكرة عامة عن بدء الاستعمار


                        1- كانت الامبراطوريات القديمة الرومانية والفارسية وغيرها إحدى مظاهر الاستعمار القديم ، وقد انهارت هذه الإمبراطوريات بظهور الدولة الإسلامية الكبرى الفاتحة ، تحمل لواء الإسلام ، وتدعو إلى عبادة الله وحده ، وتنادي بوحدة الأمة الإسلامية ، مهما اختلفت أعراقها ،ولغاتها وبلدانها ومواطنها من الأرض.

                        2- ولما دب الوهن في الأمة الإسلامية ، بابتعادها عن تطبيق أحكام الإسلام ، ودخول الاختلافات الفكرية المذهبية الاعتقادية في كتل كبرى من المنتمين إليه ، ودخول التنازل على السلطة ومطامع الحياة الدنيا في صفوف ذوي السلطان والمال والاستغراق في متاع الحياة الدنيا ، توجهت مطامع الدول الصليبية الأوروبية لمحاربة المسلمين ، بحجة استعادة الأرض المقدسة لدى النصارى في بلاد الشام .

                        3- وبعد حروب دامت قرابة قرنين من الزمان ، وخيبة الصليبيين في تحقيق أهدافهم ، وطرد المسلمين لهم ، وعودتهم إلى بلدانهم معتقدين أن ما خسروه في حروبهم شيء عظيم ، وأنه ما كان من مصلحتهم أن يغامروا فيما غامروا فيه طوال هذه الحروب –صرفوا النظر عن القيام بمغامرات جديدة مماثلة ، قبل أن يهيئوا شعوب الأمة الإسلامية لتقبل حكم الغرب ، وتقل سيادته عليهم ، دينياً ونفسياً واجتماعياً.

                        4- عندئذ تحولت النزعة الاستعمارية لدى الغربيين لاكتشاف مواطن في العالم غنية يمتلكونها ، ولا يصارعون لامتلاكها شعوباً تنتمي إلى الإسلام ، وتحميها مراكز القوة في العالم الإسلامية .

                        ومع بداية القرن الثالث عشر الميلادي (السادس الهجري) ظهر في الغرب ما يعرف بعهد الكشوف الجغرافية ، وقد تضافرت في الغرب عدة عوامل أدت إلى ظهور حركة الكشف الجغرافي ، أهمها العوامل التالية:

                        الأول : العامل السياسي ، وقد قوي مع ظهور الدولة الوطنية الحديثة ، ذات الرغبة الملحة في بسط سيطرتها على غيرها من الأمم والشعوب .

                        الثاني : العامل الاقتصادي ، الذي دفع الغربيين للتخلص من سيطرة المسلمين على الطرق البحرية التي تصل الغرب بالشرق ، والذي حرك أطماع الغربيين في الحصول على الذهب والأرض والعبيد .

                        الثالث : العامل الديني ، الذي كان له دور كبير في دفع حركة الكشف الجغرافي ، بغية نشر النصرانية ، وقد برز هذا العامل بوضوح لدى البرتغاليين ، والأسبانيين ، منذ القرن الرابع عشر الميلادي.

                        فبعد إخراج المسلمين من الأندلس صار لدى نصارى شبه جزيرة إيبريا رغبة قوية في مطاردة المسلمين خارجها . وانتقل نشاطهم إلى شمال إفريقية وغربها يتعقبون المسلمين . وراودتهم الآمال بإمكان محاصرة الإسلام عن طريق البحر ، وطعنه من الخلف ، ولا تزال مدينتا "سبتة" و"مليلة" المغربيتان ثغراً المغرب على البحر الأبيض المتوسط مستعمرتين من قبل الإسبان منذ ستة قرون .

                        وكان من أهداف البرتغاليين تحويل المسلمين في غرب إفريقية وفي غيرها من البلدان الآهلة بهم إلى النصرانية ، ومن المؤكد لدى المؤرخين أن الرغبة في نشر المسيحية ، ومعاداة الإسلام ، كانت من الحوافز التي دفعت المغامرين من البرتغال وأسبانيا لتحمل المشقات العظمية أثناء رحلاتهم .

                        وظل هذا الحافز الديني يوجه جهود المكتشفين والمستعمرين الأوروبيين ، وكان محل رضى عدد من البابوات ، فأصدروا مراسيم متلاحقة تخول ملوك الببرتغال وأسبانيا الحق في ملكية كل إقليم جديد ، وكل بحر جديد يتم اكتشافه في الحاضر والمستقبل . ووصف بعض البابوات في هذه المراسيم الإسلام بأنه "طاعون" وطالبوا ببذل أقصى الجهود لتنصير سكان المناطق التي اكتشفت أو سوف تكتشف ، والحيلولة بينهم وبين الإصابة بطاعون الإسلام .

                        وبذل البابوات نفوذهم الديني والأدبي لإغراء البحارة على الانخراط في سلك البعثات الكشفية ، وصاروا يعدون المشتركين في تلك الرحلات بالعفو يوم القيامة ، وبدخول الجنة .

                        وصدرت الأوامر البابوية برسم الصلبان على أشرعة السفن وكان المبشرون بالنصرانية من رجال الكنيسة يرافقون الرحلات الكشفية للقيام بمهمات التبشير .

                        5- وفي أواخر القرن الخامس عشر (1497-1499م) قام "فاسكوداجاما" بأول رحلاته المشهورة للوصول إلى الهند واجتاز رأس الرجاء الصالح ، واستعان بالملاح المسلم "شهاب الدين أحمد بن ماجد" في الوصول إلى ساحل "مليبار".

                        وهذه الرحلة فتحت الطريق أمام البرتغاليين للسيطرة على البحار الشرقية ، واحتكار تجارة الشرق ، ونقلها إلى أوربا عن طريق رأس الرجاء الصالح ، بعيداً عن الطرق الأخرى التي يسيطر عليها المسلمون .

                        6- ثم رأى البرتغاليون مصلحتهم في القضاء على المسلمين في هذه البحار التي يسيطرون عليها ، فقاموا بحملات تصادم مع المسلمين انتهت بسيطرتهم على هذه البحار الموصلة إلى الهند ، وإقامة مستعمرات هي بمثابة مراكز تجارية على السواحل .

                        وساعد البرتغاليين على تحقيق أغراضهم الاستعمارية في مواطن المسلمين واقع الانقسامات بين المسلمين ، والخلاف الشديد القائم بين الدولة العثمانية ،والدولة المملوكية في مصر والشام ، والدولة الصفوية في فارس .

                        7- وفي النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي كان البرتغاليون قد استولوا على مجموعة من الممتلكات على طول شواطئ شرق إفريقية وغربها وفارس والخليج العربي ، والمليبار وسيلان والهند الصينية وأرخبيل الملايو .

                        8- ومع أوائل القرن السادس عشر الميلادي اكتشف "كولمبس" باسم مملكة أسبانيا "العالم الجديد" الذي كان يظنه جزر الهند الشرقية ، ثم صار يعرف بجزر الهند الغربية ، وهي في الحقيقة من أمريكا الجنوبية .

                        ثم اتجه بعض الأسبان صوب أمريكا الشمالية ، في الوقت الذي كانوا يؤسسون فيه مستعمراتهم في أمريكا الوسطى ، وأمريكا الجنوبية ، ودخلوا الأقاليم المعروفة الآن باسم الولايات المتحدة الأمريكية . وظهر للأسبان مستعمرات واسعة في أمريكا .

                        9- يلخص المؤرخون نظام الاستعمار الأسباني في العالم الجديد بما يلي :

                        "قد عمل على إخضاع جماعات كبيرة العدد من الأهالي الهادئين النشيطين لحفنة قليلة من العسكريين والتجار المخاطرين ، الذين لم يكن لهم همٌُّ سوى جمع الثروة في أسرع وقت ممكن ، وأصبح ملايين الهنود تحت رحمة بضعة آلاف من الغزاة الجبابرة العتاة ، وفتح الأسبانيون مناجم غنية كان يعمل فهيا عشرات الألوف من الهنود حتى الموت .

                        أما سكان البلاد الأصليون والزنوج الذين جلبوا من الخارج عن طريق الاسترقاق القهري ، ومواليدهم ، فقد سخرهم الغزاة المستعمرون عبيداً أرقاء يعملون لهم في الأرض .

                        وتكدَّست الثروة في أيدي عدد قليل من الناس ، أما سائر الناس فهم في فقر وضنك من العيش" .

                        10- وفي أواخر القرن السادس العشري الميلادي بدأ الإنكليز يسيطرون على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية ، ويؤسسون فيه مستعمراتهم ، بعد انتصاراتهم على الأسطول الأسباني .

                        وبدأ الاستعمار الإنكليزي في العالم الجديد بعام (1578م).

                        ثم أخذت السفن الإنكليزية في القرن السادس عشر الميلادي تدخل البحر المتوسط ، بحثاً عن السع الشرقية والاتِّجار فيها .

                        ومع انتهاء هذا القرن أيقن الإنكليز أنه لا توجد وسيلة للوصول إلى ثروة الشرق إلا بمزاحمة البرتغاليين مباشرة في الأسواق الشرقية .

                        وتحولت الملاحة البريطانية من طرق البحر المتوسط إلى طريق رأس الرجاء الصالح .

                        وتأسست شركة الهند الشرقية الإنكليزية سنة (1600م) ، وحصلت على براءة ملكية تمنحها حق احتكار التجارة في المنطقة الواقعة إلى الشرق من رأس الرجال الصالح ، وحق شراء الأراضي في هذه المنطقة .

                        ونزل الإنكليز أيضاً في إفريقية الغربية ، وتأسست الشركة الإفريقية عام (1618م) .

                        وسيطر الإنكليز على الهند عن طريق شركة الهند الشرقية البريطانية عام (1748م) حتى عام (1858م) ، ثم أخضعتها بريطانيا لإدارتها المباشرة .

                        11- وشاركت فرنسا متأخرة في حملاتها الراغبة باستعمار مواطن في العالم الجديد .

                        وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حاولت فرنسا أن تحصل على موطئ قدم في جزيرة "مدغشقر" .

                        ثم أضحى ساحل هذه الجزيرة مكمناً مفضَّلاً للقراصنة الأوربيين ، لا سيما الفرنسيون والهولنديّون والإنكليز .

                        ولم تنجح فرنسا في إقامة مراكز صغيرة لها على الجزيرة ، رغم محاولات عديدة من جانب التجار الفرنسيين .

                        وحاولت فرنسا منذ عام (1601م) إقامة مستعمرات كبرى لها في هندستان ، إلا أن القوة العسكرية للأباطرة المغول أحبطت كلَّ محاولاتها .
                        ثم انتزعت انكلترا من فرنسا أكبر مستعمراتها في الهند في صلح باريس عام (1763م).

                        12- وطعمت "هولندة" بأن يكون لها نصيب في الاستعمار ، فبعثت رحلاتها إلى العالم الجديد .

                        وفي عام (1614م) ادَّعوا أنَّ لهم حقوقاً في استعمار وامتلاك المنطقة الساحلية في أمريكا الشمالية .

                        وفي عام (1626م) صارت "نيونذرلند" أو "هولندة الجديدة" مستعمرة حقيقية لهولندة . ثم استردها الإنكليز منها عام (1664م) .

                        وفي عام (1673م) احتل الهولنديون "نيويورك" وأعادوا إليها اسمها الهولندي ، ولكن لم يلبث البريطانيون أن استردوها منهم عام (1674م) وظلَّت إنكليزية حتى قيام الثورة الأمريكية .

                        وفي الشرق احتل الهولنديون جزيرة "سنت هيلانة" .
                        وأقاموا مستعمرة عند رأس الرجاء الصالح سنة (1652م) .
                        وأقاموا محطات لتجارة الحرير في موانئ فارس ، والخليج العربي ، ومحطة لتجارة البنّ في "مخا" باليمن .

                        لكن اهتمام الهولنديين الرئيسي قد كان موجّهاً لأرخبيل الملايو ، إذ طردوا البرتغاليين ، وجعلوا أنفسهم سادة جزر الهند الشرقية .

                        وفي منتصف القرن السابع عشر صار الهولنديون أكبر قوة أوربية في البحار الشرقية .

                        ( 2 )

                        الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية العربية

                        1- بدأ الغزو الاستعماري الفرنسي للجزائر بحصار بحري في شهر (مايو) أيار سنة (1827م) ، وتذرعت فرنسا بعدة أعذار .

                        وكان للعامل الديني المعادي للإسلام أثره القوي في هذا الاحتلال ، فقد كانت رغبة الفرنسيين قوية في تنصير الجزائريين الذين كانوا ألد أعداء المسيحيين .

                        فقد أعلن الملك "شارل العاشر" اعتزامه إنشاء مستعمرة ذات شأن في شمال أفريقية ، تكون نواتها الجزائر .

                        وفي عام (1830م) نزل الجيش الفرنسي المكوّن من حوالى خمس وثلاثين ألف مقاتل إلى أرض الجزائر . ولكن حصرت المقاومة الجزائرية الزحف الفرنسي في شريط ساحلي لا يشمل كل الشاطئ , وخلال الأعوام من (1830إلى 1839م) كانت سياسة فرنسا قائمة على فكرة الاحتلال المحدود المقتصر على الساحل دون الداخل .

                        وقامت صدامات دموية وثورات قوية ضد فرنسا , ثم اتجهت فرنسا للاحتلال الشامل لكل الجزائر . وضعفت مقاومة الجزائريين تدريجيا , حتى أمست البلاد خاضعة للحكم الفرنسي عام ( 1848 م) .

                        ومع ذلك فقد استمرت بعض المقاومات المحدودة طوال قرابة عشر سنين أخرى , إلى أن استتب الأمر للفرنسيين عام ( 1857 م) .

                        وبين حين وآخر كانت تتفجر ثورات جزئية تنتهي بقمع المحتلين لها .

                        وفي سنة ( 1881 م) صدر مرسوم فرنسي بإلحاق الجزائر إداريا بفرنسا , وحكمة فرنسا الجزائر حكما استعماريا شاملا .

                        إلى أن قامت الثورة الجزائرية الكبرى التي انتهت بخروج فرنسا ، وتحرر الجزائر من استعمارها.

                        ثم كان احتلال فرنسا لتونس عام ( 1881 م) نتيجة طبيعية لإخضاعها الجزائر إخضاعا كاملا , إذ وقعت منذ ذلك الحين تحت الحماية الفرنسية .

                        2- في عام ( 1798 م) غزت فرنسا مصر , ونبه عمل فرنسا هذا إنكلترا على ضرورة الاهتمام بمصر , فشاركت في حمل فرنسا على الجلاء عن مصر بالقوة , فاضطرت هذه أن تغادر قواتها مصر عام ( 1801 م) .

                        ثم حاولت إنكلترا أن يكون لها النفوذ الأعلى في مصر أوائل القرن التاسع عشر , وحاولت احتلالها فيما عرف بحملة "فريزر" عام ( 1807 م) . لكنها لم تنجح , وانسحبت تحت ضغط المقاومة الشعبية المصرية .

                        واستمرت محاولات إنكلترا من أجل فرض نفوذها في مصر , حتى احتلتها عام
                        (1882 م) بدعوى إنقاذ مصر من الفوضى التي انتشرت في البلاد المصرية , وإعادة حياة الاستقرار والاطمئنان , وإدخال أساليب المدنية الحديثة إلى مصر , وحماية الأقليات والجاليات الأجنبية في مصر , والمحافظة على مصالحهم , وحماية المصالح الإنكليزية الخاصة السياسية والاقتصادية وغيرها .

                        وكان طابع الاحتلال الإنكليزي لمصر طابع الحكم المستأثر المسيطر , أما المصريون فيجب أن يكونوا تابعين ومحكومين .

                        ويؤكد هذا الطابع تقرير كتبه المعتمد البريطاني في مصر اللورد "كرومر" سنة
                        ( 1903 م) جاء فيه ما يلي :

                        يحسن بكل بريطاني موظف في الحكومة المصرية أن يعرف الظروف الخاصة التي يعمل بها في هذه البلاد , هذه الظروف ينتج عنها بالضرورة أن يكون الأوربي متقدما , والمصري تابعا له , حتى ولو كان منصب الأوربي دون منصب المصري اسما , وأن تكون القيادة للموظف الأوربي بالضرورة .

                        وسيطر اللورد "كرومر" على مقدرات الأمور في مصر سيطرة شديدة , وحرم المصريين من كل سلطة , واتخذ مواقف متشددة من الحركة الوطنية المصرية , ورسم سياسة إجلاء المصريين عن السودان , وإحلال السيطرة الإنكليزية محلها .

                        وعملت بريطانيا على فصل السودان عن مصر , منتهزة فرصة الثورة المهدية عام
                        ( 1881 م) .

                        واستمرت الدعاوى الإنكليزية تقول : إن الاحتلال مؤقت , حتى شبت الحرب العالمية الأولى - وكانت مصر ما زالت من الناحية الشكلية تابعة لسيادة تركيا - فانتهزت إنكلترا فرصة اشتراك تركيا إلى جانب ألمانيا في الحرب ضد الحلفاء , فأعلنت الحماية البريطانية على مصر , وفصلت مصر عن تركيا .

                        3- ومن عدن انطلق الإنكليز للسيطرة على بقية أجزاء الجنوب العربي .

                        ومن عام ( 1761 م) انتقل المركز الرئيسي للتجارة الإنكليزية في الخليج إلى البصرة.

                        وصار مركز بريطانيا التجاري في الخليج لا يضارع , وهي في هذا قد ورثت النفوذ البرتغالي والهولندي والفرنسي .

                        ومنذ أواخر القرن الثامن عشر أخذ الإنكليز يمارسون أنواعا من التدخل في شؤون إمارات الخليج العربي , وأخذ نفوذهم يقوى فيه طوال القرن التاسع عشر .

                        4- في فلسطين وشرقي الأردن كان نشاط البعثات التبشيرية النصرانية أسلوبا من أساليب التغلغل الأجنبي في الأقطار العربية .

                        وقد شاركت إنكلترا في حماية هذه البعثات التي تنتسب إليها , وساعدتها على فتح المؤسسات المتعددة كالمدارس والكنائس .

                        واهتم القنصل الإنكليزي في القدس بالمشروعات التي من شأنها المساعدة على هجرة يهودية كبيرة إلى فلسطين , تمهيدا لإقامة دولة صهيونية فيها .

                        5- وبناء على اتفاقات دولية بين الدول الاستعمارية غزت إيطاليا ليبيا في شهر سبتمبر عام
                        (1911م) , ولكن الليبيين قاوموا الاحتلال الإيطالي مقاومة عنيفة حتى عام ( 1931 م ) .

                        ولم تخرج إيطاليا من ليبيا إلا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية , ووقعت الصومال أيضا تحت الاستعمار الإيطالي .

                        6- وفي عام ( 1912 م) وقعت مراكش تحت الحماية الفرنسية .

                        7- وأرادت بريطانيا أن تدخل كل مناطق العراق تحت سيطرتها .

                        ففي عام ( 1916 م) كان من بنود اتفاق مؤتمر (سايكس بيكو) بين بريطانيا وفرنسا وروسيا دخول العراق تحت الانتداب الإنكليزي عقب انتهاء معارك الحرب العالمية الأولى .

                        وكان اتفاق "سايكس بيكو" من أجل تقسيم أملاك الدولة العثمانية بين الدول الثلاث , إذ كان من بنوده ما يلي :

                        أ- أن يكون لفرنسا الجزء الأكبر من سوريا وجانب كبير من جنوب الأناضول , ومنطقة الموصل في العراق .
                        ب- أن يكون لإنكلترا البلاد الواقعة بين الخليج والمنطقة الفرنسية ( العراق وشرق الأردن ثم حيفا وعكا).
                        جـ- إنشاء إدارة دولية في فلسطين بسبب وجود الأماكن المقدسة فيها .
                        د- حقوق لروسيا في الأناضول والمضايق .

                        وفي سنة ( 1917 م) أعلنت إنكلترا على لسان وزير خارجيتها اللورد "بلفور" وعدا بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين .

                        8- وفي عام ( 1920 م) قررت الدول الاستعمارية الصليبية في مؤتمر سان ريمو ما يلي :
                        أ - جعل منطقة شرقي الأردن من نصيب بريطانيا , كجزء من دائرة الوصاية على فلسطين .
                        ب - فرض الانتداب الفرنسي على كل من سوريا ولبنان .
                        جـ - فرض الانتداب البريطاني على العراق وفلسطين .

                        الإمارات والسلطنات في الجزيرة العربية

                        وقعت معظم السواحل الجنوبية للجزيرة العربية الممتدة على شواطئ المحيط الهندي , والخليج العربي , تحت السيطرة البريطانية , المباشرة أو غير المباشرة منذ عام ( 1839 م) وأطلقت عليها بريطانيا اسم محميات , وكان غرض بريطانيا من بسط سلطانها على هذه المناطق العربية تأمين سلامة مواصلاتها إلى الهند .

                        (1) ففي سنة ( 1839 م) سقطت عدن في يد الإنكليز , وجعلوها قسمين :
                        * "محمية عدن الشرقية" وألحقوا بها ثلاثا من السلطنات أو المشيخات السابقة .
                        * "ومحمية عدن الغربية" والحقوا بها السلطنات الأخرى العشرين.
                        وخرج الإنكليز من عدن سنة ( 1967 م) .

                        (2) وفي سنة ( 1915 م) احتلت بريطانيا جزيرة "كامران" اليمنية , وظلت كذلك , حتى سنة ( 1967 م) عندما اقترع سكانها العرب على تفضيلهم الانضمام إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية .

                        (3) وفي سنة (1738 م) احتلت فرنسا جزيرة بريم اليمنية , ثم احتلتها بريطانيا سنة ( 1799 م) وتخلت عنها في السنة نفسها , ثم عادة واحتلتها عام ( 1851 م) ثم تحررت سنة ( 1967 م) .

                        عمان
                        غزاها البرتغاليون , واحتلوها من سنة ( 1507 م) حتى سنة ( 1650 م) إذ قام عليهم الإمام ناصر بن مرشد و سلطان بن سيف اليعربي وأجلوهم عنها , ولم يكتف اليعربي بإجلائهم عن شواطئ البلاد , بل طاردهم إلى سواحل الهند وأفريقية الشرقية .

                        وفي سنة ( 1891 م) فرضت عليها معاهدة حماية بريطانية , وجددت مرة ثانية سنة ( 1939 م) وجددت مرة ثالثة سنة ( 1951 م) لمدة خمسة عشر عاما , ثم اندلعت حرب بين القبائل العمانية وقوات الاحتلال البريطاني في سنتي ( 1956م - 1957 م) واستقلت في سنة ( 1967 م) .

                        وأعيدت إلى عمان جزر (كوريا موريا) التي كانت بريطانيا تحتلها منذ سنة 1854 م عند استقلالها .


                        (3)

                        الاستعمار البريطاني للهند وآثاره

                        1- سقطت الهند في يد الاستعمار البريطاني الذي زحف من منغوليها إليها , وذلك في عام
                        ( 1857 م) , وكانت حتى ذلك التاريخ في يد الدولة المنغولية , واستمرت تحت الاستعمار البريطاني حتى استقلت عام ( 1947 م) .

                        2- وأول ما بدأ به الاستعمار البريطاني محو الشخصية الإسلامية من الدولة , واتبع لذلك أساليب متعددة منها الأساليب التالية :

                        أ- حملات التبشير المؤيدة من السلطة الاستعمارية , والتي اتخذت صبغة حكومية في بعض أوقاتها .

                        ب- حرمان الجماعات المسلمة من حقوقها في التعليم , وفرض سياسة التجهيل عليها , والقضاء على قوة المسلمين الصناعية والحضارية بمحاولات الضغط على كبار أرباب الصناعات أو إبادتهم .

                        جـ- استغلال أطفال المسلمين في ميادين العمل منذ سن مبكرة , مستغلين في ذلك فقر العائلات المسلمة , الأمر الذي يضطرها إلى استخدام أطفالها لتأمين لقمة العيش .

                        د - حرمان المسلمين من تولي المراكز القيادية وذات الأهمية , وعزلهم عن الدولة , وفصلهم اجتماعيا وثقافيا .

                        ولتحقيق ذلك عمد البريطانيون إلى تشجيع الهندوس من الوثنيين , وتسليمهم تدريجيا مقاليد الحكم والإدارة في البلاد , وإلى تأليب الهندوس والطوائف الأخرى ضد المسلمين .

                        ونتيجة لتحريض الطوائف غير المسلمة على المسلمين , بدأت حملات الإبادة المنظمة ضد المسلمين , بدءا بفتنة عام ( 1918 م) , التي جرت مسلسلا دمويا رهيبا , دفع المسلمين في شبه القارة الهندية إلى المطالبة بدولة إسلامية مستقلة .

                        وتبين الإحصائيات أن المذابح والاضطرابات التي شهدتها الهند منذ استقلالها بلغت أكثر من ( 8080 ) مذبحة واضطراب , وقد كانت حصيلة ضحاياها أكثر من مليون مسلم .

                        3- وبعد منح الهند استقلالها ضمن إطار دستوري , عمدت الحكومات الهندية المتعاقبة على استبعاد المسلمين عن المراكز المهمة في البلاد , وشرعت في تنفيذ هذه السياسة باتباع الأعمال التالية :

                        أ- إبعاد المسلمين عن القوات المسلحة , وتسريح من كان يعمل فيها فعلا .

                        ب- حرمان المسلمين من المراكز القيادية في الدولة .

                        جـ- احتلال المقاطعات الإسلامية , بوضع اليد على شؤونها , لا سيما الكبرى منها , مثل "حيدر أباد" و "جوناكرة" و "مناور" .
                        د- حرمان المسلمين من فرص العمل , ومن التسهيلات الاقتصادية , التي أمست حكرا على الهندوس , وحرمانهم من التجارة في بعض السلع كالسجاد , والأدوات المنزلية .
                        هـ- وضع العقبات أمام انتساب المسلمين إلى الكليات والثانويات الإسلامية بوضع يد الدولة عليها وتحويلها إلى مدارس عامة .
                        و- إعلان قانون عام ( 1975 م) وفيه محاربة التعليم الإسلامي , وإجبار المسلمين على التعقيم , وقد ألغي قانون التعقيم سنة ( 1982 م) تحت تأثير احتجاجات المسلمين الشديدة في العالم .

                        (4)

                        أبرز أعمال الكيد التي قام بها الاستعمار في بلاد المسلمين

                        مهما اختلف الاستعماريون فيما بينهم على المصالح , اختلافا قد يصل إلى قيام حروب طاحنة فيما بينهم , فإنهم كانوا متفقين اتفاقا كاملا على مخطط كيدي موحد ضد الأمة الإسلامية , وكانت أعمالهم متشابهة في البلدان التي استعمروها من بلدان العالم الإسلامي .

                        وباستطاعة الباحث المتتبع أن يكتشف من أعمالهم الأعمال الكيدية التالية :

                        الأول : تذليل مهمات المبشرين بالنصرانية , ومهمات المستشرقين العاملين على تنصير أبناء المسلمين , أو إخراجهم من الإسلام إلى الإلحاد والكفر بكل القيم الدينية .

                        الثاني : فصل الدين عن الدولة وسائر الأمور السياسية , وإلغاء الحكم الإسلامي نهائيا .

                        الثالث : افتتاح المدارس والمعاهد والجامعات العلمانية في صورتيها المعادية للدين صراحة , والمتظاهرة نحوه بالحياد كمدارس "اللاييك" .

                        الرابع : التخطيط للتعليم العلماني في المؤسسات التعليمية الوطنية , وتوجيهها لما يحقق إبعاد كل تعليم إسلامي عنها .

                        الخامس : الضغط على التعليم الإسلامي التقليدي , واتخاذ مختلف الوسائل التي تفضي إلى إلغائه نهائيا .

                        السادس : إخضاع نظم البلاد للقوانين المدنية الوضعية الغربية , أو غيرها بدل أحكام الشريعة الإسلامية .

                        السابع : التوسل إلى إلغاء القضاء الشرعي الإسلامي بمختلف الوسائل الظاهرة , أو الخفية الماكرة , وإلغاء الأوقاف الإسلامية شكلا ومضمونا , أو مضمونا فقط.

                        الثامن : إفساد أخلاق الشعوب المسلمة , وتقطيع روابطها الاجتماعية بمختلف الوسائل , كنشر الرشوة , والكذب , والخيانة , والإهمال الوظيفي , وتعود البطالة والكسل ... وغير ذلك من المفاسد الأخلاقية الفردية والاجتماعية .

                        التاسع : نشر أسلوب الحياة الغربية الإباحية بين الشعوب المسلمة , المحكومة بالدول الاستعمارية مباشرة , أو المتأثرة بها عن طريق الجوار , أو السراية والعدوى من بعيد .

                        العاشر : نشر لغة المستعمر في البلاد , وإحلالها محل لغة الشعب الوطنية , ومحاربة اللغة العربية على وجه الخصوص , لأنها لغة القرآن ومصادر التشريع الإسلامي الأخرى , ولغة التراث الأكبر للمسلمين .

                        الحادي عشر : استغلال خيرات البلاد الإسلامية , والاستيلاء على ثرواتها المختلفة , بما في ذلك ثرواتها العلمية , والفنية , والصناعية , ونقلها إلى بلاد المستعمرين . مع امتصاص الطاقات البشرية في تلك المستعمرات تحت أسوأ الظروف لتقديم أكبر كمية إنتاج بأقل أجر ممكن .

                        الثاني عشر : محاولة الامتلاك الاستيطاني لبعض البلاد الإسلامية المجاورة لدولة الاستعمار , كما حصل في الجزائر .

                        الثالث عشر : وضع السلطات الإدارية الفعالة في البلاد في أيدي النصارى الوطنيين , ثم في أيدي الأقليات الطائفية غير الإسلامية , ثم في أيدي ذيولهم من مستغربين علمانيين وملاحدة وماسونيين وأشباههم , ومساعدة هؤلاء على تعلم العلوم التي تميزهم وتؤهلهم لاحتلال أرفع المناصب العلمية والعملية في البلاد مع حرمان أبناء المسلمين من ذلك .

                        الرابع عشر : تمكين النصارى الوطنيين ثم الطوائف غير الإسلامية من السيطرة على اقتصاديات البلاد , والمراكز ذات الأهمية المناخية , والاقتصادية , والحربية , في المدن والقرى والثغور , ومنحهم امتيازات خاصة يحرم منها المسلمون .

                        الخامس عشر : إثارة الفتن والنعرات الطائفية بين المسلمين وغيرهم , والنعرات القومية والمذهبية والحزبية , لاتخاذ ذلك ذريعة للضغط على المسلمين , وتبديد قواهم جميعا , وتمكين الطوائف غير المسلمة من مواطن القوة والمعرفة والمال في البلاد . واصطناع فرق منحرفة عملية ضمن شعوب الأمة الإسلامية .

                        السادس عشر : تقسيم البلاد وتجزئتها إلى وحدات صغرى , وبذر بزور الشقاق والخلاف فيما بينها , وغرس ما ينجم عنه تباين المصالح فيما بينها , حتى لا تتهيأ لها في المستقبل الظروف المناسبة لإعادة اتحادها , ضمن كتلة مسلمة واحدة ذات إدارة سياسية واحدة قوية .

                        السابع عشر : إيجاد قواعد دائمة للاستعمار , ذات كيان سياسي مستقل , ضمن بلاد المسلمين , من طوائف غير مسلمة , لتقوم هذه بمصالح دولة الاستعمار السياسية وغيرها في مجموعة البلاد الإسلامية المجاورة لها , إذا اضطرت دولة الاستعمار إلى الخروج منها .

                        الثامن عشر : ربط اقتصاديات البلاد المستعمرة , وربط نقدها , بدولة الاستعمار , لتكون هذه البلاد تابعة لها , ولو خرجت الدولة الاستعمارية منها كما هو واقع الحال بالنسبة إلى (الكومنولث البريطاني) .

                        التاسع عشر : السيطرة على وسائل الإعلام المختلفة لتوجيه الرأي العام ضمن المخططات التي تضعها قيادات أجنحة المكر .

                        العشرون : دس الدسائس لإثارة الحروب بين البلاد الإسلامية , بغية تعميق العداوة والبغضاء فيما بينها , وإضعاف قواها جميعا , واستنزاف طاقاتها , وتحطيم كتلها البشرية , ومن وسائل الاستعمار إلى ذلك إبلاغ عملائهم إلى مراكز الحكم , وتوجيههم لإشعال هذه الحروب .

                        الحادي والعشرون : القضاء على حركات الجهاد الإسلامي , وإلغاء فكرة الجهاد في سبيل الله بمختلف الوسائل .

                        الثاني والعشرون : تربية أجيال موالية للدول الاستعمارية ومحبة لشعوبها , ومعجبة بطرائق حياتها , وكارهة للإسلام وقيمه وأحكامه , وعاملة في بلدانها بدائل للاستعمار المباشر في تنفيذ مخططاته بعد رحيله .

                        الثالث والعشرون : أما الاستعمار الشيوعي الشرقي , فيتلخص بنظرية واحدة , هي : الاستيلاء القاهر على البلاد وما فيها ومن فيها امتلاكا , واستعبادا , وفرض نظام الدولة المستولية , وعقيدتها , وفرض إرادتها ومبادئها قهرا , أو السحق والموت الشنيع .

                        الرابع والعشرون : وللدول الصليبية الاستعمارية بعد خروجها من البلاد , وكذلك التي لم يسبق لها أن كانت دولة استعمارية , أعمال كيدية كثيرة يحققون بها ما يريدون داخل البلاد الإسلامية , كالتعليم اللاديني , والتربية على طريقة الحياة الإباحية وإفساد الأخلاق والضمائر , والضغط على الإدارات السياسية , وشراء العملاء من المتعلمين والعسكريين والتجار , وربط المصالح التجارية والثقافية والعسكرية وغيرها بتحقيق أهدافهم , سواء أكان ذلك فيما يسمى بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص .

                        ومن مظاهر ذلك نشاهد مؤسسات تجارية قوية أصحابها مسلمون , وهذه المؤسسات تبذل بسخاء لإنشاء كنائس في بلاد إسلامية و ومؤسسات تعليمية وغيرها للمبشرين والمستشرقين .

                        (5)

                        وثيقة من دولة استعمارية لنصارى وطنيين


                        من الدولة الأم إلى أبنائها المخلصين .

                        إلى أبناء يسوع المسيح , فيا من صبرتم على الذل والهوان عبر القرون دفاعا عن عقيدتكم , أيها الشرفاء الأطهار . لا تنسوا هذه الوصايا العشر :

                        1- قد رتبنا لكم أهم الأشياء التي تضمن لكم معيشة حسنة على هذه المنطقة , مثل تمليك الأراضي , والوكالات الأجنبية , والوضع السياسي , وشؤون النقد , ويبقى عليكم أن تحافظوا على هذه المكاسب وزيادتها مع الأيام .

                        2- إن هذا الوطن لم يخلق إلا لكم , حتى تجمعوا شملكم وتباشروا حريتكم بعد الحروب الخيرة التاريخية , فاعلموا جيدا أن كلمة لبناني معناها مسيحي , أما العرب الذين جاؤوا من الصحراء فيجب أن يعودوا إليها .

                        3- جاهدوا للسيطرة على المصايف وأمور السياحة وامتلاك ساحل البحر وأخرجوهم من قراكم كلما أصبحتم أغلبية , ولا تنسوا تجهيز ميناء احتياطي في مدينة غير بيروت , لا يكون فيها مسلمون , وذلك عندما تسنح لكم الفرص .

                        4- عليكم بأسباب القوة من رياضة وسلاح وتنظيمات للشباب , واهتموا بالجيش وعليكم بكتمان أموركم .

                        5- احرصوا على الزعامة الأدبية , مثل نشر الكتب , والسيطرة على النقابات والاتحادات , ولا تعترفوا بأن تراث لغتكم وتاريخكم ملك للمسلمين , وحاربوا (بلا هوادة) الأفكار والأشخاص الذين يعاكسون اتجاهكم .

                        6- إن الاختلافات المذهبية بينكم يجب أن لا تخرج عن النظرية السطحية , لأن حياتكم مرهونة باتحادكم أمام العدو الكافر , من حيث إنك أبناء يسوع الذي علمنا المحبة .

                        7- ادرسوا دائما مخططات الآخرين , وتدخلوا معهم لكي تعرفوا ما عندهم , ولا مانع للبعض من التظاهر بتأييدهم عند الضرورة , ولكن على كل واحد منكم أن يبقى مرتبطا برؤسائه وكنيسته ... ؟

                        8- ارفعوا رؤوسكم في كل مكان مرتفع , واعلموا بأن كل القوى الجبارة في العالم الحر تساعدكم , وتقف لجانبكم في أسرع وقت , ولكن عليكم أن تتصرفوا كأنكم لا تعرفون ذلك .

                        9- اجتهدوا بالتقرب من ملوك العرب ورؤسائهم بالخدمات الشخصية , وهذا شيء سهل جدا , ولكنه يفتح لكم مجالات واسعة للعمل , ويدر عليكم أموالا هائلة , ونفوذا أكبر , حتى في البلدان المستعصية عليكم .

                        10- إن حركة الجنسية اللبنانية شديدة الأهمية , فدققوا كثيرا في ذلك , واهتموا بإخوانكم المغتربين , والذين نزلوا عليكم من البلدان الأخرى , حتى لا تضيع الأغلبية المقررة لكم , ألا جدوا كل الجد .
                        من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                        Comment

                        • قسورة
                          عضو
                          • Nov 2005
                          • 157

                          #13


                          الفصل الخامس
                          عناصر التلاقي والأهداف والأعمال المشتركة
                          للأجنحة الثلاثة


                          1- الالتقاء على الكراهية والحقد .
                          2- الالتقاء على كسب المغانم .
                          3- الالتقاء على محاربة الإسلام وتطبيقاته .
                          4- محاولات الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين .
                          5- محاولات الفصل الجزئي بين الإسلام والمسلمين .




                          (1)
                          الالتقاء على الكراهية والحقد

                          يكاد الكره والحقد الموروثان في نفوس الأجنحة الثلاثة لجيش الغزو الظالم الآثم ضد الإسلام والمسلمين يكونان عنصر الالتقاء الرئيسي بينها . ولا نعلم سببا صحيحا ناتجا عن مبدأ إنساني كريم يبرر وجود هذا الكره والحقد في نفوسهم .
                          أ- أما الدعوة الإسلامية فلم يكن فيها ما يستدعي ذلك , لأنها قامت على أساس تصحيح اعتقادي , مستند إلى أدلة علمية , ومناقشات منطقية , ومبني على أساس تكميل ديني مرتكز على مبدأ وحدة الرسالات الربانية , في أسسها وفي مصدرها , وأن اللاحقة منها تكمل السابقة , حسب الإرادة الربانية التي أنزلتها جميعا , وأن الذين قبلوا التعاليم السابقة ملزمون أيضا بأن يقبلوا التعاليم اللاحقة , بما فيها من تعديلات قررتها إدارة منزل التعاليم , حسب مقتضيات علمه وحكمته .

                          ومثل ذلك في الأرضيات الإنسانية كمثل من يقبل قانون الدولة السابق , ثم يرفض قانونها اللاحق المكمل والمعدل للأول , دون أن يكون له حجة في رفضه إلا مجرد التعصب للسابق , لأنه صار مأنوسا مألوفا له , أو مطوعا بالتحريف لهواه .

                          والتصحيح الاعتقادي قضية علمية بحتة , تعرض نفسها للمناقشة والبحث , وينبغي أن لا يكون فيها مجال للتعصب النفسي , ولا أثر من آثار الانفعال , فالباحثون العلميون يطرحون باستمرار نظرياتهم العلمية على مختلف المدارس الفكرية دون أن يجد أنصار إحداها غضاضة في هذا الطرح , لأنهم جميعا وحينما تقوم الأدلة القاطعة على رأي من الآراء العلمية يترك أصحاب المذاهب والمدارس الفكرية المختلفة آراءهم السابقة , ويقبلون الحقيقة الناصعة , التي قامت عليها الأدلة القاطعة , أما التعصب للخطأ الموروث والاستمساك بالباطل فليس من شأن الإنسان العاقل المنصف الباحث عن الحقيقة .

                          وأمام هذا المنطق الهادئ البعيد عن كل عنف وتعصب نجد الإسلام يعلم المسلمين أن يقولوا للآخرين عند الجدال في قضايا الدين ما جاء في سورة (سبأ / 34 مصحف/ 58 نزول) :{وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} .
                          كما يأمرهم بأن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن , فقال الله تعالى في سورة (العنكبوت /29 / 85 نزول) :
                          { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} .
                          وقد أمر الله رسول الله محمد بأن يدعو أهل الكتاب دعوة مشبعة بالرفق واللين , وذلك بأن يقول لهم كما جاء في سورة (آل عمران / 3 مصحف / 89 نزول) : {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.

                          ب- وأما المسلمون فلم يكن منهم في مواجهة أهل الكتاب إلا الرفق واللين والتسامح والدعوة الخيرة , وهذا ما جعل النسبة العظمى من سكان البلاد التي دخلها الإسلام بما فيهم أهل الكتاب يسرعون إلى الدخول في الإسلام طواعية دون إكراه , إدراكا منهم للحق , وشعورا بسلامة أسس الدعوة الجديدة , ومطابقتها للأسس الصحيحة التي يعلمونها من رسالة موسى وعيسى وسائر النبيين عليهم الصلاة والسلام .

                          وهذا ما دعا بعض المنصفين منهم إلى أن يعترف بذلك اعترافا صريحا , ومن أمثلة ذلك شهادة "غوستاف لوبون" المشهورة إذ يقول فيها : "ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب" ومنها تحسر الأديب الفرنسي الكبير "أناتول فرانس" إذ يقول : "ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) , إن انتصاره عليه أخر المدنية عدة قرون إلى الوراء" .

                          إلا أن روح التعصب الذميم الذي لا يمكن أن يكون من صفات طلاب الحق ودعاته هو الذي أملى على جيش الغزو ذي الأجنحة الثالثة الكراهية والحقد , ويشهد لروح التعصب هذه المشبعة بالكراهية للإسلام والمسلمين والحقد عليهما أقوال كثيرة صادرة عنهم , مضافا إليها أعمالهم الجماعية المستمرة الدالة على مبلغ التعصب الذميم المسيطر على نفوسهم , فمن أقوالهم ما يلي :

                          1- لما دخل القائد الاستعماري الفرنسي "غورو" "دمشق" في الربع الأول من القرن العشرين الميلادي منتصرا على الشعب العربي الأعزل في سورية , ووصل إلى مثوى البطل الإسلامي صلاح الدين الأيوبي , ضرب قبره بقدمه , وقال كلمته المشهورة : "ها قد عدنا يا صلاح الدين " وقد هان عليه أن ينفس عن حقده أمام قبور الموتى , لأنه لم يجد في الأحياء من يرد بأسه .

                          ولما دخل الجنرال : "اللنبي" قائد جيوش الحلفاء مدينة القدس قال : "الآن انتهت الحروب الصليبية"

                          2- مقالة قالها زعماء المبشرين جاء فيها : "ألم نكن نحن ورثة الصليبيين ؟ ألم نرجع تحت راية الصليب لنستأنف التسرب التبشيري والتمدين المسيحي"

                          3- ما ذكره المستشرق الألماني "بيلر" في قوله : "إن هناك عداء من النصرانية للإسلام بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى أقام سدا منيعا في وجه انتشار النصرانية , ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها ".

                          فالسياسيون والعسكريون _ وارثوا الكراهية والحقد من جراء الخيبة التي منيت بها الحروب الصليبية _ يشتركون مع المبشرين والمستشرقين _ وارثي الكراهية والحقد أيضا _ من أجدادهم الذين حرضوا الجيوش الصليبية لغزو البلاد الإسلامية خلال قرنين كاملين , فلم يظفروا منها بطائل , وارتدوا منها على أعقابهم خاسرين .

                          ولدى تحليل الأسباب تحليلا إنسانيا كريما نجدها نوعا من التعصب القبيح الذميم , وضيق الأفق النفسي , والأنانية الشديدة , وهي كلها مرفوضة لدى العقول السليمة , والأفكار المستقيمة , والنفوس الكريمة , التي تسعى إلى الحق أين كان , وتريد الخير لأنفسها وللإنسانية جمعاء .


                          (2)
                          الالتقاء على كسب المغانم


                          نقطة لقاء تلتقي عليها أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها إنها كسب المغانم والاستثمارات المادية .

                          أ- أما المستعمرون فيكاد يكون الهدف الرئيسي لهم كسب المغانم الكثيرة من المسلمين وبلادهم , ويضاف إلى هذا الهدف أهداف كثيرة أخرى ستأتي الإشارة إليها .

                          إن المستعمرين لما عرفوا أوضاع المسلمين , ودرسوا أحوال بلادهم , وما فيها من خيرات كثيرة , وما للأرض التي تمتد شعوبهم في أرجائها من فضائل وحسنات اقتصادية وسياسية وعسكرية , تحلبت أشداقهم شرها إليها , وطعما باقتناص خيراتها والاستيلاء على كنوزها , واستغلال كل ما أمكن استغلاله فيها , وتسخير الطاقات البشرية المسلمة التي تعيش عليها في خدمة أهدافهم الاستغلالية الاستثمارية , مع حجب الخبرات الفنية عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .

                          وقد مهدوا لاحتلالهم البلاد الإسلامية بالمبشرين ومؤسساتهم , فأمدوهم بإمدادات كبيرة سخية , ليكونوا قاعدتهم الأولى لتحقيق أهدافهم الاستعمارية , ومهدوا له أيضا بالمؤسسات التجارية والاستثمارية والتعليمية , وبالبعوث من المستشرقين , ثم استطاعوا بحيلهم وألاعيبهم ورشواتهم أن ينتزعوا الامتيازات الضخمة لشركاتهم الكبيرة , بالاتفاقات الدولية , وأن يدخلوها إلى العواصم الكبرى في البلاد الإسلامية , وهي تحمل في حقيبتها غايتين :

                          الأولى : اقتصادية طامعة بالاستغلال والربح .

                          الثانية : سياسية تعمل على تهيئة القواعد السياسية والاجتماعية المناسبة , الممهدة لدخول القوات العسكرية الغازية , الطامعة ببسط سلطانها المباشر .

                          ودخلت قوات المستعمرين العسكرية بعد أن تهيأت لهم الظروف الدولية المناسبة وساعدهم على ذلك وصول الشعب المسلمة إلى دور الانحطاط النسبي الذي دفعتهم إليه عوامل شتى , داخلية وخارجية , ومن هذه العوامل ما يلي :

                          1- فقدان الوعي الإسلامي العام , وعزوف الناس عن المعارف والعلوم المختلفة , الدينية والكونية , واشتغالهم في ميادين التجارة والزراعة والصناعة التقليدية , دون أن يدخلوا عليها شيئا من التطوير والتحسين .

                          2- نقص الخبرات الفنية المتعلقة بالمكتشفات العلمية , والمخترعات الآلية الحديثة , والتخلف في التطبيقات التكنولوجية .

                          3- تفرق كلمة المسلمين , وقلة مبالاتهم بأمور أنفسهم الكبرى ، وبأمور المسلمين العامة .

                          4- انتشار حشد من المفاهيم الخاطئة بينهم , منها ما يتعلق بالأمور الدينية البحث , ومنها ما يتعلق بالأمور الدنيوية التي يأمر بها الدين , ويرشد فيها إلى أقوم السبل .

                          5- المؤتمرات التي تدبر ضدهم في المحافل الدولية الكبرى , ويستخدم لتنفيذها الأجراء من داخل الإسلامية .

                          6- إثارة الفتن الطائفية التي يقصد منها إعطاء الجيوش الاستعمارية ذرائع الاحتلال باسم حماية الأقليات .
                          إلى غير ذلك من عوامل شتى .

                          ب- وأما المبشرون فبالإضافة إلى أهدافهم ومهماتهم الرئيسية , المتعلقة بالتبشير , والمتعلقة بالتمهيد للاستعمار السياسي والعسكري , والتمكين له , كانت لهم أهداف أخرى لها صلة بالاستثمار والاستغلال , ذلك لأن مؤسساتهم التعليمية التي تبدأ من دور الحضانة وتترقى حتى المراحل الجامعية العليا , ومؤسساتهم الصحية التي تبدأ من نشر الأطباء والممرضين والممرضات في المدن والقرى , وترتقي حتى تصل إلى إنشاء المستشفيات الكبرى , ومؤسساتهم الاجتماعية المختلفة و قد كانت مراكز استثمار تتدفق لهم منها أرباح وفيرة , تدعم ميزانياتهم التبشيرية دعما قويا , وتهيئ لهم الفرص الملائمة للاستزادة والتوسع .

                          فبينما ترضى المؤسسات التعليمية الإسلامية بمقدار الكفاف من الأقساط الشهرية أو السنوية التي يدفعها أولياء التلاميذ , مع النسب المجانية المرهقة , تصر المؤسسات التبشيرية على تحديد الأقساط العالية جدا , التي لا يستطيع تقديمها إلا طبقة الأغنياء والمترفين , بغية تسديد هدفين محكمين .

                          الهدف الأول : تربية أبناء الطبقة الثرية تربية مناسبة تخدم أهداف المبشرين خدمات جلى , نظرا إلى أنهم قد كانوا في أغلب الأحيان هم الذين يرشحون لاستلام مراكز الإدارة والحكم .

                          الهدف الثاني : تحصيل الأرباح الوفيرة منهم , لأنهم هم الذين يستطيعون تقديم الأجور الشهرية أو السنوية الكبيرة لتعليم أبنائهم .

                          جـ- وأما المستشرقون فإن مطامعهم الشخصية بالأرباح والمغانم مرتبطة بنجاح الجناحين الآنفي الذكر : المستعمرين والمبشرين , لأن هذين الجناحين هما اللذان يقدمان لمعظم المستشرقين ما يحتاجون إليه من دعم مادي وأدبي كبيرين , وقد يكون الدعم المادي لهم مفتوح الحدود العليا , فهم يتصرفون كما يشاؤون , ويرضون مطالب نفوسهم على ما يشتهون.

                          بينما يتضور الباحثون من المسلمين قلة وفاقة , فلا يجدون من يسد حاجاتهم وحاجات أسرهم .


                          (3)

                          الالتقاء على محاربة الإسلام وتطبيقاته


                          ويلتقي الغزاة المستعمرون والمبشرون ومعظم المستشرقين على محاربة الإسلام ومقاومة دعوته وهدم أبنيته .

                          وسبب التقائهم على محاربته واضح لا يحتاج إلى تأمل كثير , فالإسلام بعقائده الحقة , وتعاليمه المشرقة , ودعوته الإنسانية العامة , وحيويته الكبرى , وفاعليته في نفوس المستمسكين به , هو الجدار الوحيد الذي يقف دون تحقيق المطامع المختلفة التي يهدف إليها كل جناح من الأجنحة الثلاثة , كما هو القوة المحركة في صد الحروب الصليبية التي قادها أجدادهم لغزو البلاد العربية الإسلامية طوال قرنين من الزمان , حتى اضطروا أن يرضوا من الغنيمة بالإياب , فأورثهم ذلك كراهية وحقدا , يصاف إلى ذلك أن الإسلام بما يتمتع به من حق ذاتي استطاع أن يقف في وجه توسع الأديان الأخرى , التي يحرص دعاتها على نشرها , إذ احتل مركز الصف الأول في التوسع وتقبل الشعوب المختلفة له , ومنهم أفواج كثيرة من أصحاب الديانات السابقة , الذين رأوا فيه الصورة الصحيحة للدين الرباني الحق , الذي أنزله الله على أنبيائه ورسله في مختلف أدوار التاريخ .

                          وقد أخذت محاربة هذا المثلث للإسلام تتمثل بمحاولة النيل منه على قدر المستطاع من جهودهم الضخمة , وهدفهم البعيد الذين يكدحون من أجله هو الوصول إلى هدم الإسلام هدما كليا , ونسخه من الوجود , ولذلك نجد المبشر "جسب" يود لو يمحي الإسلام من العالم .

                          ولكنهم بعد الدراسة والتجربة رأوا أن هذا مطلب متعذر المنال ما دام في العالم مئات الملايين من الشعوب المختلفة التي تدين بالإسلام , فانتقلوا إلى محاولات تحقيق أهداف دون ذلك , وتتلخص هذه الأهداف بما يلي :

                          الهدف الأول : الفصل الكلي بين الإسلام وبين معظم المسلمين فصلا فكريا وتطبيقيا , أو فصلا تطبيقا فقط , تمهيدا للفصل الفكري , لأنه متى طال العهد بين فكرة ما وبين تطبيقها غدا انتزاعها من أساسها أيسر وأقرب منالا , لأن شجرتها المغروسة في النفس تمسي حينئذ ضعيفة الجذور واهية واهنة , بسبب انعدام ثمارها وأزهارها وأوراقها , وما مثل التطبيق للأفكار إلا كمثل أوراق الأشجار وأزهارها وثمارها , وحينما تحبس الشجرة في جو خانق فاسد , أو تطلى بطلاءات تمنع تفتح أفنانها وأكمامها تذبل أغصانها , ثم تموت , وتموت معها جذورها , وتمسي حطبا ينادي على نفسه بالكسر والتحريق .

                          الهدف الثاني : الفصل الجزئي بين الإسلام وبين المسلمين , فصلا فكريا وتطبيقيا , أو فصلا تطبيقيا فقط , والفصل التطبيقي على طول الخط مرحلة تمهيدية للفصل الفكري .

                          ويختار أعداء الإسلام لدى محاولات هذا الفصل الجزئي أن يحصروا الإسلام في أمور العبادات , ثم يضيقوا عليه الخناق , حتى لا يخرج من المسجد إلى أي مجال من مجالات الحياة , ويحاولون أن يجعلوا السيادة في هذه المجالات المختلفة لأنظمة غير إسلامية , وقوانين غير إسلامية , ومفاهيم غير إسلامية , وتطبيقات بعيدة عن الإسلام بعد الباطل عن الحق , وبعد الظلمة عن النور .

                          وتنفيذ هذا الهدف يأتي سابقا لتنفيذ الهدف الأول , عملا بسياسة التدرج .

                          الهدف الثالث : ويأتي تنفيذه مرافقا لتنفيذ الهدفين السابقين , وهو تشويه صورة الإسلام في نفوس المسلمين , وذلك بعدة خطط من خطط الهجوم الظالمة الآثمة منها الخطط التالية :

                          1- إثارة الشبهات حول أحكام الإسلام وتشريعاته وأنظمته المختلفة .

                          2- إثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة .

                          3- دس الأفكار الفاسدة , وإغراء بعض ضعفاء النفوس أو ضعفاء العقول من المسلمين باعتناقها على أنها من تعاليم الإسلام ومفاهيمه , ثم محاربة الإسلام بها .

                          4- اختلاق الأكاذيب والافتراءات على الإسلام وتاريخ المسلمين , وتشويه غايات الفتح الإسلامي .

                          5- مقابلة بعض أحكام الإسلام وأركانه وتشريعاته بالاستهزاء والسخرية والازدراء , ووصف المستمسكين بها بالرجعية والتأخر والتعصب والجمود , ونحو ذلك من العبارات التي تضعف حماسة المتدينين للتمسك بدينهم , وتفت في أعضادهم , في ركب المتحللين من الدين.

                          6- احتقار علماء الدين الإسلامي وازدراؤهم , وإلجاؤهم إلى أضيق مسالك اكتساب الرزق , لتنفير المسلمين منهم ومن طريقتهم , ثم تقديم جهلة منحرفين إلى مراكز الصدارة , ليعطوا صورة مشوهة سيئة عن التطبيق الإسلامي , توسلا إلى تشويه الإسلام نفسه عن طريقهم .

                          7- متابعة تركيز الهجوم ضد الإسلام , وتكريره بإلحاح , أملا بحدوث الغفلة من الدعاة المسلمين الذين ينشرون المفاهيم الإسلامية ويحذرون من دسائس أعداء الإسلام , وأنت خبير بما للتكرار الملح من تأثير في نفوس الناس , ولو كان مضمونه كذبا وباطلا , وهذا ما تلجأ إليه وسائل الإعلام الحديثة المضللة للجماهير .


                          (4)

                          محاولات الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين


                          وضح لدينا أن الغزاة يحاولن إحداث الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين , وتتخذ محاولات هذا الفصل طابع الفصل الفكري الذي يلازمه الفصل التطبيقي حتماً , فإن لم يتحقق لهم ذلك اكتفوا بمحاولات الفصل التطبيقي , الذي ينجم عنه بعد طول العهد ضعف الارتباط الفكري , ثم ذبوله , حتى لا يبقى منه إلا عصبية النسبة , ثم انقطاعه , وعندئذ يتم الانفصال الذاتي , أو الفصل بأقل جهد .

                          والخطط التي تهدف إلى إحداث هذا الفصل تعتمد على توجيه مختلف الأسلحة الفكرية والمادية لأسس العقيدة الإسلامية , ولأركان الإسلام بشكل مباشر , فيوجه الغزاة وسائل حربهم إلى أسس الإسلام الاعتقادية والعملية الكبرى , ويتناولون في هجومهم المضلل عن الحق العناصر التالية :

                          1- عقيدة الإيمان بالله وبصفاته , إذا يحاربونها بدعوات الإلحاد بالله , وبالنظرات الوجودية , والفلسفات المادية , ودسائس التشكيك , أو بدعوات الصرف عن الإيمان بالله وحده , إلى التلفيقات الوثنية , والعقائد المصنوعة المختلفة , وهذا ما لا يستخدمه المبشرون إلا نادراً , لئلا يقعوا في تناقض مع أصل مهمتهم , وهي مهمة التبشير بالعقيدة النصرانية .

                          2- عقيدة الإيمان بالكائنات الغيبية عن حواسنا , كالملائكة والجن , وذلك بالبحوث التي تشكك بوجود أشياء غيبية , وتحاول إنكارها وجحودها مستندة إلى إيهامات مادية بحت بعيدة عن مستوى الفكر الراقي .


                          3- عقيدة الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام .

                          أما الملحدون الذين يعلنون إنكار الرسالات الربانية كلها أو المتظاهرون بالإلحاد فإنهم يواجهون كل العقائد بالإنكار والجحود , ويحجرون على عقولهم , كي تظل حبيسة في الماديات المدركة بالحواس الظاهرة , ولا تلجئهم عقائد أخرى إلى التحايل للتفريق بين عقيدة وأخرى , وبين رسول من عند الله ورسول آخر من عنده .

                          وأما الذين يعلنون أنهم يتبعون أو يعبدون أحل الرسل السابقين , فيركزون هجومهم على التكذيب برسالة محمد صلوات الله عليه , لينقضوا بذلك الإسلام من جذوره , وقد يدفعون من وراء الستار من يتبنى الإلحاد ليصرف المسلمين عن عقائدهم ويجعلهم ملحدين , شعوراً منهم بأن الملحدين أهون عليهم من أصحاب دينٍ حقٍ منافسٍ لهم , مقبولٍ لدى العقول والنفوس .

                          4- عقيدة الإيمان بالكتب الربانية السماوية , ويحاول مدعو حملة رسالة أخرى غير الإسلام أن يوجهوا أسلحتهم الظالمة الآثمة ضد القرآن , أعظم كتاب سماوي عرفته الإنسانية , وذلك بالتشكيك فيه , وبادعاء أنه من صنع محمد , أو أنه مقتبس من الكتب السابقة , أو أن فيه أشياء لا يعقل أن تصدر عن الله , أو نحو ذلك من دسائس مختلفة , وهم يعلمون أن كل ادعاءاتهم أكاذيب يفترونها ويلفقونا , ليخدعوا بها الجهلة من أبناء المسلمين .

                          وقد تصدى لدفع شبهاتهم وفضح أكاذيبهم وافتراءاتهم عدد كثير من الباحثين المسلمين .

                          5- عقيدة الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه من جزاء بالثواب أو بالعقاب .

                          أما الملحدون أو المتظاهرون بالإلحاد فيبثون بين أبناء المسلمين النظريات المادية البحت , ويقطعون الصلة بين الإنسان وبين فكرة العدل والجزاء , التي قامت عليها حكمة الابتلاء , والتي يكمن فيها سر خلق الله الإنسان , وهو ما أعلنه سبحانه في سورة (الملك/67مصحف/77نزول) :

                          {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.

                          وأما مدعو اتباع رسالة ربانية أخرى فيوجهون هجومهم إلى صورة العقيدة الإسلامية بالدار الآخرة , وما فيها من جنة ونار ونعيم وعذاب ماديين , مع أن أصول الشرائع الربانية الصحيحة كلها متفقة على هذه الحقيقة التي جاءت في الإسلام , وأوضح تفصيلاتها القرآن العظيم , وأما التحريفات الدخيلة على الأديان الأخرى فهي أوضاع إنسانية لا يحتج بها على الأخبار الربانية , وهي مرفوضة أصلاً وفرعاً .

                          6-عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر , وترتبط خطة هجوم أعداء الإسلام على هذه العقيدة بهجومهم على الإيمان بالله وبصفاته , لأن القضاء والقدر مظهران من مظاهر صفات الخالق جلا وعلا .

                          ويحاول الأعداء الغزاة أن يشوهوا صورة العقيدة الإسلامية المتعلقة بهذا الركن من أركان الإيمان , إذ يجعلونها على الصورة الجبرية التي يزعمها الجبريون , ويغالطون المسلمين في ذلك , ويخفون عنهم لدى توجيه دسائسهم الصورة النقية الرائعة , التي يعتقدها معظم المسلمين , والتي تدل عليها نصوص الإسلام المختلفة , وهي الصورة المثالية التي توضح أن الإنسان مسؤول عن جميع أعماله وتصرفاته الإرادية , وأنه كاسب لها بإرادته الحرة , وتوضح أن الله تعالى بيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير .

                          7- أركان الإسلام الكبرى , كالصلاة , والزكاة , والصيام , والحج , ولواحقها , كالجهاد في سبيل الله , ونظام الحكم في الإسلام , ونظام كسب المال وإنفاقه , وأحكام الأحوال الشخصية التي يعتمد عليها بناء الأسرة , إلى غير ذلك من تعاليم الإسلام وأحكامه في الحلال والحرام .

                          وهكذا يحاول الأعداء الغزاة أن يركزوا هجومهم على أصول الإسلام وأركانه وفروعه , لفصل المسلمين عنه فصلاً كلياً , ولما كانت العقائد والتعاليم والأحكام الإسلامية من الصلابة والمتانة ومطابقة الحق وثباتها في نفوس المؤمنين بمنزلة لا تعادلها أية نظريات أخرى , استطاعت أن تصمد لكل محاولات الهدم الظالمة الآثمة , التي يوجهها الأعداء الغزاة ضدها .


                          (5)

                          محاولات الفصل الجزئي بين الإسلام والمسلمين


                          عن أبي أمامة عن النبي قال:

                          ((لتنقضن عرا الإسلام عروةً عروة , فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها , فأولهن نقضاً الحكم , وآخرهن الصلاة)) .

                          حينما لا يتمكن الأعداء الغزاة من إحداث الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين ويتعذر عليهم تحقيق هذا المطلب , يكتفون بمحاولات إحداث الفصل الجزئي . وتتخذ محاولات إحداث هذا الفصل طابع الفصل الفكري , الذي يلازمه باستمرار الفصل التطبيقي , نظراً إلى أن التطبيق ثمرة العقائد والمفاهيم الفكرية , فإن لم يتحقق لهم ذلك اكتفوا بمحاولات الفصل التطبيقي الذي ينجم عنه بعد طول العهد ضعف الارتباط الفكري , ثم ذبوله , حتى لا يبقى منه إلا الذكرى , ثم انقطاعه انقطاعاً تاماً , وعندئذ يتم الانفصال الفكري انفصالاً ذاتياً , أو يتم الفصل بأدنى جهد .

                          والخطط التي تهدف إلى إحداث هذا الفصل الجزئي تعتمد على توجيه مختلف الأسلحة الفكرية والمادية إلى بعض أركان الإسلام العملية , وأحكامه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , التي يهم الأعداء الغزاة إلغاؤها , لأنها تمثل عقبات كبرى في طريق تحقيق أغراضهم العدوانية , الرامية إلى الاستيلاء والاستعباد واستنزاف الخيرات والطاقات الأرضية والبشرية داخل البلاد الإسلامية , والرامية إلى دفع المسلمين للمسير في الركب المعادي للإسلام والمناهض له .

                          وهم في هذه الخطط يحاولون أن يأتوا الإسلام فينقصوه من أطرافه , وينهشوا منه على قدر استطاعتهم , مزينين للمسلمين ذلك , متخذين في تزيينهم كل صور الخداع , فمنها ما يكون بقالب نفسي , ومنها ما يكون بقالب علمي , ومنها ما يكون على وجه النصيحة والرغبة بمساعدة المسلمين على التقدم والرقي , إلى غير ذلك من صور .

                          وكل دارس لتاريخ المسلمين المعاصر يلاحظ أن أعداء الإسلام الغزاة قد عملوا على الفصل بين المسلمين وبين العناصر التالية من إسلامهم :

                          العنصر الأول : الجهاد في سبيل الله , لأن هذا الركن التشريعي في الإسلام يمثل القوة الهائلة لصيانة المسلمين من أعدائهم , واستغلالهم لهم , واحتلالهم أرضهم , ويمثل القوة الهائلة أيضاً لإزاحة العقبات من طرق انتشار الإسلام بين مختلف الأمم والشعوب في طول الأرض وعرضها , وللمحافظة عليه من التخلخل والضعف داخل الأمم والشعوب الإسلامية .

                          العنصر الثاني : نظام الحكم في الإسلام , ويلح الأعداء الغزاة على اتخاذ الوسائل المختلفة الكثيرة للفصل بين هذا النظام وبين المسلمين , لأنه يمثل الدرع الواقي , الذي يمنع تسرب أعداء الإسلام أو أجرائهم إلى سدة حكم المسلمين .

                          العنصر الثالث : نظام المال في الإسلام , ويلح الأعداء الغزاة أيضاً على اتخاذ الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين هذا النظام وبين المسلمين , لأنه متى طبق على صورته الصحيحة وعلى الوجه الأتم , ورافقت تطبيقه خشية الله ومراقبته الدائمة أعطى الثمرات التاليات:

                          1- تخفيف الفوارق الفاحشة في التملك المالي , الأمر الذي يؤدي إلى توزيع ثروات البلاد توزيعاً يحقق الكفاية للجميع , ويحقق الرفاه للنسبة العظمى من جماهير الأمة , وهذه الثمرة تسيء إلى مطامع أعداء الإسلام , أما الشرقيون منهم فيجدونها درعاً يقي المسلمين من تسرب مذاهبهم الاقتصادية الملحدة إلى صفوفهم , وهي المذاهب التي تمثل طلائع الجيش الشرقي الطامع بغزو البلاد الإسلامية , وأما الغربيون فيجدونها أيضاً درعاً بقي المسلمين من تكالب مطامع كل الطامعين باستغلال خيراتهم وابتزاز أموالهم , وهم يريدون شعوباً تفتح كل خزائنها لهم حتى يرضوا مطامعهم بسلبها .
                          2- الازدهار الاقتصادي الذي يعتمد على حشد مختلف طاقات الأمة في العمل والإنتاج والاستثمار , وهذه الثمرة لا ترضي أيضاً مطامع أعداء الإسلام , الذين يريدون استغلال هذه الطاقات لأنفسهم , كما لا ترضيهم من وجه آخر , وهو أن الازدهار الاقتصادي أحد سبل القوة التي تتمتع بها الشعوب , والأعداء الغزاة يحرصون على أن تظل الشعوب الإسلامية بعيدة عن كل سبيلٍ من سبل القوة .

                          3- إبراز المجتمع الإسلامي بواقع اقتصادي محبب جذاب , يقدم للناس أفضل صورة تطبيقية حيةٍ لنظامٍ تامٍ , يحقق للناس الكفاية والرفاهية والتعاون , الأمر الذي يفتح للإسلام ولأنظمته الربانية طرق التوسع والانتشار , وضرورة انجذاب الشعوب وتقبلها لكل صالح ونافع فيه الخير والسعادة , وذلك متى شهدت له صورة تطبيقية حية , تدعمها قوة مادية , وهذه الثمرة تسوء أيضاً أعداء الإسلام الذين يعملون جهدهم لإلغائه ومحوه من الوجود وتنفير الناس عنه .

                          العنصر الرابع : التعليم الديني الصحيح لأبناء المسلمين وبناتهم , ويتخذ الأعداء الغزاة الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين الشعوب المسلمة وبين تعلم العلوم الإسلامية المختلفة تعلماً صحيحاً مقروناً باطلاع واسع على الثقافات المعاصرة , لأن دراسة هذه العلوم على الطريقة المثلى تشكل في نفوس المسلمين منطقاً ثقافياً واعياً , لديه ما يكفي من قوة المحاكمة للأمور , وقوة الحجة , وقوة الجدل والدفاع , وقوة تجلية الحق وإبرازه بالتعبير المؤثر الجذاب , كما أنها تمثل قوة الحماية لعقول المسلمين وقلوبهم من أن تتسرب إليها الدسائس الفكرية , التي يحاول الأعداء الغزاة إقناعهم بها , وتمثل أيضاً قوة التوعية الدائمة والتحذير من مكايد أعداء الإسلام والمسلمين على اختلاف اتجاهاتهم وأغراضهم .

                          وكل واحد من هذه الأمور يغيظ أعداء الإسلام الذين يعملون ويكدحون لهدمه , ويعملون ويكدحون لابتزاز خيرات المسلمين وتسخير طاقاتهم واستعبادها .

                          العنصر الخامس : أحكام المعاملات المختلفة , التي اشتمل عليها نظام الإسلام وهي الأحكام التي يجب أن يتقيد بها الحكم والقضاء .

                          ويتخذ الأعداء الغزاة الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين الشعوب المسلمة وبين تطبيق الأحكام الإسلامية في حكمها وقضائها , ولإحلال القوانين المدنية محلها , لأن الأحكام الإسلامية تمنع تصرف أعداء الإسلام في بلاد المسلمين بحسب أهوائهم , نظراً إلى الحصانة الكبرى التي يتمتع بها القضاء الإسلامي والأحكام الشرعية , ونظراً إلى ثبات أسس الأحكام الشرعية , وعدم قابليتها لأن تتبدل بتبدل أهواء الحكام ومصالحهم إذ هي تستند إلى مصادر التشريع الإسلامي الثابتة كما يحقق تطبيقها العدل والاستقرار , بما فيها من اتباعٍ للحق , واعتصام بالحزم , وأخذ بجوانب الرحمة التي لا تشجع المفسدين , ولا تظلم أحداً , ولا تهضم حقاً .

                          والثمرات العظيمة التي تقدمها الأحكام الإسلامية التي يتقيد بها القضاء الإسلامي السليم النزيه , تسيء إلى أعداء الإسلام إساءات بالغات , إذ تحرمهم من سلطة التلاعب بالقوانين حسب أهوائهم ومصالحهم , كما تبقي للإسلام نوعاً من السلطة التنفيذية , إذ يظل المسلمون عن طريقها مرتبطين بإسلامهم , يضاف إلى ذلك ما يمنحه تطبيق أحكام الإسلام من طمأنينة واستقرار وتخفيف من المشكلات الاجتماعية , نظراً إلى شعور المسلمين بأن الأحكام الربانية هي التي تطبق عليهم , وهذا الشعور يفرغ على قلوبهم رضى بها , وسر ذلك أن الأحكام الإسلامية الموضوعة قيد التطبيق في الحكم تجمع في وقت واحد السلطة المادية والسلطة الروحية .

                          العنصر السادس: أحكام الأحوال الشخصية , الشاملة لأنظمة بناء الأسرة وحقوقها وواجباتها .

                          ويتخذ الأعداء الغزاة الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين المسلمين وبين تطبيق الأحكام الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية , التي تتناول أحكام عقد الزواج وحله , وتتناول ضوابط العفة , وأصول الأسرة , وأسس روابطها , وواجبات أعضائها وحقوقهم , وتتناول أحكام تكافلهم , وحدود النفقة الواجبة , ومن يتحمل مسؤوليتها , ومن يستفيد منها , ويلحق بذلك أحكام المواريث .

                          ويحاول الأعداء الغزاة أن يحلوا محل أحكام الإسلام المتعلقة بالأحوال الشخصية فوضويات مختلفة , وقوانين فاسدة أو ناقصة من أوضاع الناس , بغية خلخلة بناء الأسرة الإسلامية , وإحداث الفصل الجزئي بين المسلمين والإسلام , تمهيداً لإحداث الفصل الكلي بينهم وبينه .

                          إنه متى فقدت الأسرة المسلمة نظامها المحكم القائم على التعاليم الإسلامية انحلت روابطها , وانتزعت منها روح التعاطف والمودة والثقة المتبادلة , ونمت الأنانية الفردية , وشعر كل فرد بأن مسؤولياته نحو أفراد أسرته أعباء لا موجب لها , وتمسي علاقات الأسرة إذا وجدت علاقات مادية صرفة قائمة على أسس تبادل المصالح والمنافع , كالأسس التي تقوم عليها التجارة , والمعاملات الاقتصادية الأخرى , وهذا ما وصلت إليه الأسرة الأوربية التي أخذت في طريق الانحدار , مستهينة بتقاليدها وأنظمتها الموروثة , المستقاة أصولها من بقايا التعاليم الدينية القديمة .

                          وحينما يفقد عقد الزواج قدسيته وأحكامه الربانية , وتقوم الارتباطات الأسرية على اتفاقات فوضوية , تتحكم بكل من الرجل والمرأة أهواؤهما ونزواتهما العارضة التي ينحل بها الارتباط , ليقوم مقامه صفقة ارتباط آخر , ثم تنشأ مشكلة المسؤولية نحو الأولاد إذا وجدوا , وعندها تتوارد مشكلات اجتماعية كثيرة , تستدعي إنشاء دور اللقطاء , وملاجئ المشردين الذين لا أسر لهم , ويكثر أطباء الإجهاض الذين يقتلون الأجنة , ويتفشى في الفتيات تعاطي حبوب منع الحمل , وتتفشى في الناس الأمراض الخطيرة , التي تمثل العقاب الإلهي للفوضى الجنسية .

                          وحينما تفقد أعضاء الأسرة ضوابط العفة التي أمرت بها الشرائع الربانية كلها , تمسي العلاقات قائمة على أساس فقد الثقة , ومع فقد الثقة يذبل الشعور بالمسؤولية نحو الأولاد , والشعور بالعطف والمودة نحوهم ونحو التي أنجبتهم , ومع هذه الخاطرات النفسية القلقة تنمو الأنانية الذاتية وتفقد الأسرة جزءاً كبيراً من أركانها المعنوية , وهذا ما يريده أعداء الإسلام للمجتمعات الإسلامية .

                          وحينما تفقد الأسرة أصول تكوينها وأسس روابطها تتدفق سيول المشكلات الحقوقية , التي تدفع معها كتلاً صلبة كثيرة من الجرائم الإنسانية المؤلمة , وهذا ما يريده أيضاً أعداء المسلمين للمجتمعات الإسلامية .

                          وحينما تمسي واجبات أعضاء الأسرة واجبات غير ربانية , وتكون عرضة للتحولات والتبدلات بحسب آراء المقننين ينحل من نفوس الأفراد عنصر كبير من العناصر المحرضة على الالتزام , الدافعة له بقوة , ألا وهو عنصر مراقبة الله وخشيته , وعندئذ تنشأ آلام اجتماعية كثيرة , ويتهرب الناس من تأدية الحقوق متى وجدوا إلى ذلك سبيلاً يحميهم من عقاب السلطة الحاكمة .

                          ونظام الميراث يمثل رابطاً قوياً من الروابط المادية للأسرة , إضافة إلى الروابط المعنوية الأخرى , وبانقطاع هذا الرابط تفقد عوامل بناء الثروة العامة شطراً كبيراً من عناصرها النفسية , لأن معظم الناس يضاعفون كدحهم في الحياة رغبة في إسعاد وإغناء أولادهم وذرياتهم من بعدهم , فإذا انقطعت آمالهم من ذلك تضاءلت القوى المحرضة لهم على العمل والإنتاج , وأمست قاصرة على تحقيق المطامع التي تتعلق بأشخاصهم فقط .

                          ويتخذ أعداء الإسلام لهدم الأنظمة الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية عدة وسائل , منها الوسائل التالية :

                          1- التلاعب بالنظريات الحقوقية , وبث نظريات مختلفة مزخرفة , يلبسونها أثواب التحرر .

                          2- نشر المذاهب الفكرية الإلحادية القائمة على أساس إلغاء نظام الأسرة وضوابط العفة , وبث المجتمعات الإنسانية بثاً بهمياً .

                          3- الغزو بأنواع السلوك المقرون بالفوضى الجنسية , وهذا الغزو قد جاءت أمواجه إلى أبناء المسلمين وبناتهم متدفقةً من الغرب ومن الشرق .

                          4- وكان من الوسائل خطط تهدف إلى إفساد الوضع التطبيقي للقضاء الإسلامي والقضاة المسلمين , أو إيجاد العقبات دون إصلاح وضعه الفاسد , والغرض من ذلك أن يحمل هذا الوضع الفاسد مبررات إلغائه , وبعد إلغائه يتم إلغاء أصوله وأحكامه , وإحلال القوانين المدنية محله , وهذا ما جرى فعلاً في بعض البلاد الإسلامية .

                          العنصر السابع : الأخلاق الإسلامية , وسائر أنواع السلوك الإسلامي الفردي والجماعي , فعملوا على نشر الفساد الخلقي والسلوكي بين المسلمين .

                          واهتموا اهتماماً بالغاً بإفساد المرأة عن طريق نظريات تحريرها , وإغرائها بالانطلاق من قيود العفة , ورقابة الأسرة , ونقد المجتمع , وخدعوها بشعارات الحرية والمساواة , وحرضوها هم وأجراؤهم على السفور والاختلاط , حتى انجرفت إلى مزالق كثيرة .

                          العنصر الثامن : العبادات الإسلامية الفردية والجماعية , وسائر شرائع الإسلام وأحكامه , ومفاهيمه المتعلقة بشتى شؤون النفس والحياة والفكر والعمل .

                          العصر التاسع : لب دائرة الإسلام الذي ترتكز فيه أركان العقيدة الإيمانية , وهو الهدف الأخير .

                          ويحاول الأعداء الوصول إلى هدم هذا العنصر الذي هو أساس الدين , بعد عمليات الفصل الجزئي للعناصر السابقة , ومتى تم هدم هذا العنصر فقد تم هدم الإسلام كله , بحل آخر عروة من عرا الإسلام .

                          من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                          Comment

                          • قسورة
                            عضو
                            • Nov 2005
                            • 157

                            #14



                            الفصل السادس
                            وسائل الغزاة وحيلهم



                            1- مقدمة عامة

                            2- وسائل الغزو غير المسلح .

                            3- شرح الوسائل .





                            (1)

                            مقدمة عامة


                            استخدم الأعداء الغزاة عدة وسائل لتحقيق أهدافهم , وتنقسم هذه الوسائل إلى قسمين رئيسين :

                            القسم الأول : وسائل الغزو المسلح الذي يشترك فيه المستعمرون وسائر الطامعين بالتسلط سياسيين كانوا أو عسكريين , تؤازرهم في ذلك سائر القوى المادية والمعنوية التي تتجند معهم في حملات الغزو .

                            القسم الثاني : وسائل الغزو غير المسلح , ويشترك فيه المبشرون والمستشرقون وبعض السياسيين والاستعماريين , ويؤازرهم في ذلك الشركات والمؤسسات ذات الاختصاصات المتنوعة , تجارية كانت أو صناعية , أو إنشائية عمرانية , أو هندسية , أو غير ذلك , وتؤازرهم أيضاً البعوث العلمية , والمؤسسات التعليمية على اختلاف درجاتها , وتفاوت مستوياتها , وكذلك الخبراء الفنيون والإداريون في شتى نواحي الحياة , حينما تدعوهم الضرورة إلى ذلك وتتسنى لهم المؤازرة والتأييد .

                            أما وسائل الغزو المسلح فقد تختفي مقدماتها تحت أستار الخداع السياسي أو الاقتصادي , أو التعليمي , أو العسكري , وحينما يجد الغزاة الطامعون أن الفرص السياسية والعسكرية قد أصبحت مواتية لهم يفتعلون الأحداث لإثارة طيش الجهة التي يهدفون إلى غزوها , أو يفتعلون الفتن الداخلية الطائفية أو الطبقية أو القومية , أو يرشون من يطلب منهم التدخل , ليتخذوا من إحداها مبرراً لتدخلهم السافر , بحجة التأديب والانتقام , أو حجة حماية الأقليات , أو بحجة العمل على فرض الأمن والاستقرار , أو حجة تلبية طلب بعض أهل البلاد لنجدتهم , أو حجة التمدين والمساعدة على التقدم , أو حجة تماثل بحجة الذئب ضد الخروف في الحمام , إذ قال الذئب للخروف بعد أن نظر إليه بشراسة ولؤم ونهم إلى افتراسه : لماذا تثير الغبار علي أيها الخروف الوقح ؟ . فقال له الخروف : وهل في الحمام يا صاحب السلطان والصولجان غبار ؟ ألا ترى أنه لا يوجد في الحمام إلا بلاط وماء , ولكن قل لي : أريد أن آكلك , وكفى , ولا تفتعل المبررات المرفوضة شكلاً وموضوعاً , فغريزة العدوان وحب السطو في نفسك كافية لأن تبرر لك كل جريمة , ولكن الذئب اعتبر كشف هذه الحقيقة إهانة بالغة له فسطا على الخروف فأكله وأخرس لسانه . ثم التفت فرأى في ناحية نائية من الحمام خروفاً آخر , فقال له : وأنت ؟! . فقال له الخروف : أما أنا فلم أثر غباراً ولم أوجه اعتراضاً . فقال له الذئب : ولكنك من صنف من اعترض علي وناقشني , ثم سطا عليه وافترسه .

                            وهكذا يتم بسط نفوذ الطامعين , حينما تتوافر لديهم القوى المادية الكافية , أو حينما تنجح حيلهم التي تظفرهم بمطامعهم , دون أن يكلفهم الظفر بها نفقات كثيرة ودماء غزيرة , وقتالاً مضنياً . أخرى , استطاعت أن تصمد لكل محاولات الهدم الظالمة الآثمة , التي يوجهها الأعداء الغزاة ضدها .

                            (2)

                            وسائل الغزو غير المسلح

                            وأما سوائل الغزو غير المسلح فكثيرة جداً يخططها الدهاء والمكر الشديد , وينفذها الجد والصبر وطول الأمل , ومن هذه الوسائل ما يلي :

                            1- الوجوه المستعارة التي تظهر معاني إنسانية جميلة يستأنس بها الناس , وتخفي من ورائها رؤوس ونفوس الوحوش الضاريات .

                            2- الخداع السياسي , وتتولاه الأجهزة السياسية للدول ذات المطامع بالسيطرة , ولهذا الخداع أشكال مختلفة كثيرة , تعتمد على الكذب والنفاق والحيلة والاستدراج والدفع إلى المزالق .

                            3- الضغط السياسي , ويكون باستخدام وسائل الضغط الدولية والمحلية .

                            4- الحصار الاقتصادي , وله أشكال مختلفة كثيرة , والغرض منه الإلجاء إلى الخضوع والخنوع والموافقة على الشروط التي تمليها السلطات الطامعة .

                            5- الحصار العلمي والثقافي , وله أشكال كثيرة , والغرض منه الإبقاء في دائرة التخلف , والإلجاء للموافقة على قبول المذاهب الفكرية أو الاجتماعية أو الدينية التي تمليها السلطات الطامعة , أو الرضى بتنفيذ خططهم السياسية والعسكرية .

                            6- التمييز الطائفي , وهو نوع من الإلجاء إلى الانتساب إلى الطائفة المميزة لتحصيل الفوائد المالية أو العلمية أو الاجتماعية أو المغانم السياسية أو العسكرية التي تميز بها من غيرها من الطوائف .

                            7- التمييز العنصري , وهو مظهر من مظاهر العصبيات الجاهلية التي تدعو إلى سيطرة بعض العناصر البشرية على بعض , وإن اتفقت في أديانها ومذاهبها الفكرية والاجتماعية , وأوطانها ولغاتها .

                            8- التضليل الفكري , وذلك لتحويل مناهج سلوك الشعوب التي يوجه لها هذا التضليل .

                            9- العبث النفسي , وذلك بالتلاعب بالانفعالات الآنية والعواطف الثابتة لاستثمار ذلك في تحقيق الأهداف التي يرمي إليها الطامعون بالتسلط .

                            10- حيل السلب المالي , وذلك لتحقيق ما يمكن استلابه من المطامع المالية عن طريق الحيلة

                            11- الإفساد الاجتماعي ببث عوامل الخلاف والضعف في صفوف الأمة , وذلك لإضعاف قوتها الجماعية , ولدفعها إلى سحيق التخلف حتى تفقد ثقتها بنفسها وترضى مواقف الاستعباد

                            12- الإفساد الخلقي , لما لهذا من نتائج وخيمة , تظهر بانهيار الشعوب التي تفسد أخلاقها , وتظهر بضعفها وتخلفها , وتمزق وحدتها , وكل روابط التماسك فيها , وعندئذ يتمكن الطامعون من السيطرة عليها سيطرة تامة .

                            13- إقامة أنواع الصراع الطبقي , والطائفي , والحزبي , والمذهبي , والقومي , والعرقي , والإقليمي , وغيرها .

                            وفيما يلي شرح إجمالي لهذه الوسائل من وسائل الغزو غير المسلح :

                            (3)

                            شرح الوسائل


                            الوسيلة الأولى
                            الوجوه المستعارة

                            حينما تريد كتائب الغزو غير المسلح تحقيق أهدافها المختلفة في الشعوب المسلمة فإنها تلبس لذلك وجوهاً مستعارة متنوعة , لتخفي بها هويتها الحقيقية .

                            وقد استطاع الدهاة العالميون أن يبتكروا للذين يريدون التنكر وإخفاء أهدافهم وجوهاً مستعارة كثيرة , ومعظم هذه الوجوه المستعارة إنساني السمات , ولكن الوجوه الحقيقية التي تختفي وراء هذه الوجوه المستعارة لا تمت إلى الإنسانية بصلة .

                            وفي داخل الأقفاص الحديدية يشاهد زائرو الأجنحة الخطرة من حدائق الحيوانات أشباه هذه الوجوه الحقيقة , إلا أنها من الآدميين تسترها وجوه مستعارة خادعة يستأنس بها .

                            ومن الوجوه المستعارة المؤسسات التعليمية التي يصدرها إلى البلاد الإسلامية المبشرون والمستعمرون والملحدون , ويتبعها مناهجهم التعليمية , وحشد الكتب التي تحمل ألوان الثقافة المدسوسة بما يريدون غزو الشعوب الإسلامية به , مما يهدم دينهم وكيانهم الذاتي , ويمزق شخصيتهم الواحدة إلى أشلاء متناثرة .

                            فما لا شك فيه أن العلم وجه إنساني مشرق , ولكن العلم متى أخفى وراءه خطة من خطط الإفساد والتضليل أمسى في الحقيقة وجهاً من الوجوه الوحشية المفترسة للإنسانية وفضائلها وكمالاتها , ولا بد أن ينحسر عنه ذلك الوجه المستعار مهما طال أمد المصانعة والرياء والنفاق .

                            ومن الوجوه المستعارة أيضاً المؤسسات الصحية التي يصدرها المبشرون إلى بعض البلاد الإسلامية ، يقول المبشر ((موريسون)) :

                            ((نحن متفقون بلا ريب على أن الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين المرضى , أن ندخلهم أعضاءً عاملين في الكنيسة المسيحية الحية , وتحرص مؤتمرات التبشير على أن تكون توجيهاتها وقراراتها مؤكدة لخطورة استخدام العلاج الطبي في التبشير)) .

                            ومما لا ريب فيه أيضاً أن الطب وجه إنساني مشرق , ولكن الطب متى غدا وسيلة من وسائل التضليل الفكري , وإفساد العقائد الصحيحة التي تدين بها الشعوب الإسلامية , أمسى في الحقيقة وجهاً من وجوه الثعالب الشيطانية , التي تخادع الإنسانية لترمي بها في الجحيم , وتدفعها إلى الشر والإثم والباطل , ومهما طال الأمد فلا بد أن ينحسر ذلك القناع الخادع , ويظهر الوجه الحقيقي اللئيم .
                            ومن الوجوه المستعارة المساعدات الاقتصادية والمعونات المادية التي تقدمها الدول الاستعمارية الطامعة .

                            وخليق بالمساعدات والمعونات أن تكون وجهاً إنسانياً مشرقاً , ولكنها حينما تكون وسيلة للتسلط , أو وسيلة لفرض شروط معينة تتعلق بالكرامة , أو بالسيادة , أو بالعقائد , أو بالأخلاق , أو بكيان الأمة الإسلامية الواحدة , فإنها لا غرو أن تمسي وجهاً متوحشاً مفترساً , يقدم لفريسته الطعم , لينقض عليها متى دنت منه , ولا بد أن ينحسر القناع , ويظهر الوجه الشره الفراس مهما طال أمد المصانعة والمداراة والنفاق .

                            ومن الوجوه المستعارة المساعدات العسكرية بالأعتدة الحربية , أو بالرجال , أو بالخبراء والفنيين .

                            وخليق أيضاً بالمساعدات العسكرية التي يقصد منها صد عدوان المعتدين وإقامة الحق والعدل أن تكون وجهاً من الوجوه الإنسانية المشرقة , ولكنها حينما تكون وسيلة للتسلط , أو تكون مصحوبة بشروط تمس كرامة الأمة , أو سيادتها , أو عقائدها أو أخلاقها , أو كيانها المتماسك القوي , أو تكون مقيدة بقيود تحجزها عن الحركة الفعلية في صد العدوان أو استرداد الحق المغصوب , فإنها لا بد أن تسفر عن وجه من الوجوه المتجهمة المتوحشة المفترسة , التي تتصنع لفريستها , فتلبس أمامها وجهاً مستعاراً تأنس به وتميل إليه , وذلك لتتمكن من تحقيق أهدافها دون أن تثير حذر فريستها , وتلجئها إلى المخابئ .

                            وهكذا تتنوع الوجوه المستعارة التي تخفي وراءها وجوهاً مختلفة شتى , يلاحظ أهل البصر النافذ فيه وجوه الثعالب , والذئاب , والضباع , والثعابين , والتماسيح , والفهود , والنمور وغير ذلك من وحوش البر والبحر .

                            أما الموقف الحزين فهو موقف الإنسانية الكريمة , التي تقف ذليلة مهينة متألمة تنظر شطر السماء , وتتحرق خجلاً من انتساب هذه الوحوش الضارية إلى سلالتها البشرية .

                            الوسيلة الثانية
                            الخداع السياسي


                            مراقبو الأحداث يشاهدون كم نكبت البلاد الإسلامية بحيلٍ مختلفة من حيل الخداع السياسي الذي مهره الغزاة الطامعون الغربيون والشرقيون مهارة فائقة .

                            وعناصر الخداع السياسي ترجع إلى مجموعة من الرذائل الخلقية , كالكذب والنفاق والرياء والخيانة ونقض العهد وعدم الوفاء بالوعد ونحو ذلك .

                            وتاريخ المآسي التي اكتوى المسلمون بنارها على أيدي الأعداء الغزاة والطامعين مشحون بأمثلة الخداع السياسي , ومنها الأمثلة التالية :

                            أ – الخديعة التي وقعت الأمة العربية في فخها على أيدي الاستعماريين خلال الربع الأول من القرن العشرين للميلاد , فأدت إلى قصم ظهر الوحدة الإسلامية , بقيام الثورة العربية ضد الشعب التركي المسلم , لا ضد سلطاته الحاكمة فقط , وذلك في عام (1916م) , ثم إلى تقسيم الأمة العربية إلى دويلات , وبسط النفوذ الاستعماري عليها , وقد رافق هذه الأحداث الجسام سلسلة متعاقبة من حلقات الخداع السياسي الذي تصيد به المستعمرون مشاعر الأمة العربية أولاً , واستغلوا به ضعفهم وغفلتهم وجهلهم بألاعيب السياسة الدولية وحيلها وأكاذيبها , ونقضها للعهود , وعدم وفائها بالوعود , ومطامعها بالاستغلال وبسط السلطات , ونهب خيرات البلاد , وابتزاز أموالها وثرواتها وطاقاتها .

                            وقد بدأت الخديعة بإثارة مشاعر الاستقلال والتحرر في شعوب الأمة العربية , ثم انتقلت إلى خديعة تقديم المساعدات المالية والعسكرية , لإشعال الثورة العربية , ثم انتقلت إلى خديعة التحالف مع زعماء الشعب العربي يومئذ .

                            وبينما كانت بنود التحالف تنص على تأسيس دولة عربية موحدة تضم الجزيرة العربية وفلسطين وشرق الأردن ولبنان وسورية والعراق , كانت تجري مباحثات ((سايكس – بيكو)) بين فريقين من الدول الاستعمارية , بغية تقسيم البلاد العربية وإخضاع دول الهلال الخصيب لسلطة الانتداب , فكانت العراق وفلسطين والأردن من نصيب بريطانيا , وكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا .

                            وفي الوقت نفسه كانت الترتيبات تهيأ لإعلان وعد ((بلفور)) الذي يتضمن العطف على اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين , فكان ذلك الإعلان في الثاني من شهر تشرين الثاني لعام (1917م) , ثم بدأت السلطات الاستعمارية تهيئ ما يلزم لتنفيذ الوعد , ثم قامت دولة اليهود , وسارعت الدول الكبرى للاعتراف بها , وحلت المصيبة بالعالم العربي والعالم الإسلامي أجمع .

                            ب – ومن أمثلة الخداع السياسي الدولي الهدنة التي فرضت على الدول العربية المحيطة بالدولة اليهودية المصطنعة في قلب الأمة العربية عام (1948م) , وقد فرضت هذه الهدنة لتهيئة الفرصة الكافية لهذه الدولة الغاصبة كي تتمكن في الأرض , وتنشئ في جوٍ من الطمأنينة دولتها العدوانية داخل جسم الأمة العربية , ومن حولها سائر الشعوب الإسلامية , وقد استثمر اليهود والدول المساندة لهم هذه الخديعة أو في استثمار , وكان ذلك على حساب الأمة العربية والشعوب الإسلامية الأخرى .

                            جـ - ومن أمثلة الخداع السياسي الوعود السرية بتحقيق آمال الأمة العربية أو بعض المطامع الشخصية أو الحزبية , وهي الوعود التي تقدمها بعض الدول الكبرى مقابل إثارة اضطرابات وثورات , ونزعات متباينة متناقضة , ومقابل رج الأوضاع المختلفة داخل البلاد العربية , أملاً بتصحيح الأمور الفاسدة المنتشرة فيها , فتقدم الأمة العربية – وهي الطرف الضعيف – الثمن الباهظ المفروض عليها , وتنفذ ما يملى عليها تنفيذاً دقيقاً , مع زيادات تقتضيها ظروف الهدم لم تكن تتوقعها , حتى إذا قدمت من جانبها كل شيء وجدت نفسها في فخ الخديعة مقبوضاً عليها من كل جانب , وعندئذ تلبث تجتر الندم , ولكن حيث لا ينفع الندم , إذ تكون الآلام الكثيرة قد انتشرت , والأوضاع الفاسدة السيئة قد زادة فساداً وسوءاً , وأضيفت إليها عناصر فساد جديدة لم تكن تعرفها الأمة العربية من قبل .

                            وأما الآمال المنشودة الأولى التي كانت تملأ أنوارها عرض الأفق فإنها تنطفئ فجأة بخيبة قاتلة , لتحل محلها آمال جديدة هي آمال الخلاص من عضة الفخ .

                            والذي أوصل إلى هذه النتائج سلسلة من المؤامرات الدولية الكبرى , التي يظهر تنفيذها بشكل مفاجئ بعد خداع سياسي طويل , والتي تسوق الطرف الضعيف المقصود بالمكيدة إلى مزالق خطيرة , قد تلجئه إلى أن يرمي نفسه في أتون المهالك وهو يحسب أنه يحسن صنعاً .

                            د – ومن أمثلة الخداع السياسي التطمينات والتحذيرات والتهديدات الدولية الكاذبة , التي تباشرها الدول الكبرى الطامعة , مصحوبة ببعض الإمدادات العسكرية وغير العسكرية , وما هي إلا حفنة من الحيل التي يعرفها الصيادون السياسيون ويستخدمونها في تحقيق مطامعهم .

                            وربما دار الزمن دورته التاريخية على أحداث هذه الحقبة التي يعاصرها جيل الربع الثالث من القرن العشرين للميلاد , فاستطاع العالم الإسلامي الذي يغط في سبات الآلام الجاثمة , والآمال المقهورة أن يطلع على أكداس السجلات الدولية المشحونة بأمثلة الخداع السياسي , الذي عانت الأمة الإسلامية منه مصائب كثيرة انطبقت عليها فخاخه الخانقة المؤلمة , بعد أن اندفعت بشعاراته المحببة البراقة , بكل طاقاتها الفكرية والجسدية والمادية .

                            وإذا كتب الله لهذه الأمة الإسلامية الخلاص من نكباتها هيأ لها من يقود سفينتها قيادة حكيمة , وجمع كلمتها على الحق والتمسك بدينها ووحدتها .

                            د- ومن أمثلة الخداع السياسي تظاهر الاتحاد السوفياتي بمساعدة الدول العربية التي سارت في فلكه ضد الدولة الإسرائيلية المعتدية ، لاكتساب مغانم مادية وسياسية وتحقيق أهداف فكرية مذهبية هادمة للإسلام ، مع وجود اتفاق سري بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا على خطة عمل واحدةٍ في منطقة الشرق الأوسط .

                            وكان من مظاهر هذا الخداع أحداث كثيرة ، ولا ننسى أن إسرائيل لما قررت هجومها على البلاد العربية المتاخمة لها في حرب خاطفة عام (1967م) وكانت أمريكا وروسيا على علم بذلك ، سارعتا بتقديم نصائحهما وتهديداتهما للقيادة العربية يومئذ بعدم البدء بالهجوم على إسرائيل ، والاعتصام بضبط النفس ، وكان الغرض الضمني من ذلك تمكين إسرائيل من الظفر بتحطيم القوى العربية ، واستجابت القيادة العربية لذلك ، وتمت الخديعة ، وتحطمت القوى العربية خلال ساعات معدودات من أول المعركة ، وتحملت الشعوب العربية والإسلامية آلام نتائج هذه الخديعة وما رافقها من خيانات .

                            وفي معركة رمضان عام (1973م) سارعت أمريكا لإنجاد حليفتها إسرائيل فوضعت ثقلها الكبير بجانبها ضد الأمة العربية ، وأمدتها بالأسلحة الضخمة ، في حين تباطأت روسيا عن إمداد الدول العربية عند شد الأزمة بأسلحة الحماية وقطع الغيار ، رغم كل وعود التساند و المناصرة القائمة بينهما .

                            ونجد خديعة مشابهة جرت من هاتين الدولتين الكبيرتين في العالم ضد دولة باكستان المسلمة في نزاعها مع الهند ، وفي مؤامرة تقسيمها إلى دولتين .

                            فأمريكا بحسب الظاهر حليفة باكستان ، وروسيا حليفة الهند ، ولما وقعت الأزمة المدبرة لتقسيم باكستان سارعت روسيا لإمداد الهند باعتبارها حليفتها ، وتخلت أمريكا عن مساعدة باكستان ، وتمت المكيدة ، وعرف الخبراء المتتبعون للحقائق أن ما تم قد كان خطة متفقاً عليها من قبل روسيا وأمريكا ضد باكستان ، باعتبارها دولة من الدول الإسلامية .

                            * * *

                            الوسيلة الثالثة
                            الضغط السياسي


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح الضغط السياسي ، وللضغط السياسي أشكال كثيرة ، وصور متعددة تتفتق عنها قرائح دُهَاةٍ السياسة العالميين .

                            ومن صوره الكثيرة المؤامرات الدولية الكبرى ، والاتفاقات القائمة بينها على أساس تبادل المصالح ، وتقاسم المنافع ، وتقاسم مناطق النفوذ .

                            ومنها تسخير الدول الكبرى أثقال القوى التي تملكها لإلحاق الدول الصغرى في أفلاكها السياسية والاقتصادية الدولية ، ويلحق بها أفلاكها الثقافية والاجتماعية وغيرها .

                            ومنها المناورات والحيل السياسية التي تجري داخل جمعية الأمم المتحدة لحمل أكبر عدد من الدول على إعلان تأييدها لأحد المشاريع ولو كان فيه دعم للباطل وهضم للحق .

                            ومنها إيقاع البلاد الإسلامية في أزمات سياسية محلية خانقة ، تضطرها إلى الموافقة على الشروط السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي تمليها الدول ذات المطامع المختلفة في المسلمين وبلادهم ومصادر ثرواتهم .

                            ومنها الوسائل التي تدخل في حقول الإغراءات الشخصية أو العامة ، والوسائل التي تدخل في حقول التحذيرات والتهديدات والإنذارات الشخصية أو العامة ، ويدخل فيها التهديد بنشر الفضائح الخلقية والسلوكية الشخصية ، أو الفضائح السياسية الحقيقية أو الكاذبة .

                            ومنها تأسيس الأحزاب السياسية المرتبطة بالدول ذات المطامع ارتباطاً فكرياً ونفسياً ، أو ارتباطاً نفسياً فقط ، والأدهى من ذلك أن تكون مرتبطة ارتباطاً عضوياً أيضاً .

                            وعن طريق هذه الأحزاب تستطيع الدول ذات المطامع أن تضمن لنفسها استمرار القبض على المحركات الفعلية لسياسة الشعوب المستهدفة بالمكيدة ، وبذلك تجد هذه الشعوب نفسها مسوقة بقوة الضغط غير المنظور ، لتنفيذ السياسة التي يضعها قادة الدول ذات المطامع .

                            وعلى هذا النسق تسير ضغوطهم السياسية الكثيرة التي ترافقها الضغوط الاقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية غالباً . وهدفهم منها إخضاع الشعوب الإسلامية لسلطانهم وإلجاؤهم إلى الموافقة على تنفيذ مخططاتهم المختلفة ، والاندماج في فلكهم السياسي الدولي شرقياً كان هذا الفلك أو غربياً ، ولا يسمحون لهم أن يقفوا موقف الحياد الفعلي البعيد عن حلبة الصراع والتنافس الدولي ، ويساعدهم على ذلك واقع الضعف الذي دفعوا هذه الشعوب إليه ، بمؤامراتهم الكبيرة التي عملوا على تنفيذها بنفس طويل ، وصبر مديد ، وتآزرت على ذلك الدول المتنافسة فيما بينها ، المتنازعة على المصالح ، لأن بينها لقاءً فكرياً ونفسياً على هدم الإسلام وتوهين المسلمين .

                            ولعل تاريخ السياسة الدولية منذ الحروب الصليبية لا يسجل لقاء بين الدول المتصارعة المتنافسة على اختلاف مذاهبها السياسية والاجتماعية أهم ولا أبرز من لقائها على حرب الإسلام وتفريق كلمة المسلمين ، وتوهين قواهم في العالم ، وربما اختلفت مناهجهم وخططهم التطبيقية لتحقيق هذا الهدف ، وتفاوتت شدة وضعفاًَ ، ولكنها على كل حال لا تخرج من حسابها العمل لتحقيقه ، طال الزمن أو قصر .

                            * * *

                            الوسيلة الرابعة
                            الحصار الاقتصادي


                            تتعرض بلاد المسلمين باستمرار من قبل أمواج الطامعين الغربيين والشرقيين إلى أشكال متنوعة من الحصار الاقتصادي والضغط المرافق له .

                            والهدف من ذلك إخضاع الشعوب الإسلامية وإلجاؤها إلى الاستسلام لسلطان الغزاة السافرين أو المقنعين ، والإذعان لتنفيذ مخططاتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية ومرافقاتها الفكرية ، بغية اجتثاث كل فكرة تعرقل سبيل جيوش الغزاة ، وتقف عقبة في طريق تنفيذ مطامعهم السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية .

                            أما وسائل الحصار الاقتصادي فكثيرة ، منها الوسائل التالية :

                            الوسيلة الأولى : افتعال الأزمات الاقتصادية بحيل مقنعة ، أو بضغوطٍ سافرة ، أو استغلالها عند حدوثها لمحاربة المسلمين في أقواتهم وضروريات عيشهم ، بغية إخضاعهم ، وانتزاع موافقتهم على تنفيذ مطالب الطامعين في أموالهم أو بلادهم أو أنفسهم أو أفكارهم ومبادئهم .

                            ومن أمثلة ذلك حجب صفاتٍ التموين في سنوات القحط ، أو الإغراء بتحويل معظم زراعة البلاد عن استنتاج المواد التموينية طمعاً بأرباح المواد الأخرى غير التموينية ، ثم ترقب فرص حدوث الضرورات التموينية لشد الحبال على الرقاب ، حين لا يغنيها شد الأحزمة على البطون .

                            الوسيلة الثانية : حمل المسلمين عن طريق الإكراه المباشر أو غير المباشر على تطبيق نظم اقتصادية من شأنها أن تهدم اقتصاد المسلمين وتبدد ثرواتهم ، وتلقي بهم في أزمات اقتصادية خانقة ، وبعد حدوث الأزمات الاقتصادية المثيرة للضجر ينكشف وجه العدوان ببسماته الصفراء ، مقدماً كراسة شروطه القاسية المادية والمعنوية لتقديم مساعداته في حل عقد الحبل الخانق الذي أدارته على الرقاب الأزمة المفتعلة .

                            الوسيلة الثالثة : حرمان الشعوب الإسلامية من وسائل تقدمها وتطورها في العلوم العلمية ، والعمل على إبقائها في منطقة التخلف الصناعي والزراعي والتجاري والعسكري ، إلا ضمن شروط سياسية وعسكرية واقتصادية تتسم بطابع الإذلال والاستعباد ، أو ضمن شروط فكرية واجتماعية تتسم بطابع التحويل في العقائد والأنظمة والأحكام الدينية ، وهدم الأبنية الاجتماعية والخلقية التي تمثل ميراث المجد والفضيلة .

                            ونجد أمثلة من ذلك تطبق على مختلف الشعوب المسلمة في آسيا وأفريقية ، وفي الشرق الأقصى ، وتطبق بشكل بارز قوي على مسلمي القارة السوداء .

                            الوسيلة الرابعة : مضاربة اقتصاديات الشعوب الإسلامية النامية بثقل الاقتصاد العالمي القوي ، الذي يتمتع بالقدرات الحكومية والشعبية الواسعة ، بغية إفقار هذه الشعوب ، وردها إلى مواقف التخلف ، وإلجائها إلى الموافقة على تنفيذ الخطط السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي يميلها الطامعون داخل بلادها ، تحقيقاً لمطامعهم المختلفة .

                            الوسيلة الخامسة : شَغْل الشعوب الإسلامية في معارك داخلية لا تمس مصالح الطامعين ، وهذه المعارك تستهلك ثروات هذه الشعوب ، وتمتص طاقاتها المختلفة ، وتعيق تقدمها الحضاري والمدني ، وتسد عنها ينابيع الازدهار ، وتحرمها من نعمة الاستقرار ، بغية إفقارها وردها إلى مواقف التخلف ، وإلجائها إلى أن تعلن موافقتها على تنفيذ الخطط السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي يُمليها الطامعون شرقيين كانوا أو غربيين .

                            الوسيلة السادسة : ربط الشعوب الإسلامية بالقروض الكثيرة التي تتنامى بالفوائد الربوية ، بغية إيقاعها تحت مطرقة المطالبة المستمرة ، والضغط عليها بحواصر الالتزامات إلى أن تستسلم بسبب العجز عن توفية ما عليها من التزامات ، فتوقع الاتفاقات السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي يمليها الطامعون بأرضها وخيراتها وطاقاتها البشرية .

                            وهكذا تتعدد وسائل الحصار الاقتصادي ، وهي على اختلافها تهدف إلى استغلال نتائج الحصار لصالح الدول الطامعة باستغلال المسلمين واستثمار بلادهم ، واجتثاث إسلامهم واقتلاعه من جذوره ، والسير بهم عبيداً أذلاء في ركب أحد المخططات الدولية الكبرى .

                            * * *

                            الوسيلة الخامسة
                            الحصار العلمي والثقافي


                            يصطدم كثير من أبناء المسلمين بعقبات الحصار والاحتكار العلمي ، التي أقامها في طريق تقدمهم المستعمرون والطامعون الغربيون والشرقيون ، وإرساليات التبشير السافرة والمقنعة ، والمؤسسات التعليمية العليا ، في الغزو غير المسلح الذي يكيدونهم به ، والهدف من ذلك إلجاؤهم بطريق مباشر أو غير مباشر لتنفيذ الرغبات وتحقيق المطالب الاستعمارية والتبشيرية ، أو المطالب الرامية إلى هدم الإسلام وتوهين المسلمين ، إذ يجعلون فتح أبواب العلم لأبناء المسلمين مشروطاً بدفع الثمن الغالي من الرصيد الباقي من الإيمان والعقيدة والتفكير ، أو من السلوك والأخلاق والضمير .

                            ويوجّه هذا الحصار ضد الأفراد المسلمين الذين يفدون إلى معاهد العلم ، وضد الدول الإسلامية التي تحاول أن تشق طريقها إلى التقدم العلمي في مختلف المجالات العلمية المادية النافعة ، التي تعتبر أساساً للتقدم الصحيح ، لا سيما ما يتعلق منها بعلوم الطاقة وبتطبيقاتها في مجالات القوة .

                            والثمن الذي يفرض على طالبي العلم والتقدم إما أن يقدمه الأفراد وإما أن يقدمه حكام البلاد . والذين يمعنون النظر في عدسات البحث والمتابعة ، التي تطوف مناظيرها في أرجاء العالم ، يشاهدون كم عانى ويعاني أبناء مسلمي البلاد الواقعة تحت تأثير الأعداء الغزاة ، من خطط احتكار العلم ، وحرمانهم من نعمته ، وإبقائهم في دركات الجهل ، ما لم يجندوا أنفسهم في كتائب الاستعمار ، أو كتائب الإلحاد أو كتائب التبشير . أما المجندون في هذه الكتائب بحكم الوراثة فتفتح لهم أبواب العلم ، وتُمد لهم المعونات ، وتُمهد لهم السبل ، وتهيأ لهم أفضل الشروط لاستكمال دراساتهم العالية ، وتقدم إليهم المنحات والبعثات الدراسية المختلفة .

                            وقد يصارع بعض أبناء المسلمين ، فيشق بكفاحه وجهده الشخصي طريقه لتحصيل العلوم الملائمة لميوله النفسية واستعداداته الفطرية ، وقد يستطيع تخطي العقبات الكثيرة ، حتى إذا ظفر ببعض الاختصاصات العالية النادرة ظهرت أمامه عقبات الحياة العملية ، التي تهدف إلى حجبه عن مراكز التعليم والتوجيه والإدارة والإنتاج ، وهنا يظهر في وجهه تواطؤٌ رهيبٌ من قبل الأجهزة المعادية للإسلام السافرة أو المقنعة ، على إغلاق كل باب في وجهه يمكن أن يعبر منه إلى خدمة صحيحة لأمته الإسلامية ، ضمن إطار اختصاصه ، حتى إذا بدأت تنكشف لجماهير المسلمين الدلائل التي نثبت أنه يُحارب وتوصد في وجهه الأبواب لكونه من المسلمين الملتزمين بإسلامهم ، وخشيت الأجهزة المقنعة الفضيحة التي تستتبع يقظة المسلمين العامة توجهت نحوه المغريات المادية ، ثم قُذف به إلى عمل بعيد كل البعد عن اختصاصه ، بغية قتل ما حصَّله من علم خلال سنين عديدة في أعمالٍ يستطيع القيام بها أقل الذين يحسنون صنعة القراءة والكتابة ، وبغية إبعاده عما ينفع أمته الإسلامية ، أو يخدم راسلتها الفكرية والتطبيقية ، وربما رافق ذلك إغراءات كثيرة من قبل دول أجنبية تدعوه للهجرة إليها ، والعمل عندها بمرتبات ضخمة ، كيما تستثمر اختصاصه وتضيفه إلى ثرواتها العلمية ، وتحرم أمته الإسلامية منه ، أما عواطفه نحو أمته فقد ذبحها الأجراء الذين ينفذون مخططات أعداء الإسلام الرامية إلى عرقلة سبيل تقدم المسلمين ، وأما مطامعه الشخصية فقد أرضاها سادتهم الذين خططوا لهم ، واستخدموهم في التنفيذ .

                            وحينما كسرت بعض الشعوب المسلمة الحصار بكفاحها المتواصل ، ويقظة بعض أبنائها ، أخذت الأجهزة التي تضمر لهم العداء تحاول أن تمكر بهم ، وتفسد خطتهم التعليمية ، وتحول مجرى مسيرتهم عن الطريق السوي الذي يوصلها إلى التقدم المادي الصحيح ، وقد ظهرت محاولات هذا المكر الرامي إلى حرمان المسلمين من العلوم العلمية ، وحجبها عنهم بأشكال متنوعة ، ووسائل شتى ، منها ما يلي :

                            أولاً : شَغْل أبناء المسلمين بالعلوم النظرية البحت ، البعيدة عن المجالات التطبيقة النافعة ، المتصلة بالمنجزات العلمية ذات الأثر المادي ، والمبتكرات الصناعية الحديثة ، وذلك بالإيعاز لأجرائهم أن يشحنوا المناهج الدراسية بالبحوث النظرية البحت ، لقتل طاقاتهم الفكرية بها ، وصرفهم عن الأشياء العلمية ، والعلوم التي يمكن استثمارها في التقدم الصناعي ، وفي مسايرة منجزات العصر التي تتطور بسرعة فائقة .

                            ثانياً : شغل أبناء المسلمين بالفلسفات الفكرية المتناقضة المتعارضة ، وغمسهم في صراع المبادئ الاجتماعية ، بغية قتل طاقاتهم الفكرية والجسدية بها .

                            ثالثاً : شغل أبناء المسلمين بحشد من التفاهات التعبيرية التي يسمونها أدبا ، دون أن يكون لها ثمرة تربوية قويمة ، أو خلقية كريمة ، أو فكرية تضيف علماً ، أو نفسية تنمي ذوقاً ، أو تسمو بوجدان .

                            رابعاً : إدخال فنون التمثيل والرقص والغناء والتصوير والنحت في قائمة العلوم التي يتوقف ارتقاء الأمم وتقدمها عليها ، بغية امتصاص طاقات المعرفة في هذه المجالات وصرفها عن العلوم العلمية النافعة .

                            وبهذه الركامات غير المثمرة التي يملؤون بها فراغ طالبي المعارف والعلم تتكون لديهم عقدة استعلاء نفسي ، يرافقها واقع جهل بكل العلوم العملية النافعة ، التي ينحصر فيها تقدم الشعوب المتخلِّفة للأخذ بأسباب المدنية المزدهرة المتطورة .

                            ويكافح نفر من أبناء المسلمين الملتزمين بإسلامهم حتى يجتازوا مرحلة الدراسة الجامعية ، ويطمحون إلى خدمة أمتهم بمتابعة الدراسات العليا لتحصيل شهادات الدكتوراه في العلوم العملية المثمرة ، فتظهر في طريقهم عقبات ذات مستوى رفيع ، تصدهم بالمناورات والمداورات وفرض الشروط التي لا يطالب بمثلها نظراؤهم من المجندين في كتائب مناهضة الإسلام وعرقلة سبيل المسلمين ، وتصدهم أحياناً بعدم الاعتراف بثمرات جهدهم التي لو قدمها غيرهم لكانوا في نظر مانحي الدرجات العلمية عباقرة وممتازين ، إلا أنهم يتلقونها من هؤلاء المسلمين بسمع موصود ، وضمير مفقود ، فيرفضونها أو يسرقونها ، أو يوجهون ضدها الدعاوي الكاذبة ، وسر ذلك أنهم لا يريدون لمسلم ملتزم بإسلامه ، متحمس له ، أن يحمل لقباً علمياً عالياً يخدم به أمته .

                            أما الذين يبيعون ضمائرهم من أبناء المسلمين للغزاة الأعداء ، فيُمنحون الألقاب العلمية الرفيقة التي لا يستحقونها ، دون أن يبذلوا جهداً ، أو يكتسبوا علماً ، وعن طريق هؤلاء يستطيع الغزاة تحقيق أغراضهم في الشعوب الإسلامية وفي بلاد المسلمين ، إذ يستخدمونهم في الأعمال كما يريدون ، وهم في ألقابهم العلمية لا يخدمون أمتهم شيئاً ، لأنها لم تمنح لهم وهم يستحقونها ، ثم يدفعون بهم إلى المراكز الكبيرة في بلادهم ، لينفذوا ما يُملى عليهم من قبل الذين منحوهم ما لا يستحقون ، واشتروهم بما يشتهون .

                            * * *

                            الوسيلة السادسة
                            التمييز الطائفي


                            من وسائل الغزو غير المسلح التمييز الطائفي ، ويظهر هذا التمييز بتقديم غير المسلمين على المسلمين في مختلف المجالات ، تعبيراً عن الكراهية للمسلمين ، وإلجاءً لهم إلى حتى ينفذوا الرغبات الاستعمارية ، ويحققوا المطالب التبشيرية المعادية للإسلام ، والرامية إلى هدم أبنيته وقواعده ، وتوهين المسلمين وتشتيت شملهم وتمزيق وحدتهم .

                            ففي المجالات الاقتصادية تحاول أجهزة الغزو غير المسلح بكل ما تستطيع من جهد أن تفتح أبواب الاستثمارات المختلفة لغير المسلمين ، بينما توصها في وجوه المسلمين ، وقد عانت الشعوب الإسلامية من صور هذا التمييز في معظم البلاد التي كان للاستعمار فيها يد حاكمة سافرة أو مقنعة ، وكان للمبشرين فيها أيادٍ تعبث بشكل سافر أو مقنع ، وما زال كثير من المسلمين يعانون من هذا التمييز بنسب مختلفة باختلاف قوة تسلط الأجهزة الاستعمارية والتبشيرية ، الأمر الذي نشأ عنه تضخم ثروات غير المسلمين على حساب استثمارهم واستغلالهم للأكثرية المسلمة .

                            ومن أمثلة ذلك تسهيل أعمال الاستيراد والتصدير للأفراد والشركات والمؤسسات الاقتصادية غير المسلمة ، وعرقلة أعمال المسلمين فيهما ، والسماح بإنشاء الشركات الصناعية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى لغير المسلمين ، وعدم السماح للمسلمين بمثل ذلك ، ما لم يكن النصيب الأكبر لغيرهم .

                            وفي مجالات التوظيف في الدوائر والمؤسسات الرسمية تحاول الأجهزة الاستعمارية والأجهزة السائرة في مخططها أو تسُند معظم الوظائف المهمة لغير المسلمين ، وحينما تلح عليها الضرورة أو المجاملة أن تسند بعض الوظائف للمسلمين فإنها تختار من المسلمين الضعفاء ، أو غير الملتزمين بإسلامهم ، أو تختار لهم الأعمال البعيدة عن مراكز القيادة والتوجيه ، والبعيدة أيضاً عن الأعمال المفيدة في اكتساب خبرات فنية ، وعن سائر الأعمال التي ترى الأجهزة المتعصبة تعصباً طائفياً ضد المسلمين ضرورة تسليط غير المسلمين عليها .

                            والهدف واضح وهو إبقاء المسلمين في مناطق التخلف ، يضاف إلهي ما في التمييز الطائفي من التنفيس عن الكراهية والحقد ، وإلجاء أبناء المسلمين حتى يخرجوا عن دينهم وينفذوا في أنفسهم وفي أمتهم وبلادهم مخططات أعدائهم الطامعين .

                            ويصنعون نظير ذلك داخل المؤسسات العسكرية ، حيث تتجمع أثقال القوى المسلحة ، ولهم في هذا المجال أهداف أخرى تضاف إلى أهدافهم العامة ، وهذه الأهداف تمليها مخططات الأجهزة السياسية والعسكرية الاستعمارية الرامية إلى تسخير جيوش البلاد الإسلامية في تحقيق مصالح أعداء الإسلام بطرقٍ سلبية تارة وإيجابية أخرى .

                            ومن الطرق السلبية تجميد الجيوش الإسلامية عن القيام بأي عمل يفيد المسلمين أو يعمل على تحريرهم من عدوهم ، ومن الطرق الإيجابية تحريض هذه الجيوش أو عناصر منها على ضرب العناصر المسلمة باسم الإصلاح ، وتوجيهها ضد كل إصلاح وتعمير للمسلمين . ويستغل الأعداء الغزاة من وراء الستار رغبات التسلط التي يشعر بها من تتجمع لديهم قوى مسلحة قادرة على التسلط .

                            ويتجلى التمييز الطائفي أيضاً في معظم المجالات العلمية ، لا سيما مجالات العلوم العملية ، ومجالات اكتساب الخبرات الفنية والصناعية والمهارات الإنتاجية المختلفة ، ولا تخفى أهداف التمييز الطائفي في هذا المجال ، منها محاولة إبقاء المسلمين في مناطق التخلف والضعف .

                            وحينما نمرّ على المواد القانونية الصادرة في ظل الاستعمار نلاحظ فيها أمثلة كثيرة للتمييز الطائفي المتعمد . ففي القوانين الجمركية نلاحظ إعفاءات خاصة بالمستوردات ذات الطابع الطائفي ، وبمستوردات المؤسسات التبشيرية التعليمية والصحية وغيرها ، في حين أن كثيراً من هذه المستوردات قد كان ينزل إلى الأسواق التجارية العامة ليباع بأسعار البضائع التي يدفع المستهلكون ضرائبها الجمركية لصندوق الدولة ، بينما تضيف المؤسسات الطائفية نسب الضريبة إلى أربحاها النقدية ، في حين أن معظم المؤسسات الإسلامية لم تكن تتمتع بهذه الإعفاءات من الضريبة بشكل قانوني أو بشكل عملي . ونجد مثل ذلك أيضاً في قوانين الضرائب المختلفة .

                            ويظهر التمييز الطائفي في الحريات السياسية ، وفي الحريات الدينية ، وفي نسبة مقاعد التمثيل النيابي ، كلما وجدت السلطات الاستعمارية سبيلاً إلى ذلك ، على أن كل صورة من صور التمييز الطائفي ، إنما تكون على حساب حقوق الأكثرية المسلمة في معظم البلاد الإسلامية ، التي يظفر الأعداء الغزاة بسلطة ما فيها ، سافرةٍ أو مقنعة .

                            * * *

                            الوسيلة السابعة
                            التمييز العنصري والقومي


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح التمييز العنصري والقومي ، بغية تفريق كلمة المسلمين وتمزيق وحدتهم ، ولهذا التمييز أشكال :

                            أ – فمنها أن تتبنى السلطات الاستعمارية هذا التمييز ، وذلك بأن تميز عنصراً أو قوماً على قوم في تسهيل المصالح الاقتصادية ، أو في الاستخدام في الوظائف المدنية أو العسكرية ، أو في فتح المجالات العلمية ، أو في توجيه المساعدات والخدمات العامة إلى غير ذلك .

                            ومن شأن هذا التمييز أن يولد الكراهية والحقد في نفوس العناصر والأقوام التي هُضم حقها ، ولم تُعط نصيبها العادل ، ولو كانت تجمعها مع المميزين المفضلين ديانة واحدة أو وطن واحد ، ومن شأن هذا التمييز أيضاً أن يغرس بذور الشقاق والخلاف داخل الأمة الواحدة ، ويؤدي إلى تفريق كلمتها ، وإضعاف قوتها ، وهذا ما يهدف إليه الأعداء الغزاة .

                            ب- ومنها إثارة النعرات العنصرية والقومية داخل الأمة الواحدة ، وذلك عن طريق الدسائس والأكاذيب ، وافتعال الفتن الداخلية الموصولة بالمفاهيم والنزوات الجاهلية البعيدة عن كل مرتقىً حضاري سليم ، والغرض من ذلك أيضاً تمزيق وحدة المسلمين وإضعاف قوتهم .

                            ومن غريب دسائسهم وأكاذيبهم التي ينشرونها ما ينشرهُ بعض جنودهم بين الإفريقيين السود إذ يقولون لهم : إن الإسلام يفرق بين البيض والسود ، فيجعل بيض الوجوه في الجنة ، ويجعل سود الوجوه في النار ، ويتلاعبون بدلالات بعض النصوص القرآنية في ذلك ، كقول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول) :
                            {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

                            فيوهمون عوامهم أن الإسلام يفرق بين بيض الوجوه وسود الوجوه من حيث اللون ، ويخفون عنهم المراد الحقيقي من النص القرآني ، وهو العلامة السوداء التي تظهر على وجوه الكافرين يوم القيامة بسبب كفرهم ولو كانوا في الدنيا بيض الوجوه ، والعلامة البيضاء التي تظهر على وجوه المؤمنين يوم القيامة وضاءةً ونوراً ولو كانت وجوههم في الدنيا تحمل اللون الأسود .

                            يضاف إلى ذلك الصورة المشرقة المثالية الرائعة التي جاء بها الإسلام ، وتعلمها المسلمون وطبقوها في مختلف عصورهم التي التزموا فيها بالإسلام ، إنها صورة تزري بكل مزاعم الرقي الحضاري التي يزعمها رواد حضارة القرن العشرين الميلادي ، الذين ما زالت شعوبهم تعاني من مشكلات التمييز العنصري آلاماً كثيرة ، وما زالت المفاهيم والتقاليد الجاهلية مسيطرة على عقولهم وعواطفهم .

                            وهذه الأخبار العالمية تنقل إلينا باستمرار أنباء التمييز العنصري بين البيض والسود في أرقى دول العالم تمتعاً بمظاهر المدنية الحديثة التي وصل إليها إنسان القرن العشرين ، وتنقل إلينا أنباء العنجهية التي يتعاظم بها البيض الغرباء على السود أصحاب البلاد في إفريقية وغيرها ، والتي يتعاظم بها إنسان القرن العشرين الأبيض على سائر الملونين لمجرد بياض بشرته ، وهو يدَّعي المدنية والحضارة والرقي ، مع أن بياض البشرة ليس عنصراً من عناصر المدنية والحضارة والرقي .

                            أما الإسلام الذي جمع البيض والسود والحمر والصفر وسائر الألوان الإنسانية على صعيد واحد ، فإنه يقرر في القواعد الأولى لتكوين الجماعة الإسلامية أنه لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو عمل صالح ، وأن الناس كلهم على اختلاف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم في الحقوق الإنسانية سواء ، وأن كل واحد منهم أهل لأن يرتقي بكفاءاته وأهليته أعظم منصب سياسي أو ديني في الإسلام ، فقد جاء في كلام الرسول قوله : "اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) .

                            وبهذا نرى أن التمييز العنصري الذي يباشره المستعمرون لتفريق صفوف المسلمين بإثارة عوامل الحقد والكراهة ، والذي يحاولون أن يفتعلوه بالدسائس التي يدسونها بين المسلمين ، وبالتشويهات التي يحاولون أن يشوهوا بها حقيقة الإسلام الناصعة المخالفة لما يفترون عليه ، لا يراه الناس إلا عند الشعوب المستعمرة فنسها ، والشعوب التي تدَّعي السبق المدني والحضاري في القرن العشرين ، أما في الإسلام وعند المسلمين الفاهمين لإسلامهم والملتزمين به فإن التمييز العنصري والتمييز القومي لا وجود له مطلقاً .

                            * * *

                            الوسيلة الثامنة
                            التضليل الفكري


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح التضليل الفكري ، ببث المفاهيم الفاسدة عن الدين والحياة والوجود وعن الاجتماع والأخلاق والسلوك ، وعن شروط التقدم ووسائله ، وعن النفس والوجدان والضمير ، وغير ذلك .

                            وقد دخلت كتائب الغزاة بين المسلمين في مختلف حقولهم الاجتماعية والفكرية لبث ما تريد بثه من أفكارٍ مضللة لهم ، ومؤثرة في سلوكهم الفردي والجماعي ، بالميل به عن المنهج القويم على مقدار ما فيها من فساد ، وذلك لأن معظم أعمال الناس في حياتهم إنما هي آثار من آثار المفاهيم المسيطرة على قلوبهم وعواطفهم ، فحينما تكون هذه المفاهيم سليمة قويمة يكون السلوك في غالب أحواله سليماً قويماً ، إلا في عاطفة آسرة ، أو شهوة قاسرة ، أو رغبة نفسية جامحة ، أو عادة مستحكمة جانحة . وحينما تكون المفاهيم منحرفة عن منهج الحق فإن السلوك في غالب أحواله يكون منحرفا عن الصراط المستقيم ، إذ يحلو للإنسان عندئذ أن ينطلق ويتفلت من الضوابط الدينية والخلقية ، والروابط الاجتماعية ، والقيود الحادة من حرية أهوائه وشهواته فيشذ وينحرف ، وتقوده الشياطين والطواغيت إلى مواطن هلاكه .

                            وقد تناول هذا البثُّ التضليلي التحويل عن معظم الأسس التي تتكون عنها عناصر الشخصية الإسلامية الفذة ، وعناصر الأمة الإسلامية الكبرى ذات الوحدة العالمية ، التي ليس لها حدود قومية ولا عرقية ولا لغوية ولا إقليمية ، وإنما لها حدود فكرية يدخل الحق في إطارها ويخرج الباطل عنه ، ولها حدود خلقية وعملية تضم أنواع الخير في داخلها ، وتمنع أنواع الشر والرذيلة من أن تقرب منها .

                            وهذه التضليلات الفكرية التي تبثها الأجهزة الاستعمارية والتبشيرية والاستشراقية والإلحادية كثيرة جداً ، ربما يملأ الحديث عنها مجموعة من مجلدات البحث العلمي الهادئ ، الخالي من الثورات الانفعالية ، والجمل الخطابية الجوفاء .

                            فمن هذه التضليلات ما يكون الغرض منه النفوذ إلى أسس العقائد والتشريعات الإسلامية الربانية الحقة ، بغية اقتلاعها من عقول فريق من أبناء المسلمين وقلوبهم ، وبذلك يتكون منهم فيلقٌ مرتدٌٌ عن الإسلام ، خارج عن الملة ، معادٍ للمسلمين ، مهمته تحويل الأجيال الناشئة عن دينها ، وتجنيدها في جيوش الردة .

                            ومن هذه التضليلات ما يكون الغرض منه إيجاد فريق من المسلمين يتحلون باسم الإسلام ، ويتعصبون له تعصباً شديداً ، ولكن المفاهيم التي يستمسكون بها على أنها جزءٌ من الإسلام مفاهيم فاسدة مدسوسة ، ليست من الإسلام في شيء ، فلا يشهد لصحتها نص ولا إجماع ولا قياس صحيح ، وقد تشهد هذه المصادر على عكسها ، ويمثل هذا الفرق قوة الصد عن الإسلام والتنفير منه .

                            وبالفريقين المرتد والمخطئ في فهم الإسلام المتعصب للخطأ يجتمع على الأجيال الناشئة قوتان : قوةٌ من خارج الحدود الإسلامية ، تقوم بهمة بناء المجاري التحويلية عن الإسلام ، وإجراء الأجيال الناشئة فيها ، وقوة أخرى من داخل الحدود الإسلامية بحسب الظاهر ، وهي تقوم بمهمة الصد عن الإسلام والتنفير منه كمهمة الكتل الصخرية التي تقف في الأنهر عند مواطن التحويل ، لتمنع الينابيع عن أن تجري في مجاريها الطبيعة ، وبذلك يتسنى لبناة المجاري التحويلية أخذ أكبر قدر منها إلى مجاريها المصطنعة .

                            ويرافق كلا من التضليلات الأولى والتضليلات الثانية تضليلات تعتمد على عنصر الإغراء المادي ، ومن أمثلة ذلك الأفكار الدعائية التي توهم المسلمين أن التقدم المادي في شؤون المدنية الحديثة رهنٌ بترك الاستمساك بتعاليم الإسلام ، وأن الإسلام عقبة في طريق التقدم ، ويتغابى الذين يبثون هذه التضليلات عن الحقيقة الناصعة التي عليها الإسلام الحق ، وهي أن الإسلام يدفع المسلمين بقوة إلى كل تقدم حضاري ومدني سليم من الآفات الفكرية والنفسية والخلقية والاجتماعية ، ويقدم الذين يبثون التضليلات مزاعم كثيرة خالية من كل سندٍ واقعي ، لدعم الأفكار الدعائية التي يضللون بها ، على أن البحث الحر الهادئ كفيل بأن يقدم لطالبي الحق الحقيقة الناصعة عن الإسلام .

                            أما الحقول الاجتماعية والفكرية التي دخلت كتائب الغزاة فيها لبث تضليلاتهم الفكرية بين المسلمين فكثيرة ، منها الحقول التالية :

                            1- المدارس والمعاهد والكليات على اختلاف مستوياتها واختصاصاتها .
                            2- الأندية وقاعات المحاضرات وسائر مراكز التوجيه الثقافي الخاصة أو العامة .
                            3- الجمعيات العلمية والثقافية والأدبية والفنية ونحوها .
                            4- الكتب والمجلات والصحف الدورية .
                            5- وسائل الإعلام المختلفة (كالراديو والتلفزيون والفديو) .
                            6- الأحزاب والهيئات السياسية والاجتماعية .
                            7- المراكز الصحية على اختلاف مستوياتها .
                            8- المعامل والمؤسسات التجارية والصناعية والإدارية وغيرها .

                            * * *

                            الوسيلة التاسعة
                            العبث النفسي


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح العبث النفسي ، وله صورتان :

                            الصورة الأولى : وتكون بالتلاعب بالانفعالات الآنية والعواطف الثابتة لاستثمار ذلك في تحقيق الأهداف التي يرمي إليها الطامعون بالتسلط .

                            ويعتمد هذا التلاعب على دراسات نفسية واسعة يمدها علم نفس الأفراد ، و علم نفس الجماعات والأمم .

                            ويربط العابثون الجملة العصبية النفسية للشعوب التي يهدفون إلى التسلط عليها بمولدات حرارية قوية التأثير ، وذلك حينما يريدون إثارة انفعالاتها لاستثمارها في تحقيق أهدافهم ، ويربطونها في أوقات أخرى بمبردات نفسية تعمل على امتصاص درجات حرارتها وتجميدها وإزالة كل أثر انفعالي منها ، لاستثمار ذلك أيضاً في تحقيق أهدافهم .

                            ومن أمثلة العلم على رفع درجة حرارة الانفعالات الجماعية استغلال تجمع غوغائي سليم ، أو اصطناع مثل هذا التجمع الغوغائي على أمرٍ لا يدعو إلى الريبة أو الحذر منه ، حتى إذا التقى أفراد الجمع أخذ العابثون ينشرون بينهم شحنة حرارية تثير فيهم عاطفة من العواطف ، إما بترديد شعارات موافقة لعواطفهم تلهب حماستهم ، أو بترديد شعارات مضادة لهم تلهب غضبهم ، ووسائل ذلك كثيرة : منها الخطابات الحماسية ، ومنها الهتافات الجماعية ، ومنها الهمسات التي تصدر الأخبار الكاذبة الملفقة ، وتشيعها بين الأفراد ، ومنها الشتائم التي تمس أفراداً ذوي مكانة عالية موقرة ، أو تمس جماعات معينة ، أو عقيدة أو ديناً أو مذهباً ، وقد يتبع ذلك افتعال حادثة تصادم دموي يستأجر له بعض الأفراد ، ويندس فيه المحضرون المغرضون ، فتلتهب في الجمع ثورة رعناء .

                            ومن أمثلة العمل على رفع درجة حرارة الانفعالات الجماعية بث الدعايات الملفقة الهمسية ، والصحفية ، والإذاعية ، لشحن نفوس الجماهير بعواطف الميل نحو أمرٍ ما ، فالحب له ، فالشغف به ، وهكذا حتى الدرجات العظمى التي تقرب من مستوى التقديس والعبادة ، أو لشحن نفوس الجماهير بعواطف النفور من أمرٍ ما فالكراهية له ، فالبغض الشديد ، فإعلان العداوة ، وهكذا حتى درجة التصميم على الفتك وإثارة الفتن والحروب والتضحية في سبيل ذلك بالأموال والأنفس والثمرات . وحينما تصل درجة حرارة الانفعالات إلى نسبة معينة يأتي دور تنفيذ المؤامرة المدبرة التي أحكم الأعداء التخطيط لها ، ولهم عند ذلك ألوان شتى من المكر ، فإما أن يقذفوا الجماهير التي هاجها الانفعال إلى فخ معركة خاسرة ، أو فتنة مهلكة . وإما أن يدفعوا بهم إلى التسرع في بت أمرٍ يستفيد منه إلا عدوهم ، مستغلين فيهم حالة الانفعال العاطفي ، التي من شأنها أن تطير صواب الجماهير ، وتسلبهم الرشد والتفكير والحكمة والتدبير . وإما أن يعملوا على كشف اتفاق قيادات الجماهير مع العدو ، أو إلصاق التهم الكاذبة بهذه القيادات لامتصاص القدرة على التحركات العاطفية التي يمكن أن تجتمع عليها الجماهير ، فتجلب للأمة خيراً ومنفعة حسنة ، إذا كانت تسيرها وتوجهها قيادة حكيمة مخلصة ، ويكون امتصاص القدرة على التحركات الجماعية العاطفية في هذه الصورة بإلقاء الشك في نفوس الجماهير ، ومع الشك تنعدم الثقة بالعاملين الموجهين ، وتبردُ النفوس ، وتجمد عن الحركة ، وعندئذ تحقق المكيدة أغراضها .

                            ومن وسائل تبريد حرارة الانفعالات غمس معظم أفراد الأمة بالأموال والمتع والشهوات والملذات وأنواع اللهب واللعب ، ومختلف مرضيات وممتعات الأنفس والحواس ، لأن من شأن هذه الأمور أن تطفئ كل وقدة حرارية في النفس يمكن أن تولد عاطفة عامة ، لأن السعي وراء إشباع الغرائز الذاتية والشهوات النفسية يبني في الأنفس صروح الأنانيات الفردية وما أشبهها ، ويمتص منها قوى المشاركات الوجدانية العامة ، كما يُطفئ فيها شعلات العواطف الدينية والوطنية والإنسانية ، وغيرها من العواطف غير الأنانية ، وذلك لأن القوى النفسية كلها منصرفة إلى إمداد الجملة العصبية الغارقة في المتع واللذات الجسدية .

                            ومن وسائل تبريد حرارة الانفعالات الجماعة تفتيت الأمة إلى وحدات لا يثق أحدٌ منها بالآخر ، وذلك لأن من شرط المشاركات العاطفية العامة وجود الجو الجماعي المتعاون ، ومع تفتت الأمة وانعدام ثقة بعضها ببعض لا وجود للجو الجماعي المتعاون ولا للمشاركات العاطفية العامة .

                            الصورة الثانية : التلاعب بأهواء النفوس ، واصطيادها بشباك الشهوات واللذات والمغريات ، وتحويل ميلها عن الخير ، إلى مرضيات شهواتها من الشر . ذلك لأن أصول الشر في الحياة تعتمد على تحرير النفس من الضوابط ، أما أصول الخير فتعتمد على تكليف النفس جهد الصعود واجتياز العقبات .

                            وأهون الأمرين في يد الذين يحملون وظيفة الإغواء ، والعبث بالنفوس ، ونشر الشر في الأرض ، وهم الشياطين وجنودهم .

                            أما الذين يحملون رسالة الإصلاح ، وضبط النفوس ، وبناء دعائم الخير في الأرض ، وهم الرسل وأتباعهم ، فرسالتهم رسالةٌ شاقة ، وطريقهم طويلة ، مملوءة بالعقبات ، مشحونة بالمتاعب الكثيرة .

                            ولدى المحاولات التنفيذية لخطط التلاعب بأهواء النفوس تأتي كتائب الغزو غير المسلح ، فتنتشر حبائلها التي تجذب إليها الحواس بمفاتنها ومغرياتها بصورة تدريجية ، وذلك ضمن المجتمعات الإسلامية التي تهيمن عليها مفاهيم اجتماعية عامة ، تمثل قوة الصيانة التي تملكها الجماعة ، لحجز الأفراد عن الانزلاق الفردي ، الذي قد يندفعون إليه تلبيةً لشهوة من شهوات نفوسهم ، أو نزغة من نزغاتهم .

                            ويرافق ذلك دسٌ فكريٌ يهوِّن من شأن المفاهيم والتطبيقات الإسلامية السائدة .

                            أما الذي يحدُث من جراء نشر الحبائل التي تجذب إليها الحواس بمفاتنها ومغرياتها مع ما يرافقها من دسائس فكرية ، فهو أن موجتين من الصراع النفسي داخل المجتمع الذي يتم فيه إجراء العمليات تصطدمان في محاولة تغلُّب إحداهما على الأخرى . أما الأولى فهي الموجة التي تمثل قوة الدفاع عن الأخلاق السائدة ، والتطبيقات الإسلامية الموروثة ، والمفاهيم الصحيحة . وأما الثانية فهي الموجة المتخاذلة بين يدي المغريات النفسية ، المنشقة عن الاتجاه العاطفي نحو الخير والفضيلة ، والمنحازة إلى صف العدو المهاجم الذي نشر في المجتمع حبائله .

                            ويتكرر التصادم ، ويزيد العدو المهاجم من إلقاء حبائله المغرية الفاتنة يوماً بعد يوم ، وتدعمه القوى المؤازرة له من داخل المجتمع أو من داخل النفوس ، ومهما قويت موجة الدفاع على الموجة المتخاذلة المنشقة فإنها مع تكرار حركات التصادم ، والإمدادات المستمرة من جهة الباطل ، وفقد الإمدادات الفعالة من جهة الآخذين بالحق ، لا بد أن تتناقص شيئاً فشيئاً ، وتتصاغر وتضعف ، ثم يصيبها الوهن ، فتعزف عن الدفاع ، ومتى حل فيها الركود أخذت تنحل تدريجياً ، لتضيع في غمرة الفاسد الطامي .

                            وقد عرف هذا الأمر الأعداء الغزاة من شياطين الجن والإنس ، فأحكموا خططهم على وفقه لإفساد المجتمعات الإسلامية عن طريق التلاعب بأهواء النفوس ، واصطيادها بشباك الشهوات واللذات والمغريات .

                            وقد كان على القادة المسلمين في مقابل ذلك أن يعملوا بصمت وروية وتدبُّر لوضع خطط الإصلاح المضادة . التي من شأنها أن تحبط خطط الإفساد ، مهما تكررت عمليات الصراع ، وأن يضعوا في حسابهم كل احتمالات الهجوم المفاجئ ، وأن يختاروا من الخطط ما يزيد من قوى الصمود والتقدم ، لا ما يعطي بثاً دعائياً فقط ، أو مظاهر فارغة ليس لها ثمرة حقيقية مجدية .

                            وليس وضع الخطط المضادة لخطط الأعداء بالأمر العسير ، وإنما العسير هو التنفيذ ، لأنه يحتاج إلى جنود عمل ، وإلى دأب طويل ، وصبر مديد ، ومتابعة مستمرة ، وجهد متواصل ، ومن شروطه أن لا يستعجل العاملون فيه النتائج .

                            والأصول الأولى للخطط المضادة على ما أرى تعتمد على توعية أكبر مقدار ممكن من القاعدة الإسلامية بجوهر الإسلام ، وتبصيرهم بالثغرات الخطيرة التي ينفذ منها أعداؤهم إلى داخل صفوفهم ، ليعملوا على هدم كل مقوماتهم الفكرية والنفسية والخلقية ، وليعملوا على إضعاف كل قوة فردية أو جماعية لديهم . يضاف إلى هذه التوعية تجميع الشباب في نشاطات الأعمال الإسلامية الإيجابية ، وتربيتهم على السلوك الإسلامي القويم ، وتحميلهم مسؤوليات الجهاد الصامت الدائب لتوسيع القاعدة الإسلامية الواعية العارفة بدين ربها ، والعاملة به المطبقة لأحكامه وتعاليمه ، وإعدادهم إعداداً جيداً للأخذ بزمام الأمور حين تواتي الفرصة ، وحين تتسع القاعدة وتكون هي القوة الشعبية الفعلية ، لا بد أن ينبغ فيها من يقفز إلى القيادة ، ويتسلم زمام الأمور ، وعندئذ تجد الكثرة المسلمة حكماً إسلامياً رشيداً ، يبني الحضارة الإسلامية ، بعيداً عن مؤثرات أعداء الإسلام .

                            حبائل التلاعب :

                            ونتساءل عن حبائل التلاعب بأهواء النفوس التي يستخدمها الأعداء الغزاة ، فنرى أنها لا تكاد تحصى أشكالها وألوانها وصورها ، إلا أنها قد لا تعدو الأنواع الرئيسة التالية :

                            النوع الأول : الأموال على اختلاف أصنافها ، وتباين طرق تحصيلها .
                            النوع الثاني : النساء وزينتهن وما يتصل بشهوات الجنس .
                            النوع الثالث : الجاه والسلطان وسائر أشكال الأحكام .
                            النوع الرابع : المآكل والمشارب وما يتصل بشهوات البطون .
                            النوع الخامس : متع السمع والبصر .
                            النوع السادس : السياحات والرحلات والنزهات والتنقل في أرجاء الأرض .
                            النوع السابع : اللهو واللعب والدعة والمضحكات والمسليات .

                            ومن البدهي أن ميل النفوس إلى هذه الأنواع أمر فطري لا يحتاج إلى تعليم أو إقناع بالحجج والبراهين ، ولا يتطلب معاكسة أو مخالفة لهوى أو غريزة ، على أن درجات ميل النفوس إلى كل منها متفاوتة ، كما أن أفراد الناس مختلفون في نسبة ميول كل فرد منهم إلى كل نوع منها ، أما ضوابط الحق والخير والفضيلة فإنها تحتاج إلى تعليم وإقناع وتربية على كبح جماح شهوات النفوس ، ومخالفة أهوائها المرسلة .

                            ومن أجل ذلك تغدو مهمة المفسدين في الأرض كمهمة مطلقي الخيول من أعنتها ، أو مطلقي الوحوش الضارية من أقفاصها ، إذ يتركونها ترتع وتفسد في الحقول المختلفة ، والرياض الغناء حسب أهوائها وعلى مقدار شراستها . أما مهمة المصلحين فإنها كمهمة سائسي الخيول . أو مروضي الوحوش الذين يكبحون جماحها ، ويعقدون الأعنة في رؤوسها ، ويطوعونها ، ويكسرون حدة شراستها ، فيطعمونها ويسقونها بحكمة على مقدار حاجتها ، ولا يدعونها تفسد الحقول ، وتتلف الزروع ، وتسطو على ذوات الضروع ، وتكسر الشجر ، وتبدد الثمر .

                            وفرق عظيم بين المهمتين في العمل وفي الغاية ، فعمل المفسدين هين لين ، ولكن نتائجه فساد كثير ، وشر مستطير ، في حين أن عمل المصلحين كدح دائم ومشقات مستمرة ، لكن نتائجه بناءٌ وتعمير ، وخير وفير ، وجمالٌ وزينة .

                            ومن الأموال والنساء والسلطات والمآكل والمشارب ومتع السمع والبصر واللهو واللعب وما يلحق بها ينصب الأعداء الغزاة حبائلهم المختلفة بين المسلمين ، لاصطياد نفوسهم بها ، وجذبهم إلى طرق الفتنة ، ثم إلى أبواب جهنم ، وبين ذلك يجد شياطين الإنس أيسر الفرص لتحقيق ما يريدون في المسلمين وفي أرضهم ، من مالٍ يسلبونه ، أو سلطان يبسطونه ، أو تسخير بجنون ثمراته ، أو دين يهدمون أركانه .

                            ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق المال ما يدفعون من رشوات حقيرة لأصحاب نفوس كذلك ، وبالرشوات التي يدفعونها إليهم يحققون عن طريقهم ما يريدون ومثل الرشوات أمور كثيرة لا تخرج عن كونها بيعاً رخيصاً للذمم ، بثمن بخس دراهم معدودة . ومنها نشر وسائل كسب المال الحرام دون جهد يبذل ، ويدخل في ذلك أصناف المقامرات والمغامرات المالية غير المشروعة .

                            ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق النساء بث العاريات الفاسدات في المجتمعات العامة ، وتسهيل الاختلاط بهن ، دون أية ضوابط دينية أو خلقية ، حتى تصبح المجتمعات الإسلامية مفتوحة لكل وارد من واردات الإفساد .

                            ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق الجاه والسلطان والحكم إرضاء شهوات بعض أصحاب النفوس المريضة بشيء من عنجهية الحكم ، لتسخيرهم فيما تريد كتائب الغزو غير المسلح .

                            ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق المآكل والمشارب الإغراء ، بإتقان الموائد السخية المصحوبة بالمحظورات الإسلامية من مآكل ومشارب ، وذلك لنشر استحسانها بين المسلمين ، كيما تنهار شخصيتهم المستقلة ، ويندمجوا بطراز العيش الذي يصدره الغزاة ، حتى لا يروا مانعاً من خضوعهم لسلطانهم .

                            وهكذا تتعدد حبائل الصيد بمقدار تعدد الأهواء والشهوات ، وبعض هذه الحبائل أشد إرغاءً وأسراً وفتنة من بعض ؛ ولكن الصيادين الشياطين اعتادوا أن يقذفوا بين المسلمين كل حبائلهم ، ليصطادوا بها أكبر مقدار منهم ، ولتتآزر الحبائل فيما بينها فتؤدي أمهر أدوارها .

                            وقد أدرك اليهود قيمة المؤثرات النفسية في تحويل جماهير الشعوب ، والتلاعب وتنفيذ مخططاتهم فيها ، فتسللوا بوسائلهم المختلفة في الجامعات الغربية ، حتى غدا معظم رؤساء أقسام عمل النفس الاجتماعي وغيره من الفروع النفسية والاجتماعية في هذه الجامعات من اليهود .

                            * * *

                            الوسيلة العاشرة
                            حيل السلب المالي


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح حيل السلب المالي ، ومراقبو الأعمال التي يتم فيها سلب أموال الشعوب عن طريق الحيل الدولية الكبرى يشاهدون أشكالاً عجيبة رهيبة منها .

                            أما صور الاستيلاء على الثروات ومصادرها التي يمارسها الغزاة المستعمرون في كل بلد يحتلونه بالقوة فهي صورة بدائية معروفة ، لا تحتاج إلى ذكاء عظيم ، وتحايل ماكر ، وقد ابتليت معظم الشعوب الإسلامية بهذا النوع من الاستيلاء ، وعانت منه آلاماً كثيرة ، إذ فقدت به معظم ثرواتها المالية النقدية ، وثرواتها العلمية ، ونوادر مخطوطاتها وآثارها المتحفية .

                            لكن صور الاستيلاء بالحيلة والمكر والدهاء هي الصور التي تظل مستمرة ، ولو خرجت جيوش الاحتلال من البلاد ، وارتفع كابوس أسلحتها وسلطانها المباشر عن الشعوب المغلوبة .

                            ولقد يكون عسيراً عسراً بالغاً إحصاء أنواع حيل السلب التي تتفتق عنها قرائح شياطين الطمع والشره الدوليون لكثرتها ، ولكن هذا لا يمنع من عرض طائفة من حقولها .

                            فمنها الحيل المالية التي تمارسها البنوك الدولية ، كعقد صفقات القروض الربوية التي تستنزف ثروات البلاد وطاقات شعوبها بشكل تدريجي ، كما يمتص دود العلق دماء ضحاياه فيها من الناس ، وكم استنزفت البنوك العالمية من ثروات للشعوب ، ولليهود فيها أكبر نصيب ، والدولة اليهودية السرية المنبثة في أرجاء العالم هي الوارثة لأموال الكادحين من الشعوب وهم على قيد الحياة ، وذلك عن طريق الربا ، وسائر حيل سلب الأموال .

                            ومنها الحيل التي تمارسها كثير من الشركات الاستثمارية الأجنبية المختلفة ، التي تتظاهر بالاستقامة ، وتخفي عن الأنظار ألاعيبها وحيلها التي تعتمد على الغش والكذب والنفاق والرشوة والسرقة والاحتكار واستغلال نفوذها الدولي ، وتعتمد أيضاً على استغلال النساء وكل ما يتصل بحقول الإفساد الخلقي .

                            ومنها الاستغلالات التي تمارسها طائفة من المؤسسات التعليمية التبشيرية على اختلاف مستوياتها بدءاً من دور الحضانة حتى الجامعات الكبرى ، وكذلك التي تمارسها طائفة من المؤسسات الصحية التبشيرية المختلفة ، بدءاً من الطبيب المبشر ، والممرضة المبشرة ، حتى المستشفيات الكبرى .

                            ومن الحيل التي تمارسها كتائب الغزاة لابتزاز أموال الشعوب الرشوات والاتفاقات السرية على مشاركة المؤسسات الرسمية في أرباح مبيعاتها ، والمشاركة في أرباح المحتكرات المحمية من السلطات ، وأرباح المهربات المحظورة التي يسهل الغزاة سبل تهريبها ، والمشاركة في الأرباح الزائدة المتحصلة بسبب التهرب من دفع الضرائب الجمركية ، التي يدفعها الآخرون لصندوق الدولة وهم طائعون .

                            ومن حيلهم لسلب الأموال التلاعب بالنقد ، وذلك عن طريق تخفيض أسعاره ، أو إلغاء أوراقه المعتمدة ، أو تجمعيها وإخفائها ، أو عن طريق التهريب الذي تقوم به العصابات الدولية التي تدعمها كتائب الغزاة وأجراؤها ، أو عن طريق التزوير ، أو المضاربات الدولية المشحونة بمؤامرات الغش والكذب والخداع .

                            ومن حيلهم لسلب الأموال نشر الخمور والمخدرات وسائر قواتل الجملة العصبية لأجيال الشعوب الإسلامية ، ومعلوم أن للدولة اليهودية التي يتزايد ورمها في جسم الأمة العربية باعاً واسعاً في زراعة المخدرات ، وتصديرها عن طريق التهريب إلى مختلف الشعوب العربية والإسلامية لقتل هذه الشعوب بها .

                            ومن حيلهم لسلب الأموال أيضاً تأسيس نوادي القمار ودور اللهو والدعارة ومباءات قتل الوقت الثمين بسموم الرذيلة الفتاكة .

                            ومن حيلهم إرسال الدجالين الجاهلين أو الغشاشين بأسماء عريضة وألقاب فخمة ، تُدَّعَى لهم خبرات فنية عالية ، ثم لا يقدمون من هذه الخبرات شيئاً ، إما لأنهم جاهلون وإما لأنهم غشاشون .

                            إلى غير ذلك من حيل لا تحصى وأساليب لا تحصر ، ويرافق كل ذلك توجيه الضغوط الاقتصادية الدولية المختلفة ، التي تعرف الدول الاستعمارية الاستثمارية كيف توجهها ومتى توجهها .

                            * * *

                            الوسيلة الحادية عشرة
                            الإفساد الاجتماعي


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح الإفساد الاجتماعي ، ويتضمن هذا الإفساد كل خطة ترمي إلى حل التماسك وفك الترابط الجماعي بين أفراد الأمة الواحدة ، حتى لا تكون لهم شخصية موحدة قوية تصد عنها مطامع الغزاة .

                            ومن أهم العناصر التي تتم بها الشخصية الجماعية الموحدة التقاء أفراد الأمة على الوحدة التالية :

                            1- الوحدة الفكرية مع وحدة مناهج البحث .
                            2- الوحدة الاعتقادية حول النفس والكون والحياة وسر الوجود والغاية من خلق الإنسان ، مع وحدة المصادر الاعتقادية .
                            3- الوحدة السلوكية النظرية والتطبيقية .
                            4- الوحدة العاطفية نحو الأمور المشتركة بين الأفراد .

                            ولذلك كانت هذه الوحدات في المسلمين بمثابة المقاتل التي يسدد الأعداء الغزاة إليها سهامهم المسمومة ، إذ يعملون على تفتيتها ، وإحداث التناقض فيما بينها ، لينحل التماسك وتتقطع الأربطة الجامعة بين أفراد الأمة الإسلامية ، ومتى انحل التماسك وتقطعت الأربطة الجامعة انفرط عقد الجماعة الواحدة ، وفقدت قوتها الجماعية ، وغدت كمتناثر الرمال ، وحتى حدث التناقض والتخالف وتعارض المصالح بين أفرادها ، وتلاعبت بهم الأهواء ، اتجهت القوى الفردية تتصارع فيما بينها تصارعاً يضعها في طريق الفناء والزوال ، ويتيح لأعدائها أن يحققوا كل مطامعهم وهي في منأى عن أن يصيبهم شيء من القَرْح الذي يحدثه التصارع الداخلي .

                            وقد سبق أن منح الإسلام الذين آمنوا به صادقين مخلصين والتزموا تعاليمه كل الوحدات المطلوبة لتكوين الأمة الواحدة ، فكانوا بذلك قوة جماعية كاملة لا تستطيع قوة جماعية أخرى تعادلها في القوة أو تزيد عليها بمقدار ضعفها أن تغلبهم في صراع .

                            وهذا ما كان يرهب أعداء الإسلام ، إلى أن ا كتشفوا الخطط الشيطانية التي يستطيعون بها أن يعبثوا بالعناصر الرئيسة التي تم فيها تكوين شخصيتهم الإسلامية الموحدة القوية في العالم ، فعمدوا إلى قواعد بنيانهم الإسلامي في محاولات شتى لنقضها قاعدة فقاعدة .

                            فأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة الفكرية عند المسلمين أشتاتاً وأخلاطاً فكرية متناقضة ، أو متضادة ، أو متخالفة ، لينجم عن هذه الأشتات والأخلاط المتعارضة الدخيلة أشكال الصراع الفكري بين الأمة الإسلامية . كما أرادوا أن يتلاعبوا بمناهج البحث السليمة عند المسلمين وهي المناهج التي أرشدهم الله إليها بالوحي ، وأن يضعوا لهم بدلها مناهج قصيرة النظر ، تقف عند حدود الظواهر المادية ، ولا تتعداها إلى الحقائق الكامنة وراءها .

                            وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة الاعتقادية المهيمنة على قلوب المسلمين أشتاتاً أخرى ، من أخلاط اعتقادية فاسدة لا أساس لها من الحق ، أو اتجاهات وجودية إلحادية تعمل على تحويل الإنسان إلى مخلوق أناني متوحش ، يستخدم كل ذكائه لإشباع رغباته الأنانية المتوحشة .

                            وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة السلوكية النظرية والتطبيقية التي جعلت من المسلمين نسيجاً رائعاً ممتداً على كل الأرض التي يقطنونها ، قطعاً ممزقة بالية ، واهية الخيوط ، تتلاعب بها الرياح الكونية ولو لم تكن عاتية ، وتتقاذفها ذات الغرب مرة وذات الشرق أخرى .

                            وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة العاطفية المستندة إلى أساس ديني متين راسخ والتي كانت تحركاتهم بقوة هائلة تحريكاً واحداً ، أشتاتاً عاطفية متباينة متناقضة ، فمنها أناني شخصي ، ومنها إقليمي ، ومنها قومي ، ومنها مصلحي مادي ، ومنها طائفي ، ومنها طبقي ، إلى آخر ما يدخل في هذه الأشتات العاطفية المختلفة فيما بينها اختلافاً كثيراً .

                            وبالخطط الماكرة الذكية ، وبالأعمال التنفيذية الدائبة ، استطاع الأعداء الغزاة أن يجنوا من ثمرات إفسادهم الاجتماعي للأمة الإسلامية الواحدة ما حققوا به قدراً كبيراً من أهدافهم الظالمة الآثمة .

                            * * *

                            الوسيلة الثانية عشرة
                            الإفساد الخلقي والسلوكي


                            ومن وسائل الغزو غير المسلح الإفساد الخلقي ، وقد اكتشف الأعداء الغزاة طريقين للوصول إلى إفساد أخلاق الشعوب ، والهبوط بها من قمة الكمال الإنساني إلى حضيض النقص والرذيلة :

                            الطريق الأول : العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية .

                            الطريق الثاني : الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة .

                            أ- العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية والسلوكية :

                            وقد ظهر العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية في حشد النظريات الفلسفية الأخلاقية المنحرفة عن الشرائع الربانية المستندة إلى مبادئ الخير والشر ، والنفع والضر ، والمصالح والمفاسد .

                            ومن نظرياتهم ما يعتمد على تمجيد اللذة الفردية ، وإباحة كل ما يحققها ، مهما أضر ذلك بجسم الفرد أو عقله أو أضر بالجماعة ، أو خالف أوامر الله لعباده .

                            ومنها النظريات التي تعتمد على تمجيد قوة الجماعة ، التي تمثلها دولة سياسية ، فكل ما يفضي إلى دعم هذه القوة أو إنمائها فإنه لا ينافي الأخلاق الكريمة لدى هذه النظريات المنحرفة .

                            ومنها التضليلات التي تدرس بين الشعوب المسلمة أن الأخلاق أمور اعتبارية تتواضع عليها الشعوب ، إذ تمليها عليها مصالح أو دوافع نفسية ، أو أحوال خاصة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها ، وليس لها أصول فكرية ثابتة ، ويضربون على ذلك الأمثلة من تقاليد بعض الشعوب البدائية ، أو مما تواضعت عليه بعض الشعوب المنحلة خلقياً ، كأن التقاليد البدائية أو الانحلال الخلقي من الصور المعتبرة التي يصح أن توضع في جداول الأخلاق الفاضلة لدى التصنيف الذي يقوم به متتبعو الحقيقة بالبحث العلمي المتجرد النزيه .

                            ومن العجيب أن يتصيد هؤلاء المضلون الأمثلة من شعوب بدائية أو شعوب منحلة ، بغية زلزلة أصول الأخلاق التي يريدون تهديمها في الشعوب المسلمة ، ذات التقدم الحضاري في ميادين الأخلاق التي اكتسبها من رسالة الإسلام الربانية ، مع أنهم في الوقت نفسه لا يعتبرون أكواخ الشعوب البدائية ، وطراز لباسها ، وطرق أكلها وشربها ، ووسائل عيشها ، وأنظمة مجتمعاتها المتخلفة ، ونحو ذلك من الأمثلة التي يصح أن توضع في جداول المدنيات المتقدمة ، وأن تقارن بما توصلت إليه المدنيات الراقية ، من بناء ناطحات السحاب ، إلى طراز الألبسة الأنيقة ، وطرق الأكل والشرب الراقية النظيفة ، التي تنتزع الإعجاب والاستحسان ، ثم إلى وسائل الرفاهية والراحة والقوة والسرعة ، ثم إلى كل منجزات العلم المادي الحديث .

                            ويقول قائل هؤلاء المضلِّين : إن بعض القبائل تأكل موتاها بدافع اقتصادي ، ولا ترى ذلك منافياً للأخلاق أو للسلوك السليم ، وبعض الشعوب لا ترى في العري والزنى بأساً ، ولا ترى شيئاً من ذلك منافياً للأخلاق أو للسلوك السوي ، ويسوق كلامه هذا دليلاً على أن الأخلاق أمور اعتبارية تتواضع عليها الشعوب ، وليس لها أصول ثابتة . ولقد كان على صاحب هذا التضليل أن يكون منسجماً مع نفسه ، فيقول مع ذلك : إن التقدم المدني ليس له صورة ثابتة أيضاً ، فالأكواخ البدائية ، وسكنى الغابات والكهوف والمغارات ، واستخدام الحجارة بدل أوراق الكتابة أو بدل السكاكين ، والتقاتل بها في الحروب بدل الأسلحة الحربية المتفوقة ، ونحو ذلك هو من الصور المدنية التي تتواضع عليها الشعوب ، أخذاً من الواقع الذي عليه الناس ، فهي ومظاهر المدنيات الراقية المدهشة توضعان على قدم المساواة ، إن قياس كلامه يقتضي ذلك .

                            فإذا كان هذا في المدنيات أمراً مرفوضاً فهو في ميادين الحضارة الخلقية مرفوض أيضاً ، وبنسبة أكبر ، إن ميادين الحضارة الخلقية ذات سلم في الرقي الإنساني يماثل سلم الرقي المدني ، إلا أن ثمرات الرقي المدني لا تزيد على أنها تحقق رفاهية الإنسان ، أما الرقي الخلقي فثمراته تحقق سعادة الإنسان ، وفرق عظيم بين هذين الصنفين من الثمرات ، ندرك هذا الفرق حين ندرك أن السعادة أثمن ما في الحياة كلها .

                            ب- الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة والسلوك المنحرف

                            قد يكون الغمس في المجتمعات الموبوءة بعناصر الفساد الخلقي والسلوكي من أفعل وسائل الإفساد العملي ، ولذلك تلجأ إليه كتائب الغزو غير المسلح لإفساد أخلاق المسلمين .

                            فمن المعروف المجرَّب في طبائع الناس ، أن الإنسان بطبيعته قابل للتكيف والتأثر بالبيئات الاجتماعية التي ينغمس فيها ، وأن مقداراً من التفاعل لا بد أن يتم بين مجتمع ما وبين من يدخل فيه ، ولا بد أن يتأثر كل منهما بالآخر على مقدار ما لدى كل منهما من قوة التأثير وقابلية التأثر .

                            فلو وضعنا تقياً نقياً غير معصوم في بيئة اجتماعية ، معظم ممن فيها فاسدون متحللون ماديون لا يعرفون في حياتهم إلا الانحرافات الخلقية وأنواع السلوك الفاسد فإن الذي يحدث لهذا التقي النقي عملية تحول تدريجي تمر بمراحل ، واجتياز هذه المراحل قد يكون بطيئاً وقد يكون سريعاً .

                            قد تبدأ مراحل التحول بالنفرة الشديدة والمقاومة والصمود ، ثم تنتقل إلى الانكماش والتوجس ، ثم تنتقل إلى حالة من حالات العزلة النفسية ، وفي كل مرحلة من هذه المراحل لون من ألوان التأثر بالبيئة لا محالة ، ثم تنتقل إلى الشعور بعدم المبالاة فراراً من الصراع النفسي والقلق الدائم ، وسأماً من العزلة النفسية القائمة ثم تنتقل إلى إلف هذه البيئة ، وذلك لأن تكرار مشاهدة القبيح من الوسائل التي تجعله مألوفاً لا يثير في النفس نفرة ولا اشمئزازاً ، وربما غدت علامات قبحه من الأمور المنسية التي لا يلتفت الذهن إليها ، وإن كانت مما تشهده الحواس ، وهذا في القبيح النفسي أو القبيح الحسي ، فكيف بالأمور التي لا يدرك قبحها إلا عن طريق الشرع ، أو عن طريق التأمل العقلي العميق والنظر الفكري الدقيق ، وهي جميلة لدى الحواس ، لذيذة في النفوس ، تهفو إليها الغرائز ، وتميل إليها الأهواء والشهوات .

                            وبعد مرحلة الإلف تبدأ مراحل المسايرة ، ثم مراحل الاندماج الكلي ، والتحول التام ، والتلاؤم مع واقع البيئة الجديدة .

                            فلا عجب أن نجد تقياً نقياً تحول إلى فاسق فاجر من الطراز الأول إذا استطاع شياطين الإنس أن يزجوا به في بيئة اجتماعية ماكرة ، مملوءة بالعناصر الفاسدة الفاسقة ، المنغمسة بالمال واللذة والنساء ، والاستمتاع بأنواع الشهوات المحرمة ، ومرافقات هذه العناصر ، مما يحرك الغرائز ويهيجها ، ويؤثر في النفوس ويستميلها .

                            وفي مقابل ذلك ربما يستطيع المصلحون أن يعملوا على تحويل فاسق فاجر إلى تقي نقي طاهر ، إذا استطاعوا أن يغمسوه في بيئة اجتماعية كريمة ، مملوءة بعناصر الصلاح والتقوى من غير تنفير ، مزينة ببعض ما تحبه النفوس وتميل إليه مما أذن الله به وأباحه ، ولا غرو أن يمر هذا في مراحل مناظرة لمراحل تحويلات البيئة الفاسدة لذلك التقي النقي .

                            وقد عرفت كتائب الأعداء الغزاة هذه الطبيعة النفسية عند الإنسان ، فوضعت في منهاج عملها أن تسلك طريق غمس المسلمين في بيئات فاسدة منحلة خلقياً ، تصدرها إليهم من خارج بلادهم ، أو تستوردهم إليها ، فستقدمهم بهجرات الدراسة أو العمل أو غير ذلك ، وفي كلا الأمرين تتهيأ أكثر الظروف الملائمة لإفساد الأجيال من أبناء المسلمين إفساداً عملياً ، عن طريق الغمس في المجتمعات الموبوءة بجراثيم الفساد الخلقي والسلوكي .

                            ومعلوم أن أهم عناصر هذا الإفساد العناصر التالية : المال – النساء – الخمر – المادية البحتة – أنماط العيش التي تعتمد على الرفاهية والمتعة واللذة وعدم المبالاة إلا بما تمتص طاقات الفكر والجسد من متعة ولذة ولهو .

                            ومهمة المصلحين في مقابل ذلك أن يعملوا على تهيئة البيئات الصالحة المؤثرة ، التي تتوافر فيها معظم الشروط لتحويل الفاسدين إلى الصالحين ، أسوة بالبيئة النبوية التي انصهر فيها الجيل الإسلامي الأول ، وتخرج منها إلى العالم دعاة إلى الخير ، فاتحون بالهداية ، مصلحون بالحكمة والموعظة الحسنة ، والقدوة الكريمة .

                            شاهد على الإِفساد باستقدام كثير من أبناء المسلمين إلى بلاد الكفر

                            جاء في مقدمة كتاب "المنبوذون في الأرض" لناشر الضلال وداعيته اليهودي الفرنسيّ "جان بول سارتر" حامل لواء الوجودية الملحدة ، قوله :

                            "كنَّا نُحْضِر رؤساء القبائل ، وأولاد الأشراف والأثرياء والسّادة ، من أفريقية وآسيا ، ونطوف بهم بضعة أيّام ، في أمستردام ، ولندن ، والنرويج ، وبلجيكا ، وباريس ، فتتغيّر ملابسهم ، ويَلْتَقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعيّة الجديدة ، ويرتدون السّترات والسراويل . ويتعلّمون منا طريقةً جديدة في الرَّواح والْغُدُوّ ، والاستقبال والاستدبار ، ويتعلّمون لغاتنا ، وأساليبَ رَقْصِنَا ورُكوب عربتانا ، وكُنَّا نُدَبِّر لبعضهم أحياناً زواجاً من أوروبيّة ، ثُمَّ نلقِّنُهُمْ أسلوبَ الحياة على أثاث جديد ، وغذاء أوروبيّ ، وكُنَّا نضعُ في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبّة بلادِنا ، ثم نرسِلُهم إلى بلادهم ، وأيّ بلاد؟!

                            لقد كانت أبوابُ بلادهم مغلقة دائماً في وجوهنا ، لم نكن نجد منفذاً إليها ، كُنَّا بالنسبة إليها رِجْساً ونجساً وخَنَا ، كُنَّا أعداءً يخافون منا ، وكأنّهم همجٌ لم يعرفوا بشراً ، لكنَّا بمجرد أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم ، كُنّا بمجرّدِ أن نصيح من أمستردام ، أو برلين ، أو بلجيكا ، أو باريس ، قائلين : "الإخاء البشري" نرى أنّ أصواتنا يرتَدُّ من أقاصي أفريقية ، أو من فجّ من الشرق ، الأوسط أو الأدنى أو الأقصى ، أو شمال أفريقية .

                            ثمّ إنّنا كنّا واثقين من أنّ هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمةً واحدةً يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ، ليس هذا فحسب ، بل إنَّهم سُلِبُوا حق الكلام عن مواطنيهم .

                            هذا دور المفكّر الّذي يتشكَّل بالشَّكْل الأوروبّي ، ويلْعَبُهُ في الدُّول الإسلاميّة ، إنّه دور "دليل الطريق" للاستعمار في البلاد التي لم نكن نعْرفُها ، أو نعرفُ لغاتها ، وهو السوس الذي عمل في الشرق من أجل تثبيت موادّنا الثقافية والاقتصادية والأخلاقية والفلسفيّة والفكريّة ، المسمّمة للاستعمار الغربيّ ، داخل هذه الأشجار الوارفة الأصيلة .

                            هذا هو السوس الذي كُنَّا صنعناه وسمَّيْنَاهُ بالمفكرين ، كانوا عالمين بلغاتنا ، وكان قُصَارى همِّهم ، ومُنْتَهى أمَلِهم ، أنْ يصبحوا مثْلَنا ، في حين أنَّهم أشباهُنَا ، وليسوا مثلنا .

                            إنَّهُمْ نَخَرُوا من الداخل ثقافة أهليهم ، وأديانهم القوميّة ، الّتي تصنَعُ الحضارات ، ونَخَرُوا مُثُلَهُم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة ، وأصالتَهُم الأخلاقيّة والإنسانيّة ، وتحتَ أيّ شعار ؟ وبأيّ اسم ؟

                            باسْمِ مقاومة الخرافات ، أو مكافحة الرّجعيّة أو الوقوف ضِدّ السلفيّة" .

                            هذا مخطّطهم فليحذر المسلمون .

                            * * *
                            من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                            Comment

                            • قسورة
                              عضو
                              • Nov 2005
                              • 157

                              #15



                              الفصْل السّابع
                              منْ وَسَائل الغزو الفكري : التفريغ وَالملء


                              1- مقدمة .
                              2- عناصر الخطة .
                              3- وسائل التفريغ .
                              4- عمليات ملء التفريغ .
                              5- تسخير الجيش الجديد من أبناء الأمة .







                              (1)
                              مقدّمة


                              علمتني الحشرة حينما تدخل إلى باطن الثمرة فتجوفها كيف يحاول أن يصنع أعداء الإسلام به ، إنهم يحاولون تفريغ الإسلام من محتواه الاعتقادي والعملي والخلقي حتى يُمسي قشرة فارغة محكوماً عليها بالطرح والفناء وهكذا يفعلون ، وبالإسلام يكيدون . تكون الثمرة الجميلة في ريعان نضارتها وحيويتها ، متسارعة في سلم نُموها ، فتغفل عنها عينُ جنّانها ، وتُهمل يده صيانتها ، فتأتي إليها حشرة صغيرة دون ما يدركه النظر ، فتغمز منها طرفاً متوارياً ، وتحفر فيه ثغرة يسيرة لا يعبأ بها الغادون ولا الرائحون ، وتعمل في مكان غير ظاهر لضوء الشمس ، فتأكل على قدرها عابرة في نفق تصنعه لنفسها ، وتنمو الحشرة في الظلمات ، وتترعرع حتى تصل إلى النواة ، وفي النواة تجد لها غرضاً لذيذاً ، ومطعماً طيباً ، فتأكلها ، وتلتهم ما تلتهم من لب الثمرة ، وتفسد ما تعجز عن التهامه ، حتى إذا بقيت الثمرة قشرة ذابلة تداعت على نفسها ، وسقطت وصارت إلى الفناء ، كذلك يفعل المفسدون أعداء الإسلام حينما يمكرون به ، وكذلك يكيدون .

                              وقد تداعى أعداءٌ مفسدون كثيرون على هذه الجنة العظيمة ، الوارفة الظلال ، ليأكلوا ثمرها ، ويفسدوا شجرها ، ويدعوها أرضاً قاحلة جردا ، لا خضرة فيها ولا ماء ، إنها جنة الإسلام ، بخيراتها ، وخصبها ، ونمائها .

                              هذه الجنة التي تداعى عليها الحاقدون والحاسدون والمفسدون في الأرض هي الإسلام بعقيدته الثابتة الحقة ، التي تدعمها البراهين ، والآيات البينة ، والحجج الساطعة ، وبعباداته الشائقة الجميلة الرشيقة الميسرة النافعة ، التي يحسده على كثير منها كل الشعوب التي لا تدين به ، وبنظمه المحكمة الصالحة الكفيلة بسعادة الإنسان ، وهي نظم ربانية ما بلغ نظامٌ في الدنيا من وضع الناس مرتبة كماله بعد التجارب الكثيرة إلا كان مطابقاً لها ، وملتقياً معها على طريق واحدة .

                              هذه الجنة هي الإسلام ، أما الكفر فكله ملة واحدة في عدائه لهذه الجنة العظيمة ، وكيده لها ، وإن تفاوتت مذاهبه في مقدار حقده وحسده وكيده ، وكذلك بعض الشر أشد من بعض ، كما أن بعض الحشرات أكثر فتكاً بالجنات من بعض .

                              ولقد تعرضت معظم المجتمعات الإسلامية لهذا الغزو الكافر المفسد ، فأصابها مثل ما يصيب الثمرة التي تأكل الحشرة نواتها ، وتلتهم لُبَّها ، ولا تبقي منها إلا قشرة متجعدة فارغة أو فاسدة المحتوى ، فإذا كشف الباحث عما في جوفها لم يجد إلا غريباً عابثاً أكل لبها ، وطرح فضلاته فيها ، أو فساداً منتشراً يحكي للناظر إليه قصة الإهمال والتعاون ، اللذين صرفا الحماة والرعاة عن الحراسة والصيانة الدائمة .

                              إنه لم يبق عند بعض هذه المجتمعات الإسلامية إلا الاسم وعصبية النسبة ، وما قيمة الأسماء إذا لم تطابقها مسمياتها ، فلو أخذنا قطعة من الفخار وموهنا ظاهرها بلون الذهب ، وسميناها سبيكة من ذهب ، أفيجعلها اللون والاسم ذهباً حقاً ؟

                              وما أكثر المسلمين في هذا العصر الذين ليس عندهم من الإسلام إلا اسمه ، وليس عندهم من القرآن إلا رسمه؟!

                              ولقد وصل المسلمون إلى هذا بإهمالٍ منهم ، وكيدٍ من أعدائهم وأعداء دينهم ، وأعداء تاريخهم وأمجادهم .

                              (2)
                              عناصر الخطة



                              يعمل العدو باستمرار على نسف أسس العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين وعقولهم ، لينتهوا من البواعث الدائمة الراسخة التي تعيد المسلمين إلى حظيرة الإسلام مهما انحرفوا عنه في التطبيقات العملية .

                              وقد تنوعت وسائلهم لتحقيق هذه الغاية في المسلمين ، فكان منها تجزئة أركان العقيدة الإسلامية ، وإثارة الشكوك والشبهات حول كل واحدٍ منها ، في صفوف شباب المسلمين وناشئتهم المتطلعين إلى المعرفة ، والراغبين بالتزود من ثقافات العصر وعلومه .

                              فأثاروا الشكوك حول وجود الخالق تبارك وتعالى ، وأثاروا الشكوك حول وجود الملائكة والوحي ، وأثاروا شكوكاً أخرى حول الرسل عليهم السلام ، وحول الكتب السماوية ، ونبشوا عن أقوال أهل الجاهلية الأولى في البعث واليوم الآخر ، وألقوا الشبهات حول عقيدة القضاء والقدر ، وعملوا على إبعاد شبابنا عن دراسة الإسلام دراسة وعي وتفهم ، حتى تجد شبهاتهم مكاناً فارغاً في عقول أجيالنا الناشئة ، فتتمكن منها .

                              واستغلوا ميادين المعرفة الحديثة ، ودسوا في معظم أجهزة التعليم والتخطيط له عناصر مقنعة ، بغية القبض على ناصية التوجيه والتخطيط للمعارف والعلوم ، والتمكن بذلك من إعداد أجيالٍ منا على ما يشتهون ، أعداءٍ لدينهم وأمتهم وتاريخهم .

                              لأنه متى فرغت أجيالنا من أصول عقيدتها التي هي المقومات الأساسية لشخصيتها لم تجد سبيلاً إلا اتباع المناهج والعقائد المستوردة من بلدان الأعداء ، وعندئذ يهون عليها أمر نفسها هواناً تضطر معه إلى الاستسلام التام لما تمليه عليها مخططات أعدائها ، و بذلك تكون الأمة جميعها لقمة سائغة في فم الطامعين بخيراتها ، وشربة لا غصة فيها .

                              إنها خطة بعيدة الغور طويلة المدى ، ولكن لم يعرف التاريخ أشد منها مكراً ، ولا أخبث منها كيداً ، وقد اكتوت الأمة الإسلامية منها في هذا العصر الحاضر كياتٍ أصابت منها الصميم .

                              وتتلخص هذه الخطة الخبيثة بثلاثة عناصر ، هي أخطر ما عرف الكون من عوامل هدم لمقومات أمةٍ ذات مجد عظيم فكري ونفسي وأخلاقي وتاريخي .

                              العنصر الأول : تفريغ أفكار الأجيال الناشئة وقلوبهم ونفوسهم من محتوياتها ، ذات الجذور العقلية والعاطفية والوجدانية والأخلاقية ، وانتزاع كل آثارٍ لها ، وهو ما يسمى بعملية ، (غسل الدماغ) .

                              العنصر الثاني : ملء فراغ عقولهم وقلوبهم ونفوسهم بمخترعات فكرية وعاطفية مزورة مزيفة ، تخدم غايات العدو الطامع الغازي ، وتهدم كيان الأمة الموضوعة هدفاً للغزو .

                              العنصر الثالث : تسخير طوابير الجيش الجديد الذي تصطنعه أيدي العدو في هدم كل مقوم من مقومات أمته ، ومحاربة كل ما يتبقى لها من فكر وعقيدة ، أو خلق وسلوك ، أو تاريخ ومجد .

                              (3)
                              وسائل التفريغ



                              واتخذ العدو الغازي عدة وسائل لتفريغ أفكار الأجيال من أبناء المسلمين ، وتفريغ قلوبها ونفوسها ، من محتوياتها ذات الجذور العقلية والوجدانية والعاطفية والأخلاقية .

                              وباستطاعتنا أن نلاحظ عدة وسائل وضعها العدو في خطته لتحقيق غاية التفريغ ، وهي جميعُها تهدف إلى إبعاد وصرف وعزل الأجيال الناشئة في المجتمعات الإسلامية عن كل وعي ديني سليم ، لئلا يتعرفوا على الإسلام بصورته الصحيحة المنيرة المشرقة ، وتهدف إلى وضع العقبات الكثيرة في سُبل معرفتهم لها ، واصطناع العثرات في طريق كل ذي فكر منير واعٍ يسعى لتصحيح مسيرة الأجيال المتعلمة نحو الحق ، وتهدف إلى إفساد المفاهيم الصحيحة المتوارثة في الشعوب الإسلامية ، تمهيداً لانتزاعها انتزاعاً كلياً .

                              فمن وسائل خطة التفريغ الوسائل التالية :

                              الوسيلة الأولى : فصل العلوم الدينية عن العلوم الأخرى فصلاً يجعل بينها هوة سحيقة ، واصطناع الخلاف والشقاق ثم العداء بين علوم الدين وعلوم الدنيا ، وبين علماء هذين القسمين وتيسير سبل المال والمجد الدنيوي لمتعلمي علوم الدنيا ، وحجبها عن نظرائهم من متعلمي علوم الدين ، ولم تقتصر عملية الفصل هذه على مستوى التخصص العالي ، ولكن المكيدة كانت شاملة ، تهدف إلى عزل طلاب علوم الدنيا عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدين عزلاً تاماً في الصيغة والطريقة والمضمون ، وإلى عزل طلاب علوم الدين عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدنيا عزلاً تاماً أيضاً ، وذلك لئلا تنكشف الملاءمة التامة بين الأصول الصحيحة لقسمي علوم الدين وعلوم الدنيا ، ولئلا تظهر الصداقة العميقة ، أو الأخوة العريقة بين القسمين ، فينصر الحقُّ من كل منهما الحقَّ من صاحبه ، وينفي عنه الدخيل الدعيّ ، ولئلا تتكامل منهما المعرفة على صراط الله المستقيم ، فيحتل المسلمون لله مجد الدنيا والآخرة .

                              ومن طبيعة هذا الفصل الموضوع في الخطة أن يولد مع الزمن تعصب كل فريق لنوع دراسته ، ولمنهج بحثه ، وطريقة تقصيه للحقائق ، حتى تكون طريقة كل منهما مزدراة عند الفريق الآخر أول الأمر ، وبذلك تبذر بزور الشقاق والخلاف ، ومع تطاول الزمن يستحكم ذلك وتتسع دائرته ، ثم تتولد القناعة عند الفريقين بأن علوم الدين وعلوم الدنيا في خلاف وشقاق ، مع أن العلم مهما كانت طريقته إنما هو بحث عن الحقيقة ، ولا عداء بين الحقائق ، ولكن بينها الوئام التام ، وإنما العداء بين الحق والباطل ، بين الصدق والكذب .

                              وما دامت مواكب المتعلمين ستتجه لدراسة علوم الدنيا وفق الصيغة التي وضعت لها ، بما تحمله هذه الصيغة من عداء مدسوس أو سافر لأصول الدين وأحكامها وتزييف في بعض المعارف الإنسانية ، وبعض النظريات . فإن النتيجة التي يقدرها واضعو الخطة هي انتصار هذه العلوم ، وانتصار مادس فيها فجاء مرافقاً لها ، وهزيمة علوم الدين بكل ما فيها من حق وخير ومجد للناس عظيم .

                              وعلى إثر هذا الفصل المصطنع كان على دارسي العلوم الدينية في معظم بلاد المسلمين أن يكونوا بعيدين عن كل مجالٍ حيوي إلا مجال المساجد وما يكون فيها من عبادات ، وبعض الوظائف ذات الاختصاص الديني ، مع تضييق موارد الرزق فيها ، وإلجاء القائمين بها إلى طرق من الكسب تثير النقد اللاذع والازدراء والتندر .

                              أما فيما عدا ذلك من المجالات فإنهم يحجبون عنها حجباً تاماً ، حتى يظلوا معزولين عن معظم مجالات المجتمع ، وحتى لا يكون لأفكارهم تأثير في التوجيه والتخطيط العام للأمة ، وحتى لا يكون لهم رقابة على من يتولى ذلك من أجراء أعداء الإسلام وعملائهم في شتى المجالات .

                              وفي مقابل ذلك وضعت الخطة في حسابها أيضاً عزل دارسي علوم الدنيا في معظم بلاد المسلمين عن دراسة علوم الدين ، وحين يؤذن لهم بشيء من ذلك تحت تأثير ضغط جماهير المسلمين ، فإنما يؤذن لهم منه بالنزر اليسير الذي لا يكوّن عندهم ملكة المعرفة بأصول الدين ، وبنظمه الإنسانية التي تكفل للناس سعادتهم ، وتركز الخطة فيما تأذنُ به على اختيار الموضوعات التي ليست من أسس العقيدة ، ولا من أسس المعاملة ، ولا من أسس إقامة المجتمع الإسلامي ، وتحاول استرضاء الضغط العام ببعض مباحث الأخلاق المشتركة بين الإسلام وغيره ، وبعض صور من التاريخ الإسلامي المشوه ، وبعض صور من نشأة بعض العلوم عند المسلمين ، ونحو ذلك .

                              ثم تفتح لهؤلاء الدارسين وفق هذه الخطة مجالات الحياة كلها ، وبمرور الزمن يتم الفصل بين الدين والحياة ، وحينئذ تجد الأمة نفسها مضطرة لأن تقتبس لنظام حياتها من الأنظمة المستوردة من بلاد أعداء الإسلام ، على أسس لا صلة لها بالدين ولا تعترف بشريعة الله ، وبذلك يحقق الغزاة هدفهم من غزو الأفكار والنفوس والقلوب ، وغزو سلوك المسلمين ، واحتلال هذه المواقع بجيوش الغزاة الفكرية والوجدانية والعاطفية والسلوكية .

                              ومتى انزلقت هذه الأمة في هذا المنزلق الخطر عدت عليها عوادي الكفر ، وقد تتم عند الجماهير المخضرمة المصالحة الصورية بين عقيدتها وسلوكها ، أما عقيدتها فالإسلام كما تدَّعي ، وأما سلوكها فعلى مناهج الكفر كما تطبق ، هذا ازدواج في الشخصية لا تثبت عليه أمة أكثر من جيل واحد ، إذ يأتي الجيل الجديد فيأخذ السلوك المطبق ، ويختار له عقيدة تلائمه ، وعندئذ يتم التحويل الكامل إلى الكفر . وتنسلخ الشخصية الإسلامية انسلاخاً تاماً ، ويتحقق بذلك المسخ المعنوي .

                              الوسيلة الثانية : تسخير وتشجيع فئات تدخل في المفاهيم الإسلامية أغاليط وأكاذيب وتلفيقات ومبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان ، وتعمل على تشويه حقائق الإسلام الناصعة ، وذلك لطعن الإسلام بها من جهة ، ولإبعاد الأجيال الناشئة عنه تذرعاً بهذه التشويهات الدخيلة عليه والغريبة عنه .

                              وقد رأينا ونرى باستمرار أعداء الإسلام والمسلمين ، يدسون ، ويسخرون ، ويشجعون ، في المجتمعات الإسلامية من ينشرون مفاهيم وأعمالاً فاسدة خاطئة ، يزعمونها من الإسلام ، وهي ليست منه ، فمنها حشد البدع المحدثة ، التي كانت تشجعها السلطات الاستعمارية في مختلف بلاد المسلمين المحتلة من قبل أعدائها ، ويتخذون لهم أجراء من المنتسبين إلى الأمة ، ويقوم هؤلاء الأجراء بتنفيذ خطة العدو ، ويتلقون منه التعليمات في ذلك .

                              وفي الوقت الذي ضيق فيه المستعمرون الخناق على المدارس الإسلامية والعلوم الدينية الصحيحة ، وجدناهم يدعمون ويشجعون مجموعات من الجهلة بالدين , تمارس طقوساً من العبادات المبتدعة المخترعة ، التي لم يعرفها الصدر الأول من المسلمين ، والممزوجة بشيء كثير من حظوظ النفس ، تحت ستار التصوف الديني ، مع أنه ليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله .

                              وعلمنا أن كبار رجال الاحتلال الاستعماري كانوا يحضرون هم وعائلاتهم كثيراً ومن هذه الاجتماعات التي يتصور القائمون بها أنها لون من ألوان العبادات الإسلامية ، وما هي في الحقيقة إلا مجموعة من أغاني التشبب ترافقها أصوات بعض آلات الموسيقى والحركات الإيقاعية المسماة برقص السماح ، ويرافقها ترديد لبعض الأذكار المختلفة . وكانت تؤخذ لهذه المجالس رسوم فوتوغرافية ، تضاف إلى سجل المعلومات التي تؤخذ عن المسلمين وبلادهم ، وقد بلغنا في حينها أن السلطات الاستعمارية كانت تشجع القائمين بهذه الاجتماعات بالمنح المالي ، وبإظهار استحسان ما يقومون به ، وباستدراج فريق منهم ليكونوا أجراء لهم ، ويكونوا فيما بعد قوة دينية في البلاد تساند المحتل ، وتخدمه في تحقيق أغراضه .

                              وهذا اللون من التحوير في مفاهيم الدين وفي تطبيقاته له آثار سيئة جداً ، ومنها الآثار التالية :

                              الآثار السيّئة للبدع الدخيلة في الدّين

                              1- إبعاد هذه المجموعات عن دراسة علوم الدين دراسة صحيحة ، تعدّهم لتفهّم غاياته وأحكامه التي يأمر بها ، والتي منها عزة المسلمين ، ووجوب مجاهدة الكافرين ، والعمل على بسط سلطان الحكم الإسلامي في البلاد .

                              2- امتصاص شحنة الطاقة الدينية الكامنة في نفوس المسلمين ، والدافعة لهم إلى العمل بواجبات الإسلام التي تعتبر العبادات الخالصة لوناً روحياً من ألوانها .

                              ويكون امتصاص هذه الطاقة بما تورثه هذه الأعمال المجهدة المحببة للنفوس من القناعة الداخلية بقيام الفرد نحو ربه بجهد كاف ، ثم هو يطالب الله بعدها بأن يحقق للمسلمين النصر على عدوهم ، دون أن يشارك هو بعمل فعَّالٍ من شأنه أن يضيف إلى قوة المسلمين قوة ، أو إلى صفوف مكافحيهم جندياً عاملاً .

                              3- تحويل المسلمين عن تعاليم الإسلام الأصلية ، وإضافة أشياء جديدة له ، قابلة للتنوع بين مختلف المجموعات ، ثم بعد أمدٍ قد يطول أو يقصر تصبح هذه المحدثات هي الأصل الديني عند هذه الفئات ، وتصبح أركان الإسلام الأصلية شيئاً ثانوياً ، ولربما تترك فروض الإسلام وتهمل اكتفاء بهذه المحدثات التي حلت محَلَّها عند هذه الفئات .

                              4- تنفير الأجيال المثقفة عن الإسلام ، تذرعاً بهذه الأخلاط المبتدعة البعيدة عن سمو الشريعة وكمالها ، والتي تصمه بأنه مزيج مقتبس من العبادات الوثنية ، وما هي في الحقيقة إلا أمور دخيلة عليه ، محدثة ، ما أنزل الله بها من سلطان .

                              الوسيلة الثالثة : تولية قيادات دينية تعطي صورة سيئة عن الإسلام في مفاهيمها أو في سلوكها ، وإبعاد كل عنصر صالح يدرك حيل أعداء الإسلام ، ويكافح لإحباط مخططاتهم .

                              وبهذه الوسيلة يحاربون الإسلام بسلاحين خطيرين : سلاح يطعن به المسلمون أنفسهم ، وسلاح آخر في أيدي عدوهم يطعنهم به في الخفاء ، وقد يعلنه متى واتته الفرصة .

                              إن تولية مثل هذه القيادات ينتج عنه أسوأ الأثر في جماهير المسلمين . إنها في الاسم الرسمي أو المعلن قيادات تتولى مناصب دينية لها نوع تقديس في نفوس معظم الجماهير المسلمة ، فلا بد أن تكون أسوة وقدوة لمعظم هذه الجماهير ، فإذا كانت منحرفة التفكير ، أو منحرفة السلوك ، كانت أيسر طريق للتضليل الذي يريده العدو ، لأن الجماهير التي تجد في هذه القيادات أسوة لها لا بد أن تضل النسبة العظمى منها بدافع الاقتداء والاتباع ، وهذا ظفر عظيم لأعداء الإسلام ، وأما الثلة الواعية التي لا ترضى سلوك هذه القيادات فإنها تسلط نقمتها عليها ، وعلى كل من له قيادة دينية رسمية أو غير رسمية ، وتتجه في طريق آخر ، وهذا ظفر ثان لأعداء الإسلام أيضاً .

                              ومتى اتجهت النقمة العامة ضد ما يسمى بالقيادات الدينية تحلل من الاتجاه إلى دراسة العلوم الدينية كل من تحدثه نفسه بخدمة الإسلام عن طريقها ، وسلك مسلكاً آخراً ، وهذا ظفر ثالث لأعداء الإسلام أيضاً ، كما يجد ضعفاء الإرادة الطامعون بالدنيا أن الانحراف طريق ميسر سهل إلى تولي المناصب الدينية ، فينحرفون ليصلوا إليها ، وهذا ظفر رابع لأعداء الإسلام أيضاً .

                              ومتى انعدمت من الأمة فئة الدعاة إلى الله الموثقين بدعوتهم ، الحارسين لحدود الإسلام ، قام جنود الشياطين يعبثون في صفوفهم ، دون أن يجدوا عقبة تقف في طريقهم تقول لهم لا تفعلوا الشر ، وتحذر الأمة من شرورهم ، وتنبهها على خطرهم ، وتدلها على مكايدهم ، وبفقد الدعاة إلى الله الحارسين لحدود دينه يتحقق ظفر خامس لأعداء الإسلام أيضاً .

                              وحين يتم للعدو هذا الظفر بأنواعه ومراحله المختلفة وصوره المتعددة تخسر الأمة الإسلامية أعز ما تملك من مقومات وجودها بين أمم الأرض .

                              وهكذا يفعل أعداء الإسلام بالمسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، فهل إلى يقظة من سبيل؟؟..

                              الوسيلة الرابعة : التضييق على طلاب العلوم الدينية والمعارف المتصلة بها ، وتزهيدهم فيها ، وتوجيه ألوان الاضطهاد للدعاة إلى الإسلام منهم ، ومحاربة كل حركة إصلاحية تضطلع بأعباء رسالتها هيئة منظمة ، أو يقودها ملح ذو شخصية مؤثرة ، وذلك بإضعاف قواها المادية ، وإثارة الشكوك حولها ، والإيقاع بينها وبين غيرها من المؤسسات الإصلاحية ، وإدخال عناصر مدسوسة فيها تعمل على تفتيت طاقاتها ، وتحوير اتجاهها السليم .

                              وقد مني المسلمون بنكبات متعددة من جراء تنفيذ هذه الوسيلة ، على أيدي أعداء الإسلام مباشرة ، أو على أيدي أجرائهم وعملائهم من المنتسبين إلى الأمة الإسلامية انتساباً وراثياً ، لا انتساباً اعتقادياً إرادياً .

                              الوسيلة الخامسة : إثارة الشكوك والشبهات حول عقائد الإسلام ، ومبادئه ، ونظمه ، وعباداته ، لإضعاف ثقة المسلمين بكمال دينهم الذي كان سر مجدهم ، ولإقناعهم بأن تقدمهم في مختلف مجالات العلوم التي تخرجهم من واقع التخلف الذي أصابهم ، رهن بتركهم لدينهم ولتعاليمه ، ولنظمه ، وهنا يستعملون دسيستهم المشهورة ، وهي قياسهم العالم الإسلامي على أوربا ، مع مغالطة فاحشة في عناصر القياس . هذه الدسيسة هي قولهم : إن أوربا لم يُتح لها النجاح حتى فصلت عملها وسياستها عن سلطان الكنيسة ، وكذلك لا يتاح للعالم الإسلامي النجاح حتى يجعل الدين محبوساً في زوايا المسجد ، وحتى يتم الفصل بين الدين والدولة في سياستها وفي نظمها وفي قضائها ، متهمين الإسلام بالعجز والقصور عن مواكبة ركب العصر الحاضر في أنواع تقدمه العلمي والحضاري والمدني .

                              وفساد القياس آتٍ من الواقع المتباين ما بين الإسلام الحق الذي لم يدخل فيه التحريف والتغيير ، وبين غيره من الأديان التي لم تبق على أصولها الربانية ، فلم تعد صالحة للحياة بسبب التحريف الإنساني الذي دخل فيها .

                              ولئن كان كلامهم مقبولاً في بعض جوانبه بالنسبة إلى المذاهب والأديان والملل غير الإسلامية ، فإنه لن يصح بحال من الأحوال بالنسبة إلى الإسلام الحق ، الذي يحتل مركز القمة في دفعه المسلمين إلى كل تقدم حضاري ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لأن الله حفظ كتابه كما أنزله على رسوله .

                              الوسيلة السادسة : إثارة ألوان الهزء والسخرية وأنواع التهكم بعلماء الدين الإسلامي ، وبالأحكام الإسلامية ، وبالعبادات وممارسيها .

                              ولهذا السلاح أثره القوي لدى ضعفاء النفوس ، الذين توجههم الضغوط الاجتماعية إذ يتخاذلون أمامها ،ويجنبون عن فعل الحق والخير وسلوك سبيل الهدى ، أمام استهزاء المستهزئين ، وسخر الساخرين ، وتهكم المتهكمين ، وما أكثر ما يستعمل دعاة الباطل هذا السلاح الحقير ضد أنصار الحق من المؤمنين .

                              وقد انتشرت في المجتمعات الإسلامية المختلفة الأجهزة المأجورة لاستخدام هذه الوسائل ، كأسلحة خطيرة يقاتلون بها في أعمال الغزو غير الحربي ، للإجهاز على الإسلام والمسلمين ، والقضاء عليهم من داخل صفوفهم .

                              وواجب أهل الرأي والغيرة والعمل أن يقابلوا كل سلاح بما يبطله ويُفني أثره ، وأن يقوموا بحركة غزو مضادة على مواقع أعداء الإسلام الفكرية والنفسية والسلوكية ، حتى يحبطوا كيدهم ، وينصروا دين ربهم ، ويستعيدوا مكانهم القيادي في العالم .

                              الوسيلة السابعة : تنفير الأجيال من أبناء المسلمين من واقعهم المعاصر ، ومن تاريخهم الغابر ، عن طريق تشويهه ، وتجميع النقائص المتفرقة ، وعرضها في صورة واحدة تمثل صورة المسلمين ، مع طمس كل الفضائل والكمالات ، التاريخية والمعاصرة ، وتسخير عناصر مأجورة ضمن الأمة ليسيئوا سمعتها بأعمالهم ، وليصدقوا أقوال أعدائهم فيهم .

                              (4)
                              عمليات ملء الفراغ



                              وحين يتم للعدو الغازي تفريغ أفكار أبناء المسلمين وقلوبهم ونفوسهم ، من محتوياتها الإسلامية ، ذات الجذور العقلية والوجدانية والعاطفية والأخلاقية ، يهون عليه جداً ملء الفراغ بما يريد ، عن طريق مدارس التعليم ، ومعاهده ، وجامعاته ، وعن طريق أندية الثقافة والفن ، وعن طريق المكتوبات والمنشورات ، من رسائل ، وكتب أخبار ، وصحف ومجلات دورية ، وكتب علوم مبسطة يدسّ فيها العدو ما يريد من أفكار ونظريات ، وعن طريق الإذاعة والتلفزيون ، وسائر وسائل الإعلام .

                              وأعمال ملء الفراغ تواكب أعمال التفريغ في خطة الغزو ، حتى لا تضيع على الغازي فرصة من فرص العمل ، وتطبيقاً لنظريته التي يقول فيها : إن الطبيعة تأبى الفراغ . وربما يكون التفريغ وملء الفراغ كمن يلقي الحصى في كأس اللبن ، إذ يخرج من اللبن بمقدار ما ألقى في الكأس من حصى .

                              وفي الساعة التي يستخرج فيها ساكن من سكان الدار يحتل فيها ساكن جديد من قبل العدو ، وتحدث مشكلة عدم التلاؤم بين العناصر الدخيلة والعناصر الأصيلة ، ويقوم بعض الصراع الجزئي ، ولكن متابعة تنفيذ خطة الغزو تفرض نوعاً من التعايش بين العناصر بانفصام الشخصية ، أو بإقامة حجب بين العناصر ، أو بإضعاف العناصر الأصلية وتخديرها حتى لا تشعر بالنفرة من الغريب المحتل ، أو بجعل الغريب الدخيل يكمن في زاوية مظلمة ، بانتظار قدوم عناصر جديدة أخرى تشد أزره ، وتقوي ظهره .

                              وبمتابعة العمل ، والدأب الدائم ، في عمليات التفريغ والملء ، يحقق العدو الغازي أهدافه .

                              ومن النصوص الكاشفة لخطة الغزو ما يلي :

                              جاء في كتاب "غزو العالم الإسلامي" للمستشرق شاتلي ، ما يلي :

                              "...وإذا أردتم أن تغزوا الإسلام ، وتخضدوا شوكته ، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها ، والتي كانت السبب الأول والرئيس لاعتزاز المسلمين وشموخهم ، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم... عليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية ، بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم ، وكتابهم القرآن ، وتحويلهم عن كل ذلك بوساطة نشر ثقافتكم وتاريخكم ونشر روح الإباحية ، وتوفير عوامل الهدم المعنوي ، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم ، والسذج البسطاء لكفانا ذلك ، لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها...".

                              (5)
                              تسخير الجيش الجديد من أبناء الأمة



                              وحين تستطيع الغزاة تنشئة أجيالٍ من أبناء المسلمين على ما أرادوا من تفريغ وملء ، يهون عليهم جدّاً استئجار هؤلاء ، أو تسخيرهم ، أو دفعهم من وراء حجاب ، لهدم ما تبقّى من الإسلام في أمتهم ، وللإمعان في تجزئتها وتبديد طاقاتها ، بقوة وعنف ، وبطريقة جريئة صريحة وقحة ، لأنهم من أبناء الأمّة ، ولهم في العرف العامّ الحقّ في الإصلاح والتغيير ، وهم الطبقة المثقفة التي يظنّ الجهلة من عامة المسلمين أنها العليمة الخبيرة بخير الأمة ومصالحها ، والعليمة الخبيرة بسياستها وإدارة شؤونها .

                              والواقع المرّ المعاصر من تاريخ المسلمين ، قد أثبت أنَّ هؤلاء قد كان لهم دورٌ في هدم الإسلام وتجزئة المسلمين وتبديد طاقاتهم ، أكبر وأخطر من الدور الذي قام به الأعداء الأصليّون بصورة مباشرة .

                              لقد فاق التلاميذ أساتذتهم في تحقيق الأهداف التدميرية .

                              * * *
                              من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                              Comment

                              Working...