أجنحة المكر الثلاثة (التبشير-الاستشراق-الاستعمار) - عبد الرحمن الميداني

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • قسورة
    عضو
    • Nov 2005
    • 157

    #31





    الفصْل الرابع

    شُبهَاتٌ حَوْلَ الزَّكَاةِ في الإسْلاَم



    شُبهَاتٌ حَوْلَ الزكاة في الإِسلام


    لم يكن الناس قبل الإسلام يخضعون لتكليفٍ مالي إلزامي محدد النسبة لصالح الكفالة الاجتماعية يُلزم به الواجدون ، ويُعفى منه المقلون ، وتُسدُّ منه حاجات الفقراء والمساكين ، تتولى الدولة جبايته وتوزيعه على أصحاب الحقوق فيه بالحق والعدل ، وتعاقب الفرد الممتنع عن أدائه بالجزاءات المالية وغيرها ، وتقاتل الجماعات المتفقة المتواطئة على منعه قتالاً شرعياً حتى يؤدوه حق أدائه.

    هذا النظام هو نظام الزكاة ، أو نظام الصدقة الواجبة في الإسلام.

    ويحاول الأعداء الغزاة من شرقيين وغربيين وأجراؤهم توجيه الطعن لهذا النظام الرائع ، على زعم منه أنه نوع من الإحسان الذي يرافقه إهانة لكرامة الإنسان المحتاج ، ومنّة عليه ، ويزعمون أنهم يريدون أن لا يجعلوا الإنسان في مقام الذلة والمهانة أمام إنسانٍ آخر يقدم له صدقة ماله.

    والشبهة التي يستندون إليها هي أن الزكاة المفروضة يد مِنّة يقدمها الأغنياء للفقراء.

    وردّ هذه الشبهة بسيط جداً ، إذ أن الحقيقة التي بني عليها هذا النظام من أنظمة الإسلام على خلاف ما يموِّهون به ، ويلقون فيه الشبهة ، وتحليل ذلك فيما يلي :

    لقد سمّى الإسلام هذا النظام ، وسماه صدقة ، ومعنى الزكاة التطهير والنماء ، فإذا طهّر ذو المال ماله فأخرج منه الحقوق المخصصة فيه لغيره لم يكن في فعله ذلك منَّة يمتنّ بها على أحدٍ من الناس ، ونظير ذلك ما لو صلى أو صام أو حجّ أو فعل أي عمل من أعمال البر لنفسه لم يكن في أدائه لهذه العباداة منَّة منه على أحد ، والفرق أن هذه العبادات أعمال لا تتعلق بالمال بشكل مباشر ، أما عبادة الزكاة فتتعلق بالمال بشكل مباشر . والمعنى الثاني للزكاة – وهو النماء – فيه دلالة على الثواب المعجل أو المؤجل ، الذي يثيب الله به الذين يؤدون ما فرض عليهم في أموالهم ، فينمي لهم أموالهم في الدنيا ويحفظها لهم ، وينمي لهم ثواب ما بذلوه في سبيله ، لينالوه يوم القيامة أجراً عظيماً.

    فليس في أي معنى من هذين المعنيين للزكاة أية إشارة إلى ما يشعر بمنّة الغني على الفقير أو تفضله عليه .

    وأما لفظ الصدقة وهو الاسم الثاني لهذا النظام فمعناه في لسان اللغة وفي لسان الشرع إنما هو عمل من أعمال الخير.

    وكل عمل من أعمال الخير صالح لأن يبتغى به وجه الله تعالى ، سواء أكان ذا نفع لعامله ، أو كان ذا نفع لغيره من خلق الله.

    وحين نتأمل في معنى الصدقة لا نجد فيه إشعاراً بمنة فاعل الصدقة على أحد ، ولذلك نجد باب الصدقات في الإسلام أوسع بكثير من أن يكون منحصراً في بذل المال ، ويشهد لذلك قول الرسول في الحديث الصحيح : "كلّ سلامى من الناس عليه صدقة ، وأمر بمعروف صدقة ، ونهي عن منكر صدقة ، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمل له عليها صدقة".

    ونظائر ذلك كثير في النصوص الإسلامية . فإذا كانت الصدقة في الإسلام تحمل هذا المعنى فمن أين تصيّد موردو الشبهات معنى منة الغني على الفقير؟.

    ثم إذا نظرنا إلى مسمى الزكاة في مفاهيم القرآن والسنة ، فإنا نجد أنه حق إلزامي في أموال الأغنياء ، تتولى الدولة الإسلامية أخذه طوعاً أو كرهاً ، وتتولى هي إقامة التكافل الاجتماعي عن طريقه ، بالوسيلة التي تراها أنفع وأجدى.

    فمن ذلك ما جاء في قول الله تعالى في سورة (المعارج/70 مصحف/79 نزول):

    {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * للسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ}

    وما جاء في قوله تعالى بالنسبة إلى زكاة الزروع والثمار في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

    { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}

    وما جاء في قوله تعالى في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول):

    {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}

    فأي تكريم في الدنيا لذوي الحاجات أكثر من إثبات الحق لهم في أموال الواجدين؟

    وأما كون الدولة المسلمة هي التي تتولى أخذ الصدقات وتوزيعها ، فظاهر من قول الله تعالى يخاطب رسوله في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

    {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}

    وقد جرى على ذلك عمل الرسول وعمل الخلفاء الراشدين من بعده ، ثم من تبعهم بإحسان ، إذ كانت الدولة الإسلامية هي التي تتولى جمع الصدقات وتوزيعها على المستحقين ، وكان يسمى موظف جباية الزكاة (مصدّقاً).

    ومن العجيب أن يحرف الأعداء الغزاة وأجراؤهم والسائرون في كتائبهم مفاهيم الأنظمة الإسلامية الرائعة ، التي تضمن للناس السعادة والرفاهية لو طبقت على وجهها الصحيح ، ليوجهوا لها ما يشتهون من مطاعن ومغامز.

    ويقولون : إن دفع زكاة الأموال إلى الفقراء على شكل معونات يورثهم داء الكسل والبطالة . والاتكال على أموال الصدقات ، ويعلمهم التسول التطلع باستمرار إلى ما في أيدي الناس ، وبمثل هذا الكلام يؤثّرون على فريق ممن يلقون إليهم السمع من أبناء المسلمين ، مع أنه يتضمن شبهة ناشئة عن مفاهمي خاطئة لأصل نظام الزكاة في الإسلام.

    إن الباحث المتأمل في هذا النظام الرائع يلاحظ أن صندوق المال الخاص بالزكاة والذي تشرف عليه الدولة الإسلامية إشرافاً كاملاً ، جباية ومصرفاً ، ضمن الأسس التي قررتها الشريعة الإسلامية ، ليس من المتحتم فيه أن يكون صرفه على المستحقين ذا وجه واحد ، هو دفع الأموال العينية النقدية لهم ، فللدولة الإسلامية أن ترده على المستحقين بأية وسيلة تراها أنفع وأجدى وأكرم لنفوسهم ، وأبعد عن تعليمهم الكسل والبطالة ، وأقرب لاستثمار جهد كل قادر على العمل من المستحقين.

    فإذا كانت المشكلة الكبرى للفقر ناشئة عن البطالة وعدم توافر العمل للقادرين عليه ، كان من حق الدولة الإسلامية أن تؤسس من أموال صندوق الزكاة مشاريع عمل تعود أرباحها لهذا الصندوق ، وتمتص القادرين على العمل من الفقراء والمساكين بحسب اختلاف مستوياتهم وكفاءاتهم ، كمؤسسات صناعية أو زراعية أو تجارية أو غيرها.

    ولتهيئة العمل للقادرين عليه صور شتى تتطور بحسب تطور العصور ، منها مساعدة صاحب مهارة صناعية ، حتى يفتتح لنفسه مركز عمل يكتسب منه رزقه ورزق أسرته ، ومنها مساعدة صاحب قدرة على البيع والشراء ، حتى يؤسس لنفسه متجراً يحسن إدارته والاكتساب عن طريقه ، ومنها مساعدة صاحب قدرة على الزراعة ، حتى يؤسس لنفسه مزرعة يحسن العمل فيها واستثمارها والاكتساب عن طريقها ، إلى غير ذلك.

    وأما العاجزون عن العمل من الفقراء والمساكين كالمرضى والشيوخ الكبار وغير المكلفين بالعمل كالأطفال والنساء اللواتي ليس لهن من يعيلهن فللدولة أن تدفع لهم من صندوق الزكاة مرتبات شهرية تستمر ما داموا في أحوالهم التي يستحقون بها الإنفاق عليهم ، ولها أن تزوج من يحتاج إلى الزواج منهم وأن تشتري أو تبني لهم مساكن ، وأن تدفع عنهم ديونهم إلى غير ذلك.

    وللدولة أن تنشئ لهم من صندوق الزكاة مدارس ومستشفيات وملاجئ مجانية ، ولها أن تنشئ لهم مساكن توزعها عليهم حسب حاجاتهم ، ومطاعم ومحلات كسوة تقدم لهم الطعام والكساء حسب حاجاتهم التي تقدرها اللجان المشرفة على ذلك.

    ومن الوسائل أيضاً تأسيس جمعيات خيرية في كل حي وكل قرية ، تتولى القيام بمهمات البحث عن الفقراء والمساكين العاجزين عن العمل وكفالتهم ، على أن تخصص لكل منها ميزانية من صندوق الزكاة بحسب عدد المحتاجين التابعين لها ، ويضاف إلى ذلك ما تتلقاه هذه الجمعيات من صدقات ومساعدات إضافية خارجة عن حصة الزكاة.

    إلى غير ذلك من صور كثيرة قابلة للتطوير والتحسين بحسب تطور وسائل العصر ونظمه الإدارية والاجتماعية ، مع المحافظة على الأسس التي أقام الإسلام عليها هذا النظام الرائع ، ومع المحافظة على الأهداف التي قصد إليها منه ، وفي كل هذه الصور وأشباهها يتم الأخذ من الأغنياء والرد على الفقراء ، كما جاء في النصوص الإسلامية ، والأخذ من الأغنياء يكون بمعرفة الدولة الإسلامية وإشرافها ، والرد على الفقراء يكون بمعرفتها وبإشرافها ، وبحسب الوسائل الكريمة النافعة التي تراها .

    وبذلك تسقط شبهات المضللين ، ويظل نظام الزكاة رائعاً في كل زمن ، ومناسباً لكل عصر ، ولكن على المسلمين أن يطبقوه وأن يحسنوا تطبيقه.

    * * *

    من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

    Comment

    • قسورة
      عضو
      • Nov 2005
      • 157

      #32




      الفصْل الخامس

      شُبهَاتٌ حَوْلَ العُقوبَات في الإسْلاَم



      شُبهَاتٌ حَوْلَ العقوبات في الإِسلام


      ينتقد أعداء الإسلام ما في نظام الإسلام من عقوبات شديدة قاسية ، كحدّ السرقة ، الذي يقضي بقطع اليد ، وحدّ الزنى الذي يقضي بالجلد أو بالرجم ، وحدّ قطع الطريق ، الذي يسمح للحاكم المسلم بأن يقطع الأيدي والأرجل من خلاف ، وغير ذلك من حدود زاجرة.

      ويكفي لدفع هذه الشبهة الضعيفة أن تقدّم دراسة تحليلية للعوامل الدافعة للجرائم ، ونظرات تعليلية للحل الذي لجأ إليه الإسلام في نظامه ، وسنكتشف من خلال ذلك روعة نظام الإسلام في هذا المجال ، كما هو رائع في كل مجال .

      ولا نريد أن نتبجح بدعوى خيالية ، بل نريد أن نضع الخصم أمام بحوث تحليلية ، وتطبيقات واقعية ، ثم نقول له : هذه سبيلنا ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

      ولن يجد الباحث المنصف أية ثغرة يمكن أن ينتقد منها بحق نظام الإسلام ، بينما يجد الباحثون المنصفون في كل الأنظمة الأخرى التي تطبقها أمم الأرض في هذا المضمار مئات الثغرات ونقاط الضعف ، التي هي محل للاعتراض والنقد بحق.

      أ- عوامل الجريمة:

      تعود أهم عوامل الجريمة في المجتمعات الإنسانية إلى العوامل الرئيسة التالية:

      أولاً: العوامل النفسية المنحرفة التي تحرض الفرد على ارتكاب الجريمة ، وتتنوع هذه العوامل بحسب نوع الجريمة.

      فمن الناس مصابون نفسياً بكراهية الناس أو صنف منهم ، لأسباب شتى ، وقد تبلغ بهم الكراهة مبلغاً من الظمأ النفسي لا يرويه إلا النظر إلى الدماء المهراقة من الذين يكرههم ، وقد لا تنفع في هذا الفريق الشاذ من الناس وسائل الإصلاح المختلفة ، وذلك لتمكن عقدة الكراهية في نفوسهم ، وهؤلاء على ندرتهم في الناس لا بد من علاجهم أو تطهير المجتمع منهم.

      ومن الناس مصابون نفسياً بشذوذ جنسي ، لا يبرد حرارته ولا يشبع نهمته إلا ارتكاب الجرائم المنافية للطبائع السوية ، التي يشترك فيها الناس جميعاً ، وقد يحرضهم على هذا الشذوذ على الاعتداء على عفاف الصغار والصغيرات ، وعدم الاكتفاء بالزواج المشروع ، وقد يصل بهم إلى مرحلة شنيعة من الوقاحة والقباحة والاستهانة بالآداب العامة ، يجاهرون مع هما بفحشهم ولا يتوارون فيه ، تبجحاً بالمخالفة والشذوذ ، أو استهانة بالدين وعملاً على نشر الفاحشة وإباحتها ، فيمارسون الفاحشة غير مبالين ممارسة مكشوفة أما جمع من ذوي العدالة يبلغ عددهم أربعة شهود فما فوق.

      ومن الناس مصابون نفسياً بعقدة جمع المال والاستكثار منه بالسطو على أموال الناس ، وقطع الطريق ، وترويع الآمنين أو بحيل الاختلاس وسلب الأموال بغير حق ، دون أن يشعر بهم من يجنون عليه ويسلبون ماله.

      ووجود هؤلاء وأمثالهم في مجتمع ما سبب في اختلال الأمن ، وعموم الفوضى ، وانتشار جرائم القتل التي تسببها الأهواء الشخصية والمطامع المادية ، وسبب في بث الآلام الكثيرة ، وغرس حب الانتقام ، حتى ينتهي الأمر بالمجتمع إلى أن يكون معظم أفراده ما بين ظالم قتال ، أو لص محتال ، أو ضعيف مهضوم الحق مسلوب الحرية.

      وقد استخدم الإسلام في علاج هؤلاء الشاذين المصابين بهذه العقد وأمثالها عدة وسائل:

      الوسيلة الأولى : التربية الإيمانية الإسلامية على إدراك الحق والشعور به وبواجبه ، وعلى تذوق الكمال وحبه ، واستحسان الخير والفضيلة وحبهما ، واستقباح الشر والرذيلة وكراهيتهما ، والرغبة بالتنافس في السبق إلى الكمالات المختلفة الفكرية والخلقية والسلوكية.

      الوسيلة الثانية : الترغيب بما عند الله من أجر عظيم للملتزمين بأحكام الإسلام وتعاليمه ، الداعية إلى إقامة الحق والعدل ، والتزام الخير ، والبعد عن كل ظلم وشر ، ابتغاء رضوان الله وثوابه.

      الوسيلة الثالثة : الترهيب مما أعتد الله يوم القيامة للظالمين المعتدين ، المخالفين لأوامر الله ونواهيه ، من عذاب أليم في دار العذاب.

      الوسيلة الرابعة : العقوبة القاسية الشديدة ، فحينما لا تنفع وسائل التربية والترغيب والترهيب ، تقضي ضرورة سلامة المجتمع الإنساني بإنزال العقوبة القاسية الشديدة ، لأن الذين لم تنفع فيهم هذه الوسائل قد نمت لديهم دوافع الجريمة إلى الحد الأقصى ، فكانوا خطراً على المجتمع.

      ومما لا ريب فيه أنه لن يتفق لهذا الفريق الشاذ من الناس أن يمارسوا جرائمهم في وقت واحد ، ولذلك يكون إنزال العقوبة الشديدة القاسية المشاهدة أمام ملأ من الناس في أول مرتكب منهم للجريمة عملاً رادعاً ، يكف معظم الذين تحدثهم نفوسهم بارتكاب جرائم مماثلة عن اقتحام حدودها .

      وربما لا يقتضي الأمر تنفيذ هذه العقوبة الشديدة القاسية إلا مرة واحدة أو مرات قليلة جداً ، خلال كل حقبة من الزمان ، وبذلك يقطع دابر الجريمة ، أو يخفف نسبة حدوثها إلى أدنى الحدود ، وعندئذ يصفو المجتمع من المكدرات ، ويعم الأمن والاستقرار ، وهما أعظم نعمتين ترفل بهما مجموعة بشرية.

      ثانياً: عوامل البيئات الاجتماعية المنحرفة ، التي تنمي في الأفراد الرغبة بارتكاب الجريمة ، وتغذيتهم بعدم الاعتراف بمنافاتها للحق والواجب ، أو للأخلاق الكريمة وسائر الفضائل ، وذلك بسبب إهمال هذه المجتمعات واجبات التربية العامة على احترام الحق والواجب ، والتقيد بالأخلاق الكريمة وسائر الفضائل ، وازدراء الظلم والعدوان ، والنفور من الرذائل والانحراف في السلوك.

      ففي كثير من البيئات الاجتماعية يلاحظ المتتبعون مجموعة من العوامل التي تساعد على ارتكاب الجرائم المختلفة.

      منها استهانة هذه المجتمعات بالفضائل ، وفساد مفاهميها نحوها ، وعدم اكترائها بواجبات التربية على مكارم الأخلاق ، وإهمالها الشبان والمراهقين ، وتركهم يرتعون في الملذات الجسدية المحرمة التي تتطلب منهم أموالاً كثيرة لا يستطيعون حيازتها إلا بتجاوز حدود الحق والعدل والفضيلة.

      ومنها انحلال نظام الأسرة ، أو ضعف روابطها إلى الحد الذي يشعر فيه كل فرد من أفرادها أنه ذو استقلال ذاتي تام ، في فكره وتصرفاته ومعالجة شؤونه الخاصة أو العامة ، فهو لا يسمح بأن يرشده من أسرته من سبقوه في تجربة الحياة ، أو يشرفوا عليه ، أو يقوموا على تربيته وتأديبه ، وضبط سلوكه عن الانحراف والشذوذ ، فينطلق عندئذ في متاهات رعوناته الخاصة ، وتدفع مراجل شهواته المتأججة مركبة حياته إلى المهالك ، ثم يجد نفسه في منحدرات طرق حياته المنهارة مسوقاً إلى الجريمة ، يساعده عليها نظراؤه من قرناء السوء ، إذ تسود بينهم مفاهيم بعيدة كل البعد عن المفاهيم الإنسانية الكريمة.

      ومنها تفكك الروابط الاجتماعية الأخرى التي تمثلها المؤسسات الاجتماعية التعليمية والتربوية والرياضية والأدبية ، ومؤسسات الإحسان والتعاون والتعاطف الجماعي ، وفي مقدمتها المؤسسات الدينية ، التي تضطلع بمهمات التربية الروحية ، والتدريب على الأخلاق الكريمة الفاضلة بصفة عملية ، مع كشف ما فيها من معانٍ نبيلة سامية ، حتى يكون لها في داخل النفس غراس فكري ، وغراس روحي ، يتزايد نمواً مع الزمن بالتدريب العملي ، ويتغلغل في كيان الإنسان ، ويتمكن فيه تمكناً يجعله بمثابة الطبائع الفطرية ، التي ولدت معه منذ استهل صارخاً يستقبل الحياة على الأرض.

      ونستطيع أن نقول : إن من شأن هذه البيئات الاجتماعية الفاسدة أن تكون مباءات ملائمة لتخريج المجرمين في الأرض ، ومثلها في ذلك كمثل مباءات الجراثيم الضارة التي تنمو فيها الحشرات المهلكة ويأوي إليها كل فاسد مفسد.

      وكثيراً ما يعمل الغزاة على إيجاد بيئات اجتماعية فاسدة ، لتخريج المجرمين الذين يعملون على هدم أمتهم بكل قوتهم.

      وأمثال هذه البيئات الاجتماعية تحتاج إلى إصلاح جذري ، يبدأ من أول طريق إصلاح الأمم والشعوب.

      وإن أي نظام يعالج جانب الجريمة فقط ، دون قطع الطريق على العوامل الممدة ، لا يعطي الثمرة المطلوبة ، لأن تكاثر الوباء لا بد أن يستمر ما دامت عوامل توالده ونموه موجودة عاملة ، مهما كانت نسبة المكافحة ومهما كانت قوتها.

      ولذلك نلاحظ أن نظام الإسلام قد بدأ بإصلاح الفرد ، وإصلاح المجتمع ، قبل معالجة الجرائم التي يمكن أن تحدث فيه من قبل الذين تتحرك فيهم دوافع الجريمة . وهذا الحل الجذري لا نجده على الصورة المثلى إلا في يد نظام الإسلام ومعالجته العملية.

      ثالثاً: الضرورات الملحة التي تهون على بعض السويين ارتكاب الجريمة ، التي يرون أنها قد تدفع عنهم ضروراتهم ، وتهيئ لهم حاجاتهم.

      ولكن المجتمع الإسلامي الذي يطبق أفراده أحكام الإسلام ، لا يدع ضرورة من الضرورات تدفع بفردٍ من أفراده إلى ارتكاب الجريمة ، لأنه مجتمع متعاون متكافل ، كل فرد فيه حارس يقظ ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويساعد على فعل الخير وقمع الشر.

      رابعاً: ضعف جهاز الحكم ، وإهماله ، وعدم مراقبته الشديدة لما يقع في المجتمع من جرائم ، وتردده في البت بالإدانة العادلة ، وسيره في القضاء بنفسٍ طويل ، وصبر غير جميل ، ينسى معه الشعور بهول الجريمة التي تستدعي البت الحازم الحاسم.

      والأصل في الحكم الإسلامي أن يكون على خلاف ذلك ، لأنه يعمل بهدي من كتاب الله وسنة رسوله .

      خامساً: لين القوانين وعدم أخذها بمبدأ العقوبات الزاجرة التي أخذ بها نظام الإسلام ، الأمر الذي يشجع المجرمين على ارتكاب جرائمهم .

      ومعلوم أن الشريعة الإسلامية بريئة من هذا العامل ، وأن الحكم الذي يطبق أحكامها يفرض هيبته العامة ، التي تردع كل من تحدثه نفسه بارتكاب الجريمة.

      هذه عوامل رئيسة خمسة يتسبب عنها تفشي وقوع الجرائم في المجتمعات الإنسانية ، وبمقدار نمو هذه العوامل تزداد نسبة الجرائم.

      ولكن حين يطبق الناس نظام الإسلام ، يستطيعون أن يتفادوا النسبة العظمى من هذه العوامل الباعثة على وقوع الجرائم ، وأن يخفضوا نسبة وقوعها إلى أقل حد ممكن ، وذلك لأن تطبيق نظام الإسلام ، يرتقي بالمجتمع الإنساني إلى مستوى مثالي رائع ، تستطيع الارتقاء إليه جماعات بشرية ، وقد أثبت الواقع هذه الحقيقة في تاريخ الأمة الإسلامية ، ولما طبقت المملكة العربية السعودية أحكام العقوبات الإسلامية انخفضت فيها نسبة الجرائم إلى أدنى المستويات الممكنة في الواقع البشري.

      ب- الحل الإسلامي:

      قبل أن يقيم الإسلام نظام الحدود العقوبات الزاجرة الرادعة ، أحاط المجتمع المسلم بأسوار أربعة بعضها من وراء بعض ، ومن شأن هذه الأسوار أن تبعد أفراد المجتمع المسلم عن السقوط في الجريمة ، إلا من بلغ منهم مبلغ الشذوذ.

      السور الأول : سور الأنظمة الاجتماعية والفردية التي تهيئ لكل فرد مطالبه النفسية والجسدية الضرورية ، وتدفع عنه الضرورات التي تلح في داخله ، وفق تكوينه الذي فطره الله عليه .

      فأقام الإسلام نظام العدالة الاجتماعية ، وحض على الزواج وأمر بتيسير وسائله وأسبابه ، وهيأ لجميع أفراد المجتمع فرص التنافس الشريف بحسب الكفاءات في مجالات السبق الدنيوي دون ظلم ولا عدوان.

      السور الثاني : سور تربية المسلمين نظرياً وعملياً على مكارم الأخلاق ، وفضائل السلوك ، وعلى احترام الحق والواجب ، وتريبتهم على تذوق هذه المكارم والفضائل واستحسانها وحبها ، والنفور من أضداداها وكراهيتها كراهية شديدة.

      السور الثالث: سور المخاوف والإنذارات بعقابات الله في الدار الآخرة ، لمن خالف أنظمته وشرائعه التي أنزلها لعباده وأمرهم بتطبيقها.

      السور الرابع : سور العبادة الحقة لله تعلى ، المصحوبة بمراقبته التي تسمو بروح المسلم سمواً يبعدها عن المؤثرات المادية ، التي تدفع الفرد إلى الانحراف عن صراط الله لعباده .

      وفي داخل هذه الأسوار الأربعة يترعرع المجتمع الإسلامي في بحبوحة السعادة والأمن والطمأنينة ، والبعد عن كل العوامل التي يمكن أن تحرض الإنسان على ارتكاب الجريمة.

      ومما لا يرب فيه أنه يندر وقوع الجرائم التي يعذر مرتكبوها ، داخل مجتمع مسلم توافرت فيه الاحتياطات التربوية الإسلامية التي تتغلغل في أعماق النفوس بتأثيراتها الفكرية والوجدانية والروحية ، والتي تكوّن العادات المستحكمة في السلوك بذلك ، وبقوة التأثير الاجتماعي المدفوع بواجب الرقابة الاجتماعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . يضاف إلى ذلك امتصاص الطاقات النفسية والجسدية التي من شأنها التحريض على ارتكاب الجريمة ، وذلك بتهيئة كل الشروط التي تساعد على تلبية مطالب الإنسان وحاجاته الضرورية الجسدية والنفسية والروحية.

      ولكن – رغم كل ذلك – لا بد أن تند من بعض الأفراد جرائم يدفع إليها الانحراف والشذوذ ، فالأنظمة النظرية والتطبيقية – مهما اتخذت من احتياطات – لا توقف وقوع الجريمة إيقافاً كاملاً ، ولكنها تخفف من وقوعها إلى أدنى النسب .

      وقد تدارك الإسلام أنواع الانحراف والشذوذ الدافعة إلى الجريمة ، بالعقوبات الزاجرة الرادعة ذات المظهر الخشن.

      وهذه العقوبات يقيمها سلطان المسلمين بالعدل والقسطاس المستقيم ، مع التسوية التامة بين ذوي الشرف وذوي الضعة ، وبذلك يعيش المجتمع المسلم في ظل الأمن الدائم والاستقرار والطمأنينة ، وينقطع دابر الجريمة والتفكير بها.

      ومن الجميل في هذه العقوبات القاسية أن الوضع العام للمجتمع الإسلامي المثالي لا يحتاج إلى تطبيقها إلا في أحوال نادرة جداً ، وعلى مجرمين حقيقيين لم تدرأ شبهة ما عنهم إقامة الحدود ، ولست أنكر أنه قد يدخل بين هؤلاء من تقتضي أحواله الخ اصة تخفيف العقوبة عنه ، دون أن يتبينها لاقضاء الإسلامي بشكل منضبط ، إلا أن سلامة المجتمع كله توجب التضحية ببعض الأفراد ، لا سيما الذين ثبتت عليهم الجريمة ولم يستطع الحكم العادل أن يرفع عنهم العقوبة.

      ولنا أمام هذه الفلسفة الإسلامية العظيمة أن نهاجم الأنظمة الوضعية في عقوباتها التي لا زجر فيها ولا ردع ، بأنها أنظمة تساعد على انتشار الجرائم ، وتنمية أعداد المجرمين في الأرض ، وأنها حين تشفق على يد سارق واحد أن تقطع ، تساعد على مقتل عدد كبير من الأبرياء ، ليحقق مجرمو السرقة أهدافهم ، وحين تشفق على قاتل واحد فلا تنفذ فيه عقوبة القصاص ، تساعد على سقوط عدد من القتلى الأبرياء ، وهكذا إلى سائر الجرائم.

      وحين تركت معظم الشعوب الإسلامية تطبيق نظام العقوبات الإسلامية الرادعة ،واتبعت النظم الأوربية ، انتشرت فيها الجرائم ، واندلعت فيها نار الفوضى ، وكثرت فيها الآلام الاجتماعية ، وفقدت سعادة الطمأنينة والاستقرار والأمن على أموالها وأرواحها.

      جـ- مخففات الجريمة في نظام الإسلام:

      أدخل الإسلام لدى تقويمه للجرائم التي يرتكبها المجرمون أمرين:

      الأول : اعتبار الأحوال العامة التي ترافق ارتكاب الجريمة.

      الثاني: اعتبار الأحوال الخاصة لمرتكب الجريمة ، الشاملة للأحوال العقلية والنفسية والجسدية.

      فمن مراعاته للأحوال العامة في جرائم القتل مراعاته أحوال الفتن العامة التي يكون القتال فيها بين فريقين من المسلمين ، إذ جعل للقتل فيها أحكاماً خاصة.

      ولما كانت دوافع القتل في مثل هذه الفتن دوافع جماعية وليست دوافع فردية بحتة ، نظراً لاختلاطها بشبه كثيرة ، لم تكن مشروعية القصاص فيها مثل مشروعية القصاص في الأحوال الفردية ، التي يحدث القتل فيها ضمن أوضاع آمنة مستقرة.

      وقد جاء التشريع الإسلامي فيها بأمر جمهور المسلمين بالسعي في الإصلاح بين الفريقين المتقاتلين ، فإن أصر أحد الفريقين على البغي وجب عليهم قتال الفريق الباغي ، حتى يعود إلى أمر الله ، ويوافق على الإصلاح ، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (الحجرات/49 مصحف/106 نزول):

      {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}

      ومن مراعاته للأحوال العامة في جريمة السرقة ، مراعاته أحوال السرقة في عام من أعوام المجاعة والجوائح العامة ، التي تقوى معها شبهة الضرورة الملحة ، وعند ذلك يدرأ حد قطع اليد بشبهة الضرورة الملحة ، التي تؤيدها الأحوال العامة السائدة.

      ومن مراعاته للأحوال الخاصة في تقويم الجريمة مراعاته حالة الملكات العقلية ، فإذا كانت منعدمة لم يحكم بالمسؤولية الجرمية ، ومراعاته حالة إرادة القتل ، فإذا لم يتوافر في حادثة القتل وجود إرادة القتل على سبيل العدوان ، كان ذلك مانعاً من تنفيذ حد القصاص ، وكان سبباً مخففاً للجريمة ، ومراعاته حالة الدفاع عن النفس ، وحالة الإكراه ، إلى غير ذلك من صور .

      ومن مراعاته للأحوال الخاصة في جريمة الزنى أن يكون مرتكبه غير متزوج ، سواء في ذلك الذكر والأنثى ، إذ تحمل الدوافع إليه من المخففات ما لا تحمل الدوافع إليه حينما يكون الإنسان محصناً بالزواج الذي يستطيع أن يلبي عن طريقه دوافعه الجنسية القاهرة ، مهما كان الزوج بعيداً عن شروط الملاءمة النفسية المطلوبة لكل من الزوجين أو لأحدهما . ومراعاته حالة فقدان المسؤولية العقلية ، أو فقدان المسؤولية الإرادية ، فمتى ارتفعت المسؤولية العقلية ارتفعت معها أحكام الحدود ، ومتى ارتفعت المسؤولية الإرادية قامت الشبهة التي تدرأ الحد . وترتفع مسؤولية إرادة الزنى في صور كثيرة : منها الإكراه ، ومنها اعتقاد الإباحة في بعض الحالات ، كظن المعاشر بأن التي يعاشرها زوجته ، أو له حق في معاشرتها بتأويل له فيه شبهة مقبولة في نظر الشارع.

      ومن فقدان المسؤولية الإرادية في السرقة أن يأخذ الإنسان شيئاً من مكان يقع في وهم الناس أن الأخذ منه يكون من باب اللقطة لا من باب السرقة ، أو أن يأخذ من مال وهو يظن أنه مباح له.

      أما حينما تتحقق الجريمة دون أن يرافقها حالة من حالات التخفيف القائمة على أية شبهة من الشبهات ، فإن الإسلام يقرر تنفيذ العقوبة وإقامة الحد الزاجر الرادع ، مع التشهير به في مشهد عام من المسلمين ، ليكون ذلك عبرة لمن يعتبر.

      د- نظرة في الحدود الإسلامية:

      نظرة سريعة إلى أحكام العقوبات على الجرائم في نظام الإسلام ، تكشف لنا مبلغ البت الحازم الحاسم الذي تحتويه عليه هذه الأحكام ، وما تحمله من ردع وزجر لكل من تحدثه نفسه بارتكاب الجريمة ، فهي تساعد على إنهاء مشكلة الجريمة بسرعة ، دون أن تستتبع ذيولاً لا طائل من ورائها ، وتلقي الرعب في قلوب سائر المستعدّين لأن يكونوا مجرمين.

      بينما تزيد الأنظمة الأخرى من تعقيد المشكلات الاجتماعية ، التي توسع من دوائر احتمالات حدوث الجرائم المتنوعة في المجتمعات الإنسانية ، أو تشجع على حدوثها .

      1- ففي جريمة العدوان على الأنفس بالقتل أو بما دون عمداً وعدواناً بغير حق يأذن به نظام الإسلام ، يعطي الإسلام قاعدة القصاص ، ويقيم الدليل على الغاية منها.

      أما القاعدة فمعلنة بقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

      {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}

      وفي قوله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول) مؤيداً كان أنزله من قبل في التوراة على بني إسرائيل:

      {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
      وأما الدليل على الغاية من القصاص ففي قوله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

      {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}

      أي : إن إقامة شريعة القصاص من شأنها أن تحفظ حياة الناس من أن تكون عرضة لعدوان المجرمين الذين لا قيمة عندهم لأنفس الناس .

      2- وفي جرائم قطع الطريق والإفساد في الأرض : أعطى الله الدولة الإسلامية سلطان التأديب بعقوبات القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف ، أو النفي من البلاد ، وذلك بحسب حال الجرائم التي يرتكبها المفسدون من قطاع الطرق ، قال الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):

      {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 3- وفي جريمة السرقة التي لا شبهة فيها ، إذا حدثت على الوجوه التي بينتها السنة وفصّلتها ، وتمت فيها الشروط التي يلزم الشارع معها بإقامة الحدّ :
      يقرّر الإسلام قطع يد الجاني ذكراً كان أو أنثى ، قال الله تعالى في سورة (المائدة/5 المصحف/112 نزول):

      {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

      4- وفي جريمة الزنى البيّن ، الثابت بشهادة أربعة شهود تتوافر فيهم شروط العدالة ؛ مع الخلو من التهمة ، أو الثابت بالإقرار على النفس دون إلزام أو إكراه ، إذا ارتكبه غير المتزوج ذكراً كان أو أنثى : يقرر الإسلام فيه عقوبة مئة جلدة حداً تأديبياً ، قال الله تعالى في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول):

      {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}

      5- وفي جريمة قذف الآخرين في شرفهم واتهامهم بالزنى دون إقامة بيّنة نصابُها أربعة شهود عدول : يقرر الإسلام عقوبة ثمانين جلدة ، حداً تأديبياً رادعاً للقاذفين الطاعنين في أعراض الناس ، كالذين يبغون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين ، قال الله تعالى في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول):

      {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

      وقد امتحن العالم الإسلامي تنفيذ هذه العقوبات الرادعة فكان ثمرة ذلك أمناً شاملاً ، واستقراراً كاملاً ، جعل مجتاز البادية الغريب يأمن على ماله ونفسه وعرضه من عاديات اللصوص والقتلة وسائر المجرمين ، بعد أن كانت مليئة بالمخاوف الشديدة ، والجرائم الشنيعة.

      ومن عجيب التناقضات التي يقع فيها منتقدو العقوبات الإسلامية الرادعة – وهم فريق من علماء القانون ، وعلماء النفس ، وعلماء الاجتماع – والذين يتأثرون بهم ويستمعون إليهم ، أن تثار شفقتهم الإنسانية العارمة على يدٍ واحد أو أيدٍ معدوداتٍ تقطع طوال عام أو أكثر من أصل ملايين الأيدي ، بسبب ارتكاب جريمة السرقة التي لا تصاحبها شبهة تدرأ عن مرتكبها الحدّ ، دون أن تثار شفقتهم الإنسانية على ألوف الضحايا الأبرياء ، الذين يتعرضون لأبشع الجرائم الإنسانية على أيدي مجرمي اللصوصية والسطو على أموال الناس بغير حق . وأ، تثار شفقتهم الإنسانية العارمة على قتيل بالرجم ، بسب تحديه بالزنى العلني أمام أربعة شهود وهو محصن (متزوج) ، واستهانته بالآداب العامة والشرائع الربانية ، دون أ، تثار شفقتهم الإنسانية على ألوف الضحايا الأبرياء الذين يتعرضون لأبشع الجرائم الإنسانية على أيدي مجرمي الجنس ، علماً بأن ثبوت الزنى بأربعة شهود لا يحدث في مجتمع إسلامي إلا نادراً جداً خلال قرون.

      ولا يخفى عليهم ما عليه حال كبريات الدول التي تعيش في مباهج مدنية القرن العشرين ، وما تعانيه من مشكلات تكاثر الجرائم وتزايد نسبتها حيناً بعد حين ، بسبب فقد الحدود الرادعة والعقوبات الزاجرة في قوانينها القضائية .

      فأيهما أحفظ لكرامة الإنسان ، ولسلامة المجتمع ، وأفضل لمنحه نعمة الطمأنينة والأمن ، أن يُعاقب عدد محدود من الناس عقوبةً صارمة شديدة ، يرتدع بها كل من تحدثه نفسه بالجريمة ، أو أن تتعرض أموال وأعراض وأرواح ألوف من الأبرياء من الناس لجرائم المنحرفين والشاذين ، الذين يتكاثرون في كل مجتمع تقل فيه روادع العقوبات؟.

      يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الذين ينتقدون العقوبات الإسلامية الرادعة ، التي لا ترتقي نسبتها بحسب طبيعة النظام الإسلامي الكامل إلى جزء من ألف جزء مما يسببه المجرمون الذي يمارسون جرائمهم وهم يستهينون بالنتائج ، إذ عرف كثير منهم سبيله إلى السجن ، الذي قد يجد فيه بطولة وراحة ، ورزقاً وفسقاً ، لا يتحرك وجدانهم الإنساني حينما يتعرض مئات الألوف من البشر لجرائم القتل الجماعي ، بالقنابل النووية ، أو بسير الدبابات على أجسادهم ، عقوبة لهم على مخالفة سياسية.

      نحن لا نلوم أعداء الإسلام على ما يقولون ، فهم في حالة حرب معه ، يفعلون ما يرونه هادماً له ، ولكن نلوم أجراءهم والمنخدعين بهم السائرين في ركابهم ، الذين يقولون مثل ما يقولون جهلاً وغباءً ، أو خدمة خائنة لأعداء دينهم وأمتهم.

      * * *


      من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

      Comment

      • قسورة
        عضو
        • Nov 2005
        • 157

        #33





        الفصْل السادس

        شُبهَاتٌ حَوْلَ الرِّقِّ في الإسْلاَم



        شُبهَاتٌ حَوْلَ الرق في الإِسلام


        من الشبه الموجهة للإسلام ما جاء فيه من إقرار لنظام الرق ، ويكفينا لدفع أي انتقاد للإسلام في هذا المجال يوجهه أعداؤه ، أن نقدّم دراسة تحليلة وتاريخية لمعاني الرق وتطبيقاته في الناس قديماً وحديثاً ، وبياناً لطريقة الإسلام المثلى في هذا المجال.

        أ- الرق والحرّية عند الناس:

        لدى تحليل معنى الرق في عرف الناس قديماً وحديثاً يتبين لنا أنه يرجع إلى عدة عناصر ، قد تتوافر كلها في بعض حالاته ، وقد يقتصر على بعضها في حالات أخرى ، وذلك بحسب أمزجة مالكي الأرقاء ، أو بحسب النظام العامّ الذي يتواضع عليه مجتمع ما ، إذ يبيح لمالكي الأرقاء بعض الحالات ، ويحرّم عليهم حالات أخرى.

        وهذه العناصر التي يرجع إليها معنى الرقّ على اختلاف درجاته ومستوياته يمكن تلخيصها بما يلي :

        أولاً: سلب حرية التملك وسلب حرية العمل الذي قد يفضي إلى التملك.

        ثانياً: تكليف الرقيق أن يبذل ما يستطيع من جهد ، مقابل منحه ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب ومأوى وضروريّات العيش الأخرى لا بدّ منها.

        ثالثاً: سلب الحريّة الاجتماعية ، فلا يستطيع الرقيق بذلك أن ينتظم في أي عمل جماعي مهما شرفت أهدافه .

        رابعاً : سلب الحرية السياسية ، فلا يستطيع الرقيق بذلك أن يدلي برأي سياسي يتناول الأوضاع السياسية للمجتمع الذي هو فيه .

        خامساً: سلب الحرية الدينية والاعتقادية ، ولقد كان الأرقاء يعذّبون عذاباً شديداً إذا اتبعوا ديناً غير دين أسيادهم.

        سادساً: الحجر على الرقيق وتكليفه أن يظل عند سيده ، يخدمه متحملاً معاني الاسترقاق الأخرى ، فإذا أراد الهجرة من مملكة سيده كان آبقاً خارجاً على الطاعة يستحق أشدّ العذاب.

        سابعاً: اعتبار جسد الرقيق وروحه مستباحين لسيّده ، يعذّبه كما يهوى ، ويقتله إذا شاء ولو لأتفه الأسباب ، أو من أجل التمتع بلذة النظر إلى حلبة صراع تجري بين الأرقاء وتنتهي بقتل بعضهم أو بعذاب دون القتل ، ليسعد السادة بآلام العبيد.

        ثامناً: تسخير الأرقاء في قتال أعداء مالكيهم.

        تاسعاً: إمكان نقل الرقيق من مالك إلى آخر بهبة أو بميراث أو بعوض.

        هذه هي معظم العناصر التي قد توجد كلها أو يوجد بعضها فيما عرفه الناس من الرق ، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن معظم هذه العناصر لم يقرها بوجه من الوجوه ، ولا في حالة من الحالات.

        أما مالك الرقيق في الواقع الإنساني ، فقد يكون فرداً ، وقد تكون عصابة من العصابات ، وربما تشتد قوة العصابة فتلبس لباس السلطة الحاكمة ، التي تفرض نفسها ممثلة لجماعة من الناس ذات حدود سياسية.

        وقبل أن نرد على الذين ينتقدون الإسلام بأنه لم يلغ نظام الرق من أول أمره دفعة واحدة ، يحسن بنا أن نعرض عناصر الرق على العالم الحديث ، الذي غدا منذ فترة قريبة من الزمان يتبجح بأنه قد صار يحمي أنظمة الحرية وينادي بها ، وذلك لنجد كم من هذه العناصر التسعة ما هو مفروض على شعوب كاملة ، من قبل قلة حاكمة تتستر باسم السلطان ، وتحمي نفسها من غضب الشعوب وثورتها بالقوة المسلحة.

        إن نظرة عامة يمر بها الباحث الاجتماعي على الشعوب المستعبدة لسلطات استعمارية ، أو لسلطات استبدادية ، كافية لأن تكشف له أن نظام الاسترقاق ما زال مطبقاً في العالم الحديث ، إلا أنه اتخذ لنفسه صبغة أخرى ، مقنعة بأسماء حديثة ، منها سلطة القانون ، والمستفيد منها أفراد يسترقون الشعوب بحسب أهوائهم ، ومنها سلطة الاحتلال – ومنها سلطة الانتداب ، ومنها سلطة الحزب الحاكم – ومنها سلطة مستبد ظالم ، ويمثل كل هذه الأسماء أفراد يسترقون الشعوب بغير حق ، إذ تحميهم القوى المسلحة ، وكل من يريد التحرر من الرق المفروض عليه في كل هذه الأنظمة يعتبر عدو القانون ، أو عدو السلطة ، أو عدو الثورة ، أو عدو السيد المستبد ، لذلك فهو يستحق كل أنواع التعذيب والاضطهاد حتى القتل.

        فما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان مسلوب حرية التملك وحرية العمل الذي قد يفضي إلى التملك ، وبين الذين يحرمون من هذه الحرية في بعض أنظمة العالم الحديث ، على شكل استرقاق جماعي عام ، مستتر باسم النظام العام ، أو باسم القانون أو باسم مبادئ الثورة ، إلى غير ذلك من أسماء ؟!.

        ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي لم يكن يسمح له بأن يمارس أية نشاط اجتماعي أو سياسي ، وبين الشعوب المسترقة التي تحرم من ممارسة أنواع النشاط الاجتماعي والسياسي ، في بعض دول العالم الحديث ، التي تنعت نفسها بالتقدمية ، وبأنها حاملة لواء الحرية؟!.

        إن معنى الاسترقاق في كل منهما واحد ، إلا أنه كان لأفراد فأمسى لأمم وشعوب.

        ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يكلف بذل ما يستطيع من جهد ، مقابل منحه ما يحتاج إليه من ضروريات عيشه ، وبين الذين يفرض عليهم نظام من هذا النوع في بعض أنظمة العالم الحديث ، على شكل استرقاق جماعي؟!.

        ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يفرض عليه التزام دين سيده أو مذهبه ، وبين شعوب تضطهد في العالم الحديث لتلتزم مذهباً اجتماعياً معيناً ، أو تجحد عقيدة دينية معينة وتعتقد غيرها؟!.

        إن معنى الاسترقاق في كل منهما واحد ، إلا أنه كان من أفراد لأفراد ، فأمسى من عصابات ذات قوة لأمم وشعوب مغلوبة على أمرها.

        ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يفرض عليه أن لا يفر من سلطان سيده ودائرة مملكته ، وبين شعوب مسورة بأسوار حديدية ، تمنعها من أن تتحرر من وطأة أنظمة الحكم التي تفرض عليها وهي لها كا رهة؟!.

        ألا فليعلم الذين يخادعون الناس بعطفهم على رقيق العالم القديم أنهم من أكثر الناس استعباداً للشعوب وإذلالاً الذين تحت أيديهم ، وإن وضعوا لأنظمتهم أسماء أخرى غير اسم الرقيق.

        ب- وسائل الاسترقاق عند الناس:

        عرف الناس قديماً نظام الاسترقاق ، وكانت وسائله متنوعة لديهم ، ويعتمد معظمها على ظلم القوي للضعيف.

        فكان من وسائله الأسر ، الذي ينجم عن الغزو وعن الحروب ، سواء أكانت حروباً بين شعوب مختلفة ، أو حروباً بين قبائل من شعب واحد ، أي : سواء أكانت حروباً خارجية أو حروباً أهلية ، وكان مصير الأسير فيها القتل أو الاسترقاق أو الفداء .

        وكان من وسائله السطو على حرية الإنسان بالقرصنة والخطف والسبي والسرقة والتقاط اللقطاء ونحو ذلك.

        ومن الذين كانوا ضحايا هذا النوع فاسترقوا ظلماً وعدواناً يوسف عليه السلام ، لما عثرت عليه القافلة في الجب الذي رماه فيه إخوته ، قال قائلهم : يا بشرى هذا غلام ، وأسروه بضاعة ، خوفاً من أن يعثر أهله عليه معهم فيستردوه ، ولما ابتعد رجال القافلة عن مكان التقطاه باعوه بثمن بخسٍ دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين ، وانتهى أمره إلى مصر ، وظلّ في مصر رقيقاً ، حتى رفعه الله إلى سدّة الحكم في قصته المشهورة المذكورة في القرآن.

        ومن الذين كانوا ضحايا هذا النوع من الاسترقاق زيد بن حارثة ، إذ كان صغيراً بعثه أهله مع قافلة ودفعوا أجره ، فاستضعفه رجال القافلة لما بعدوا عن أهله ، فباعوه في مكة رقيقاً ، وظل كذلك حتى أعتقه رسول الله ولكنه بعد حريّته اختار أن يظل خادماً لرسول الله على أن يذهب مع أهله الذين عثروا عليه فيما بعد فطلبوه.

        ومنهم صهيب سَبَتْه الروم وهو غلام فنشأ بينهم ، ثم ابتاعه منهم قبيلة كلب ، فقدمت به مكة ، فاشتراه عبد الله بن جدعان ، وقد كان من المستضعفين المعذبين في الله.

        ومنهم زنوج الولايات المتحدة الأمريكية الذين سباهم تجار القراصنة ، من سواحل إفريقية ونقلوهم كالبهائم إلى أمريكا الشمالية ليعملوا عبيداً أرقاء في مزارع ولاياتها ، ضمن أسوأ الظروف الحياتية ذلاً وتعذيباً وإجهاداً بأعمال شاقة.

        وكان من وسائل الاسترقاق ارتكاب بعض الجرائم الكبيرة ، كالقتل والسرقة والزنى ، إذ كان يحكم على مرتكب أيٍ منها بالرق لمصلحة الدولة ، أو لمصلحة المجني عليه ، أو لمصلحة أهل المجني عليه.

        وكان من وسائله عجز المدين عن وفاء الدين الذي عليه ، إذ كان يضرب عليه الرق ويملك لدائنه.

        وكان بعض الناس يبيعون أبناءهم أرقاء ، ويبيعون بناتهم رقيقات بحكم سلطتهم عليهم ، ليأخذوا أثمانهم ، وكان يحدث كثير من هذا في الطبقات الفقيرة ، وكانت الأنظمة العامة لدى كثير من أمم الأرض تسمح بذلك وتبيحه ، وتعطي نتائجه صفة الحق المحمي بالسلطان العام.

        وكان إذا اشتد الفقر أو الخوف ببعض الناس تنازلوا عن حريتهم لمن يكفيهم ويؤويهم ويحميهم.

        وكان من وسائل الاسترقاق تناسل الأرقاء ، فكان ولد الجارية الرقيقة يولد رقيقاً ولو كان أبوه السيد نفسه.

        وجاء الإسلام فألغى بحزم معظم وسائل الاسترقاق السائدة بين الناس على اختلافها ، ولكن لم يكن بوسعه أن يلغي نظام أسرى الحروب غير الداخلية ، وما يستتبع ذلك من استرقاق غير مقصود لذاته ، لأن إلغاء نظام الأسرى مرتبط بإلغاء الحروب نفسها ، وبإلغاء دواعيها ، وليس في استطاعة أيّ نظام أو أيّ مجتمع أن يلغي ذلك إلغاء تاماً ، ما دام في العالم أنظمة ومجتمعات أخرى تضطره إلى أن يدخل معها في حروب ، فتأخذ أسراه فتسترقهم ولا مندوحة له في مقابل ذلك إلا أن يعامل أسراهم بالمثل ، ولكنّ الإسلام مع اضطراره إلى إجراء المعاملة بالمثل من جهة الصورة الظاهرة ، قد ارتقى بمفهوم أسير الحرب مرتقى لم تبلغه أحدث الأنظمة التي تواضعت عليها شعوب العالم المتحضر في القرن العشرين.

        ويحاول أعداء الإسلام بعد كل هذا أن يطمسوا معالم مجد الإسلام بالكذب والمغالطة.

        جـ- الرقيق عند غير المسلمين:

        كان مثل الرقيق عند الرومان كمثل البهيمة ، مسلوب الحقوق الإنسانية كلها ، فكانوا يسخرونه في الأعمال الشاقة ، وفي الحرب ، وفي إرضاء أهوائهم الفاجرة الدنيئة ، وكانوا يحصلون عليه عن طريق الغزو الذي لا هدف له إلا التسلط على الشعوب واستعبادها ، أو عن طريق السلب والنهب والسرقة والقرصنة البحرية ونحو ذلك.

        وكانوا يصفدون الرقيق في الأغلال حتى لا يفرّ ، ويكلفونه القيام بالأعمال الشاقة الثقيلة ، والويل كل الويل له إذا هو توانى عن أداء الخدمة على ما يشتهون ، إن توانيه يعرّه لإنزال العذاب الشديد به.

        أما مساكن الرقيق عندهم فقد كان شبيهة بمغارات السجون القاتمة الكريهة ، أو زرائب الحيوانات ، أما الأسياد فلهم القصور الفخمة وكل وسائل الرفاهية والنعيم.

        وكان للرومان مهرجانات محببة إليهم ، يشهدون فيها المبارزات الحقيقية بين الأرقاء ، وفي هذه المبارزات تتوجه طعنات السيوف والرماح إلى المتبارزين . حتى يقع بعضهم صريعاً أو تنهكه الجراحة ، وعند ذلك تمتلئ قلوب المشاهدين من الرومان مسرّة واغتباطاً بآلام العبيد.

        وعلى نحو ذلك كانت معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرهما ، حتى العرب فقد كان نظام الرقيق سائداً بينهم ، وكان لديهم من الأرقاء عدد ولكنه دون ما لدى غيرهم من الشعوب.

        وتحدثنا الأنباء الصحيحة عن الأرقاء عند ظهور الإسلام ، كيف كانوا يسامون على أيدي أسيادهم عذاباً شديداً إذا هم دخلوا في الإسلام ، ومن الأمثلة صهيب الرومي ، وعامر بن فهيرة ، وبلال بن رباح الحبشي ، وغيرهم ، وقد كانوا من المستضعفين الذين يعذبون لأنهم أسلموا ، أما عامر وبلال فقد اشتراهما أبو بكر رضي الله عنه من أوليائهما وأعتقهما ، إنقاذاً لهما من العذاب ، وقد فعل مثل ذلك أيضاً في عدد من الأرقاء الذين كانوا يعذبون في الله.

        أما اليونان فقد كانت المذاهب الفلسفية لديهم تصوغ المبررات الفكرية لنظام الرق . فمذهب أرسطو في الرق يقضي بأن فريقاً من الناس مخلوقون للعبودية ، لأنهم يعملون عمل الآلات التي يتصرف فيها الأحرار ذوو الفكر والمشيئة ، فهم آلات حية تلحق في عملها بالآلات الجامدة . وأفلاطون أستاذ أرسطو يقرر في جمهوريته الفاضلة أن العبيد ليسوا مواطنين ، وهو يجبرهم على الطاعة والخضوع للأحرار . وقد شرعت الحضارة اليونانية نظام الرق العام – وهو لمصلحة الدولة – و نظام الرق الخاص – وهو لمصلحة الأفراد – والرقيق عندهم مسلوب جميع الحريات الإنسانية.

        ولليهود باع واسع في الاسترقاق ، إذ تحدثنا كتبهم الدينية عن مئات الجواري اللواتي كن رهن إشارة ملوكهم ، في مختلف عصورهم . وأخبرنا القرآن أنهم أمعنوا في هذا المجال ، وتجاوزوا حدود شريعة الله لهم ، حتى بلغ بهم الأمر أنهم كانوا يقاتلون إخوانهم في الدين ، ويأخذون منهم الأسرى ويطلبون منهم الفداء ، قال الله تعالى مندداً بهم في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

        {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

        وتقول تعاليم المسيحية المدونة على لسان بولس في رسالته إلى أهل أفسس : "أيها العبيد أطيعوا سادتكم... كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة".

        ومثل ذلك نجد في وصايا بطرس ، وقد أوجب آباء الكنيسة على العبيد الطاعة ، لأن الرق في نظرهم كفارة لبعض ذنوب البشر يؤديها العبيد.

        د- الرق في الإسلام :

        ولما جاء الإسلام ألغى معظم العناصر التي يقوم عليها مفهوم الرق ، وألغى كل أسبابه إلا ما تقضي به ضرورة أسرى الحرب ، وعمل على عتق الأرقاء بوسائل شتى في نظامه المثالي الرفيع.

        لقد ظهر الإسلام وجميع الشعوب المتحضرة وغير المتحضرة تقر نظام الرق بمختلف عناصره ، وتقر مختلف الوسائل التي تفضي إلى الاسترقاق ، فنظر إلى مفهوم الرق السائد بين الأمم فألغاه ، ولم يبق منه إلا ما تدعو إليه ضرورة أسرى الحرب ، حذر تآمرهم وخيانتهم من الداخل . ونظر إلى وسائل الاسترقاق المختلفة فألغاها كلها بحزم ، إلا ما تدعو إليه ضرورة أسرى الحرب ، التي تقوم بين المسلمين وغيرهم لأسباب لا يملكون دفعها.

        وبهذه الطريقة الإسلامية تغير مفهوم الرق تغيراً كلياً عما كان عليه ، وأصبح نوعاً من حجز حرية الأسرى ، حذر أن يكونوا مصدر شغب وفتنة وخيانة وتآمر على المسلمين من داخل صفوفهم.

        وبهذه الطريقة سد الإسلام معظم المنابع التي كانت تمد نظام الرقيق السائد في العالم ، ولكن ألجأته الضرورة التي ما تزال تلجئ في كل زمان ومكان أي نظام من الأنظمة الإنسانية الراقية إلى إبقاء نظام أسرى الحرب ، ولكن نظر الإسلام إلى أسرى الحرب نظر تكريم بالإضافة إلى نظرة الحذر ، وهذا ما ترشد إليه السياسة الحكيمة . ثم حرض الإسلام المسلمين تحريضاً شديداً على إعتاق الأرقاء وإطلاق حريتهم.

        وعز على القرآن الكريم أن يذكر كلمة واحدة يأذن فيها باسترقاق أسرى الحرب ، وغاية ما قاله في شأن المحاربن لله وللرسول وللمؤمنين ، ما جاء في سورة (الأحزاب/33 مصحف/90 نزول):

        {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}

        وما جاء في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):

        {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ...}

        وما جاء في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

        {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

        وفي علاج مشكلة أسرى الحرب لا مندوحة من اللجوء إلى أحد الحلول التالية:

        الحل الأول : قتلهم والتخلص من مشكلتهم نهائياً ، وقد يكون هذا هو الحل الأسلم لأمة ناشئة ليس لها ثبات ورسوخ في الأرض.

        الحل الثاني : المن عليهم بإطلاق سراحهم ، وقد وضع الإسلام هذا الحل في يد القيادة الإسلامية ، وقدمه القرآن تقديماً يشعر بترجيحه ، وتلجأ القيادة الإسلامية إلى هذا الحل إذا لم تر منه ضرراً على المسلمين ، ولا سيما إذا رأته نافعاً في كسب صداقة الأسرى وذويهم ، وجذب قلوبهم إلى الإسلام ، فليس للإسلام غرض أساس في مقاتلة الناس وإذلالهم بين أيدي المسلمين ، وإنما غرضه هداية الناس جميعاً إلى الحق والخير ، وتفادي خطر المعادين قدر الإمكان.

        الحل الثالث : فداؤهم بأسرى من المسلمين في يد عدوهم ، أو فداؤهم بمال أو سلاح أو علم ، أو إخضاع لشروط صلح معينة ، أو أي أمر يقدم للمسلمين فائدة ما ، وذلك إذا لم تجد القيادة الإسلامية في إطلاق الأسرى خطراً على المسلمين ، وقد وضع الإسلام هذا الحل في يد القيادة الإسلامية.

        الحل الرابع : استبقاؤهم أسرى تحت أيدي المسلمين ، وذلك حينما يكون المنّ عليهم أو فداؤهم يتضمن خطراً على المسلمين بشكل عام ، وقد وضع الإسلام هذا الحل في يد القيادة الإسلامية أيضاً ، وأذن لها أن تختاره ضمن حدود المصلحة العامة الدينية أو السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية.

        ومضمون هذا الحل هو ما اضطر الإسلام إلى عدم إلغائه من الأنظمة التي تجعل الأسير الذي هو قيد الأسر محجوز بعض الحريات المدنية فقط .

        ولا تخلو حال أسرى الحرب – حينما لا تكون المصلحة بالمن عليهم أو افتدائهم – من أن يكونوا تحت الرقابة الدقيقة ، لئلا يكونوا مصدر فتنة وشغب وخيانة وتآمر على المسلمين من داخل صفوفهم.

        وهذا يستدعي أن لا يمنحوا جميع حرياتهم المدنية ، وليس أمام الجهة التي أسرتهم إلا طريقان:

        الطريق الأولى : أن يحتجزوا داخل سجون جماعية يقدم لهم فيها طعام خاص بهم ، مع الاحتفاط بكرامتهم الإنسانية من أن يكونوا عرضة للإهانة والتعذيب ، وقد يضاف إلى ذلك تكليفهم القيام ببعض الأعمال النافعة ، التي تشغل أوقاتهم ، وتستغل طاقاتهم ، وتكون رياضة لأجسامهم.

        وهذا حل من الحلول التي يضعها الإسلام بين يدي القيادة الإسلامية ، لها أن تختاره إذا وجدت فيه مصلحة للمسلمين وللأسرى ولأهداف الدعوة الإسلامية.

        أما تعريضهم للإهانة والتعذيب ، وتقتير النفقة ، وتكليفهم الأعمال الشاقة – وهو ما تمارسه دول كثيرة متحضرة – فهذا أمر لا يسمح به الإسلام .

        الطريقة الثانية : أن لا يحتجزوا داخل سجون جماعية ، بل يوزوعون على الأسر الإسلامية ، ويكونون جزءاً من كيانها ، يأكلون مما تأكل ، ويشربون مما تشرب ، ويلبسون مما تلبس ، ويزوج رجالهم من نسائهم ، وقد تكرم الأسيرة فتكون كإحدى زوجات مولاها ، رعاية لحاجتها الطبيعية إلى زوج ، وسبيلاً إلى تحريرها إذا حملت منه ، وتكلف كل أسرة النفقة على من لديها من الأسرى ، ومراقبته حذر خيانته وتآمره ، ولها في مقابل ذلك أن تكلفه من الأعمال ما يحسن ويطيق من غير إعنات ولا إثقال.

        وبهذه الطريقة يتسنى لهؤلاء الأسرى من غير المسلمين أن يطلعوا على نظام الإسلام ، والأخلاق الإسلامية ، وعقيدة المسلمين وعبادتهم وحسن معاملتهم.

        وتمنح للأسرى حرية الدين والعبادة والتعلم ، وقد تمنح لهم حرية العمل والتملك إذا أذن لهم أولياؤهم بذلك ، أو كاتبوهم لتحرير أنفسهم بما يكسبون من مال.

        وقد وضع الإسلام هذا الحل بين يدي القيادة الإسلامية ، فلها أن تختاره إذا وجدت فيه مصلحة وخيراً للإسلام والمسلمين ، ومصلحة للأسرى نفسهم.

        وقد ألح الإسلام مع ذلك على تحرير الأسرى ، وأوجب في كثير من الحالات تحرير من آمن منهم وصلح واستقام.

        ويظهر أن الإسلام في هذا قد اختار أن يضع الأسرى موضع تكريم في مجالات تربوية راقية ، تزيل ما في قلوبهم من غل وحقد على الإسلام والمسلمين ، وتحببهم بهذه الرسالة الربانية ، حتى يدخلوا فيها . فإذا آمنوا وصلحوا واستقاموا توجه نداء الإسلام لأوليائهم : أن أعطوهم داخل المجتمع الإسلامي حرياتهم السياسية والمدنية ، التي كانت محتجزة عنهم لصالح الأمن العام ، وهذا لون من ألوان منح الجنسية التي يكونون فهيا مواطنين أحراراً داخل بلاد المسلمين.

        وبهذا التدبير يجعل الإسلام المسلمين كلهم حكومة قائمة ، فهم يمنحون الجنسيات لمن يرون فيهم صلاحاً من الذين كانوا بالأمس محاربين ووقعوا تحت الأسر.

        ولم يفرض الإسلام تحرير كل من تظاهر بالإسلام من الأسرى ، خشية أن يتخذ الأسرى ذلك ذريعة لكسب حريتهم ، وانطلاقهم داخل المجتمع الإسلامي أحراراً يدبرون المؤامرات على المسلمين ، وهم في مأمن من الرقابة .

        وقد أحاط الإسلام هذا الحل بتربية إسلامية واسعة ، توجب على المسلمين أن يحسنوا معاملة الأسرى ، وأن يجعلوهم كأفراد أسرهم ، وأن لا يضربوهم ، ولا يهينوهم ، ولا يعذبوهم ، ولا يشتموهم ، ولا يكلفوهم من الأعمال ما يغلبهم ، وتوجب على المسلمين أن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون .

        وبهذه التربية الإسلامية العظيمة صار كثير من الموالي الأسرى من كبار علماء المسلمين وفقهائهم ، ومن كبار صلحائهم ، واتسع الأمر بعد ذلك فكان المماليك هم قادة الحكم في بعض عصور التاريخ الإسلامي ، وكان من خلفاء المسلمين من أمهاتهم كن أسيرات.

        فهل في هذا الحل الإسلامي إلا التكريم البالغ للأسرى من الأعداء المحاربين ، وتخفيف حدود سلب حريتهم إلى المستوى الذي تقضي به ضرورة الأمن ، مع منحهم حرياتهم الأخرى؟

        وهل تفسح دولة من دول الأرض في العالم المتحضر الحديث مجالاً مثل هذا المجال لأسراها ؟ أم تضعهم في سجون الإهانة والتعذيب والتقتير في حاجات العيش والحرمان من ضرورات أخرى ، مع تكليفهم ما يشق من الأعمال؟

        لقد ظهر تشريع الإسلام هذا يوم كان الرق منتشراً في العالم ، ويوم كان الأسرى يسامون كل خسف وتعذيب وتسخير في الأعمال الثقيلة الشاقة.

        وهل عمل في بناء الآثار الخالدة لممالك القرون الأولى غيرهم ، وسياط العذاب تلهب ظهورهم وبطونهم؟.

        هـ- الوسائل التي اتخذها الإسلام لتحرير الأرقاء:

        اتخذ الإسلام عدة وسائل لتحرير الأرقاء ، ويلاحظ الباحثون فيها أنها كانت وسائل عملية لإلغاء نظام ملك اليمين بشكل فعلي تدريجي.

        الوسيلة الأولى : المكاتبة ، وتعني المكاتبة إعطاء محجوز الحرية بالأسر فرصة زمنية يعمل خلالها بشكل حر ، إذ ترفع عنه فيها جميع القيود الاقتصادية التي كانت مفروضة عليه ، ليشتري حرية نفسه بمال يتفق هو وسيده عليه ، ويسعى في اكتسابه خلال هذه المدة ، ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى أمر المسلمين عامة بمساعدة المكاتبين ، عن طريق الزكاة والصدقات الأخرى ، ليتمكنوا من تسديد ما التزموا به .

        وقد نص كثير من الفقهاء على أنه يجب على السيد مكاتبة عبده ، إذا طلب ذلك منه ، وراى فيه خيراً من صدق ووفاء وأمانة وأداء للحق ، وإيمان صحيح ، ودليلهم في ذلك من القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول):

        {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ...}

        ففي هذه الآية أمر لأوليائهم بمكاتبتهم ، وأمر لأوليائهم ولسائر المسلمين بإيتائهم من مال الله الذي آتاهم ، مساعدة لهم على تسديد أقساطهم التي يتوقف عليها تحريرهم.

        الوسيلة الثانية : جعل عتق الرقبة كفارة لطائفة من الجرائم والجنايات والأخطاء والأيمان ، إذ نلاحظ في الشريعة الإسلامية أن عتق الرقبة كفارة لمن قتل مؤمناً خطأ ، قال الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

        {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}

        ونلاحظ أيضاً أن عتق الرقبة كفارة من ظاهر من زوجته ، أي : حرمها على نفسه كحرمة أمه أو أخته أو غيرهما من محارمه ، بأن حلف يمين الظهار منها ، ثم أراد أن يعود لما قال بالنقض ، فيرجع زوجته إلى حكمها الذي شرعه الله من الحل ، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (المجادلة/58 مصحف/105 نزول):

        {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

        ونلاحظ أيضاً أن عتق الرقبة إحدى كفارات اليمين ، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):

        {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

        الوسيلة الثالثة: الحض على عتق الرقاب ابتغاء مرضاة الله ، قال الله تعالى في سورة (البلد/90 مصحف/35 نزول):

        {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}

        وروى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : "أيما رجل أعتق امرأً مسلماً استنقذ الله تعالى بكل عضوٍ منه عضواً منه من النار".

        الوسيلة الرابعة : تخصيص الإسلام قسماً من الزكاة لتحرير الرقاب ، قال الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/13 نزول):

        {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

        الوسيلة الخامسة : حثُّ المسلمين على توجيه قسم من صدقاتهم العامة غير المفروضة لتحرير الرقاب ، قال الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

        {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}

        الوسيلة السادسة : إنجاب الأمة من سيدها ، إذ يكون ولدها سبباً في تحريرها بعد موت سيدها.

        الوسيلة السابعة : سريان العتق إلى الكل متى عتق بعض الرقيق إذا كان معتقه موسراً ، كأن يكون اثنان شريكين في عبد ، فيعتق أحدهما حصته ، وعندئذ يحكم الإسلام بأنه قد عتق كله ، وتقوم قيمة سائره على من أعتقه ، حرصاً على أن لا تتجزأ الحرية.

        الوسيلة الثامنة : جعل عتق الرقيق كفارة ضربه مقدار حدٍ شرعي ، أو كفارة إهانته باللطم . روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله يقول : "من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه".

        و- الأمر بحسن رعاية الأسرى:

        وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى وتكريمهم ، ونهى عن إهانتهم وتعذيبهم وشتمهم وتعييرهم نهياً شديداً ، وشدد النكير على ما كانت تفعله الجاهلية من استخدام الإماء في البغاء للاستفادة من أجورهن ، وبلغ الإسلام في حيث المسلمين على بذل ما يحتاج إليه الأسرى في حياتهم مبلغاً لم تصل إليه أكثر قوانين الدنيا وأنظمتها رحمة بالأسرى وتكريماً لإنسانيتهم ، إذ أمر بتزويجهم ، وجعل هذا الأمر مقترناً بالأمر بتزويج الأيامى من الأحرار ، والأيامى هم غير المتزوجين من الرجال والنساء ، قال الله تعالى في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول):

        {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

        ويصف الله الأبرار فيجعل من صفاتهم أنهم يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، قال الله تعالى في سورة (الإنسان/76 مصحف/98 نزول):

        {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً}

        وارتقى الإسلام إلى مستَوى التهذيب اللفظي الراقي في رعاية مشاعر العبيد والإماء ، روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال : "لا يقل أحدكم عبدي أمتي ، ولكن فتاي وفتاتي وغلامي". وهذا الذي استعمله القرآن ليوجهنا لاستعمال اللفظ المهذب في الحديث عنهم ، ففي معرض النهي عما كانت تفعله الجاهلية من إكراه الإماء على البغاء ، قال الله تعالى في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول):

        {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

        أي : غفور لهن رحيم بهن ، لأنهن قد أكرهن على ذلك من قبل أسيادهن.

        واستعمل القرآن عبارة الفتيات كناية عن الإماء ، وعبارة الأهل كناية عن سادتهن في معرض الإذن للأحرار بأن يتزوجوا من الإماء ، إذا لم يستطيعوا أن يتزوجوا من الحرائر ، قال الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

        {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ...}

        فقد اختار القرآن هاتين العبارتين المهذبتين تكريماً للإماء حتى في اللفظ .

        ومن النصوص التي جاء الأمر فيها بالإحسان إلى الأرقاء قول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

        {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}

        وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".

        وروى البخاري ومسلم عن أبي ذرّ قال : قال رسول الله : "إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه ، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه".

        وروى مسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، أن رسول الله قال : "من ضرب غلاماً لهحداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه".

        وروى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال : كنت أضرب غلاماً لي ، فسمعت من خلفي صوتاً : "اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه" فالتفت فإذا هو رسول الله فقلت يا رسول الله : هو حر لوجه الله ، فقال : "أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمسّتك النار".

        وروى عن النبي أنه قال : "من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن أخصى عبده أخصيناه".

        ويريد الرسول أن يؤدب بعض غلمانه فيخاف من القصاص ، فيقول له وقد أغضبه : لولا خشية القصاص لأوجعتك ضرباً بهذا السواك.

        ومع أن السواك عود صغير فإن الرسول لم يضرب غلامه به ، إكراماً لإنسانيته وخوفاً من القصاص يوم القيامة.

        وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله : "ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران".

        وهكذا بلغت تعاليم الإسلام إلى مجد لا تستطيع أية جهة معادية له أن تنال منه نيلاً ، إلا تهماً وافتراءات ومغالطات ، لا تلبث أن تكذبها الحقيقة ، ويكشف زيفها الواقع المشرق.

        * * *

        من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

        Comment

        • قسورة
          عضو
          • Nov 2005
          • 157

          #34


          الفصْل السّابع

          شُبهَاتٌ حَوْلَ حُقُوق المَرأةِ في الإسْلاَم



          شُبهَاتٌ حَوْلَ حقوق المرأة في الإِسلام


          وأطلق أعداء الإسلام شبهات متعددة حول حقوق المرأة في الإسلام ، ومكانتها في المجتمع المسلم ، ويكفينا لدفع شبهاتهم أن نقدم دراسة تحليلية لحقوق المرأة في الإسلام ، ولمكانتها في المجتمع المسلم ، مع مقارنة ذلك بما لدى مطلقي هذه الشبهات وغيرهم من الناس.

          أ- تنوع الخصائص والاستعدادات الفطرية ومقتضياتها:

          على الرغم من كل الزوابع المصطنعة ، التي يجلب رياحها وموادها ويثيرها أعداء الإسلام ، حول موضوع المرأة وحقوقها ومساواتها بالرجل مساواة تامة ، يجد الباحثون عن أحوال المرأة في الإسلام صوراً رائعة من صور العدل وال تكريم والإنصاف ، فلم يحرمها الإسلام حقاً يقتضيه تكوينها الفطري ، ولم يكلفها واجباً لا تطيقه ، ولم يبعدها عن دائرة المسؤولية الشخصية والمسؤولية الاجتماعية ، ولم يجعلها بمعزل عن التمتع بالحقوق المدنية التي تؤهلها لها استعداداتها الفطرية الذاتية ، وظروفها الاجتماعية.

          إلا أنه لما كان للمرأة طائفة من الخصائص الجسدية والنفسية ، تخالف فيها من بعض الوجوه الخصائص الجسدية والنفسية الممنوحة للرجل بوجه عام ، كان من كمال نظام الإسلام أن يلاحظ هذه الخصائص ، ويقرر لها طائفة من الأحكام تناسبها ، لأن التسوية في الأحكام من كل وجه مع الاختلاف في الخصائص نقص لا ترتضيه العقول السليمة ، فضلاً عن أن تقبل به الشرائع الربانية الحكيمة .

          ومن يلتزم هذه التسوية من كل الوجوه طرداً وعكساً ، يجب عليه حينما يضع الأنظمة الوضعية ، أن يقرر منح الرجل إجازة أبوة كما يقرر منح المرأة إجازة أمومة ، وأن يلغي في التعليم مبدأ التخصص بحسب الاستعدادات الفطرية ، ويجعل النساء والرجال جميعاً شركاء في الفنون النسوية وفي صناعات الحدادة والنجارة والأعمال الثقيلة الشاقة ، وأن يحمل المرأة المسؤولية الكسب والنفقة كما يحمل الرجل ، ويحمل الرجل مسؤولية إرضاع الأطفال وتدبير شؤونهم ، وأن يهمل القوامة في الأسرة ويجعلها نزاعاً مستمراً بين الرجل والمرأة ، أو يجعلها على التناوب اليومي أو الأسبوعي أو الشهري أو نحو ذلك من الأمور التي تضطرب فيها الحياة ، ويفسد فيها نظام المجتمع الإنساني وجماله.

          إن فكرة التسوية التامة في كل الأمور بين الرجل والمرأة ، قد يروج لها مضلل يحاول أن يفسد أوضاعاً اجتماعية سليمة ، ولكن لا يطيقها على نفسه أو أمته إنسان عاقل يفهم الخير ، ويريده لنفسه ولأمته.

          والحكمة الراقية لا بد فيها من ملاحظة بعض الفروض التنظيمية ، المناسبة للفروق التكيوينية بين كل من صنفي الرجال والنساء ، وهذا ما سلكه الإسلام.

          وأخذاً بهذا الأساس السليم ، يرى التربويون من الخطأ البالغ إلزام الطالب بنوع من الدراسة ، في حين أنه لا تتوافر لديه الأهلية الكافية ليكون بارعاً فيها ، بينما لديه استعداد مناسب لدراسة من نوع آخر يمكن أن يكون فيها بارعاً لو حول جهده إليها.

          ونظرتهم هذه تستند إلى الحرص على تحقيق الإنتاج الأفضل الذي تستغل فيه الخصائص أحسن استغلال ، بالموازنة الدقيقة بين الاستعدادات والأهداف المرجوة ، فليس من الحكمة أن يكلف من لديه استعداد عال للحفظيات ، أن يكون عالماً بارعاً بالحساب والهندسة والجبر والرياضيات العالية التي ليس لديه ميل إليها ، ولا استعداد ليكون بارعاً فيها.

          وأخذاً بهذا الأساس أيضاً ، اتجه الباحثون الزراعيون إلى دراسة أنواع الأتربة الموزعة في الأرض ، وإرشاد المزارعين في كل منها إلى أنواع الزراعات التي يكون نجاحها فيها أكثر من نجاح أنواع أخرى ، ابتغاء تحقيق الإنتاج الأفضل ، وساتثمار الأرض أحسن استثمار ، وقد انتهى الدور الذي كانت تزرع فيه كل أنواع الزراعات في أي نوع من أنواع التربة .

          فما بال دعاة التسوية التامة بين الرجل والمرأة يحاولون أن يرجعوا بالناس إلى الوراء ، فيدفعوا كلاً من الرجل والمرأة إلى المشاركة في كل مهمة من مهمات الحياة ، سواء أكانت مناسبة للتكوين الفطري أو غير مناسبة ، وسواء أكانت ملائمة لخصائص الصنف أو لم تكن ملائمة له؟!

          إنهم يحاولون بهذا أن يخلطوا المجتمع الإنساني خلطاً تضيع فيه الحكمة ، وتحرم فيه الخصائص من تلبية مطالبها الفطرية ، وتصبح الحياة معه مكفهرة كالحة ، إذ تصاب النفوس من جراء ذلك بالتذمر ، والسأم ، والكراهية ، والظمأ الروحي والنفسي إلى نفحات السعادة التي لا تمر في أجواء مشحونة بالنفور والإحساس بعدم الملاءمة.

          هؤلاء هم الرجعيون حقاً ، الذين ينادون بالرجعة الفكرية والنفسية والروحية ، الفردية والاجتماعية ، إلى المنحدرات من دون القمم.

          ب-الإسلام ينقذ المرأة من مفاهيم الناس وظلمهم لها:

          إنهم لا يريدون الخير للمرأة ، ثم يظلمون الإسلا حين يشككون به ، ويحرضون المرأة على التحرر من أنظمته ، طلباً لوضع أفضل لها من الوضع الذي كرّمها الإسلام به.

          ألا فليعلم النساء أن المرأة كانت محل جد بين العلماء ، وبين الفلاسفة ، وبين أصحاب الملل والنحل ، حول مسائل تتعلق بها ، إذ تدور بحوثهم حول ما يلي :

          1- هل للمرأة روح أو ليس لها روح؟
          2- إذا كانت لها روح فهل هي روح إنسانية أو روح حيوانية؟
          3- وعلى ارتفاض أنها ذات روح إنسانية ، هل وضعها الاجتماعي والإنساني بالنسبة إلى الرجل كوضع الرقيق ، أو شيء آخر أرفع قليلاً من الرقيق؟
          4- ثم هل هي ذات روح خبيثة شيطانية خلقت للإفساد والإغواء أو ماذا ؟

          وحينما كانت المرأة محل جدال حول هذه المسائل المتعلقة بها كان الإسلام ينادي بأن النساء شقائق الرجال ، وأن الأصل التكويني للرجال والنساء واحد ، فالإنسان بدأ وجوده منذ خلق الله آدم ، ومن آدم خلق الله الشطر الثاني للإنسان فاجتمع منهما زوجان ، ثم بث الله منهما عن طريق التناسل المتتابع إلى أن تقوم الساعة ذكراناً وإناثاً ، في سلسلة متكاثرة ، وفق مشيئة الله وحكمته ، وسنته التي أراد أن يخلق عن طريقها الأحياء في هذه الأرض جيلاً بعد جيل.

          ومن لطيف إشارات الله في قرآنه أنه بدأ سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول) بقوله تعالى :

          {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ...}.

          أفلسنا نلاحظ أن الله يعلن أن الأصل التكويني للناس ذكوراً كانوا أو إناثاً هو أصل واحدة ، وهي التي خلق منها زوجها ، ولا يؤثر في وحدة النفس أن أحد الصنفين يمتاز ببعض الخصائص التي تتلاءم ومهماته ووظائفه في الحياة ، وأن الصنف الآخر يمتاز ببعض خصائص أخرى تتلاءم ومهماته ووظائفه ، ليتكامل الشطران في تأدية وظائف النفس الإنسانية في هذه الحياة الدنيا .

          إن إعلان الإسلام لهذه الحقيقة – في الوقت الذي لم تكن المرأة فيه إلا مخلوقاً للمتعة أو الخدمة عند مختلف أمم الأرض ، باستثناء حالات نادرة لا تعطي صورة قاعدة ثابتة – لهو كافٍ في إثبات أن الإسلام شريعة ربانية ، تحكم بالعدل .

          بخلاف الأنظمة الإنسانية ، التي ينحاو فيها واضعوها ذات اليمين أو ذات الشمال وفق أهوائهم ، ليمنحوا أنفسهم والنصف الذي هم بعض أفراده من الميزات والخصائص ما يجعلهم سادة وآلهة ، ويجعل الصنف الآخر بين أيديهم محكوماً حكم الرقيق المهان.

          وقد كرر القرآن الإعلان عن هذه الحقيقة في مناسبات متعددة ، منها قول الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

          {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}.

          فالنفس الواحدة التي كان منها الإنشاء هي نفس آدم ، ثم تسلسل الإنشاء ما بين مستقر ومستودع ، فظهور الآباء مستقر الذريات ، وأرحام الأمهات مستودعها ، ولا يتبصر بدقائق هذا التكوين الرباني إلا قوم يفقهون ، أي : يتعمقون بالبحث عن المعرفة الدالة على عظيم حكمة الله وقدرته.

          ومنها قول الله تعالى في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):

          {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا...}.

          فأضاف سبحانه وتعالى في هذه الآية معنى السكن الدال على أنه بحكمته قد جعل في المرأة من الخصائص ما يحببها لنفس الرجل حتى يسكن إليها.

          ألا فلتطمئن النساء إلى التكريم العظيم الذي كرمهن به الإسلام ، إذ أعلن بصريح نصوصه أنهن مع الرجال من نفس واحدة ، فالعنصر التكويني لكل منهما واحد ، إلا أن الرجال تفردوا ببعض خصائص تناسب المهمات والوظائف المهيئين للقيام بها ، وأن النساء تفردن ببعض الخصائص التي تناسب المهمات والوظائف المهيئات للقيام بها ، وكمال كل من الصنفين يكون باستيفائه لخصائص صنفه ، فلا يكمل الرجل ما لم لم تكمل ذكورته ، ولا تكمل المرأة ما لم تكمل أنوثتها ، وأخذ كل منهما من خصائص الآخر نقص مشين له ، ما لم يتحول نهائياً إلى الصنف الآخر.

          والذين يريدون من المرأة أن تنافس الرجل في خصائصه إنما يدفعونها إلى أقبح حالات النقص التي تعتري بعض النساء ، ومحرضو المرأة حتى تتجاوز واقعها التكويني ، ومهماته التي اصطفاها لها الإسلام بحسب خصائصها ، إنما يريدون منها أن تركع لأهوائهم وأنانياتهم ، وتقع في الفخاخ التي نصبتها لصيد النساء عوامل شح نفوسهم التي تجعلهم يكزون عن كفالة المرأة ورعايتها والنفقة عليها ، ويتذمرون من الإسلام ، لأنه كرم المرأة وصانها ، واختار أن يخفف عنها أعباء الكسب ، لتتفرغ لأعباء تهيئة الحياة السعيدة في منزلها ، دون أن يمنعها منه إذا اختارته هي لنفسها .

          ويتغنى بعض أعداء الإسلام بالجاهلية العربية ، وهم يلمزون في الوقت نفسه أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمرأة ، زاعمين أن الإسلام انتقصها من حقها بعض ما يريدون دفع المرأة المسلمة إليه ، ليفسدوها ويفسدوا المجتمعات الإسلامية بها ، مع أن الإسلا حينما جاء قلب المفاهيم السائدة في المجتمعات العربية المتعلقة بالمرأة قلباً جذرياً ، نشأ عنه تحول عجيب لصالح مجد المرأة وكرامتها ، وعلمها ، وجوانب إنسانيتها المختلفة.

          أما واقع المرأة في الجاهلية فقد كان في معظم أحواله واقعاً يرثى له بحق ، إذ كانت عرضة للتسخير والإهانة والحرمان من جهة ، ومحلاً لمتعة الرجل مع إحقار وازدراء لها من جهة أخرى .

          ولم يكن حالها في كثير من أمم الأرض وشعوبها بأحسن من حاله عند أهل الجاهلية من العرب .

          فبين الخوف من عار سبيها والأنفة من تزويجها في غيرة سخيفة منتنة ، والفرار من أعباء النفقة عليها ، كانت الإناث في المجتمع العربي الجاهلي قد يتعرضن للقتل الشنيع عن طريق الوأد أو غيره ، وذلك من قبل أوليائهن آبائهن أو إخانهن أو غيرهم ، دون أ، يجدن من ينصرهن فيما يتعرضن له من ظلم شنيع ، وعدوان على حقهن في الحياة فظيع.

          وهذا ما جعل معظم العرب الجاهليين يكرهون الإناث من مواليدهم كراهية شديدة ، فإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً من شدة ألمه ، كاظماً غيظه لأنه لا يجد من ينتقم منه ، يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به ، حتى لا تتوجه إليه نظرات الشامتين به من قومه ، أو المشفقين عليه .

          وكانوا بين رجلين : رجلٍ تأخذه الشفقة فيبقي الأنثى التي ولدت له ، وهو كاظم غيظه وحزنه غير رافع الرأس في المجتمع الجاهلي ، ورجلٍ تضرب في رأسه الجاهلية المنتنة ، فيتخلص من الأنثى الت يولدت له واستأمنه الله عليها ، بأن يدسها في التراب وهي على قيد الحياة فيقتلها ، وهذا هو الوأد الجاهلي.

          ولقد صوّر القرآن هذه الحالة التي كان عليها العربي قبل الإسلام بقوله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

          {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.

          كيف يفرقون بين الذكر والأنثى هذا التفريق ، وهما شطرا النفس الإنسانية دون أن يكون لهم في ذلك سند من العقل أو سنة الحياة وطبيعتها؟!

          لو تبصروا قليلاً لعرفوا أن حكمة الله وقاعدة التكوين اقتضتا أن تنشأ الحياة بل المخلوقات كلها من زوجين اثنين ، ذكر وأنثى ، قال الله تعالى في سورة (الحجرات/49 مصحف/106 نزول):

          {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

          وقال تعالى في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):

          {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ}.

          وقال تعالى في سورة (الذاريات/51 مصحف/67 نزول):

          {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

          فمحا الإسلام بذلك مفاهيم الجاهلية ، وأوضح للناس أن الذكور والإناث على صعيد واحد بين يدي الابتلاء الرباني في هذه الحياة ، وأ، أكرم الناس عند الله أتقاهم . وحرّم ظلم المرأة تحريماً شديداً ، وندد بوأد البنات تنديداً بالغاً ، فقال الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

          {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.

          وقال تعالى في سورة (التكوير/81 مصحف/7 نزول):

          {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}.

          وكانت دوافع وأد البنات في الجاهلية ثلاثة:

          الدافع الأول : مخافة تعرّض أوليائهن للعار إذا سُبين في الحروب أو الغزوات.

          الدافع الثاني : الأنفة من تزويجهن بغيرة سخيفة منتنة.

          الدافع الثالث : التخلص من النفقة عليهن بسبب الفقر الحاصل ، أو مخافة وقوع الفقر في المستقبل بسبب النفقة عليهن .

          عن قتادة في تفسير قول الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

          {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ...}

          قال : هذا صنع أهل الجاهلية ، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ، ويغذو كلبه .

          وقد نهى القرآن عن قتل الأولاد من الفقر الحاصل أو خشية وقوع الفقر في المستقبل في آيتين:

          الأولى : قول الله تعالى في سورة (الأنعم/6 مصحف/55 نزول):

          {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...}

          والثانية : قوله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

          {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}.

          والإملاق هو الفقر ، والمقصود بالأولاد البنات بالدرجة الأولى ، لأن هذا كان من عادة بعض العرب في عصور الجاهلية . ومن روائع البيان القرآني أن الله تعالى قال في سورة (الأنعام) : {نحن نرزقكم وإياهم} عقب النهي عن قتل الأولاد من الفقر الواقع ، وذلك حينما يكون الولي هو المسؤول عن النفقة على أولاده وأما في سورة (الإسراء) فعكس الترتيب ، فقال تعالى : {نحن نرزقهم وإياكم} إذ كان ذلك عقب النهي عن قتل الأولاد خشية حصول الفقر في المستقبل ، وعكس الترتيب في آية (الإسراء) يشعر باحتمال أن يكبر الأولاد قبل حصول الفقر ، وحينئذ يكونون هم المرزوقين الذين ينفقون على أوليائهم وبذلك يكونون سبباً للكفاية أو الغنى ، لا سبباً لحصول الفقر الذي يخشى أن يكونوا سبباً فيه .

          وفي صور الوأد الذي عرفته البيئات الجاهلية جاءت عدة آثار :

          فعن عكرمة في تفسير قول الله تعالى : {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم} قال : نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة ، كان الرجل يشترط على امرأته أن تئد بنتاً وتستحيي أخرى ، فإذا جاء دور التي توأد غدا من عند أهله أو راح ، وقال : "أنت علي كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها" فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن ، فإذا بصُرنَ به مقبلاً دسسنها في حفرتها ويسوّين عليها التراب.

          وعن ابن عباس قال : كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة ، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة ، وإذا ولدت ولداً حبسته ، وكانوا يفعلون ذلك لخوف لحوق ال عار بهم من أجلهن ، أو خوف الإملاق ، كما قال تعالى : {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}.

          وذكر المؤرخون أنه قد افتن العرب في ظلم البنات وإهانتهن ، فمنهن من كان إذا ولدت له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى إبله ، وإن أراد أن يقتلها تركها ، حتى إذا بلغت من العمر ست سنوات ، قال لأمها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئراً في الصحراء ، حتى إذا بلغها قال لها : "انظري فيها" ثم يدفع من خلفها ويهيل عليها التراب ، حتى تسوّى البئر بالأرض ، ومنهم من كان يفعل ما هو أنكى من ذلك وأقسى.

          وقد ذهب في هذا الوأد ضحايا كثيرات من الإناث البريئات ، حتى جاء الإسلام فرفع الظلم عنهن وأعطاهن كامل حقوقهن.

          عن قتادة قال : جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي فقال : إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية ، قال : "فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال : يا رسول الله ، إني صاحب إبل ، فقال له : "أهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت".

          وهكذا كانت حال المرأة في الجاهلية ، أما في الأمم الأخرى فقد أدركنا إلى عهد قريب أن من العار على المرأة الهندوسية أن لا تحرق نفسها في النار التي تحرق فيها جثة زوجها المتوفى.

          وتمر القرون ويظل نظام الإسلام محتفظاً بقمة المجد التي دعا الناس إليها ، بكل مواده ، مهما حاول أعداء الإسلام تشويه صورته الرائعة بالمطاعن والمغامز ، أو بالزيادات المضرة التي يتجاوزون فيها حدود المصلحة الإنسانية ، والحكمة التي تقتضيها فطرة التكوين البشري .

          فما بال الذين يتغنون بالجاهلية العربية ، ويلمزون الإسلام ، لا ينظرون إلى هذه الحقائق التي ترشدهم إلى سواء السبيل ؟

          أسرهم أن تعميهم كراهيتهم للإسلام ، وتبعيتُهم لأجنحة المكر المختلفة ، عن معرفة الحقيقة البينة ، والإذعان لها والتسليم بها؟؟

          جـ- مسؤولية المرأة الدينية :

          يقرر نظام الإسلام أن المرأة كالرجل مسؤولة مسؤولية كاملة عن الأمور الدينية تجاه ربها ، وتجاه المجتمع الإسلامي ، وأن حكمها حكم الرجل في الإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، والثواب والعقاب ، فهي مخلوق مكلف ، لأنها مزوّدة بكل العناصر التي تؤهلها للتكليف ، وهذه العناصر هي :

          1- العقل الذي تدرك فيه خطابات التكليف ، ودلائله التي أقامها الله في كونه ، وتدرك فيه الحق والباطل ، والخير والشر ، والمفاسد والمصالح ، والقبح والجمال .
          2- الإرادة الحرة التي يناط بها التكليف.
          3- طائفة من القوى الجسدية والنفسية والفكرية تستخدم في تنفيذ أوامر التكليف ونواهيه.

          والمرأة في مجال التكليف مثل الرجل سواءً بسواء ، لا تكلف إلا وسعها ، ويشملها ويشمل الرجل معاً عبارة النفس الواردة في نصوص قرآنية كثيرة ، كقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

          {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}.

          وقوله تعالى في سورة (الطلاق/65 مصحف/99 نزول):

          {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا}.

          وقوله تعالى في سورة (الأعراف/7 مصحف/99 نزول):

          {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

          وقوله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/39 نزول):
          {وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ}.

          من أجل ذلك كانت مسؤولة عن إعلان الإسلام ، وهي في ذلك تقف مع الرجل في مرتبة واحدة ، وتعامل مثل معاملته ، ومتى أعلنت إسلامها فنطقت بالشهادتين عصمت دمها ومالها إلا بحق الإسلام وحسابها على الله تعالى ، وإذا ارتدت أصابتها جميع أحكام المرتدين دونما تفريق أو تمييز ، لأن وسعها في هذا المجال مثل وسع الرجل.

          والمنافقات من النساء كالمنافقين من الرجال ، والمشركات منهن كالمشركين منهم ، والكوافر منهن كالكفار منهم ، يستقبلون جميعاً عند الله نصيبهم من العذاب ، قال الله تعالى في سورة (الأحزاب/33 مصحف/90 نزول):
          {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}.
          وقال الله تعالى في سورة (الفتح/48 مصحف/111 نزول):

          {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}.

          فالنساء والرجال بين يدي أركان العقيدة الإسلامية سواء تكليفاً وجزاء ، ولولا تقرير الإسلام أن الصنفين مستويات من حيث العموم في تزويدهما بعناصر التكليف لما جعلهما الإسلام على صعيد واحد ، ولما خاطبهما بخطاب واحد ، تبشيراً أو إنذاراً ، أو إرشاداً وموعظة.

          ولذلك قال علماء الإسلام : إن النصوص الإسلامية التي ويجه فيها الخطاب للرجال هي موجهة للنساء أيضاً ، في كل الأحكام والعظات والتكاليف وأنواع التربية الإسلامية ، ما لم يكن مضمون الخطاب مما يتعلق بخصائص الرجال التكوينية ، وما لم يصرح في الخطاب بأنه خاص بالرجال دون النساء.

          هذا هو واقع المرأة في الإسلام ، بينما نجد أمماً يخرجون المرأة عن مجال التكاليف الدينية ، اعتقادية كانت أو عملية ، ويجعلونها أشبه بالبهائم التي لا تعقل مسائل الدين ويحقرون تكوينها ، وينزلون بها عن مرتبة الإنسانية التي كرمها الله بها ، وإن أشبهت في الصورة تكوين الرجل ، أو يجعلونها شيطانة إغراء وإغواء ، أو دمية متعة وخدمة .

          ودعاة تحرير المرأة ، الذين يحاولون أن يدفعوها إلى ما وراء الحدود الإسلامية إنما يخادعونها ، ليهبطوا بها عن مرتبة الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل والإرادة ، ووضعه موضع الامتحان ، فكلفه الإيمان والعمل الصالح ، والبعد عن الشر والإثم.

          وهدفهم من ذلك أن يقذفوا بها إلى سوق الرذيلة المشاعة لكل فاسق ، ويزجوا بها في أتون الخدمة والعمل والكدح الشاق ، لتكسب لقمتها وكساءها ومأواها ، وهذا ما انتهت إليه حرية المرأة في كثير من البلاد التي تتحلى بشعارات تحرير المرأة ، فقد أمست المرأة فيها لا تجد أباً ولا أخا يعيلها متى غدت فتاة قادرة على الكسب ، وساد عندهم شعور عام أنه من الواجب أن تخدم الفتاة في أي عمل ، ولو بذلت فيه عفافها لأي طالب.

          وهذا ما يريدون أن يحولوا إليه المرأة المسلمة بدعاياتهم المضللة.

          د- المرأة والتكاليف الدينية الفرعية:

          وإذا انتقلنا بالمرأة من مرحلة الإيمان والإسلام – وهي أول مرحلة وأعلاها – تبدؤها النفوس المكلفة ذكوراً وإناثاً على صعيد واحد – إلى مرحلة التكاليف الدينية الفرعية ، فإننا نجد قاعدة التسوية الإسلامية بين الرجال والنساء مضطردة في جميع التكاليف الإسلامية ، إلا فروقاً تستدعيها خصائص التكوين الجسدية والنفسية ، إذ راعى الإسلام في المرأة نسبة استطاعتها بشيء من التخفيف ، التزاماً بالعدل الذي تقتضيه الحكمة .

          فلما كانت المرأة عرضة لوهن جسدي ملازم لفترة حيضها أسقط الله عنها ضمن هذه الفترة فريضتي الصلاة والصوم ، دون أن يلزمها بقضاء الصلوات التي تتركها ، لأنها ستقوم بأداء اصلوات اليومية الجديدة ، وتكليفها قضاء ما فاتها في أيام الحيض يعني تحميلها مسؤوليتي عبادة من نوع واحد في فترة واحدة ، دون أن يكون لها كسب في ذلك ، أما الصيام فتقضيه ، لأنها ستكون خلال أحد عشر شهراً في السنة فارغة من أداء عبادة صوم مفروض عليها ، فإذا قضت أيام الصيام التي فاتتها في شهر رمضان بسبب الحيض لم يصعب عليها ذلك ، ولم يجتمع عليها في فترة واحدة عبادتان من نوع واحد .

          ولما كانت المرأة أيضاً عرضة لوهن جسدي ملازم لتفرة حملها وإرضاعها رخص الشارع لها أن تفطر في رمضان ، وأن تعوض عن هذه العبادة بالقضاء أو بالكفارة ، حسب تفصيلات فقهية مناسبة لمختلف الأحوال.

          وفي فريضة الزكاة لا نجد في الإسلام فرقاً في الأحكام بين الذكور والإناث ، إلا فرقاً واحداً راعى الله فيه جانب المرأة ، وأعانها فيه على تلبية فطرتها ، وهذه المراعاة تتعلق بحيلها التي هي مادة أساسية من مواد زينتها ، لأن الزينة للمرأة عنصر ترتبط به غريزتها ارتباطاً ملحاً ، وهي أيضاً صورة من صور تمكين رابطة المودة بينها وبين زوجها . من أجل ذلك أذن الله لها أن تتخذ من الذهب والفضة حلياً ت تزين به لزوجها ، وهذه الحلي لا بد أن تتعطل عن النماء ، لذلك أعفاها الله من أن تدفع الزكاة عما تتخذه لزينتها بالمعروف ، فإذا زدت على المقادير المعروفة تهرباً من الزكاة فهو كنز لا إعفاء معه ، وللفقهاء في هذا الموضوع تفصيلات وآراء مختلفة بحسب اجتهاداتهم .

          أما فريضة الحج فالمرأة والرجل فيها سواء ، تسافر كما يسافر ، ولكن مع محرم لها صيانة لشرفها وعرضها ، وتنفق كما ينفق ، وتؤدي مناسكها كما يؤديها ، إلا أن طبيعة أنوثتها والحرص على سلامة المجتمع من الفتنة تقضيان بأن لا تكلف خلع ثيابها المخيطة ، وأن تقتصر في إحرامها على كشف وجهها وكفيها.

          وأمّا واجب الجهاد في سبيل الله فعلى المرأة أن تجاهد بلسانها داعية إلى الله ، وأن تجاهد بمالها ، ولكن أعفيت المرأة في معظم الأحوال من الخروج إلى قتال الأعداء ، رعاية لحالتها الجسدية ، ولا تكلف ذلك إلا في حالة النفيرة العام ، وتؤدي حينئذ من الأعمال على قدر استطاعتها ، وليس معنى إعفائها في الأحوال العادية عدم ترغيب الإسلام بأن تشارك في مساعدة المقاتلين ، وتضميد جرحاهم ، وجلب الماء وإعداد الطعام لهم ، ونحو ذلك مما تحسنه وتجيده من الأعمال.

          ولما كانت النساء يقفن مع الرجال على صعيد واحد بين يدي التكاليف الإسلامية الاعتقادية والعملية – إلا ما تقتضيه فروق الخصائص التكوينية الجسدية والنفسية ، من فروق في الأحكام والتكاليف – كانت النصوص الإسلامية صريحة في إبراز هذه الحقيقة ، بشكل يحق معه للمرأة املسلمة أن تفخر بالمجد الذي كرمها الله به ، فجعلها شقيقة الرجل في التكوين ، وجعلها شقيقته في التكريم ، ثم جعلها شقيقته في التكليف ، وأخيراً فلها من الجزاء ثواباً أو عقاباً نظير ماله ، قال الله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

          {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

          وقال تعالى في سورة (الأحزاب/33 مصحف/90 نزول):
          {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}.

          فالإسلام والإيمان والقنت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصيام وحفظ الفروج وذكر الله كثيراً وجزاء هذه الصالحات عند الله كل أولئك يستوي فيها الرجال والنساء.

          والمؤمنة مثل المؤمن ليس من شأن أي واحد منهما أن يكون له اختيار في ترك الأحكام الإسلامية ، التي يقضي الله بها ورسوله عليهما ، لأن بواعث الإيمان في قلوبهما لا بد أن تكون محرضة لهما على الطاعة والامتثال ، دون أن يجدا في صدرهما أيّ حرج ، ومن يعص الله ورسوله ذكراً كان أو أنثى فقد ضلّ ضلالاً مبيناً.

          وأما الفروق في الاستعدادات فالعدل الإلهي يضعها في الحساب لدى تقويم أعمال الناس ، وتقدير الجزاءات عليها ، ومثلها في الصنفين كمثل الفروق الفردية الموجودة لدى الرجال ، والفروق الفردية الموجوةد لدى النساء ، فالله سيحاسب كل إنسان ذكراً كان أو أنثى حساباً خاصاً به يناسب ما وهبه في الدنيا من استعدادات واستطاعة وخصائص.

          ومن تسوية الإسلام بين صنفي الرجال والنساء تسويته بينهما في المحرمات والجنايات ، فحدود مسؤولية المرأة في ذلك هي حدود مسؤولية الرجل نفسها ، لأن خطاب الشارع متوجه للإنسان المكلف ، باعتبار كونه إنساناً ، ذكراً كان أو أنثى .

          فالإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والسرقة ، والزنى ، وعقوق الوالدين ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والظلم ، وعمل الميسر ، وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، وتناول سائر المأكولات والمشروبات المحرمة ، والإفساد في الأرض ، والصد عن سبيل الله ، والقذف ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والحقد والحسد ، والغش والإضرار بالناس في العقود ، وسائر المحرمات في الإسلام ، يستوي فيها الرجال والنساء تحريماً وعقوبة.

          ذلك لأن نسبة عناصر التكليف في كل من الصنفين – وهي العقل والإرادة والاستطاعة – متكافئة ، كما أن دواعي المعصية في نفوس كل من الصنفين – وهي الغرائز والشهوات والمطامع – مكتافئة أيضاً ، ومن أجل ذلك كانت المسؤولية على وجه العموم متكافئة ، ولا يؤثر على قاعدة التكافؤ وجود الفروق الفردية ، لأن هذه الفروق نفسها موجودة أيضاً في أفراد كل صنف منهما ، وأمر هذه الفروق الفردية متروك لمجرى الحساب الرباني يوم القيامة كما سبق بيانه ، أما في الدنيا وجزاءاتها وحدودها فالمسؤولية المنوطة بكل فرد من أفراد المكلفين واحدة .

          ومن أمثلة المرحمات التي أبرزت النصوص الإسلامية تكافؤ المسؤولية فيها بين الرجال والنساء : السرقة ، قال الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
          }وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

          فقد تكافأ السارق والسارقة جريمة وعقوبة ، كما فتح الله لهما جميعاً باب التوبة والإصلاح والمغفرة والرحمة بنسبة واحدة.

          ذلك لأن الدواعي النفسية للسرقة متشابهة بين الصنفين ، وهي الطمع بأموال الآخرين ، مع الاستهانة بالعدوان على حقوقهم ، ولأن نسبة الجريمة مت شابهة في كل منهما ، وهي استشراف النفس إلى الظلم والعدوان بعزم وتصميم ، ولأن معرفة التحريم العقوبة في كل منهما متشابهة ، لكل ذلك كان من العدل تساويهما وتكافؤهما.

          ومن الأمثلة أيضاً : الزنى ، قال الله تعالى في سورة (النور/24 مصحف/102 نزول):
          {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

          فقد تكافأ الزاني والزانية جريمة وعقوبة ، وذلك لأن الدواعي النفسية للزنى متناظرة بين الصنفين ، إذ تدعو إليه غريزتان متناظرتان متجاذبتان ، إحداهما في الرجل والأخرى في المرأة ، ولأن نسبة الجريمة ، وهو تجاوز حدود الله وعصيان نواهيه بعزم وتصميم في كل منهما متشابهة ، ولأن معرفة التحريم والعقوبة في كل منهما متش ابهة ، لكل ذلك كان من العدل تساويهما وتكافؤهما ، وتقديم الزانية على الزاني في النص على خلاف النصوص الأخرى يشعر بأن فعل المرأة أكثر شناعة ، وتعليل ذلك أن لديها من دواعي الصيانة الاجتماعية أكثر مما لدى الرجل ، كما أن حياءها وضعف جرأتها في هذا الموضوع يساعدانها على التزام سبيل العفة أكثر من الرجل.

          ومن الأمثلة أيضاً : القتل ، فالمسؤولية فيه متكافئة ، والحد فيه واحد ، وذلك لأن الناس جميعاً سواء في حق الحياة ، إلا من اعتدى على حياة غيره من دون حق ، أو ارتكب جرماً يهدر دمه في نظر الإسلام ، فيقتل به ، وتتولى قيادة الحكم الإسلامي إقامة حدود الله . وإعلاناً عن التكافؤ في المسؤولية في مقابل تكافؤ دماء المسلمين والمسلمات ، قال رسول الله : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" وقال الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

          {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

          وعلى ما في هذه الآية من اجتهادات فقهية فإنها ظاهرة في معنى التكافؤ في المسؤولية ، وتكافؤ المسلمين.

          وعلى هذا النسق تسير تسوية الإسلام بين صنفي الرجال والنساء في المحرمات والجنايات وحدود المسؤولية ، بينما كانت أمم كثيرة لا تعترف بهذا التساوي ولا تقره.

          هـ- حقوق المرأة الشخصية والاجتماعية:

          ومن تسوية الإسلام بين صنفي الرجال والنساء تسويته بينهما في الأحكام المتعلقة بالتصرفات المالي والشخصية.

          فالمرأة في نظام الإسلام تنجز لنفسها عقود البيوع والرهن والإجارة والصلح والشركة والمساقاة والمزارعة بحرية تامة كالرجل . كما أنها تهب وتوصي وتتصدق وتسب السبل وتقف الأوقاف وتعتق الأرقاء ، حكمها في ذلك كحكم الرجل.

          ثم هي تعقد زواج نفسها بحرية تامة ، ولها حق الموافقة أو الرفض.

          كل هذه التصرفات المالية أو الشخصية تتولاها المرأة بنفسها في حرية كاملة ، أو توكل عنها من يقوم لها بها ، دون أن يكون عليها وصي أ, حاجر ، ما دامت مستوفية شروط أهلية التصرف ، وهي في هذا كالرجل ، وإشراك وليها في عقد نكاحها نوع من أنواع الصيانة والتكريم وضمان الحقوق لها ، حتى لا تستغل أو تستغفل أو يغرر بها أو يجحد حقها نظراً إلى الحياء الذي يعتري المرأة المؤدبة بآداب الإسلام في موضوع الزواج ، يضاف إلى ذلك حق الأسرة في مصاهرة من يلائمها اجتماعياً.

          وأموال المرأة في نظام الإسلام ملك لها ، ومهرها الذي تستحقه بالزواج ملك لها أيضاً ، وليس لأحد من الناس أن يعتدي عليها في شيء من ذلك ، وإذا تزوجت المرأة لم تفقد شيئاً من شخصيتها المدنية ، ولا من أهليتها في التعاقد ، ولا من حقها في التملك ، بل تظل بعد زواجها محتفظة بكامل حقوقها المدنية ، وأهليتها في تحمل الالتزامات ، وإجراء العقود ، وحقها في التملك تملكاً مستقلاً.

          ولم يبح الإسلام لزوجها أن يأخذ شيئاً من مالها إلا عن طيب نفس منها ، قال الله تعالى في سورة (السناء/4 مصحف/92 نزول):

          {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً}.

          وقال أيضاً فيها :

          {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً}.

          فإذا كان المال الذي سبق أن قدمه الزوج مهراً لزوجته بهذه المثابة ، فالأموال الأخرى التي ملكتها بميراث أو كسب أو غير ذلك مما أباح الله أحق بأن تكون صاحبة استقلال تامٍ فيها.

          هذا هو نظام الإسلام في رقيه وسموّه وضمانه لحقوق المرأة ، بينما نجد في أحدث القوانين الأوربية نصوصاً تنزع عن المرأة صفة الأهلية في كثير من الشؤون المدنية ، إذ نجد مثلاً نصوصاً فيها تقرر : "أن المرأة المتزوجة لا يجوز لها أن تهب ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون إشراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابيّة".

          وهذا ما تضمنته المادة (217) من القانون المدني الفرنسي.

          أليس هذا حجراً على تصرفات المرأة لا يعدو أن يكون من رواسب استرقاق الرجال للنساء في أوربا ، على خلاف وضع المرأة المسلمة ، وهو الوضع الذي ما زالت تتمتع به منذ ظهر فجر الإسلام ، فمنح النساء حقوقهن بالعدل.

          وأما ما تعانيه بعض النساء في بعض البيئات التي تنتسب إلى الإسلام فما هو إلا انحراف تطبيقي عن نظامه وتعاليمه البينة الصريحة ، بعادات دخيلة ، أو بتأثير رواسب جاهلية.

          وتعلن النصوص الإسلامية أن المؤمنين والمؤمنات على صعيد سواء في أن بعضهم أولياء بعض ، وفي أنه ميتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر ، ويؤدون واجباتهم الدينية ، ويطيعون الله ورسوله ، وفي أنهم جميعاً مشمولون بوعد الله بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وبالرضوان من الله الذي هو أكبر من كل أنواع النعيم المادي في الجنات.

          قال الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):
          )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

          فالمرأة في المجتمع الإسلامية تنصر الرجل على نفسه فتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، كما أن الرجل ينصر المرأة على نفسها ، فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ، ويشترك الرجال والنساء جميعاً في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله والرسول في كل ما يقضي به الله ورسوله من أمر.

          وليس يمنع المرأة حياؤها ولا جلبابها ، في المجتمع الإسلامي الخالي من التضييق الذي لم يأت به الإسلام ، والخالي من قبائح التحلل والتبذّل التي لا يرضى عنها ، من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتوجه نصا ئحها للمسلمين والمسلمات ، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً كريماً.

          وهذا ما عرفته ودرجت عليه النساء المسلمات في العصر الإسلامي الأول ، والعصور من بعده التي اهتدت بهديه ، واستمسكت بطريقته ، حتى جاءت عصور انحطاط انتشر فيها بين المسلمين مفاهيم غريببة عن الإسلام ، فعزلت المرأة عزلاً تاماً عن العلم والمعرفة ، وصدتها عن واجباتها الإسلامية التي تأمرها بالدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على قدر استطاعتها ، وضمن حدود الحشمة والآداب الإسلامية المطلوبة منها.

          ومن شواهد ذلك الحادثة المشهور ، حادثة المرأة التي وقفت في مسجد المدينة ، وتصدت لخليفة المسلمين عمر بن ا لخطاب ، إذ نهى عن المغالاة في المهور ، فقالت له : ليس ذلك لك يا عمر ، إن الله تعالى يقول : {وآتيتم إحداهن قنطارا} فقال عمر : "امرأة خاصمت عمر فخصمته" وجاء في رواية أخرى أنه قال : "امرأة أصابت ورجل أخطأ".

          إن هذه المرأة قد نبهت عمر إلى حكم الإذن الشرعي بأن يقدم الرجل من المهر ما يشاء لمن يريد الزواج منها ، فلما سمع عمر منها ذلك لم تأخذه عزة الخلافة ، ولم تصده كبرياء النفس عن أن يستمع لقولها ، ويعلن على جمهور المسلمين صواب المرأة.

          وهكذا كانت التربية الإسلامية تكافلاً في المجتمع الإسلامي ، لا يعزل منه نساء ولا صبيان ولا هرمون ، والكل يشتركون في بناء هذا المجتمع على طاعة الله.

          وهذه التربية هي التي جعلت عائشة أم المؤمنين راوية سفر كبير من لأحاديث والسير عن رسول الله ومثلها كثير من الصحابيات رضوان الله عليهن ، كما جعل كثيراً من النساء المسلمات عالمات وأديبات وواعظات ومشاركات في كثير من أمور المسلمين العامة والخاصة.

          وما أظن المدنية الحديثة التي تتبجح بإعطاء المرأة حقوقها ، وتهاجم الإسلام ظلماً وعدواناً قد ارتقت بعد إلى هذا المرتقى الحضاري الذي رفع الإسلام إليه الأمم الهمجية بسرعة خاطفة ، فكأنما نقلها من عالم إلى عالم ، وكأنما أعاد صياغتها على الوجه الذي يريد ، دون أن يصبر على سنن التطور ذات الأمد الطويل ، وذلك لأنه استطاع أن ينفذ إلى أعماق القلوب فيغير ما فيها ، ولم يكتف بالعمل على إكساب الناس بالمهارات العملية التجريبية فقط في ميادين التربية الإسلامية.

          ألا فليعلم النساء ، أن أعداء الإسلام الذين يريدون صرفهن عن الإسلام ، بشعاراتهم البراقة ، إنما يريدون أن يجعلوا المرأة سلعة كاسدة ، ومتعة رخيصة ، وخادمة مهانة.

          ومع ما في الإسلام من رقي وسمو ، وضمان لحقوق المرأة ، وحقوق الرجل بالعدل ، وسلامة المجتمع ، بشكل لم ترق إلى مثله أحدث النظم الوضعية ، تحاول الفتيات المسلمات في الأجاي الحديثة أن يلحقن بركب المرأة الأوربية ، وهن يتسابقن في مضرات أنفسهن ، متهالكات تهالك الفراشات على النار.

          ويلوح لهن أعداء الإسلام بالمناديل البراقة التي تخدع الأعين بأصباغها وزخارفها ، ولكن إلى أين الطلب؟

          إنه إلى الشقاء والعذاب والعقد النفسية القاتلة ، والكدح والمهانة ، والكساد في سوق الرذيلة.

          و- ميراث المرأة في الإسلام:

          قالوا : إن الإسلام لم يسوِّ في الميراث بين الذكر والأنثى ، بل جعل نصيب الأنثى في معظم الأحوال على مقدار النصف من نصيب الذكر ، وهذا تفريق ينافي العدل.

          إن أعداء الإسلام يقذفون هذه الشبهة في صفوف الأجيال المسلمة بشكل غامض ، لإثارة العواطف الأنانية الصرفة عند ألإناث.

          مع أن البحث التحليلي المتجرد النزيه ، يكشف أن الإسلام قد كرم الإناث كثيراً بهذا العطاء السخي في الميراث ، إذا وضعنا هذا التوزيع للتركات في مقابل الأعباء الاقتصادية الملقاة على كل من الرجل والمرأة ، فالعدالة في التوزيع يجب أن تلاحظ المسؤوليات والأعباء ، وليس من العدل أن يعطى المكفي بنفقة غيره عليه ، والذي يأخذ المال غالباً لأجل رفاهية نفسه ، مثل ما يعطى المسؤول عن نفقة نفسه وزوجه ، ونفقة أصوله وفروعه إذا كانوا محتاجين للنفقة.

          فلا يصح بحال من الأحوال أن ينظر إلى قضية الميراث ، دون أن ينظر في الوقت نفسه إلى مسؤوليات النفقة ، والأعباء الاقتصادية التي يقررها الإسلام بشكل عام . إن النظر إلى جانب واحد من النظام دون النظر إلى الجوانب الأخرى المكلمة له ، كالنظر إلى طرف واحد من أطراف أي كائن في الوجود ، دون النظر إلى الأطراف الأخرى على وجه الشمول.

          والجاهلون قصيرو النظر هم وحدهم الذين ينظرون إلى الأنابيب الفرعية لتوزيع المياه ، بمقياس النظرة السطحية التي ينظرون فيها إلى الأنابيب الرئيسة ، فيقولون : إن مصلحة المياه لم تكن عادلة ، إذ جعلت هذه الأنابيب التي تمددها في الشوارع الرئيسة للمدينة ، أكبر وأقوى من الأنابيب التي تمددها في أطراف المدينة . ولا شك أن العقلاء يسخرون من منطق هؤلاء الجهلاء ، لأنهم يعلمون أن وظيفة الأنابيب الرئيسة تقتضي أن تكون كذلك . وهو ما توجبه القواعد الهندسية السليمة.

          وكذلك فرق نظام الإسلام في توزيع التركات بين نصيب الذكور ونصيب الإناث في معظم الأحوال ، ملاحظاً حاجة الأعباء الملقاء على كل منهما.

          والنظرة الفكرية والواقعية الشاملة في هذا الموضوع ، لا بد أن تلاحظ الأمور التالية كلها في وقت واحد حتى تكون أحكامها صحيحة:

          أولاً : لقد كرم الإسلام المرأة في نظامه ، فرحمها وحدب عليها ، ونظر إلى أعباء حملها ورضاعها وتربية أبنائها وتدبير منزل الزوجية وخدماتها فيه ، فأعفاها من واجبات السعي لاكتساب الرزق ، ولم يحملها مسؤوليات أعباء المعيشة ، لا لنفسها ولا لغيرها ، لئلا يجمع عليها عبثين في الحياة ، وليصونها عن التبذل ، وليقيها متاعب الكدح خارج منزلها ، وألقى كل هذه الأعباء والمسؤوليات على الرجل ، دون أن يمنعها من العمل الشريف إذا هي اختارت ذلك .

          فنفقة المرأة في نظام الإسلام واجبة على زوجها ، وإن كانت غنية ، أو على ذوي قرابتها إن كانت فقيرة ، ضمن قواعد وأحكام مفصلة في الفقه الإسلامي ، فإن لم يكن لها زوج أو أقرباء ينفقون عليها وكانت فقيرة ، فنفقتها واجبة على بيت مال المسلمين ، تتقاضاها من صندوق الزكاة أو من الصندوق العام.

          ثانياً: لدى الزواج يتحمل الرجل أعباء دفع مهر للزوجة ، وأعباء سائر النفقات التي يتطلبها الزواج ، في حين أن المرأة هي المستفيدة من المهر ومعظم نفقات الزواج ، دون أن تكون مسؤولة ن شيء من ذلك.

          ثالثاً : الرجل هو المسؤول عن العمل لكسب الرزق ، والنفقة على زوجته وعلى أولاده ، بينما لا تكلف المرأة شيئاً من هذه الأعباء ، إلا أن تقدم شيئاً من ذلك تطوعاً ، يضاف إلى ذلك أن الرجل مسؤول أيضاً عن النفقة على طائفة من ذوي قرابته الفقراء ، ضمن تفصيلات موضحة في الفقه الإسلامي.

          وبموجب هذا النظام تصبح الأموال التي تملكها المرأة معدة في أكثر أحوالها لزينتها ، ورفاهيتها الخاصة ، الزائدة عن حدود النفقة الواجبة ، ولعطاءاتها التي تحبو بها من تشاء من أولادها وبناتها وأقاربها ، ولصدقاتها التي تكسب بها عند الله أجراً ، ولتدخر منها ما تسعف به نفسها ومن تحب عند مفاجآت الضروروات والنوائب.

          وهنا قد يقول قائل : لقد زاد الإسلام إذن في نصيب المرأة من الميراث ، إذا لاحظنا أحكامه الأخرى في نظام النفقات ، ونجيبه بأن الميراث فيه معنيان:

          المعنى الأول : أنه غطاء للتكافل الاجتماعي داخل الأسرة الواحدة ، إذ يكون غرم النفقة الواجبة مقابلاً لغنم الميراث.

          المعنى الثاني : أن الميراث فيه دعم للترابط الاجتماعي المشعر بوحدة الأسرة ، ففيه مواساة للأقارب مما تركه ميتهم.

          وحين ندرك كل ذلك نستطيع أن ندرك حكمة التشريع التي تظهر فيها ميزة الإسلام وعظمته.

          ولقد كانت نظرة الجاهليين قبل الإسلام مادية بحتة ، نشأ عنها أن لا يورثوا النساء ولا الأطفال ، وكانوا يقولون : "لا يرث إلا من طاعن بالرماح ، وذاد عن الحوز ، وحاز الغنيمة" وكانوا يقولون عن المرأة معللين عدم توريثها : "لا تركب فرساً ، ولا تحمل كلاًّ ، ولا تنكي عدوّاً".

          وبهذا يظهر لنا عظمة الإسلام في هذا المجال ، كشأنه في كل مجال ، ومع ذلك يحاول أعداء الإسلام قذف شبهاتهم في صفوف الأجيال المسلمة ، ليصدوها عن دين الله الحق.
          من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

          Comment

          • قسورة
            عضو
            • Nov 2005
            • 157

            #35


            ز- الإسلام وتعليم المرأة :

            يموه بعض المغرضين ويزعم بعض الجاهلين : أن الإسلام لا يشجع على تعليم المرأة ، وأنه يفضل أن تبقى جاهلة أو أقرب إلى الجهل.

            وهذا محض افتراء ظاهر على الإسلام ، فما من دين ولا مذهب في الحياة دفع الإنسان إلى العلم كما دفعه إليه الإسلام ،إنّه دفع الإنسان كلَّ الإنسان بشطريه الذكر والأنثى إلى مجالات العلم المختلفة ، و إلى ميادين المعرفة والبحث عن الحقائق ، بكل وة ، إلعلاناً منه أن الطريق الصحيح إلى معرفة الله والإيمان به ، والاستسلام لشرائعه إنما هو طريق العلم.

            أليس في الآيات التي بدأ الله بها الوحي لرسوله محمد إعلان قوي لهذه الحقيقة ؟

            إن أول ما بدئ به من الوحي قول الله تعالى لرسوله محمد في سورة (العلق/96 مصحف/1 نزول):

            {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.

            إنه لأمر بالقراءة باسم الرب الخالق ، الذي خلق الإنسان كلَّ الإنسان بشطريه الذكر والأنثى من علق ، وفي هذا إشارة إلى أن المخلوقات هي مجالات المعرفة التي تأخذ بيد الإنسان إلى معرفة الله ، والبحثُ فيما خلق الله هو السبيل الأقرب والأقوم لطلاب المعرفة ومتتبعي الحقائق ، أين كانوا وفي أيّ منهج علمي سلكوا.

            ولقد بدأ الوحي بالأمر بالقراءة لأنهم أهم وسائل تثبيت المعارف ، ومتابعة حلقاتها ، والقراءة إنما تكون بعد الكتابة ، ومن أجل ذلك أ؟هر الله منّته على عباده إذ علّم بالقلم ، أداة الكتابة الكبرى ، فعلّم الإنسان كلّ الإنسان بشطريه الذكر والأنثى مالم يعلم.

            وهذه الدعوة التي دعا الله بها الإنسان إلى العلم ، منذ اللحظات الأولى التي بدأ بها إنزال تعاليم الإسلام ، أكبر برهان يدلّ على التسوية التامة بين شطري الإنسان الذكر والأنثى ، في ميدان دعوتهما إلى العلم والمعرفة ، والتأمل فيما خلق الله ، والدعوة إلى استخدام الوسيلتين المترابطتين ببعضهما ، وهما القراءة والكتابة.

            ولما كان العلم هو الطريق إلى معرفة الله والإيمان به ، والطريق إلى معرفة الأحكام الدينية التي يكلفها الإنسان ذكراً كان أو أنثى ، كان من المتحتم على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ما يهديه إلى هذه الأمور المسؤول عنها مسؤولية شخصية أمام الله.

            فالإنسان كل الإنسان ذكره وأنثاه مبتلىً في هذه الحياة الدنيا ، ومسؤول عن تصرفاته الإرادية كلها مسؤولية تامة ، ما دام متمتعاً بأهلية التكليف ، وهي العقل والإرادة والاستطاعة.

            ومسؤولية الإنسان عن تصرفاته تستلزم تكليفه ما يعرف به الحق والباطل ، والخير والشر ، والنفع والضر ، والقبح والجمال ، وحدود مسؤوليته أمام الله.

            فهل في أي مذهب من مذاهب العالم المتحضر مسؤولية عن العلم ، تتناول بشكل شخصي كل إنسان لديه ما يستطيع أن يتعلّم به ، ذكراً كان أو أنثى ، أدقّ وأشدّ وأحزم من هذه المسسؤولية الت يناطها الإسلام بكل إنسان؟

            إنها مسؤولية تضع الإنسان كل الإنسان على مفترق طريقين : أما أحدهما فيصعد به إلى النعيم المقيم ، والسعادة الخالدة في جنات عدن ، وأما الآخر فينحدر به إلى العذاب الأليم والشقاء الدائم في نار جهنم.

            وهذه المسؤولية الشخصية عن الأعمال الإرادية – مع ملاحظة أن العلم شرط أساسي فيها – قد دلّت عليها معظم النصوص الإسلامية دلالات لا تخفى على أقل الناس بصراً فيها .

            فممّا جاء منها مجملاً قول الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

            {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

            وعبارة "كل نفس" تشمل الذكر والأنثى بنسبة واحدة.

            ومنها قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

            {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}.

            وقوله تعالى فيها أيضاً :

            {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

            ومما جاء منها مفصلاً قول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

            {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.

            وقد حرص الإسلام كل الحرص على تعليم المرأة ما تكون به عنصر صلاح وإصلاح ، في مجتمع إسلاميّ متطور إلى الكمال ، متقدّمٍ إلى القوة والمجد ، آمن مطمئن سعيد.

            ولتحقيق هذا الهدف حرص على اشتراكها في المجامع الإسلامية العامة الكبرى منها والصغرى ، فرغب بأن تحضر صلاة الجماعة ، وأن تشهد صلاة الجمعة وخطبتها ، وأن تشهد صلاة العيد وخطبتها وإن كانت في حالة العذر المانع لها من أداء الصلاة ، وأمرها بالحج والعمرة ، وحثها على حضور مجالس العلن , وخاطب الله النساء بمثل ما خاطب به الرجال ، وجعلهنّ مندرجات في عموم خطاب الرجال في معظم الأحوال ، حرصاً على تعليمهن وتثقفيهن وتعريفهن أمور دينهن ، ومشاركتهن في القضايا العامة للمسلمين .

            ونظرة إلى واقع الحياة تبدي لنا أهمية صلاح المرأة علماً وخلقاً و سلوكاً داخل أسرتها ، ثم في المجتمع الكبير ، فمبقدار صلاح المرأة في الأسرة يكون غالباً صلاح النشء ، والذرية فيها ، وبمقدار فسادها يكون غالباً فسادهم.

            يضاف إلى ذلك مالها من تأثير بالغ على الرجل ، زوجاً كان أو أباً أو أخاً ، وأهمية صلاح المرا’ لصلاح الأسرة أكثر من أهمية صلاح الرجل لصلاحها ، لأن المرأة تستطيع أن تكون ذات أثر فعال مرشد أو مفسد ، في تكوين أخلاق الأطفال الصغار وطبائعهم وعاداتهم أكثر من الرجل بكثير ، وذلك لعدة أسباب :

            1- منها ما وهبها الله غالباً من عاطفة متدفقة ، ولين في الطبع ، وقابلية للاندماج والمشاركة في أمور الصغار على مقدار طبائعهم ونفوسهم ، مما له أثر كبير في اكتساب حبهم وإحراز ثقتهم ، حتى يخذوها قدوة لهم في أقوالها وأعمالها وأخلاقها وسائر تصرفاتها.

            2- ومنها واقع حال ملازمتها لأطفالها في أكثر أوقات نشأتهم ، وهم ما يزالون بعدُ فطرة نقية ، وعجينة لينة ، قابلة للتكيف بالتقليد ، أو بالعادة ، فما يُطبع في هذه العجينة في فترة قابليتها للتكيف من خير تجف عليه ، وما فيه من فاسدٍ تجف عليه ، ثم يعسُر عند جفافها وتصلبها التغيير والتبدييل ، ومن شبّ على شيءٍ شاب عليه .

            ولما كان للمرأة كل هذا الأثر في تربية الطفولة داخل أسرتها أو خارجها ، كان لا بد من العناية بتكوينها تكويناً راقياً ، والعمل على جعلها قدوة صالحة وأسوة حسنة ، وذلك لا يتم إلاّ بتعليمها ما تكون به المربية الفاضلة ، وتربيتها تربية إسلامية حسنة ، والاستفادة مما وهبها الله من عاطفة رقيقة ، لملء قلبها ونفسها بالإيمان والخير ، حتى تغذي بهما الجيل الذي تتولى تنشئته وتربيته.

            ولذلك كثيراً ما نلاحظ أولاداً فاضلين مهذبين ثم نبحث عن سر الأمر فنعلم أن لهم أمّاً مربية فاضلة ، تقية مهذبة ، وإن لم يكن أبوهم على مثل ذلك ، ونلاحظ أيضاً أولاداً فاسدين منحرفين ، ثم نبحث عن سر الأمر فنعلم أن لهم أمّاً فاسدة ، وقد يكون أبوهم صالحاً فاضلاً.

            فلا عجب بعد هذه الموجبات لإصلاح المرأة علماً وعملاً وخلقاً حتى تكون مربية فاضلة ، أن نجد الإسلام يحرص على تعليم المرأة ، وأن يخصص الرسول للنساء أياماً يجتمعن فيها ، ويعلمهن مما علمه الله ، إضافة إلى الأيام التي يحضرن فيها مع الرجال ، ليتزودن من العلم ما يخصهن ، ويتعلق بشؤونهن ، مما ينفردن به عن الرجال ، بمقتضى تكوينهن الجسدي والنفسي ، إذ بلغت عندهن الجرأة الأدبية الطيبة أن يطلبن ذلك من الرسول ، فاستجاب لهن صلوات الله عليه.

            يروي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال : جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت : يا رسول الله ، ذهب الرجال بحديثك ، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه ، تعلمنا مما علمك الله ، قال : اجتمعن يوم كذا وكذا ، فاجتمعن ، فأتاهن النبي فعلمهن مما علمه الله ، ثم قال : "ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار" قالت امرأة : واثنين ؟ فقال رسول الله : "واثنين".

            فهذه امرأة من الصحابيات تأتي الرسول صلوات الله عليه بجرأة أدبية مشكورة وتخاطبه برباطة جأش ، فتقول له : يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله.

            وذلك لأن الرجال كانوا يحتلون مكان المقدمة من مجالس الرسول ، فتوجه إليهم أكثر كلماته وعظاته وبياناته ، ولئن كان الإسلام في دعوته وأحكامه وتكاليفه ومواعظه يتناول الرجال والنساء على السواء ، فإن بعض مسائله وأحكامه خاص بالرجال ، وبعضها خاص بالنساء .

            أما الرجال فينالون حظهم من التعرف على ما يخصهم ، إذ ليس بينهم وبين الرسول حجاب ، ولديهم من الجرأة ما يسألون عن كل أمر من أمور دينهم ، فهم يسألون الرسول عن ذلك أينما حلوا وأينما راتحلوا ، لكن النساء لا يستطعن دائماً أن يسألن عما يخصهن من أمور الدين ، ويحللن به مشكلاتهن ، ولئن كن يحضرن مجالس الرسول مع الرجال من دون اختلاط فإنهن ربما يستحيين أمام الرجال أن يسألن عنها.

            لذلك كان تعليمهن ما يخصهن وحل مشكلاتهن ، لا بد فيه من تخصيص مجالس لهن تعالج فيها أمورهن ، وتوجه لهن فيها الأحكام والمواعظ بحسب خصائصهن النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية ، وبحسب مسؤوليتهن في الحياة ، داخل أسرتهن وخارجها ولكل هذه الأمور طالبت هذه المرأة بتخصيص أيام للنساء يتلقين فيها ما يخصهن من معارف ديينة ، ومن أجل ذلك استجاب لها الرسول صلوات الله عليه.

            وهذا هو الحل الذي يتم فيه تعليم النساء ، وإخراجهن من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة ، حتى يؤدين رسالتهن في الحياة على أحسن وجه وأفضله ، وحتى يحملن مسؤوليتهن كما يجب أن يحملنها ، مع المحافظة على عفافهن وأخلاقهن ، وعدم قذفهن إلى مجتمع مختلط تسرع إليه مفاسد الم جتمعات المختلطة ، وتشب فيه نيران الشهوات العارمة ، التي تنتشر معها المعاصي والآثام ومفاسد كثيرة أخرى.

            لأن العلم الصحيح هو الوسيلة الأولى التي لا بد منها لإصلاح كل مجتمع ، رجاله ونسائه ، كباره وصغاره.

            ولما كانت النساء المسلمات في الصدر الإسلامي الأول متلهفات لمعرفة أمور دينهن ، وتبين مشكلاتهن الخاصة ، فقد تبادرن إلى مجالس الرسول الخاصة بهن ، فاجتمعن ، وأتاهن النبي في المواعيد المحددة ، فعلمهن مما علمه الله ، وبيَّن لهن ما بيَّن ، وسألنه عن مسائل وأجابهن صلوات الله عليه.

            ولما كانت في صحابيات الأنصار جريئات في السؤال عما يتعلق بأحوال النساء وخصائصهن ، أثنى الرسول عليهن ، ودعا لهن بالرحمة ، فقال : "رحم الله نساء الأنصار لا يمنعهن حياؤهن أن يسألن عن أمور دينهن".

            وعلى هذا المستوى الرفيع كانت سياسة الإسلام التعليمية للنساء ، فهل بعد تبيان هذه الحقائق كلام يضلل به أعداء الإسلام الناس في موضوع تعليم المرأة ، إذ يحاولون أن يصوروا الإسلام بغير صورته الحقيقة ؟ وهل بعد هذه التسوية التامة بين الرجال والنساء في طريقي العلم والعمل يظل رغاء المشوهين لصورة الإسلام الرائعة يؤذي الأسماع بما تنفر منه الأطباع؟.

            ح- المرأة والمبايعة في الإسلام :

            لم يكن حظ النساء من مبايعة الرسول بأقل من حظ الرجال ، بل كان لهن منها مثل نصيبهم ، مع إعفائهن من الالتزام بما أعفاهن الله منه ، كالقتال في سبيل الله ، وكانت تسمى البيعة على السمع و الطاعة وسائر الأمور عدا القتال ، بيعة النساء.

            والمبايعة في الإسلام تشمل المبايعة على العمل بدستور الإسلام ، والمبايعة على السمع والطاعة للقيادة الإسلامية فيما لا معصية لله فيه ، وهذه المبايعة تتضمن بالدرجة الأولى التزام كل من الطرفين الجنود والقائد بأسس الشريعة الإسلامية وبأحكام فروعها ، وتتضمن بالدرجة الثانية التزام الجود بأن يطيعوا من اختاروه وأذعنوا له بالقيادة ، ضمن أحكام الإسلام ، في كل أمر أو نهي لا معصية لله فيه.

            وكلمة المبايعة مشتقة من البيع المعروف ، وهو إنشاء تبادل الثمن والمثمن بين المتبايعين.

            وتطبيق ذلك على المبايعة يعني أن المسلم يبيع نفسه وماله بإرادته الحرة لله تعالى ، ومعنى هذا البيع إخضاع المسلم إرادته وطاقته وهواه لأوامر الله ونواهيه ، سواء أكان جندياً أو قائداً ، وإنما يكون ذلك بالطاعة على مقدار الاستطاعة ، ثم إخضاع الجندي المسلم إرادته وطاقته وهواه لتكاليف قائده المسلم الملتزم معه في عقد المبايعة بالشطر الأول من ركنيها ، ويظل الجندي بعد ذلك متلزماً بالسمع والطاعة بشكل تطبيقي في كل أمر لا معصية لله فيه ، ولا يخلع ربقة بيعته إلا أن يرى من قائده كفراً بواحاً له من الله فيه برهان.

            وفي مقابل هذا البذل الذي يقدمه المسملمون في مبايعتهم – سواء كانوا جنوداً أو قادة – يقدم الله تعالى لهم ثمن ذلك الجنة ، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة ، والنصر المؤزر على عدوهم.

            ولذلك تكون يد الله فوق أيدي المتبايعين من المؤمنين ترعاهم وتباركهم ، لأن المبايعة بينهم إنما هي مبايعة مع الله ، ولذلك كان الله هو الملتزم بتقديم الثمن ، ويدل على ذلك قوله تعالى لرسوله في سورة (الفتح/48 مصحف/111 نزول):

            {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.

            فقد أعلن الله في هذه الآية أن مبايعة المؤمنين للرسول إنما ه مبايعة لله ، لأن أهم شطر فيها إنما هو التزام الجنود وقائدهم بأوامر الله ونواهيه ، التي يحتوي عليها الإسلام دين الله للناس ، ولذلك كانت يد الله فوق أيديهم ، تعقد هذه المبايعة ، وتباركها ، وتتكفل بدفع الثمن لمن أوفى بما عاهد عليه الله ، وكل مبايعة بعد الرسول لأي قائد عام من المسلمين لها حكم مبايعة ال مسلمين للرسول ، إذا توافرت فيها شروط البيعة الإسلامية.

            وإعلاناً عن صدق مبايعة المؤمنين للرسول قال الله تعالى في سورة (الفتح/48 مصحف/111 نزول) أيضاً:

            {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}.

            وأحد طرفي المبايعة يمكن أن يسمى شراء ، وإعلاناً عن نفاذ الشراء من قبل الله سبحانه ، لكل بيعة صحيحة صادقة ، قال الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

            {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.
            وهذه هيه صفات المؤمنين المبايعين ، الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، وقد اشترك النساء في المبايعة على التسليم بالسلطتين الدينية والزمنية في عهد رسول الله كما سبق بيان ذلك ، فبايع المؤمنات رسول الله على مثل المبايعة التي كانت من المؤمنين له ، باستثناء الالتزام بالقتال في سبيل الله ، وبذلك أسهمن بالاعتراف للرسول بالسلطة الزمنية ، والالتزام بحقوقها ، مع إذعانهن إلى السلطة الدينية ، التي هي لله وحده ، والرسول فيها مبلغ عن ربه ومبين ما أنزل إليه ، والسلطة الدينية سلطة عامة ، تحكم على كل من الجنود وقائدهم الزمني ، والجميع مسؤولون عن الالتزام بها مسؤولية مباشرة.

            ودليل مبايعة النساء من القرآن قول الله تعالى في سورة (الممتحنة/60 مصحف/91 نزول):

            {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

            وقد جئن إلى الرسول وبايعهن ولكن دون مصافحة.

            فالمساواة بين الرجال والنساء في المبايعة ، على الإذعان للسلطة الزمنية وفق أحكام الشريعة الإسلامية ، قضية تشهد لها نصوص الكتاب والسنة شهادة واضحة ، يسقط معها كل تضليل يشوه به أعداء الإسلام وجه النظام الإسلامي الجميل المشرق.

            وقريب من هذا ما يسمى في الأنظمة الحديثة بحق المرأة في الانتخاب ، وجدير بالتأمل أن هذا موجود في نظام الإسلام منذ كانت المرأة في العالم عند غير المسلمين أشبه ما تكون بالأشياء التي تقتنى.

            ط- المرأة والعاطفة بين الحضانة والشهادة:

            تؤكد الدراسات النفسية والملاحظات المستمرة لطبائع النساء ، أن المرأة – بصفة عامة – تغلب جوانب العاطفة لديها الجوانب العقلية في معظم أحوالها ، مهما كانت متمتعة بذكاءٍ علمي راقٍ وإرادة قوية ، فهي بهذا التكوين القائم على الرجحان العاطفي مؤهلة لأن تكون مربية ومسعدة للطفولة الأولى بشكل ممتاز ، ولأن تكون مؤنسة ومسلية ومسعدة للرجول على اختلاف مراحلها بشكل ممتاز كذلك .

            فالرجحان العاطفي لديها جزء من كمال أنوثتها ، وحينما تنعكس في المرأة هذه الخصائص ، فتكون الجوانب العقلية لديها راجحة على الجوانب العاطفية ، فإنها تفقد لا محالة جزءاً كبيراً من كمال أنوثتها المؤهلة لوظائف اجتماعية لا يحسنها على الوجه الأكمل غيرها.

            إلا أن الرجحان العاطفي الذي يمنحها كمال أنوثتها ، ويؤهلها أحسن تأهيل لوظائفها الاجتمايعة ألأساسية ، لا بد أن يكون على حساب خصائص نفسية أخرى إذ تكون إرادتها واقعة تحت تأثير عواطفها أكثر من أن تكون واقعة تحت تأثير جوانب العقل وإدراك الحقائق ، وكذلك الرجحان العقلي عند الرجل ، لا بد أن يكون على حساب خصائص نفسية من نوع آخر ، إذ تكون إرادته واقعة تحت تأثير جوانب العقل فيه أكثر من أن تكون واقعة تحت تأثير جوانب العاطفة ، وهذا ما يجعله يقسو أحياناً على من يحب حرصاً على منفعته ، سواء أكان ذلك في مجال التعليم والتربية ، أو في مجال العلاج الصحي ، أو في أي مجال آخر من مجالات الحياة.

            وتدعو مراعاة هذه الخصائص المتقابلة بين المرأة والرجل – والتي يملأ الارتفاع في كل منهما الانخفاض في الآخر ، أن يكون كل منهما أقدر على بعض وظائف الحياة وأصلح من الصنف الآخر.

            من أجل ذلك راعى الإسلام في نظامه الرفيع خصائص كل من الرجل والمرأة في عدة أمور ، حرصاً منه على توسيد وظائف الحياة لمن يكون أكثر كفاية للقيام بها ، ومن هذه الأمور ما يلي :
            أولاً: الحضانة منذ الولادة حتى سن التمييز وظيفة من وظائف الجماعة الإنسانية ، ولدى التبصر بهذه الوظيفة نلاحظ أنها بحاجة إلى حاضن تترجح لديه الجوانب العاطفية على الجوانب العقلية .

            ولما كانت المرأة بفطرته متمتعة بهذا النوع من الاختصاص كانت أحق بالحضانة من الرجل ، وتقوم هذه المشكلة حينما ينفصل الأب عن الأم ، ولذلك قرر الإسلام في نظامه منحها هذا الحق دون الرجل ، وقرر تكليف الرجل النفقة وأجر الحضانة.

            أما بعد سن التمييز الذي تنتهي به فترة الحضانة ، فإن البنين والبنات بحاجة حينئذ إلى مربٍ تترجح لديه الجوانب العقلية على الجوانب العاطفية.

            ولما كان الرجل بفطرته متمتعاً بهذا النوع من الاختصاص كان أحق من المرأة بأن يتولى هذه الوظيفة ، ولذلك قرر الإسلام في نظامه منح هذا الحق دون المرأة ، حرصاً على سلامة تربية البنين والبنات من الانحراف الذي قد تساعد عليه عواطف المرأة ، التي تجعلها تتساهل بواجبات التربية الحازمة الحكيمة.

            ثانياً : الشهادة على الحقوق المالية وظيفة من وظائف الجماعة الإنسانية التي تثبت بها الحقوق ، ولدى التبصر بهذه الوظيفة الاجتماعية ، نلاحظ أنها بحاجة إلى إنسان تترجح لديه الجوانب العقلية على الجوانب العاطفةي ، لئلا تساهم العاطفة الغالبة في الميل إلى أحد الخصمين على حساب حق الخصم الآخر.

            ولما كان الرجل بفطرته العامة متمتعاً بهذا النوع من الاختصاص كانت شهادته أثبت من شهادة المرأة ، التي تترجح لديها الجوانب العاطفية على الجوانب العقلية.

            وفي جعل شهادة الرجل أثبت وأرجح من شهادة المرأة ضمان للحقوق ، ولكن لما كان من المستبعد إجمالاً اتفاق امرأتين في الميل نحو عاطفة واحدة في هذا المضمار ، كان لشهادتهما معاً قوة تساوي قوة شهادة رجل ، ولذلك رفع الإسلام نصاب الشهادة الواحدة إلى امرأتين بدل امرأة واحدة ، لتتكامل شهادتهما ، فتكون في قوة شهادة واحدة ، وقرر الإسلام مع ذلك في مضمار الحقوق أن يُستهشد عليها ذوا عدل من رجال المسلمين ، وبذلك كان النصاب شهادتين لا شهادة واحدة ، فإذا أضيف إلى هذا الأمر أن شهادة امرأتين بقوة واحدة ، نظراً إلى الملاحظة السابقة ، التي تهدف إلى ضمان الحقوق ، تبين لنا وجه الدقة التامة في تأدية هذه الوظيفة الاجتماعية الموضحة في قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

            {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى...}.

            أي : خشية أن تضل إحداهما فتميل بعاطفتها عن وجه الحق ، وعند ذلك تذكرها الأخرى به ، وتتكامل بهما شهادة معتبرة.

            وليس في هذا تنزيل من قيمة المرأة ، ما دام تكوينها الفطري معداً للقيام بوظائف اجتماعية ، لا تكون مثالية فيها ما لم تكن الجوانب العاطفية لديها غالبة على الجوانب العقلية.

            أما في الأور الأخرى التي يضعف فيها تدخل العواطف الإنسانية ، فإن شهادة المرأة فيها مثل شهادة الرجل ، وذلك حينما يكون الاعتماد على مجرد الذكاء والحفظ ، ومن أجل ذلك قبلت التعاليم الإسلامية رواية املرأة لنصوص الشريعة وأخبارها في التاريخ والعلوم ، وساوتها في ذلك بالرجل ، وقبلت أيضاً شهادة المرأة الواحدة في إثبات الولادة والرضاع ، وجعلتها مثل شهادة الرجل ، إلى غير ذلك من أمور يضعف فيها تدخل العواطف الإنسانية.

            وأعداء الإسلام الذين يحاولون إثارة المرأة في هذا الجانب يظلمون جانب الحقوق ظلماً كبيراً ، وهم يعصبون أعينهم عن الحقيقة النفسية التي عليها المرأة ، وعن الحقيقة القانونية التي يجب مراعاتها لتثبيت الحقوق لأهلها.

            ي- القوامة في الأسرة:

            يتخذ أعداء الإسلام من كون الرجال هم القوامين على النساء بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية مجالاً للثرثرة ضده ، ولتحريض المرأة المسلمة حتى تتمرد على تعاليمه ، و تنفر منه ، مع أن قوامة الرجال على النساء مسألة تفرضها ضرورة الحياة الفضلى من الناحيتين الفطرية والفكرية.

            أما الناحية الفطرية : فإن الخصائص النفسية ، المزود بها كل من الرجل والمرأة بصفة عامة ، تؤهل الرجل بشكل أمثل لتحمل مسؤوليات إدارة شؤون الأسرة ، والقيام على رعايتها ، والتصدي لزعامتها ، والتفكير الدائم بشؤونها ، وتوجيه الأمر والنهي لأعضائها ، وإحكام حبات عقدها ، والربط فيما بينها بنظام متين من التعاطف والمودة والعدل ، وفي مقابل الخصائص التي تؤهل الرجل بصفة عامة لهذه الأمور تأهيلاً أمثل ، نلاحظ أن خصائص المرأة بشكل عام تحبب إليها أن تجد لدى الرجل ملجأ وسنداً ، وقوة إرادة ، واستقرار عاطفة ، وحكمة في تصريف الأمور ، وسلطاناً ترى في الانضواء إليه أنسها وطمأنينتها وأمنها وصلاح بالها وراحتها من أعباء المسؤوليات الجسام.

            ولذلك نلاحظ أثر هذا التكوين الفطري ظاهراً في كل مجموعة إنسانية ، ولو لم تلزمها به أنظمة أو تعاليم ، وربما شذ عنه نفر قليل اختلت فيهم مقادير خصائص الذكورة والأنوثة ، فتجاوزت حدودها السوية ، وهذه الحالات الشاذة لا تسحق تعديلاً في أصل القاعدة الفطرية التي تشمل معظم الرجال والنساء في المجتمع الإنساني.

            ولا يلزم من كون الرجال مزودين بخصائص تؤهلهم لأن يكونوا هم القوامين على النساء ، أن تكون قوامتهم استبدادية استقلالية ظالمة آثمة ، فالقوامة في الأسرة ولاية صغرى يجب على متوليها ما يجب على ذوي الولايات الكبرى من مشورة وعدل ، وتقيد بحدود الله ، والمستشارون في هذه الولاية الصغرى هم أعضاء الأسرة ، وأمين سرها المخلص الغيور زوجة الرجل ، وهنا تستطيع المرأة العاقلة الحكيمة أن تكون صاحبة السلطان الخفي على قلب صاحب السلطان الظاهر ، دون أن تتحمل مسؤوليات القوامة ومشكلاتها ، وأعباءها وأخطاءها.

            وهذا ما اختارته المرأة لنفسها واطمأنت إليه في مختلف العصور الغابرة ، وحتى زمان الناس هذا في القرن العشرين الذي بلغت فيه المرأة من التحرر والانطلاق في الغرب والشرق مبلغاً لا تحلم بأكثر منه.

            إن هذه الظاهرة الاجتماعية لا بد أن تكون أثراً من آثار التكوين الفطري للنفوس الإنسانية ذكورها وإناثها.

            وأما الناحية الفكرية : فإن الحكمة في المجتمعات الإنسانية تقضي بأن يكون لكل مجتمع صغر أو كبر قيّم يقوده ويدير شؤونه ، حماية له من الفوضى والتصادم والصراع الدائم ، والأسرة أحد هذه المجتمعات التي تحتاج إلى قيِّم منها ، تتوافر فيه مؤهلات القوامة بشكل أمثل .

            ولدى أهل الفكر في مسألة القوامة داخل الأسرة مجموعة من الاحتمالات:

            الاحتمال الأول : أن يكون الرجل هو القيّم في الأسرة باستمرار.

            الاحتمال الثاني : أن تكون المرأة هي القيّم في الأسرة باستمرار.

            الاحتمال الثالث : أن يكون كلّ من الرجل والمرأة قيّماً على سبيل الشركة المتساوية.

            الاحتمال الرابع : أن يتناوبا القوامة وفق قسمة زمنية .

            الاحتمال الخامس : أن يتقاسما القوامة ، بأن يكون لكلٍ منهما اختصاصات يكون هو القيم فيها.

            أما الشركة في القوامة سواء أكانت في كل شيء وفي كل وقت ، أو كانت على سبيل التناوب الزمني ، أو كانت على سبيل التقاسم في الاختصاصات ، فإنها ستؤدي حتماً إلى الفوضى والتنازع ورغبة كل فريق بأن يعلو على صاحبه ويستبد به ، ما لم يكن شيء من ذلك برأي صاحب القوامة الفرد ، وطوعه واختياره ، وبدافع من التفاهم والتواد والتراحم بين الزوجين.

            وقد أيدت تجارب المجتمعات الإنسانية فساد الشركة في الرياسة ، ولذلك نلاحظ تركز المسؤولية الكبرى في رئيس واحد ، لدى أي نظام اجتماعي من الأنظمة التي عرفها الناس ، ولو كانت تتسم بسيما القيادة الجماعية ، وعمل الجماعة القائدة لا يعدو أن يكون عملاً أقرب إلى المشورة منه إلى ممارسة السلطة ، سواء أكانت المشورة ذات طابع إلزامي أو غير إلزامي ، لأن من تتركز بيده السلطة الفعلية يستطيع أن يجعل رأي الأكثرية موافقاً لما يريد.

            وأما إسناد القوامة إلى المرأة دون الرجل فهو أمر ينافي ما تقتضيه طبيعة التكوين الفطري لكل منهما ، وهو يؤدي حتماً إلى اختلال ونقص في نظام الحياة الاجتماعية ، لما فيه من عكس لطبائع الأشياء ، فلم يبق إلا الاحتمال الأول ، وهو أن يكون الرجل هو القيم في الأسرة.

            فأهم خصائص القوامة المثلى رجحان العقل على العاطفة ، وهذا الرجحان متوافر في الرجال بصفة عامة أكثر من توافره في النساء ، لأن النساء بمقتضى ما هن مؤهلات له من إيناس للزوج وحنانٍ عليه ، وأمومة رؤوم ، وصبر على تربية الطفولة ، تترجح لديهن العاطفة على العقل ، ولن تكون قوامة مثلى لأن مجتمع إنساني صغيراً كان أو كبيراً إذا كانت العاطفة فيها هي الراجحة على العقل.

            ولما كانت القوامة في كل أسرة وظيفة ضرورية من الوظائف الاجتماعية ، كان من الحكمة العقلية والواقعية توجيهها لمن يتمتع برجحان العقل على العاطفة ، وهو الرجل غالباً ، ولئن كان بعض الرجال تتحكم بهم عواطفهم أكثر من عقولهم ، وبعض الناس تتحكم بهن عقولهن أكثر من عواطفهن ، فذلك أمر نادر لا يصح أن تتغير من أجله قاعدة عامّة .

            ومن مرجحات إسناد القوامة في الأسرة إلى الرجل ، أنه هو المسؤول في نظام الإسلام عن النفقة عليها ، ومسؤوليته عن النفقة على أسرته تجعله أكثر تحفظاً واحتراساً من الاستجابة السريعة للشهوات العابرة ، والانفعالات الحادة الرعناء ، بخلاف المرأة في ذلك ، لأنها بحكم عدم مسؤوليتها عن النفقة ، وعن السعي لاكتساب الرزق يقل لديها التحفظ والاحتراس ، وتكون في أغلب أحوالها ذات استجابة سريعة لشهواتها وانفعالاتها ، التي قد تتطلب منها نفقات مالية باهظة ، أو تدفعها إلى الشحّ المفرط ، ومن أجل ذلك أيضاً كان الرجل أصلح من المرأة لوظيفة القوامة في الأسرة.

            وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين السببين المرجحين حينما أعلن أن الرجال قوّامون على النساء ، فقال الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
            {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ...}

            وقال تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

            {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

            فالرجال أولاً يمتازون برجحان العقل على العاطفة ، وهم ثانياً مسؤولون عن النفقة على أسرتهم ، وهذان السببان يجعلان الرجال أصلح للقيام بوظيفة القوامة من النساء ، بينما نجد النساء أصلح من الرجال للقيام بوظائف اجتماعية أخرى ، جعلهن الإسلام المسؤولات عنها ، والمكلفات بها.

            وأولى من القوامة في الأسرة القوامة العامة ، سواء أكانت إمارة أو رئاسة أو خلافة أو نحو ذلك ، فالرجال بصفة عامة هم الأصلح لتحمل مسؤوليات القوامة العامة ، والأقدر على إدارتها وتدبير شؤونها ، وهذا هو ما اختاره الإسلام في نظامه للمسلمين .

            ويحاول أعداء الإسلام خداع الأجيال المسلمة لا سيما الفتيات المسلمات ، إذ يقذفون شبهاتهم الظالمة الآثمة ، فيغمزون الإسلام بأنه لم يسوّ بين الرجال والنساء في مسألة القوامة ، مع أن ما يريدون اتخاذه مغمزاً هو في حقيقة أمره من مفاخر الإسلام الفكرية الواقعية ، ومن أمجاده التشريعية ، التي ساهمت في منح الشعوب المسلمة في عصورها الذهبية سعادتها واستقرارها ورغد عيشها.

            وما مثل الذين يحاولون أن يسوّوا بين المرأة والرجل في كل وظيفة من وظائف الحياة ، إلا كمثل من يحاول أن يسوّي بين أعضاء الجسد الواحد في وظائفها الجسدية والنفسية ، فيكره الأيدي مثلاً على أن تساعد الأرجل في المشي ، دون أن تقوم ضرروة لذلك ، ويريد للأرجل أن تشارك الأيدي في صنعات الكتابة والخياطة وأعمال البنان المختلفة ، ويريد للفكر أن يحب ويشتهي ، ويريد لشهوات النفوس أن تعقل وتفكر ، ويتحسَّر على العيون لأنها لا تسمع ، وعلى الآذان لأنها لا تبصر ، وتهفو نفسه إلا التلاعب بطبائع كل عضو من الأعضاء ، بغية أن يكون له خصائص الأعضاء الأخرى ، إلى آخر هذا العبث الذي يعتبره العقلاء ضرباً من الجنون.
            أفلا يجب على رجالنا ونسائنا ، وفتياننا وفتياتنا ، أن يعودوا إلى النظر السديد ، والرأي الرشيد ، ويبتعدوا عن كلّ عبث وهراء ، وثرثرة وافتراء ، بعد أن يكتشفوا أغراض المضللّين ، ويعلموا أن أعداء الإسلام قد مهروا في تزوير الحقائق لصد المسلمين عن دينهم ، وسلبهم كنوز مجدهم وقوّتهم؟؟..

            ك- مستلزمات القوامة:

            تستلزم قوامة الرجال على النساء أن تكون في سلطة القيم ما يتخذه لردِّ زوجته إلى الطاعة إذا نشزت أو خاف نشوزها ، وقد أرشد الله في ذلك إلى اتخاذ وسائل التربية والتأديب المختلفة ، ابتداء من الأخف ، وترقياً في الدرجات إلى الشديد فالأشد ، حتى درجة الضرب غير المبرح ، وذلك قبل حدوث الشقاق بينهما الذي قد يؤدي إلى الفراق ، قال الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

            {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}.

            ويتصيد أعداء الإسلام من قوله تعالى في هذا النص : "واضربوهن" شبهة ينتقدون بها تعاليمه ، ليضللوا بها الأجيال الناشئة من فتيان المسلمين وفتياتهم ، مع أن التحليل المنطقي والتجارب الواقعية يثبتان عظمة تعاليم القوامة الزوجية ، التي تضمنها هذا النص ، ويثبتان كمالها ومثاليتها.

            إنه لما اقتضت الحكمة في توزيع مسؤوليات الأسرة أن يكون الرجل هو القيم على زوجته وولي أمرها ، اقتضت أيضاً أن يكون لكل منهما حقوق على الآخر وواجبات نحوه.

            ومن حقوق الزوج على زوجته أن لا تكون ناشزاً خارجة عن طاعته ، ما لم يأمرها بما فيه معصية لله ، أو هضم لحقوقها التي شرعها الله لها.

            وأية مؤسسة اجتماعية لا بد أ، يكون في يد صاحب الأمر فيها وسائل يضبط بها نظام هذه المؤسسة ، حتى لا تتعرض للفوضى ، فالفساد فالتفكك والانحلال.

            وأبرز عناصر وحدة مؤسسة اجتماعية إنما هو عنصر طاعة أعضائها لصاحب الأمر فيها ، والخروج عن هذه الداعة نشوز يجعل المؤسسة منحلة أو بحكم المنحلة.

            ولما كان في طبائع الناس نزوع إلى التحرر من قيود الطاعة ، كانت المؤسسات الاجتماعية الإنسانية عرضة للانحلال والتفكك باستمرار ،ما لم تهيمن على أفرادها الضوابط الاجتماعية المعنوية والمادية ، ومن الضوابط الاجتماعية التي تصون وحدة الجماعة وسائل التربية والتأديب ، عند حدوث بوادر النشوز والخروج على الطاعة ، ويدخل في التأ>يب أنواع العقاب التي تسمح بها الأعراف الإنسانية الكريمة.

            وقد أرشدت الحكمة النظرية والتطبيقية الناس إلى استخدام طائفة من وسائل التربية والتأديب ، للمحافظة على استمرار عنصر الطاعة مهيمناً على أفراد الجماعة وتتفاوت هذه الوسائل فيما بينها رغبة ورهبة ، ورفقاً وشدة ، ولطفاً وعنفاً .

            ويختار بعض أولي الأمر أسلوب العنف والقسوة فيفشلون ، مهما اضطهدوا رعيتهم ، ويختار بعضهم أسلوب الرفق واللين باستمرار ، فيتطاول عليهم الباغون المنحرفون ، فينتزعون منهم سلطانهم ، أو يلجئونهم إلى التغاضي عن الفوضى ،التي يستغلونها استغلالاً ظالماً آثماً.

            أما الحكماء العقلاء فيستخدمون الوسائل كلها ، إلا أنهم يضعون كلاً منها في موضعه ، وبذلك يسلم لهم الأمر ، و تسعد بهم الجماعة.

            وهذا ما أرشد إليه الإسلام أولياء الأمور بشكل عام ، كما أرشد إليه ذوي الولايات الخاصة الصغيرة ، ومنهم القوامون على الأسر.

            وبعداً عن الإنصاف ، أو بعداً عن الروية ، ينتقد أعداء الإسلام والمنخدعون بهم المتأثرون بتضليلاتهم ، التعليم الإسلامي الذي يأذن للزوج بموجب سلطته في القوامة ، أن يضرب زوجته إذا خاف نشوزها ضرباً غير مبرح ، في آخر مراحل التأديب ذات الدرجات المتعددة ، بغية إصلاحها وإعادتها إلى حظيرة الطاعة المشروعة وهذا الضرب وسيلة احتياطية لا تستعمل إلا في أشد الحالات استعصاء على الحل ، وتفادياً لوقوع الطلاق ، الذي هو أشد منه وأقسى على قلب الزوجة.

            لقد أرشد الإسلام إلى استخدام وسائل التربية والتأديب الحكيمة ، وجعلها على مراحل في مراتب بعضها أشد من بعضها.

            المرتبة الأولى : الموعظة ، وللموعظة درجات كثيرة ، تبدأ بمعاريض القول ، وبالإشارات الخفيفة ، والتلويح دون التصريح ، ثم ترتقي إلى لفت النظر والتنبيه والتصريح مع الرفق في الموعظة ، ثم بعد ذلك ترتقي إلى التصريح المصحوب بشيء يسير من العنف ، ثم ترتقي إلى الزجر والتعنيف ، وأخيراً قد تصل إلى درجة التوبيخ والإنذار ، فإذا لم تُجْدِ كل درجات الموعظة كان لا بد من الانتقال إلى المرتبة الثانية من مراتب التربية والتأديب.

            المرتبة الثانية : الهجر في المضجع ، وهذا الهجر يتضمن إشعاراً بمقدار من السخط أدى المعاقبة بالحرمان من متعة اللقاء على مودة وصفاء.

            وهجر الزوج لزوجته في المضجع أبلغ أنواع الهجر ، وعقاب قاس ليس بالهين على زوجة عاقلة حريصة على زوجها ، حريصة على أن تكون مالكة قلبه ، وتخشى أن يتجه لغيرها.

            وللهجر في المضجع درجات بعضها أقسى من بعض ، ويعرف هذه الدرجات العقلاء الحكماء من الرجال ، الخبيرون بأدواء النساء ، وبطرق معالجتهن ، وليس من الحكمة في التأديب معاقبة الزوجة بأشد هذه الدرجات قبل امتحان أخفها وسيلة للإصلاح ، فإذا لم تُجْدِ في تأديبها الدرجات الخفيفة انتقل إلى الدرجات العنيفة.

            وقد هجر الرسول صلوات الله عليه زوجاته قرابة شهر فكان هذا عليهن أقسى تأديب تلقينه.

            وقد أشار الإسلام إلى أن المدة القصوى للهجر ينبغي أن لا تزيد على أربعة أشهر ، وذلك إذ جعل للذين يولون من نسائهم (أي : يحلفون أن لا يعاشروهن المعاشرة الزوجية) أن يتربصوا أربعة أشهر ، فإما أن يعودوا إلى معاشرتهن ، وإما أن يكون لزوجاته الحق بأن يطالبن بالفراق.

            فإذا لم تُجدِ وسيلة الهجر في رد الزوجة إلى الطاعة والاستقامة ، لم يكن للزوج مندوحة قبل العزم على حل عقدة الزواج بالطلاق من اللجوء إلى المرتبة الثالثة من مراتب التأديب.

            المرتبة الثالثة : مرتبة الضرب غير المبرح الذي لا يصل إلى أدنى الحدود الشرعية.

            وما نظن امرأة في الدنيا توجه لها أشد درجات الموعظة فلا تستقيم ، ثم تهجر أبلغ أنواع الهجر وأقساها فلا تستقيم أيضاً ، إلا أن تكون مبلدة الحس ، سيئة العشرة ، كريهة الطبع ، لا تشعر بكرامة نفسها ، فهي تستحق الت أديب بالضرب ، أو أن تكون مكارهة تبغي الفراق ، ولكنها لا تحاول أن تصرح به لغرض في نفسها.

            فإذا كانت كارهة راغبة بالفراق فإن لديها من الوسائل ما يبلغها مرادها ، دون أن تكاره الزوج بالنشوز والعصيان والخروج عن طاعته ، وبإمكانها أن تعرب عما في نفسها منذ أن استخدم في إصلاحها المرتبة الأولى فالثانية ، فهو يظنها زوجة راضية به حريصة عليه .

            أما إذا لم تعلن رغبتها بمفارقته فالظاهر من أمرها أنها امرأة إما أن تكون ممن يصحلهن الضرب ، أو أن يكون نصيبها الفراق ، إلا أن إهانتها بالفراق ووسهما بأنها امرأة لا تصلح للمعاشرة الزوجية أقسى عليها وأشد من إهانتها بالضرب غير المبرح.

            على أن في يديها حق المطالبة بالفراق ، قبل أن يمارس الزوج هذه الوسيلة في إصلاحها وردها إلى الطاعة والاستقامة ، وبذلك تحفظ كرامتها إذا كانت من الصنف الذي لا يتحمل الإهانة بالضرب ، وهي مصرة على أن تظل معاندة غير مستجيبة لوسائل التربية.

            يضاف إلى ما سق أن التجارب النفسية قد دلت أن بعض الناس مصابون بانحراف نفسي غريب المزاج ، يلذ لهم معه أن يتلقوا معاملة قاسية مؤلمة ، جسدية أو نفسية ، فلا يطيب مزاجهم ولا يعتدلون إلا بالضرب أو ما يشبهه من مؤلمات ، وأكثر ما يكون هذا اللون من الانحراف في صنف النساء ، ويطلق عليه علماء النفس اسم "الماسوشزم".

            وكثيراً ما سمعنا عن نساء من هذا القبيل ، لا تطيب لهن الحياة الزوجية ، ولا يستقمن مع أزواجهن ، ولا يعتدل مزاجهن ، حتى يتلقين منهم عنفاً يجري دموعهن الغزيرة ، يتبعه رفق يمسح هذه الدموع .

            ومهما يكن من أمر فإن استخدام هذه الوسيلة مع اللوات يفضلنا على الفراق ، يشبه استخدام وسيلة جراحة العضو العليل لدى مداواته ، قبل الحكم عليه بالبتر النهائي ، ما بقي لدى الحكيم أمل بالإصلاح ، أما إذا جزم بخبرته أنه لا سبيل إلى الإصلاح فإنه له أن ينتقل مباشرة إلى البتر النهائي ، وكذلك يكون الأمر في بعض الحالات الزوجية.

            على أن وجود التشريع الذي يأذن للزوج بتأديب زوجته بالضرب في آخر المراحل التي ليس وراءها إلا الطلاق ، لا يعني أ، هذا السلاح الاحتياطي سيستخدمه كل زوج ، فمعظم الأسر المؤدبة بآداب الإسلام لا تعرف في حياتها الهجر في المضاجع فضلاً عن الضرب ، وذلك لأن التربية الإسلامية العامة للرجال والنساء ، متى استوفت شروطها فلا بد أن تجعل الأسر الإسلامية في وضع من الوئام والتفاهم والود ؛ لا يسمح بأكثر من استخدام الدرجات الخفيفة من درجات الموعظة التي يشترك فيها كل من الزوجين ، إذ تقضي تعاليم الإسلام بإلزام كل من الزوجين بأن يأمر قرينه بالمعروف وينهاه عن المنكر ، ويقدم إليه الموعظة الحسنة .

            وقد علمتنا السيرة النبوية أن الرسول صلوات الله عليه لم يضرب في حياته زوجة ولا خادماً .

            وأحاط الإسلام الإذن باستخدام هذه الوسيلة في تأديب بعض المسيئات من الزوجات بسياج من الوصايا الكثيرة ، التي تأمر الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء .

            وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، أن رسول الله قال : "من كان يؤمن بالله وا ليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، واستوصوا بالنساء خيراً ، فإنهنّ خلقن من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيراً".

            وفي رواية أخرى : "إن المرأة خلقت من ضلع ، ولن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعت بها استمعت بها وبها عوج ، وإن ذهبت تقيما كسرتها ، وكسرها طلاقها".

            ففي هذا تنبيه إلى اختلاف خصائصهن النفسية عن الخصائص النفسية التي يتمتع بها الرجال ، ولذلك يجب مراعاتهن بما يناسب خصائصهنّ.

            وروى مسلم عن أبي هريرة ، أن النبي قال : "لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر".

            ومعنى "لا يَفْرَك" : لا يبغض .

            وقد ألح الرسول في خطبته في حجة الوداع موصياً بالنساء خيراً فقال : "فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله".

            ومن غريب المفارقات ، أن الذين ينتقدون بشدة تعاليم الإسلام ، إذ أذنت للزوج بأن يضرب زوجته ضرب تأديب وإصلاح ، ضمن منهج تربوي رائع ، لا يتورعون عن إنزال أشد أنواع العذاب والاضطهاد على الرجال والنساء والفتيان والفتيات ، من أجل خلاف في الرأي السياسي أو المذهب الاجتماعي ، لأنهم يعتبرون ذلك خروجاً على طاعتهم ، إذ فرضوا أنفسهم عليهم أولياء أمور بدون حق.

            ل- المرأة والطلاق:

            يحاول بعض أعداء الإسلام تلفيق انتقادٍ لنظامه في موضوع الطلاق ، إذ جاء فيه الإذن بحلّ عقدة النكاح بين الزوجين به ، وفي هذا إذن بهدم مؤسسة الأسرة ، وكان ذلك بيد الزوج فلا تملك المرأة حق مباشرته ، وفي هذا تفضيل للرجل على المرأة ، مع أنها العضو الثاني في بناء هذه المؤسسة الاجتماعية.

            وفي دفع الشبهات المطروحة في هذا الموضوع ، نلجأ إلى تحليل موجبات هذا النظام ، وتفصيل الاحتمالات المختلفة ، لكشف أن ما اختاره نظام الإسلام هو الحلّ الأفضل من سائر الحلول الممكنة ، لسلامة المجتمع الإنساني.

            موجبات الإذن بالطلاق :

            مما لا ريب فيه ، أنّ نظرة الإسلام إلى عقد الزواج بوصفه شركة اجتماعية تهدف إلى بناء أسرة من أسر المجتمع الإنساني المتكاثر ، نظرة تحرص على أن يكون هذا العقد مؤبداً ، ليضطلع كل من الزوجين بمسؤوليته الكاملة ، تجاه أوصال هذه الحلقة من حلقات السلسلة الإنسانية الكبرى ، التي يتكون منها المجتمع الكبير .

            من أجل ذلك لم يرتض التوقيت لهذا العقد بمدة زمنية محدودة ، مهما كانت هذه المدة ، باستثناء ظروف الضرورة القصوى التي كان قد رخص فيها بالمتعة ، ثم ألغى هذه الرخصة كما يرى ذلك جمهور فقهاء المسلمين.

            إلا أن ضمان استمرار هذه الشركة على الوجه الذي يرافقه الخير والسعادة للزوجين ، ولسائر أعضاء الأسرة ، أمر لا يملكه بحال من الأحوال نظام يقضي بمنع حل هذه الشركة ، إن استمرار هذه الشركة على هذا الوجه ، حتى تؤدي وظائفها الاجتماعية أداء حسناً أمر لا يتم إلا ضمن شروط نفسية وخلقية ومادية ، وأهم هذه الشروط ما يلي :

            الشرط الأول : المودة والرحمة بين الزوجين ، ومتى فقد هذا الشرط لم يكن لهذه الشركة أي معنى من المعاني ، ولا يمكن أن يتم عن طريقها تلبية مطالب الشريكين التي دفعت كلاً منهما إلى الزواج ، كما لا يمكن أيضاً تأدية الوظيفة الاجتماعية لأعضاء أسرتهما على الوجه الصحيح المطلوب ، علماً بأن تأدية هذه الوظيفة هي الهدف الأكبر من وراء التجاذب الفطري بين الرجل والمرأة ، ومن وراء ما ينعقد بينهما من مودة ورحمة .

            وتحقيق هذا الشرط لا يملكه أي نظام من الأنظمة ، وقد تساعد على إيجاهد ألوان التربية الخلقية التي عني بها الإسلام ، ولكنها لا تملك تحقيقه دائماً ، فالقضية فيه قضية عاطفة قلبية ، وميل نفسي ، يقومان على أساس تلاؤم فطري ، ومن أصعب الصعب معالجتهما بوسائل مادية.

            وكثيراً ما يبدأ الزوج بالمودة والرحمة ثم يتحول الأمر بين الزوجين إلى نقيض ذلك ، فتغدو هذه الشركة منحلة في الواقع النفسي ، وإن بقيت مرتبطة في الظاهر ، وأنت خبير أن من الخير لشركة منحلة في الواقع النفسي ، أن تمنح لها فرصة الانفكاك الشكلي ضمن حدود النظام العام ، لا أن يرفض عليها استمرار في الصورة ، وهي منحلة في الحقيقة ، لأن هذا الوضع المتناقض لا بد أن ينجم عنه سيئات وموبات نفسية وخلقية وجسدية واجتماعية ، ومن شأن هذه السيئات والموبقات أن تتزايد وتتكاثر مع الزمن .

            الشرط الثاني : التلاؤم الخلقي أو الطبعي ، فقد يصادف أن تكون أخلاق الزوجين أو طباعهما متنافرة تنافراً بيّناً ، حتى لا يملك كل منهما تكييف نفسه بشكل يتلاءم به مع صاحبه ، فلا يحسن أحدهما أو كلاهما معاشرة قرينه بالمعروف ، وقد تطول تجربتهما رغبة بإيجاد التلاؤم المطلوب ، ولكن يستمر حالهما على التنافر الخلقي أ, الطبيعي ، وربما يشعر أحدهما أو كلاهما نحو صاحبه بالمودة الزوجية ، إلا أنه لا يستطيع تحمل التنافر بينهما في الخلق أو الطبع ، ومن شأن هذا التنافر إذا استمر أن ينتهي إلى مثل الحالة التي فقد فيها الشرط الأول ، و عندئذ تتشابه المشكلة ، وتتشابه معها طريقة الحل ، ويكون حينئذ حل هذه الشركة خيراً من استمرارها على وضع يؤدي إلى فساد خطير ، وسيئات اجتماعية لا تحتمل ، وآلام للزوجين وأولادهما .

            الشرط الثالث : تلبية مطالب كل من الزوجين المادية ، التي تعتبر من العناصر الأساسية لهذه الشركة .

            وقد يحدث أن لا يجد أحد الزوجين أو كلاهما عند الآخر مطالبة مادية ، التي لا يكون الزواج سوياً بدونها ، وفي هذه الحالة يكون الزواج مجرد صداقة ، لا شركة لبناء أسرة من أسر المجتمع الكبير .

            وليس من المفروض أن يلزم أحد الزوجين بأن يتنازل عن مطالبه المادية إذا تنازل الشريك الآخر عن مطالبه المادية المناظرة لها ؛ فقد يكون عند أحد الشريكين قدرة يستطيع بها أن يصبر على الحرمان ، في حين أن الشريك الآخر ليس لديه مثل هذه القدرة.

            وليس من العدل ولا من الحكمة في التزامات الحياة القائمة على التراضي بين فريقين ، أن تُفْضِي إلى إكراه لأحد الفريقي أو لكليهما ، رغم اختلال شرط من الشروط الأساسية التي قام عليها ذلك التراضي.

            ولدى التأمل نرى أن اختلال شرط تلبية المطالب المادية الزوجية مما يجعل الزواج منحلاً في الواقع غالباً ، وإن كان قائماً في الصورة ، وعندئذ يكون حل هذه الشركة خيراً من استمرارها ، ما لم يكن استمرارها مقروناً برضى كل من الشريكين رضاً قلبياً وظاهراً ، لمصلحة يريانها ويقدرانها.

            من كل ما سبق يتيبن لنا أنه قد تدعو الضرورة الملحة الفردية والاجتماعية إلى حل عقدة النكاح بين الزوجين ، وهذه الضرورة تستدعي كل نظام أن يراعيها في أحكامه.

            من أجل ذلك وجدنا الإسلام المنزل من لدن عليم حكيم خبير قد راعى هذه الضرورة ، فشرع الطلاق مع كراهيته له ، إذ جاء في الحديث : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".

            والإذن بالطلاق شبيه بالإذن ببتر عضو من أعضاء الجسد ، حينما يُخشى من بقائه ضرر أشد من فقده ، وهذه الضرورة هي التي دعت معظم القوانين الوضعية الحديثة في أوربا وأمريكا أن تخرج على تعاليم الكنيسة ، وتبيح الطلاق إباحة تامة ، إلا أنها تجاوزت في إباحته الحدود المنطقية ، فلا تلاحظ المعوقات التي وضعها الإسلام رغبة بإصلاح ذات البين قبل بت الطلاق والجزم به بشكل نهائي .

            المعوقات :

            ولما دعت الضرورة الاجتماعية والفردية أن تتضمن الشريعة الإسلامية في نظام الأسرة جواز حل عقدة النكاح بين الزوجين ، لدفع آلام قائمة ، وفسخ المجال لإجراء تجربة أخرى ربما تصادف لكل منهما نجاحاً لم يظفرا به في التجربة الأولى الفاشلة ، أحاط الله ذلك بما يعوق طريق ممارسته الفعلية ، وبما يهيئ الفرص المشجعة على الرجوع عنه ، حتى تهبط نسبة الطلاق الذي يمارسه الناس إلى أقل نسبة ممكنة يتم فيها الانفصال النهائي بين الزوجين ، وليظل البناء لكل أسرة بناء متماسكاً ، ما لم يصبح أحد هذه الأبنية عنصراً غير صالح للبقاء ، وما لم تقضِ الضرورة بفسح المجال لتجديد على وجه آخر.

            فمن المعوقات النصوص التي تتضمن كراهية الإسلام للطلاق . منها ما رواه أبو داود عن ابن عمر أن النبي قال : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".

            ومنها ما رواه أحمد ، والترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والدارمي ، بإسناد جيد ، عن ثوبان ، قال : قال رسول الله : "أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير ما بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة".

            ومن المعوقات إلزام الزوج بأن لا يطلق إلا في وقت تستطيع المرأة فيه أن تباشر أيام عدتها ، وذلك إنما يكون في حالة طهرها من الحيض وقبل أن يمسها في هذا الطهر ، أو إذا كانت حاملاً .

            روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأة له وهي حائض ، فذكر عمر لرسول الله فتغيظ فيه رسول الله ثم قال : "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" وفي رواية : "مُرهُ فليراجعها ، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً".

            أما الأمور التي شرعها الإسلام لتكون مغرية الرجل بالرجوع عن طلاق زوجته ، إذا كان الطلاق رجعياً ، فهي أمور ثلاثة:

            الأمر الأول:

            أن يكون طلاق المدخول بها على ثلاث مراحل ، تكون المرحلة الأولى والمرحلة الثانية منها قابلتين للعودة إلى رباط الزوجية ، وترميم ما وهن أو انشق من بناء الأسرة .

            الأمر الثاني :

            نهى الأزواج عن إخراج المطلقات في المرتين الأولى والثانية من بيوتهم ، ونهي الزوجات عن الخروج منها ، واعتبار هذه البيوت بيوتهن ، ليكون بقاؤهن فيها أدعى لتحريك عوامل المودة ، وتذكر الصلات الأولى ، والإغراء بالعودة إلى رباط الزوجية.

            الأمر الثالث :

            إطالة فترة العدة ، ولو حصل التأكد من الخلو من الحمل بما دونها ، إذ جعلها الإسلام ثلاثة قروء (أي: حيضات أو إطهار) إذا كانت المرأة من ذوات الحيض ، وهي غالباً في ثلاثة أشهر ، وجعلها ثلاثة أشهر إذا كانت المرأة من اللواتي لا يحضن ، وأما الحوامل فتستمر عدتهن حتى يضعن حملهن.

            ونجد الدليل على ما شرعه اللهمن هذه المعوقات عن الطلاق ، والمغريات بالرجوع عنه ، في قول الله تعالى في سورة (الطلاق/65 مصحف/99 نزول):

            {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}.

            وقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

            {َالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.

            ثم قال الله تعالى :

            {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}.

            والحق أقول : إنه متى التزم الناس بهذه الحدود الربانية التي شرعها الله لهم ، ضمنوا لأنفسهم أسراً محكمة البناء ، تؤدي وظائفها الاجتماعية خير أداء.

            والحق أقول : إنه لا يؤدي تجاوز هذه الحدود الربانية لا إلى إخلال في تماسك الأبنية التي يتألف منها المجتمع الكبير ، ثم إلى فساد عريض في الأرض .

            حق مباشرة الطلاق:

            يحاول أعداء الإسلام إثارة المرأة المسلمة ضد تعاليم دينها إذ جعل للرجل حق مباشرة تطليق زوجته ، ولم يجعل للمرأة مثل هذا الحق إلا عن طريق القضاء الشرعي.

            ولا بد لرد هذه الشبهة من دراسة الاحتمالات الممكنة كلها ، وبيان الأصلح منها بشكل منطقي سليم ، لنقارن ذلك بما أخذ به الإسلام منها.

            إن لحل هذه الشركة الاجتماعية – عندما تلجئ الضرورة إلى حلها – عدة احتمالات:

            الاحتمال الأول : أن يكون حلها مثل عقدها لا يتم إلا بتطابق إرادتي الزوج والزوجة ، ولكن لهذا الاحتمال سيئات ، أهمها : أنه لو ألحت الضرورة على أحد الزوجين فعزم على الحل ، وأصر الآخر على بقاء الشركة للإضرار بشريكه لم يستطع أن يصل إلى ما يريد ، وبذلك تنمو مشكلة استمرار شركة بموجب إرادة مستمرة من طرف واحد فقط ، مع أنها لم تتم إلا بتطابق إرادتين من طرفين ، ومع إلزام الإنسان بما يكره أو لا يوافق مصلحته تنمو عوامل الاحتيال والمكارهة ، والتهرب من الواجبات ، والانحراف عن الصراط السوي ، وقد تصل في آخر الأمر إلى حد الجريمة .

            إذن فهذا الاحتمال احتمال مرفوض .

            الاحتمال الثاني : أن يكون في يد كلٍ من الزوجين إمكان حلّها من طرفه دون أية قيود تفرض عليه ، وقد كان من المقبول اللجوء إلى هذا الاحتمال في التشريع لولا ملاحظة الأمور التالية:

            1- أن تكوين مؤسسّة الأسرة ذو طابع اجتماعي ، ولذلك اقتضى أن يكون لها كل ما للجماعة من مقومات ، وأهمها أن بعضها ذو ولاية على الآخر ، ليتمّ بذلك تماسك الجماعة ، واستقامة أمرها ، وبعدها عن الفوضى ، فلو أنّ في سلطة كل من القيم صاحب الولاية وشريكته حل هذه الشركة بشكل مباشر ، ودون أية عقبات ، لكان نقضاً بيناً لمعنى الولاية ، ومؤدباً إلى سلب كل قواها المادية والم عنوية . وذلك لأن صاحب الولاية وهو الزوج سيكون مهدداً بحل هذه الشركة من قبل الطرف الآخر ، كلما أراد أن يوجه أمراً أو نهياً اقتضته المصلحة ، وهو يخالف هوى الطرف الآخر ، فتفقد الولاية بذلك كل معناها ، ومتى فقدت الولاية معناها الحقيقي عاد أمر هذه المؤسسة الاجتماعية إلى الفوضى ، واستقلال كل عنصر من عناصرها برأيه وأهوائه وشهواته.

            2- أن المرأة في الغالب تقع تحت تأثير عواطفها الآتية ، فلو أن في يدها حل عقد النكاح مباشرة دون أية عقبة شكلية ، لكانت هذه المؤسسة الاجتماعية عرضة للحل لدى أية حالة انفعالية رعناء تعتريها ، والأمر في حل عقدة النكاح يخالف الأمر لدى ربطها ، وذلك لأن ربطها يكون غالباً في حالة ذات استقرار عاطفي ، لما يسبق ذلك من تأمل وتبصر ، ولا يتم إلا عند تطابق إرادتي العاقدين ، بخلاف الحل فإن أية رعونة طائشة كفيلة بالبت فيه ، دون روية طويلة.

            3- أن معظم أعباء هذه المؤسسة الاجتماعية المادية والمعنوية ، في بنائها أو هدمها ملقاة على عاتق الزوج في نظام الإسلام ، فهو أحرى بأن يكون صاحب روية طويلة قبل أن يقدم على البت بحل هذه الشركة ، وهدم هذه المؤسسة التي ستتهاوى أنقاضها عليه ، وأحرى بأن لا يكون سريع الاستجابة لانفعالاته الآنية المفاجئة ، التي قد تثيرها أمور طفيفة كثيراً ما تحدث بين الزوجين ، لأنه لا بد أن يقع في تقديره ما سيترتب عليه من مسؤوليات جسام مادية ومعنوية ، إذا بت عبارة حله لهذه الشركة.

            بخلاف الزوجة في ذلك ، فإنه لو كان بيدها مباشرة حل هذه الشركة متى أرادت ، فإنها ربما تتخذ الزواج سبيلاً إلى تجاربها الزوجية الكثيرة ، التي لا تكلفها شيئاً بل تدر عليها فوائد مادية تجنيها عن طريق المهر وغيره ، وتعطي لنفسها مجالاً واسعاً . تنقل أهواءها فيه .

            كل هذه الأمور موجبة لرفض الأخذ بهذا الاحتمال.

            الاحتمال الثالث : أن يكون باستطاعة كل من الزوجين حل هذه الشركة ولكن ضمن قيود .

            وقد رأى الإسلام بحكمته العالية أن الأخذ بهذا الاحتمال أكثر صيانة لبناء الأسرة ، من أن يكون عرضة لعوامل الهدم السريع ، فأعطى الرجل بوصفه قيم هذه المؤسسة الاجتماعية وراعيها ، سلطة حل الشركة بينه وبين زوجته بشكل مباشر ، ولكن جعل له فرصتي روية يرجع فيهما عن رأيه ، وحمله أعباء النفقات التي يستتبعها الطلاق ، بعد أن حمله أعباء النفقات التي استتبعها عقد الزواج ، وأعطى المرأة بجانب ذلك حق المطالبة بحل هذه الشركة عن طريق القضاء الشرعي ، فإن كانت مطالبتها بذلك مستندة إلى مبررات مشروعة لم يكن للزوج أن يطالبهاب المهر ولا بأية نفقات أخرى استتبعها عقد الزواج أو الخطبة ، وإن كانت مطالبتها بذلك مستندة إلى إرادة خاصة بها كان لزوجها الحق بأن يطالب برد المهر الذي ساقه إليها لدى عقد النكاح ، والحكمة في ذلك أن لا تتخذ النساء من منحها الحق بأن تطالب بحل هذه الشركة ، وسيلة لتحصيل المهور ، واتخاذ عقد الزواج تجارة قائمة على مصلحة مادية بحتة.

            وقد أذن الإسلام للزوج بأن يمارس حقه هذا بشكل مباشر ، وعن غير طريق القضاء الشرعي ، صيانة للمرأة من الفضيحة التي يفضي إليها بيان الأسباب الداعية إلى الطلاق ، وليخفف الأعباء عن القضاء الشرعي ، كما خفف الأعباء منه في سائر العقود المادية والأدبية ، فجعل الناس مسؤولين عما يبتّونه منها فيما بينهم ، ولو لم يكن ذلك بإشراف جهة رسمية تمثل الدولة .

            لكن للدولة الإسلامية أن تفرض على الناس ما يضمن تطبيق نظام التسجيل ، إذا رأت أن النظام العام يقضي بأن تقوم الدوائر الرسمية بتسجيل عقود الزواج ، وتسجيل حل هذه العقود ضماناً لحقوق الناس وأنسابهم.

            والتطبيق السوي لأحكام الإسلام هو الكفيل بأن يبرز كمالها وعظمتها ، وهو الكفيل بأن يسكت ألسنة أعداء الإسلام.

            وقد كان المجتمع النصراني يحرم الطلاق بموجبة أحكام كنسية ، ثم أثبتت لهم التجارب أنّ هذا الحكم غير صالح ، وأنه قد نجم عنه مفاسد كثيرة ، منها اعتبار الخيانة الزوجية أمراً عاديّاً لا غبار عليه ، لأنه النافذة الوحيدة لتلبية رغبات كلّ من الزوجين اللذين ساءت العلاقة بينهما ، و هما لا يستطيعان حل عقدة النكاح بموجب الحكم الكنسي .

            هذا الواقع الذي جرّ إلى الفساد الخطير جعل المجتمع النصراني يلجأ إلى مبدأ إباحة الطلاق في الأنظمة المدنية ، التي أخذت بعد ذلك نوعاً من الموافقة الكنسية المحدودة ، في بعض البلدان.

            ولكنه إذا أخذ بمبدأ إباحة الطلاق وقع في إطلاق مسرف ، جرّ إلى مفاسد أخرى كثيرة ، إذْ أباح لكلّ من الزوجين المطالبة بالطلاق ، فانتشر الطلاق في كثير من بلاد الغرب انتشاراً واسعاً جدّاً ، حتى صار من الوقائع التي تذكرها الإحصائيات أن الرجل يتزوج ويطلق في السنة الواحدة عدداً من المرّات ، وكذلك المرأة ، وغدا الزوج عند الكثيرين أشبه بالمعاشرة المؤقتة ، كصور الزواج التي نشاهدها فيما يسمّى بالوسط الفني.

            في تقرير للمكتب الرئيسي للشؤون الاجتماعية في (فيسبادن) بألمانيا ، أنه ارتفع معدل الزواج في مقاطعة (هليسن) بمقدار (2) لكل ثلاثين ألف حالة في العام الماضي (1980م) بينما بلغت حالات الطلاق (8400) حالة ، أي بزيادة (25) في المئة عن السنة السابقة . وقد كان عام (1979م) عاماً حافلاً بطلبات الطلاق التي أغرقت معظم المحاكم هنا.

            وقد بلغت حوالى (80) ألف معاملة معاملة طلاق كانت تمثل كثيراً من المآسي الإنسانية هنا.

            والملاحظة تثبت أن النساء هنّ أصل المشكلة بسبب البحث عن مزيد من الحرية.

            * * *

            من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

            Comment

            • قسورة
              عضو
              • Nov 2005
              • 157

              #36





              الفصْل الثامِن

              أجوبَة أسئِلة تَشكيكيَّة
              موَجهَة من قبل منَظمَة "الآباء البيض" التبشيرية


              وفيه ما يلي :

              ( 1 ) بيان الأسئلة الموجهة من منظمة "الآباء البيض" التبشيرية.
              ( 2 ) مقدمة عامة.
              ( 3 ) الحرية في مفهومنا الإسلامي.
              ( 4 ) المساواة في مفهومنا الإسلامي.
              ( 5 ) شعارا الحريّة والمساواة صناعة يهودية.
              ( 6 ) أجوبة الأسئلة الموجّهة.
              أوّلاً : أسئلتهم حول الحريّة وأجوبتها.
              ثانياً : أسئلتهم حول المساواة وأجوبتها.




              ( 1 )
              بيان الأسئلة الموجهة من منظمة "الآباء البيض" التبشيريّة

              وجّهت منظمة "الآباء البيض" النصرانيّة التبشيريّة ، لعلماء المسلمين الأسئلة التشكيكيَّة التالية:

              أسئلة حول الحرّيّات

              ( 1 ) كيف يمكن التوفيق بين حريّة التفكير والاعتقاد الّتي منحها الله للإنسان ، وبين منعه (مع استخدام العقوبة القُصْوى وهي القتل) من تغيير دينه وإنْ كان هذا التغيير قد نجم عن قرار شخصيّ نابع من تفكير عميق ، ولأسبابٍ جدّيّة؟

              ( 2 ) المسلمون يعتبرون من الطبيعيّ جدّاً أن يعترف النصارى بحقّ إخوتهم في العقيدة في اعتناق الإسلام.

              ألاَ يُمْكن للمسلمين الراغبي في دخول النصرانيّة من التّمتُّع بالحقّ نفسه ، إقراراً للحريّة التي منحها الله للإنسان؟

              ( 3 ) هل الإسلام على استعداد – في البلاد الإسلاميّة – لمنح المسيحيّين تلك الحرّيّات الّتي يتمتّع بها المسلمون في البلاد المسيحيّة ، بما في ذلك دخول المساجد ، والتعبير الحرّ عن دينهم ، ودعوة الجماهير لاعتناق المسيحيّة؟

              ( 4 ) كيف يكون منطقيّاً التأكيد بأنّ الله قد منح الحرّيّة بالتساوي للرّجل والمرأة ، ثمّ تُمنَعُ المرأة المسلمة من اختيار الرجل الذي ترغب في الزواج منه ، إنْ لم يكن مسلماً؟

              ( 5 ) كيف يُمْكننا تفسير العقوبات الجسديّة ، كقطع يَدِ السارق ، أو الجلْدِ أو الرّجْم ، وهي المبينة في بعض الآيات القرآنية؟.

              أسئلة حول المساواة

              ( 1 ) ما معنى الدفاع عن تفوّق الإنسان الحرّ على العبد ، دون إدانة للعبوديّة ، أو القضاء عليها؟

              ( 2 ) لماذا يُقال بأنّ الله قد خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات ، بينما تقبل عدم المساواة لأسباب دينيّة؟

              كما يعلن عن تفوّق المسلم على غير المسلم وإن كان الأخير من (أهل الكتاب) أو من أتباع الديانات الأخرى أو من غير المؤمنين؟

              ونجد هذه اللاّمساواة في الميادين الحقوقيّة والاجتماعيّة ، اعتماداً على العقائد الدينيّة ، ونحن بدَوْرِنا نتساءل :

              هل يتعارض التعايش – بالحقوق نفسها – بين المسلمين والنصارى واليهود وبقيّة الناس ، مؤمنين أم غير مؤمنين ، مع العقيدة الإسلامية ، وبخاصة بالنسبة لقضيّة تطبيق الشريعة دون تمييز على المسلمين وغير المسلمين؟

              ( 3 ) ولماذا يقْبَلُ تفوُّق جنس على آخر ، وهو أمر نراه من خلال النقاط التالية:

              * قبول تعدّد الزوجات ، مع تحريم تعدّد الأزواج.
              * إمكانيّة هجر الرجل لزوجته دون أن يقدّم تبريراً لعمله ، ومن دون أن يعاني من أيّة نتائج لعمله هذا ، بينما لا تستطيع المرأة سوى الحصول وبصعوبة على الطلاق ، وعن الطريق القانوني فقط .
              * للأب حقّ الوصاية أو الولاية على الأبناء دائماً وإن كان الأطفال في حضانة الأمّ.
              * بالنسبة للمواريث نجد أنّ نصيب المرأة ، وفي أغلب الأ؛يان ، هو أقلّ من نصف حصة الرجل.

              ( 4 ) وأخيراً أيْنَ نجد الترابط المنطقيّ لله والذي خلَق البشر وأحبَّهمه جميعاً ، بينما نجد – كما في النصوص القرآنيّة – يحثُّ على قتال الكفار؟.

              ( 5 ) وفي الدولة الإسلاميّة الّتي تُطَبَّقُ فيها الشريعة ، هل التعدّديّة (في كافّة صورها الدينيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعائليّة) هل ستعتبر هذه التعدّديَّة رحْمةً إلهيَّةً تضمن الحرّيّة والمساواة ، أم إنّه ستفرض الشريعة على الجميع بشكل ديكتاتوري ، كما نراها حاليّاً في كثير من الدُّول الإسلاميّة؟

              * * *

              هذا هو نصُّ أسئلتهم التشكيكيّة ، وأجيب عليها في هذا الفصل بإيجاز بمعونة الله وتوفيقه.

              * * *

              ( 2 )
              مقدمة عامة

              الحمد لله ربّ العالمين ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفُواً أحد ، ولم يتَّخذ صاحبةً ولا ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولا شريك له في ربوبيته ولا في إلهِيّته ، سبحانه وتعالى عن كل ذلك ، وتنزه عن الحلول والاتحاد بشيء مما خلق ، وكل ما سواه خلقٌ من خلقه.

              والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى إخوانه نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسى وعيسى ، عبادِ الله وأنبيائه ورسله ، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

              وبعد ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يخلق الناس في هذه الحياة عبثاً ولا باطلاً ، ولم يخلق كونه لعباً ولا لهواً ، بل كلّ خلقه وأمره وتصاريفه في كونه لحكمة ، ولا مجال لتصوّر العبث أو الظلم أو اللّهو أو اللَّعب في شيءٍ من ذلك ، وهو العليم الحكيم القدير الذي يفعل ما يشاء ويختار ، خَلْقُه فَيْضٌ ، وعطاؤه فَضْلٌ ، وعقابه عَدْلٌ.

              وقد خلق الله الناس على أحسن تقويم ، وجعل حياتهم الأولى في هذه الدنيا داخل أحداث متداخلة متشابكة ، وصور مختلفة كثيرة ، ليبلوهم أيُّهم أحسن عملاً ، فمن هو دون ذلك ، حتى أسوئهم عملاً ، وأحطِّهم دركة في أسفل سافلين ، ليجزيهم في الحياة الأخرى ، بعد الموت والبعث على مقادير أعمالهم.

              فهذه الحياة الدنيا رحلة امتحان ، والممتحن فيها إمَّا أن يسعى إلى سعادته يوم الدين ، وإمَّا أن يسعى إلى شقائه وتعاسته وعذاب أليم.

              والذين هم في الامتحان الربّاني مكلَّفون ، ليسوا أحراراً في رفض التكليف . إنَّهم قبل الظهور إلى عالم الامتحان وهم في عالم الذرّ قد خُيّروا ، كما جاء بيان هذا في القرآن الكريم في سورة (الأحزاب/33) الآية (72) ومضمون هذا التخيير : هل يريدون أن يكرّموا بإنسانيتهم ، ويحملوا الأمانة وتكاليفَها ، ويجتازوا رحلة الامتحان للظفر بالنَّعيم الخالد ، فإن خالفوا أوامر ربّهم ونواهيه الجازمة وهم في رحلة الامتحان ، كانوا عرضة للعقاب من دركات العقاب المؤقت على مقادير المعاصي في غير الكفر ، حتى دركات الخلود في عذاب النّار بالكفر ، ثمَّ حتَّى أسفل الدركات بالنفاق.

              فكل من يجتاز رحلة الامتحان في ظروف هذه الحياة الدنيا بشروطه ، فهو مكلَّف أن يؤمن بالله إيماناً صادقاً موافقاً للحقّ والواقع على ما يقضي به برهان العقل ، وهو ما جاء على ألسنة رسل الله ، وتنزَّلت به كُتُبه ، من كونه تبارك وتعالى متَّصفاً بكلّ صفات الكمال ، ومنزَّهاً عن كلّ صفات النقصان ، ومنها توحيده في ربوبيته ، وتوحيده في إلهيته ، وأنه لا والد ولا ولد ولا صاحبة ، وأن يؤمن باليوم الآخر يوم الحساب وفصل القضاء والجزاء ، وأن يؤمن بكتب الله المنزَّلة التي فيها بيان الدين الذي اصطفاه الله للناس ، وأن يؤمن برسُل الله المبلِّغين عن الله رسالاته للناس ، وأن يؤمن بسائر النبيين الذين اصطفاهم الله بوحيه ، وأن يؤمن بملائكته ، وأن يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشرّه ، ثم يعبد الله في حياته لا يشرك بعبادته أحداً ، وأن تكون عبادته على وفق صراط الله المستقيم المبيّن في آخر رسالاته للناس وآخر تنزيل من لدنه ، بلَّغه آخر رسولٍ لاحق ، حتى خاتم الأنبياء والمرسلين.

              وتكون درجة الممتحن المكلَّف عند الله بحسب قوَّة إيمانه ويقينه بالله ، وبما صحَّ وثبت عنه ، وبحسب مقدار الأعمال الصالحات المرضيات لله ، من أعمال ظاهرة ، وأعمال باطنة.

              أمَّا درجات الجنّات يوم الدين فهي متفاضلات على مقادير تفاضل الناس في الإيمان والعمل الصالح.

              وقد أمر الله عزَّ وجلَّ بمستوى من الإيمان ، وبمقدار من العمل الصالح ، تكليفاً وإلزاماً.

              وأمر بمستوياتٍ أسمى من الإيمان وبمقادير أكثر وأحسن من الأعمال الصالحات ، ترغيباً وندباً.

              ونهى الله عزَّ وجلَّ عن الكفر به كلّياً وعن الإشراك به ، نهياً من الدرجة القصوى ، فمن كفر بالله ولو بالإشراك به في ربوبيَّته أو إلهيّته ، ومات على ذلك لم يغفر الله له :

              {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

              ومن عصى الله من دون الإشراك به ، في أوامره ونواهيه ، الإلزاميَّة الجازمة ، استحقَّ من عقاب الله بالعدل ، على مقدار معاصيه ، فجزاء كلّ سيِّئة بمثلها.

              وعقوبة الإشراك بالله وسائر دركات الكفر التي هي أشدّ من الشرك الخلُود الأبديُّ في عذاب النار يوم الدين ، وهذا من العدل ، لأن الكافر لو جعله الخالق خالداً في الحياة الدنيا لبقي كافراً ، فاستحق بالعدل الخلود في العذاب.

              وعقوبة المعاصي من دون الإشراك بالله على مقاديرها كمّاً وكيفاً ، ويغفر الله ما يشاء منها برحمته ، على وفق حكمته ، وبحسب علمه بأحوال عبده.

              فالإنسان في الحياة الدنيا مخلوق ممتَحنٌ مكلَّف ، وليس مخلوقاً متروكاً لكامل حرِّيته ، يختار ما يشاء ، ويفعل ما يشاء ، دون مسؤولية عمّا يعتقد بإرادته غير المجبورة ، وعمّا يعمل من عمل ظاهر أو باطن ، بإرادته غير المجبورة ، ودون حساب ولا جزاء ، بل هو ملاحقٌ بالمسؤولية والحساب والجزاء ، بالثواب أو بالعقاب.

              وحرّيته المطلقة إنَّما تكون فيما أباح الله له فقط.

              وله أيضاً حّريةٌ أخرى في ترك ما هو أحسن له وأفضل دون عقاب ، لكنه يحرم نفسه من الثواب العظيم والأجر الجسيم ، إذا اختار أن يترك ما هو الأحسن والأفضل ، وليس من حقِّه بعد ذلك أن يقول : لِمَ لا أنال من النعيم والأجر العظيم مثل ما نال أولئك الذين فُضّلوا عليّ يوم الدين؟ فجوابه : أولئك اختاروا لأنفسهم في الحياة ما هو الأفضل والأحسن ، مما فيه رضوان الله ، وأنت لم تختر لنفسك ذلك ، بل آثرت متاع الحياة الدنيا على الدرجات الحسنيات في الآخرة ، فحرمت هذا الفضل العظيم من الربّ الكريم.

              وبهذا البيان نفهم أنَّ ما فرضه الله على عباده من إيمان ومقدارٍ من العمل الصالح ، وما حرَّمه عليهم من كفر وشرك به ومقدارٍ من العمل غير الصالح ، إنَّما تكون حرّيَّة الإنسان فيه حريَّة الممتَحَن ما دام في ظروف الامتحان ، لاستكمال اختباره ، حتّى إذا انتهت ظروف امتحانه صار مُلاحقاً على ما قدَّمه في امتحانه بالمسؤولية والحساب والجزاء.

              وهذه في الحقيقة ليست حريَّة كاملة ، بل هي تكليف وإلزام ، ولكن عن طريق إرادة المكلف غير المكرهة وغير الملجأةِ إلجاءً ، فلا جبر لإرادات المكلّفين ولا قهر ولا قسر ولا إلجاء ، ولو كان الأمر كذلك لما كان امتحاناً أصلاً .

              كذلك نفعل نحن في امتحاناتنا واختباراتنا ، حين يختبر بعضنا بعضاً ، وبعد هذا أقول:

              حين يوضع الإنسان في امتحان ما حول أمْرٍ معيَّن ، كامتحانٍ في علم من العلوم ، أو رياضة من الرِّياضات ، أو مسابقة من المسابقات ، فإنَّه لا يسمح له بحالٍ من الأحوال أنْ تتعدّى حرِّيته حدود مجال امتحانه.

              فمثلاً: إذا كان يمتحن في مختبر الكيمياء لتحليل مادَّةٍ من المواد ، فإن حريَّته تكون ضمن استعمال الأدوات على وفق شروطها ، واستعمال الموادّ الكاشفة ضمن ضوابطها.

              فإذا دخل مختبر الكيمياء ، فأخذ يفسد الأدوات ، ويحطِّم زجاجات الموادّ الكيميائية ، فإنَّه يعاقب مباشرةً عقاباً صارماً حاسماً ، أو يطرد من المختبر كلّياً ، ويُخْرَجُ من دائرة الامتحان ، وإخراجه هذا هو نظير قتل المجرم بجريمة تستحق بحكمة الرَّبّ الخالق إخراجه من مختبر الحياة الدنيا ، عن طريق تكليف أولي الأمر من أصحاب السلطة الإدارية ، أن يُنفِّذوا فيه عقوبة القتل.

              وإذا كان يُمْتَحن في حلبة المصارعة فإنَّ حدود حرّيته تكون ضمن شروط متساوية مع قرينه أو قرنائه فيها ، وضمن أعمال تتعلَّق بالامتحان نفسه.

              فإذا تعدّاها ، فأحضر أدوات ممنوعة ، أو جعل يتعرَّض لِحَكَمِ المبارة كأنَّه خصم ، أو صار يقذف جماهير المشاهدين بالحجارة ، أو يرمي المصابيح الكهربائية فيحطِّمها ، فإنَّ حرّيته تمنع حينئذٍ ، ويُطْرَدُ من الحلبة كلها ، وطرده منها يساوي تماماً طرد إنسانٍ من الحياة الدنيا بالقتل ، إذا ارتكب أمراً تجاوز فيه حدود حرّية امتحانه.

              وهكذا إلى أمثلة كثيرة تُعْتَبَرُ من بدهيات قواعد الحقّ والعدل في مفاهيم كلّ الناس.

              وقد خلق الله عزَّ وجلَّ الناس متفاضلين في الصفات والخصائص ، وجعل مسؤوليَّة كلّ فردٍ حين يصل إلى درجة التكليف ، محدودة بحدود ما وهبه الله من صفات وخصائص ، ضمن الأُطُرِ العامَّة للتكليف ، فلم يخلق الناس متساوين في الذكاء والغباء ، ولا متساوين في القوة والضعف ، ولا متساوين في الخصائص والصفات النفسية والجسديَّة ، ولا متساوين في الوظيفة الاجتماعية.

              إنَّ نظام الله في الخلْقِ قائم على قاعدة التفاضل ، لا على قاعدة التساوي.

              بعد هذا يتضح لكلّ ذي نظر أنَّ التفاضل في الخصائص والصفات يلائمه مبدأ العدل ، ولا يلائمه مبدأ المساواة.

              إنَّ مبدأ المساواة مع التفاضل في الخصائص والصفات والوظائف الاجتماعية ظلم وإفسادٌ في الأرض عريض.

              وأُسائِلُ طارحي الأسئلة ، من المؤسسة التبشيرية العاملة تحت تنظيم "الآباء البيض" قائلاً : هل المراتب الدينيَّة في السلك الكنسيّ النصراني قائمة على مبدأ المساواة ، أو على مبدأ التفاضل ، من درجة الشمّاس ، حتى درجة البابا؟!

              ويظهر أن واضعي الأسئلة التشكيكيَّة من منظمة التبشير المذكورة قد وقعوا فريسة الخديعة اليهودية التي أطلق اليهودي فيها شعارَيْ الحرّية والمساواة ، بصورة تعميميَّة مُضَلِّلة ، ولم يدركوا أغراض قادة اليهود من إطلاق هذين الشعارين ، اللََّذين يُرَادُ منهما تدميرُ المجتمعاتِ البشرية ، ونُظُمِها الإدارية ، وأوَّل ما دمَّروه بالحريّة أُسُسُ المجتمعات النصرانية ، وكثيرٌ من أركانها.

              ومن العجيب أن يقوم رجال الكنيسة أنْفُسُهم بترويج هذين الشعارين محقِّقين به في شعوبهم وفي كنائسهم أهداف المكر اليهودي الرامي إلى تدمير الشعوب ، وتفتيت وحدتها ، وإطلاق الغرائز البَهَمِيَّة في الناس إطلاقاً فاسداً مفسداً دون حدود .

              ومن العجيب أن يتعاملوا مع المسلمين , ومع تعاليم الله عزَّ وجلَّ في الإسلام ، من خلال المنظار الفاسد الذي صنعه لهم أعداؤهم اليهود ، منصرفين عن منظار الحقّ والعدل ، ودينِ الله الحقّ الذي أنزله على إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وسائر أنبياء بني إسرائيل ، وأنزله أخيراً على محمّد بن عبد الله ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، عليهم أجمعين صلاة الله وسلامه.

              وفي بيان لاحق مزيد تفصيل حول الحرية والمساواة ، وترويج قادة اليهود الصهاينة لهما ، مع تقديم بعض أقوالهم في بروتوكولاتهم.

              أما نحن المسلمون فحريصون جدّاً على أن يكون النصارى وسائر أتباع الملل والنحل المختلفة ، وسائر بني آدم إخوتنا في الإنسانية ، سالكين معنا الطريق التي تُوصل إلى جنّات النعيم يوم الدين ، وإلى رضوان ربِّ العالمين ، والخلود الأبدي السعيد.

              ولا نريد أن نحتكر الجنَّة لأنفسنا ، بل نريد أن يشاركنا فيها الناسُ أجمعون ، فقد أعدَّ الله فيها لكلِّ إنسان حظّاً عظيماً جدّاً ، إنْ هو آمَنَ وعمل صالحاً استحقه بفضل الله ، وإلاَّ ورثه يوم الدين مستحقو الجنة زائداً على ما لكلٍّ منهم فيها.

              وإنني أدعو النصارى جميعاً ، قادتهم وعامتهم ، وأعضاء منظمات التبشير فيهم ، ورجال السلك الكنسي ، إلى دين الإسلام بفكر مُسْتَنير ، وعقل بصير ، وإلى النظر المتجرِّد المنصف في حجج الإسلام وبراهينه بدءاً بقاعدته الأولى ، ثم ما يتفرع عنها ، ويُبْنَى عليها من أحكام وشرائع ربّانيّة ، وليذكروا أنّ الله عزَّ وجلَّ قد أبان في القرآن أنَّهم أقرب الناس مودَّة للذين آمنوا بالله ورسوله محمّد صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، فقال الله عز وجل في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
              {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.

              وأدعوهم أيضاً إلى إمعان النظر في البيان التالي عن شعارَيْ الحرّية والمساواة ، عسَى أن يشرح الله صدر من هو مستعدٌّ منهم للإيمان بالحقّ ، فيطرحَ عن تصوُّراته الزيف الذي صنعه اليهود وروَّجوا له عن الحريَّة والمساواة ، ويُدْرِكَ حقيقة واقِع الإنسان في رحلة امتحانه في هذه الحياة الدنيا ، فيحرصَ على ما فيه نجاتُه وسعادتُه يوم الدين ، يوم ينقسم الناس إلى ناجين منعَّمين في جنات الخلد ، وإلى معذَّبين خالدين في النار دار العذاب ، وإلى معذَّبين عذاباً مؤقتاً ضمن مقادير ذنوبهم ومعاصيهم ، ثم يتفضَّل الله عليهم فيُخْرِجُهم من دار العذاب بسبب إيمان صحيح مَاتُوا عليه ، ويُدْخلهم جنَّتَه.

              وما أظنُّ أحداً له ذرَّة من فكر وعقل سليم يعرِّض نفسه لخطر عذاب الله يوم الدّين ، من أجل تَعَصُّب أعمى ، أو مصلحةٍ دنيوية زائلة فانية ، أو لإرضاء نوازع الكبر فيه ، أو رغبات الفجور في الأرض.

              * * *

              ( 3 )
              الحرِّية في مفهومنا الإسلامي

              أنقل هنا ما كتبته في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة" عن الحرية:

              في ظروف الاستبداد الدكتاتوري الذي كان سائداً في أوروبّا قبل الثورة الفرنسية ، وإبَّان مصادرة حرِّيات الطبقات الضعيفة في المجتمع ، وحرّيات الأفراد الذين لا يملكون انتزاع حقوقهم في معظم المجتمعات الغربيَّة ، انطلق دعاة الحريّة ينادون بها مبدأً إنسانيّاً ، وأخذت فئات كثيرة تُروِّجها .

              واستغلَّت المنظمات ذاتُ المصالح الخاصَّة الرامية إلى تقويض النظم الإدارية ، والمؤسَّسات الدينية ، والنظم الاجتماعيَّة ومؤسَّساتها ، لتكون لها السيطرة الشاملة ، شعارَ الحريَّة ، فوسَّعَتْ دائرة المفهوم المقبول الصالح للحريَّة شيئاً فشيئاً ، دون أن تَشْعُر الجماهير بمكيدة التوسيع التعميمي المنافي لمنطق العقل ، ولمبادئ الأخلاق ، ولمصالح الناس أفراداً وجماعات ، ولنظام الْخَلْقِ وقَوانين الوجود الجبريَّة ، فيما عدا الأعمال الإراديَّة للمخلوق ، وغفل عن ذلك أيضاً كثيرٌ من أهل الفكر والعلم.

              وصادت الماسونية والمكر اليهودي فيها شعار الحريَّة وجعلته أحد مبادئها ، ثمَّ قامت الثورة الفرنسيَّة التي كان المكر اليهوديّ وراء تدبيرها والتخطيط لها ، وتحريكِ القوى لاندلاعها ، وتنظيم المنظمات لتفجيرها ، والتربُّص لاستثمارها ، واستغلالها ، والانقضاض على غنائمها بعد قيامها ونجاحها ، فجعلت هذه الثورة الحرِّيَّة واحداً من شعارها المثلث : "الحرِّية – المساواة – الإخاء".
              واندفعت الجماهير مفتونة بشعار الحرِّية ، وهي لا ترى من معاني الحرِّيَة إلاَّ مساحةً محدودةً مقبولة معقولة ، يتحقَّق لها بها الخلاص من الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه ، والخلاص من الاستبداد الضاغط عليها ، والقاهر لإرادتها بقوى ظالمة آثمة ، طاغية غاشمة.

              ونشط شياطين الإنس بقيادة المردة من اليهود يروِّجون لشعار الحرِّية ، ويوسِّعون ممن مساحة دلالتها شيئاً فشيئاً ، حتَّى تشمل كلّ سلوكٍ فرديٍّ أو جماعيٍّ يُحَقِّق أهداف الإفساد في الأرض ، وتدمير كُلِّ القيم الدينيَّة والخلقية ، وإماتة الوازع الديني والخلقي في الأفراد ، وتحطيم النظم الاجتماعيَّة الإدارية والسياسيَّة والاقتصادية وغيرها ، بغية إضعاف البشريَّة ، وتمكين اليهود في العالم من السيطرة التامَّة عليها ، بعد إضعافها وتفتيتها ، وبثّها بثّاً متنافراً متبايناً متعادياً متصارعاً متقاتلاً.

              ونجم عن إطلاق شعار الحرِّيَّة دُون أن تكون محصورةً في المساحة التي تكون فيها نافعةً وصالحة ، انطلاقُ الوحش البشري مفسداً مدمِّراً ، محطِّماً الفضائل ، والأخلاق ، والقيم الدينية ، والنُّظم الاجتماعية ، ومحطماً مبادئ الحقّ والعدل ، واسْتغلَّ هذا الوحش البشريّ شعارَ الحريَّة لتحسين كلّ فسادٍ وإفساد ، ولاستخدام القوة التي تعتمد عليها الثورات مع ما تُشْعِلُه من فتن ، لمصادرة حياة خصومها ، ومصادرة أمنهم وأموالهم وسائر حقوقهم ، ولمحاربة كلِّ منصف يحبّ الحقَّ والعدل والفضيلة ، ويطالب بسيادة هذه القِيَم .

              وفهم المجرمون الحرِّية على معنى إطلاق أيديهم في ارتكاب الجرائم على ما يشتهون ، قتلاً وسلباً ، وظلماً وعدواناً .

              وفهم الفاسقون والفاسقات الحرِّية على معنى أنَّ لهم الحقَّ الكامل في أن يَفْسُقُوا ويفجروا على ما يشتهون ، دون أ، يكون لأحد أو جهةٍ ما حقٌّ في محاسَبَتِهِمْ ومُعَاقبتهم ، أو كفِّهم عن فسقهم وإباحيَّتهم الَّتي لا تَحُدُّها حدود .

              وفهم محتالوا سلْب الأموال الحرَّيَّةَ على معنى إطلاق أيديهم في ألوان الغش والاحتكارات ، وحيل المضاربات وخُدَعِ القمار ، وأشباه ذلك ، لسلب الناس أموالهم وهم غافلون أو مكرهون.

              وفهم العمّال والصناع والأجراء الحرِّية على معنى استخدام تكتُّلاتهم وتنظيماتهم للوصول إلى الاستيلاء على أموال أرباب العمل ، ومصانعهم ، وممتلكاتهم ، ونهبها وسلْبها ، أو استحقاق الأجور المرتفعة دون أن يقوموا بعمل يستحقُّون عليه الأجور التي يُطَالِبُون بتقاضيها.

              وفهمت النساء الحرِّية على معنى انطلاقهنَّ من ضوابط العفَّة ، وتمرُّدهنَّ وانسياحهنَّ بحسب أهوائهن ، وتفلُّتهِنَّ من كل واجب اجتماعي ، وكلّ ضابط خلقي .

              وفهم المراهقون والمراهقات ، والفتيان والفتيات الحرِّية على معنى الانفلات الأرعن ، والتمرُّد على الرعاة من الأسرة ، وعلى المربّين والمعلمين.

              وصار كلّ ضابط للسلوك من سلطة مدنيَّةٍ أو عسكرية أو قانونية أو دينيّة أو أسريَّة عدوّاً للحرِّيَّة ، في مفهوم حملة شعار الحرِّية الذين أطلقوها من حدودها المقبولة المعقولة ، وعمَّموها تعميماً مدمِّراً للإنسانية وكرامتها ، ومُخْرِجاً للإنسان عن موقعه الذي وضعه الله فيه موضع الابتلاء الْمُسْتَتْبَع بالحساب والجزاء ، وقاذفاً به إلى مستوى الأنعام أو أضلَّ سبيلاً.

              هذا هو ما كان المفسدون في الأرض قد أر ادوه وخطَّطوا له ، وأطلقوا من أجله شعار الحرِّية ، ووسعوا من مساحتها حتى عمَّموها تعميماً فاسداً مفسداً ، مصادماً للحقِّ والخير والفضيلة والجمال والكمال.

              إنَّ الحرّية مثل النار ، لا تستخدم إلاَّ ضمن حدود وضوابط ، وبحذر شديد ، ومراقبة تامَّة ، وإلاّ أكلت الأخضر واليابس ، وابتلعت كلَّ شيءٍ أتَتْ عليه .

              إنَّ الحرِّية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذاتُ مجالٍ محدود ، وهذا المجال المحدود لا يجوز تَجَاوُزُهُ ولا تعدِّيه ، لا في منطق العقل ، ولا في منطق مصلحة الإنسان في ذاته ، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري.

              فإذا تجاوزت حدودها كانت وحشاً مفترساً ، أو ناراً هَوْجاء ثائرة محرقة ، أو سيلاً عَرِِماً مدمِّراً ، وكانت نذير شؤمٍ وخراب ، وفوضى واضطراب ، وصراعات بشرية تدمِّر الحضارات ، وتمهِّد لأن تحلَّ بهم سنة الله في الذين خَلَوْ مِنْ قبلهم ، إهلاكٌ عامٌّ ، وعذابٌ أليم.

              إنَّ الحرِّية المقبولة المعقولة التي يقرُّها الإسلام تقع ضمن المجالات التاليات ، وعلى وفق القيود المبينة فيها:

              المجال الأول:

              حرِّيَّة الاعتقاد ، فالإنسان المسؤول المكلَّف حرٌّ في هذه الحياة الدنيا ، في أن يؤمن بقلبه بما يشاء ، من حقٍّ أو باطل ، لكنَّه ملاحقٌ بالمسؤولية عند الله عزَّ وجلَّ عن اختياره الذي كان حُرّاً فيه ، وكانت حرِّيته هي مناط ابتلائه وامتحانه في الحياة الدنيا.

              وهي هنا حرِّيَّة الممتحن المسؤول ، وليست حرِّيَّة مطلقة خالية من المسؤولية والجزاء .

              دلَّ على هذه الحرِّية الملاحَقة بالمسؤوليَّة والجزاء عند الله عدَّة آيات قرآنية ، منها قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):
              {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}.

              ومنها قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (البقرة/2 مصحف/69 نزول):
              {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.

              المجال الثاني:

              حرِّيَّة العبادة على وفْق الاعتقاد ، والحرِّيَّة هنا كسابقتها هي حرِّية الممتحَن المسؤول الْمُلاَحَقِ عند الله بالحساب والجزاء ، وليست حرِّيَّة مطلقةً خاليةً من المسؤولية والجزاء.

              دلَّ على هذه الحرِّيَّة الملاحَقة بالمسؤولية والجزاء الربَّاني ، قولُ الله عزَّ وجلَّ في سورة (الزُّمر/39 مصحف/59 نزول):
              {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.

              وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (فُصِّلت/41 مصحف/61 نزول):
              {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

              المجال الثالث :

              حرِّيَّةُ اختيار ما يُريدُ الإنسان ويَشتهي ويهوى ، ممّا أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن.

              وهذه الحرِّيَّة غيرُ ملاحَقةٍ بالمسؤولية والحساب والجزاء ، ما لم ينجم عنها لدى استعمالها تركُ واجب ، أو فعلُ مُحرَّم ، أو عدوان على حقّ الغير فرداً كان أو جماعة ، أو ضررٌ أو إضرار .

              وإنَّما كانت الحرِّيَّة في هذا المجال غير مُلاحَقَةٍ بالمسؤوليَّة والحساب والجزاء ، لأنَّ الرَّبَّ الخالق سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر ، قد منحها ذلك ، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصنافٍ أو أفراد داخلةٍ في دائرة المباحات التي أباحها لعباده ، وأنزل فيها إذناً شرعيّاً ضمن دائرة ما أباح لهم أن يفعلوه أو يتركوه.

              وما أباح الله عزَّ وجلَّ للإنسان من سلوك شخصيّ لا علاقة للمجتمع به ، أو لا يمسّ إنساناً بضرر ، فلا حقَّ لأحدٍ أيَّاً كان بأنْ يَحْرِمه منه ، أو يمنَعَه عنه.

              ومن الخير للمجتمع أن يترك هذا المجال مفتوحاً للنّاس ، يُعَبِّرون فيه عن حرِّيّاتهم الخاصة ، ويشعرون فيه باستقلاليَّتهم.

              المجال الرابع:

              حرِّيَّة تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه ، ما لم يكنْ مُضلِّلاً بباطلٍ واضح البطلان ، أو داعياً لضُرٍّ أو شرّ أو أذى ، أو مشجِّعاً على إدحاض الحقّ ونصرة الباطل ، ونشر الظلم والعدوان والفساد والإفساد في الأرض.

              المجال الخامس:

              كلُّ ما للإنسان فيه حقٌّ مشروع واضح للجميع ، ولا يحتاج إثباته إلى دعوى قضائية ، فإنَّه يملك الحرِّيَّة في الحصول عليه بوسيلةٍ مشروعة ، لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى ، ولا مخالفة فيها لما أمر الله به ، أو لما نهى عنه.

              وأمّا ما لا حقّ للإنسان فيه فمن حقِّ المجتمع ، بسلطته الإداريَّة أن يحجر على حرِّيته فيه.

              أمثلة:

              ( 1 ) من حق الإنسان العمل لكسب ما قسم الله له من رزق ، لاستعماله فيما أمر الله به أو أذن فيه.

              فهو إذن يملكُ الحرِّيَّة في العمل لكسب رزقه في المجالات التي لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى ، ولا مخالفة لما أمر الله به ولما نهى عنه.

              وعلى المجتمع أن يُتِيح َ له فُرْصة توجيه نشاطه وأعماله لكسب رزقه ضمن هذه المجالات ، وأن لا يحجر على حرِّيته تلك ، ومن ذلك ممْشَاه للحصول على عمل مأجور لدى الدولة ، أو أَيَّة مؤسَّسة عامَّة ، ومستحقُّ العَمَل هو الأكثر كِفَاية للقيام به ، ما دامت الشروط العامَّة مُتَوافِرَةً فيه.

              ( 2 ) ومن حق الإنسان ذي الباءة أن يتزوَّج ، فهو إذن يملك الحرِّيَّة في أن يسعى في اختيار زوجة يستطيع الحصول على موافقتها وليّ أمرها ، من اللَّواتي أذن الله في شريعته لعباده بأن يتَزَّوج منهنَّ .

              وعلى المجتمع أن يُتِيحَ له فرصة السعي لاختياره الزوجة التي تلائمه ، ضمن ما أذن الله به له ولأمثاله ، وأن لا يحجر عليه حرِّيته في هذا المجال.

              ( 3 ) ومن حقِّ الإنسان أَنْ يتزوَّد من العلم والمعرفة بما يشاء من كلّ نافع مفيد ، أمر الله به أو أذن في تعلُّمه .

              فهو إذن يملك الحرِّيَّة في أن يسعى في تحصيل العلم الذي يريد ضمن حدود الإذن الرَّبّاني .

              وعلى المجتمع أن يُتِيحَ له فرصة السعي لتحصيل ما يشاء من علم مأذون به شرعاً ، على مقدار ما يملك من قدراتٍ تمكِّنُه من ذلك التحصيل.

              ( 4 ) ومن الحقوق المشروعة للإنسان حقّ مطالبته بحقوقه التي هي له ، وحقّ الاعرتاض على ظُلْمٍ لَحِقَ بِه ، وحقُّ الشكْوَى ضدّ من ظَلَمه ، وحقُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل ربَّما يكون واجباً عليه في كثير من الأحوال ، فمن حقِّه ممارسته ، وحقُّ توجيه النُّصح لغيره محكوماً أو حاكماً ، رعِيَّة أو سلطاناً.

              الحجر على الحرِّيَّة

              إذا عرفنا الم جالات التي يملك فيها الإنسان الحرِّيَّة الملاحَقَة بالمسؤولية والحساب والجزاء ، والحريَّة غير الملاحقة بالمسؤولية ، يتَّضح لنا ما يلي :

              ( 1 ) لا حرِّية في ظلم أو عدوان أو هضم لحقوق الآخرين.

              ( 2 ) لا حرِّيَّة في مخالفة الحقِّ والعدل والخير ، في كلِّ سلوك عمليّ ذي أثرٍ مادِّيّ يضرُّ المجتمع أو يؤذيه أو يُفْسد نظامه.

              ( 3 ) لا حرِّيَّة لمن آمن برسالة الإسلام ، وبايع على الالتزام بأحكامه وشرائعه ، في أن يخالف أحكامه ، بترك فرائضه وارتكاب محرّماته ، وإلاَّ كان عرضةً للملاحَقَة بالمسؤولية والمحاسبة ، وبالجزاء المقرَّر في أحكامه ، من قِبَلِ سلطة الدولة الإسلامية ، إذا كانت المخالف لها عقوبة دنيويَّة مقرَّرة في الإسلام.

              ومما يخالف أحكام الإسلام الانتحارُ ، أو ارتكاب الإنسان شيئاً يضر بجسمه أو نفسه أو ملكاته الفكرية ، أَو يُبَدِّد أمواله في المتالف بلا فائدة سفهاً وتبذيراً .

              ( 4 ) من أعلن دخوله في الإسلام باختياره الحرّ ، فقد أعلن التزامه به وبأحكامه ، فلا حرِّيَّة له بعد ذلك في الرِّدَّة عنه ، وإِلاَّ فهو مُلاحَقٌ بعد استتابته بالمسؤولية الجزائية التي عقوبتها القتل ، ولا حرِّية له أيضاً في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقرَّرة.

              ( 5 ) لا حرِّية لمسلم ولا لذميٍّ ولا لمستأمن ولا لمعاهد في دار الإسلام ، في الطعن بالعقائد والشرائع والأحكام الإسلامية ، المجمع عليها ، ولا حرِّيَّة له في التشكيك فيها ، أو تشويهها أو تحريفها ، أو القيام بما يُسيءُ إلى نظام الإسلام ، أو دولته ، أو جماعة المسلمين ، لأنَّ في ذلك نقضاً لما التزم به كلّ منهم.
              ولا حرِّيَّة لأحدٍ من هؤلاء في الدعاية لأعمال حرَّمها الإسلام ، أو لأشياء حرَّم الإسلام تناولها كالخمور ، أو الترويج لأفكار مناقضة لحقائق الإسلام وتعاليمه.

              ولا حرِّيَّة لأحد منهم في تأسيس مؤسسات عامَّة أو خاصة تشتمل على أعمال أو أشياء محرَّمة في الإسلام ، كبنوك ربويَّة ، أو بيوتٍ للقمار ، أو بيوت للزنا والدعارة والفجور ، أو حانات لبيع الخمور وشربها ، أو مصانع لصناعتها ، ولكن يسمح للنصارى بشربها وصناعتها داخل بيوتهم ، والأماكن الخاصة بهم ، دون أن يتظاهروا بذلك أمام المسلمين.

              خاتمة :

              وتقع في موضوعات مختلفات مغالطات كثيرات ، بسب كسر الحدود الفاصلة بين الحقِّ والباطل ، والعدل والظلم ، والخير والشرِّ ، ومن أسباب ذلك إطلاق الحرِّية ، والتلاعب بمفاهيمها ، وعدم تحديد المساحات التي تكون فيها صالحة مقبولة ، وينجم عن ذلك شرّ مستطير ، وفساد عريض .

              ( 4 )
              المساواة في مفهومنا الإسلامي

              وأنقل هنا أيضاً ما كتبته في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة" عن المساواة:

              المساواة من الشعارات التي دبَّرها المكر اليهودي ، وجعلتها الماسونية ضمن شعارها المثلث "الحرِّيَّة – المساواة – الإخاء" وقامت على أساسه الثورة الفرنسيَّة التي دبَّرها المكر اليهودي واستغلَّها .

              والغرض من هذا الشعار تضليل الناس وفتنتهم ، لتقوم الصراعات بين الأفراد ، وبين الطبقات ، مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون العدل.

              واندفعت الجماهير مفتونة بشعار المساواة ، ومخدوعة بالمساحة القليلة المقبولة منها ، ولكنَّ اللُّعبة المضلّلة زحفت بالمساواة زحفاً تعميميّاً باطلاً ، وناشراً لفساد عريض.

              وقامت فتنٌ عامَّة تطالب بتحقيق المساواة ، ونجم عن ذلك خَلْخَلَةٌ في نظام الحياة ، وإفساد للمجتمع البشري.

              وزحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكِّرين وعلماء وكُتَّاب ، فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانيَّة الصحيحة ، وأحد المبادئ الإسلامية المجيدة ، غفلةً منهم ، وانسياقاً مع بريق الشعارات التي روَّجتها وسائل الإعلام الشيطانية المضلّلة.

              وتحت هذا الشعار الخادع البرّاق أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة العلماء ، والضعفاء يطالبون بمساواة الأقوياء ، والكسالى يطالبون بمساواة العاملين المجدّين ، والمنحرفون يطالبون بمساواة ذوي الاستقامة ، والنساء يطالبْنَ بمساواة الرِّجال في كل شيء ، والفاشلون يطالبون بمساواة الناجحين ، واضطرب الحياة ، وقامت الثورات ، واستثمرها اليهود لمصالحهم.

              المفهوم الإسلامي للمساواة:

              نظام الخلق تحكُمُه سُنَّةُ التفاضل لا التساوي ، فشعار المساواة بصيغته التعميميَّة يتنافى مع نظام الخلق ، وهو مطلب مناقض لمبدأ العدل ، إلاَّ في بعض الأحوال ، وهي التي يقضي العدل فيها بالتساوي .

              فالإسلام يُقَرِّرُ ويَحْمِي مبدأ العدل ، ومبدأ الإحسان ، ولا يُقرُّ المساواة على أساس أنَّها مبدأ عامٌّ ، وقاعدة مطَّردة ، إنَّما يُقرُّهَا حينما يقتضيها العدل ، أو يَتَبَرَّعُ بها المحسنون أصْحَابُ الحقِّ.

              وإنَّما يقتضي العدلُ المساواة حينما يكون واقع الأفراد واقعاً متساوياً تماماً في كلِّ الصفات ، أو تكونُ المساواةُ في الصفات التي يُوجدُ فيها التساوي ، دون الصفات الأخرى المتفاضلة فيما بينها.

              التفاضل سُنَّةُ اللهِ في الخلْق:

              إننا لا نكاد نجد في الوجود شيئين متساويين تماماً في كلِّ صفاتهما ، ولو كانا من جنس واحد ، أو من نوع واحد ، أو من صنف واحد . بل نجد أن صفاتهما متفاضلة ، فالدَّعوة إلى المساواة بينهما دعوة إلى الْجَوْرِ والظُّلْم ، ودَعْوةٌ إلى الأخذ بأمر باطل ، وإلى إلغاء قانون العدل. وادِّعاء المساواة مع واقع التفاضل ادِّعاءٌ كاذب ، و التسويةُ بين المتفاضلين عملٌ ظالم مناقض لقانون العدل ، وكلُّ مناقضٍ لقانون العدل مناقض لكلمات الله التكوينيَّة والتشريعيَّة والخبريَّة التي تمَّتْ صِدْقاً وعدلاً ، كما قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
              {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

              إنَّ كلمة الله التكوينيَّة قد حدَّدت لها الإرادة الربَّانية خلقاً متفاضلاً ، وهذه ظواهر الخلق شواهد :

              هل الزجاج والألماس متساويان؟

              هل الذهب والحديد متساويان؟

              هل الذكي والغبيّ متساويان؟

              هل القويّ والضعيف متساويان؟

              وهكذا نجد التفاضل في كل الأجناس والأنواع والأصناف والأفراد ، نجد التفاضل في الشجر ، وفي الثمر ، وبين أنواع الأحياء ، وبين كلِّ فردٍ وفردٍ آخر من كلِّ نوع ، وأفراد الناس هم فيما بينهم متفاضلون ، والرجال مفضلون بخصائص لوظائفهم الاجتماعية على النساء ، والنساء مفضّلات بخصائص أخرى لوظائفهنَّ الاجتماعية على الرجال ، وبين الرجال تفاضل ، وبين النساء تفاضُل.

              فهل يصحّ عقلاً أن ندَّعي التساوي بين الأجناس والأنواع والأصناف والأفراد ، وهي في الواقع متفاضلة؟

              إننا بذلك نكذب على الواقع ، ونجانب الحقَّ.

              وهل يصحّ عقلاً أن نسوّي بينها في الأحكام مع تفاضلها في الصفات؟!

              إننا بذلك نجانب مبدأ العدل ونصادمه ، ونقيم أحكامنا على الظلم.

              وقد دلَّت نصوص القرآن المجيد على التفاضل في الخلق بين الأشياء ، ويتبع هذا التفاضلَ التَّخَالُفُ في الأحكام ، وعَدَمُ جَوازِ التسوية بين المتفاضلات.

              ( 1 ) ففي تفضيل الثمرات والزروع بعضها على بعض في الأُكُل ، قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):

              {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

              ( 2 ) وفي تَفْضيل بعض النَّاس على فيما يُصِيبُون من عطاء الله ، ليَبْتَلِيَهُمْ (أي: ليمتحنهم) فيه ، قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

              {كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}.

              ( 3 ) ونَهَى الله عزَّ وجلَّ المؤمنين والمؤمنات عن تمنّي ما فَضَّلَ به بعضَ النَّاس على بعض ، فخَاطبهم في القرآن بقوله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

              {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.

              ( 4 ) وبيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ حكمته في جعل الرجال قوّامين على النساء ، ومنها أنَّه فضَّل في خصائص التكوين صنفَ الرِّجال على صنف النساء ، بالصفات التي تؤهلهم للقيام بوظائف اجتماعيَّة غير الوظائف الاجتماعية التي يقوم بها النساء ، ومن هذه الوظائف القوامة في دائرة الأسرة ، فقال الله تبارك وتعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
              {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ...}.

              ( 5 ) وبيَّن الله عزَّ وجلَّ أنَّه فضَّل بعض الناس على بعضٍ في الرزق ليبلُوَهم فيما آتاهم ، فقال تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

              {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ...}.

              وهذا التفضيل من الأمور المشاهدة في واقع الناس ، ولم يستطع أيُّ نظامٍ اشتراكيٍّ أو شيوعيّ أو غيرهما إقامة التسوية بين الناس في الرزق.

              ( 6 ) حتَّى الأنبياء والرُّسُل قد فضَّل الله بعضهم على بعضٍ في عطاياه وما وَهَبَ كلاًّ منهم ، فقال تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
              {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً}.

              وقال تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):
              {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ...}.

              ( 7 ) وفي تكريم بني آدم وتفضيلهم على كثيرٍ ممَّنْ خَلَقَ الله ، قال عزَّ وجلَّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
              {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.

              فالتَّفَاضُلُ سُنَّةُ الله في الخلْقِ بوجهٍ عام ، وهو أمر يشهدُ به الواقع في الوجود.

              التسوية بين المتفاضلات ظلم للحقِّ:

              ولمّا كان منطق العقل وبرهانُ الواقع يقرِّران عدم التساوي بين المتفاضلات ، كانت أحكام التسوية بينهما أحكاماً ظالمة.

              وتأصيلاً للحقِّ والعدل ، ولئلا تُزَيَّن للنَّاسِ أفكارُ التسوية بَيْنَ المتفاضلات ، أنزل الله عزَّ وجلَّ في كتابه نصوصاً ذوات عدد ، تبيِّن عدم التساوي بين طائفةٍ من المتفاضلات في حقيقة أمرها ، فمنها ما يلي:

              ( 1 ) قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
              {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

              ( 2 ) وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
              {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ}.

              ( 3 ) وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الزُّمر/39 مصحف/59 نزول):

              {ُقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

              ( 4 ) وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):
              {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}.

              ( 5 ) ولمّا كان التفضيل التابع للعمل الأفضل من المكلَّفين المختارين ، هو الأمر الذي يوجبه الحقّ والعدل ، كان من العدل أن يفضّل الله المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ، فقال الله عزَّ وجلَّ في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
              {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}.

              وكان من العدل أن يُفَضِّل الله مَنْ أنفق مِنْ قَبْل فتح مكَّةَ وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل ، فقال الله عزَّ وجلَّ في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):
              {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

              وكان من العدل أن لا يُسَوِّي الله عزَّ وجلَّ بين المسلمين والمجرمين ، فقال الله تعالى في سورة (القلم/68 مصحف/2 نزول):
              {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ}.

              نظراتٌ حول واقع التساوي:
              أمّا الأمور التي هي متساوية في الواقع وحقيقة الأمر فالحقُّ يَقْضِي بوجوب التسوية بينها في الأحكام.

              أمثلة :

              ( 1 ) الناس متساوون في كونهم مخلوقين لله عزَّ وجلَّ ، ومتساوون في عبوديتهم له ، فهم متساوون بين يديه من هذه الجهة.

              ( 2 ) والناس متساوون في حق الحياة إلاَّ إذا كان منهم ما يقتضي إهدار دمائهم ، أو إنْزال قيمتها بكفر أو ظلم أو عدوان.

              ( 3 ) والخصمان في مجلس القضاء لهما من رعاية القضاء حقّانِ متساويان ، فينبغي التسوية بينهما في مجلس القضاء .

              ( 4 ) والأصل تساوي الناس في حق العمل والكسب والتعلُّم والسَّبْق لاغتنام خيرات الدنيا والآخرة.

              فالعدل يقضي بإتاحة الفرص لهم جميعاً بنسبة متساوية ، ثمَّ يكون لكلِّ فردٍ بحسب ما يقدّم من عملٍ أو جَهْد أو أيّ كسْب إرادي ، أو سَبْق في علمٍ أو خلُق أو رأيٍ أو إخلاصٍ أو غير ذلك ممّا له قيمةٌ تُقدَّرُ.

              ( 5 ) والناس متساوون في إنسانيَّتِهم ، باعتبار الأصل ، إذْ كلُّهم أولادُ آدم ، وكلُّهم من تراب ، وكلُّهم مخلوقون لله عزَّ وجلَّ وهم عباده.

              فالعدل يقضي بعدم تفضيل عرقٍ على عرق ، أو قومٍ على قوم ، أو أهل لون على أهل لونٍ آخر ، أو أهل لسانٍ على أهل لسانٍ آخر ، من أجل أعراقهم ، أو أقوامهم ، أو ألوانهم ، أو ألسنتهم.

              ( 6 ) وهكذا كلّ قضيَّة يكون الحقّ فيها متساوياً بين فريقين ، فقاعدة العدل توجب التسوية بينهما .

              وكلُّ تفاضُل على غير أساسٍ من الحقِّ والواقع في مفاهيم الناس ، فهو ظلم اجتماعي ، كمفاهيم التفاضل الطبقي الذي يزعم الطبقيُّون أنَّه يُورَث ، وكمفاهيم التفاضل على أساس العرق ، أو اللَّون ، أو اللِّسان .

              أمّا إذا كان الواقع متفاضلاً فالعدل يوجب التفضيل ، كالذكاء والجماء والقوَّة وحسن الخُلُق الفطري أو المكتسب ، وغير ذلك ممّا لا حصر له.

              فالإسلام يقوم في الحقوق على مبدأ العدل ، لا على مبدأ المساواة ، وفي بيان الواقع يقوم على ما هو الحقّ في واقع المحال ، لا على التسوية مطلقاً ، ولو كان الواقع متفاضلاً . فلا يمكن أن يساوي الناقص الكامل ، ولا أن يستوي الحقّ والباطل ، ولا العالم والجاهل ، ولا يمكن أن يتساوى الذهب والقصدير ، ولا المسك والجير ، ولا الظلمات والنور ، ولا الظلُّ ولا الحرور ، ولا الطيِّب والخبيث ، ولا الأحياء ولا الأموات ، ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، والَّذين كَفروا وعملوا السيئات.

              والعدل : هو إعطاء كلّ ذي حقٍّ بمقدار حقه .

              أما المساواة : فقد تقتضي إعطاء ذي الحقّ أكثر من حقه ، وإنقاص ذي الحق عن حقِّه ، وهذا جور وظلم ومخالفة لمبدأ العدل.

              * * *

              ( 5 )
              شعارا الحرِّيَّة والمساواة صناعة يهودية

              ( 1 ) لقد ثبت أنَّ الحرِّيَّة والمساواة من شعارات الماسونية ، وهي منظمة ذات قيادة يهودية.

              وقد عرَّف المستشرق الهولندي "دوزي" الماسونية بتعريف موجز ، فقال فيه :

              "جمهور كبير من مذاهب مختلفة يعملون لغاية واحدة : هي إعادة الهيكل ، إذْ هو رمز دولة إسرائيل".

              ( 2 ) وثبت أنَّ الثورة الفرنسية المشهورة ، قد كان اليهود هم المخطِّطين والمدبرين لها ، وكان شعارها المثلث "الحرِّيَّة – المساواة – الإخاء".

              ( 3 ) وجاء في البروتوكول الأوَّل من البروتوكولات المعروفة ببروتوكولات حكماء صهيون ، ما يلي :
              "لقد كنّا قديماً أوَّل من هتف بكلمات (الحرِّيَّة والمساواة والإخاء) ، وما انفكَّت هذه الكلمات تردِّدها ببَّغاوات جاهلة ، يتجمهرون من كلِّ حدب وصوب حول هذه الشعارات المغرية ، الَّتي حطَّموا عن طريقها ازدهار العالم ، وحرية الفرد الشخصيَّة الحقيقيَّة التي كانت من قَبْلُ في حمّى يحفظها من أن يخنُقَها السفلة.

              ولم يفهم الذين يدَّعون الذكاء وسعة الإدراك من غير اليهود "الجوييم" المعاني الرمزية التي تهدف إليها هذه الكلمات ، ولم يتبيَّنوا عواقبها ، ولم يُلاحظوا ما فيها من تناقصٍ في المعنى ، كما لم يدركوا أنَّ الطبيعة نفسها تخلو من المساواة ، وأنَّ الطبيعة قد أوجدت أنماطاً غير متساوية في العقل والشخصيَّة والأخلاق والطاقة وغيرها.

              إنَّ صيحتنا (الحرِّيَّة والمساواة والإخاء) قد جلبت إلى صفوفنا فرقاً كاملةً من زوايا العالم الأربع عن طريق وكلائنا المغفَّلين ، وقد حملت هذه الفرق ألويتنا في نشوة ، بينما كانت هذه الكلمات مثل كثير من الديدان تلتهم سعادة الجوييم (غير اليهود) وتحطم سلامهم واستقرارها ووحدتهم ، مدمِّرةً بذلك أسس الدُّول ، وقد جلب هذا العمل النصر لنا".
              * * *

              ( 6 )
              أجوبة الأسئلة
              التي وجهها المبشرون من تنظيم "الآباء البيض"

              بعد الذي سبق في المقدِّمات العامة أجيب باختصار وإيجاز على الأسئلة التي وجَّهها جماعة المبشرين من تنظيم "الآباء البيض" على أنَّ من أمعن في المقدِّمات العامة ، وكان منصفاً فاهماً ، لم يجد شبهةً تحتاج إلى ما يزيلها أو يدفعها ، إذ الأسئلة تدور حول التسليم بمبدأي الحرِّيَّة والمساواة ، على أنَّهما من المبادئ الكليَّة العامَّة ، وقد سبق بيان ما في هذين المبدأين من باطل ومغالطات ، ومعلوم في أصول الفكر المتفق عليها لدى ذوي العقول جميعاً أنَّ ما بُنِيَ على فاسد فهو فاسد ، وما بني على باطل فهو باطل ، وما بُني على غير أساس فهو منهار.

              ولست في أجوبتي بحاجة إلى أن أقف موقف المدافع عن الإسلام وأحكامه ، فالإسلام الحقُّ ، وهو من عند الله ربّ العالمين ، ولكنَّني أقف موقف الناصح الذي يَعْرض الحقّ ويبيِّنه لأولي الألباب ، ولأولي الأفكار المنصفة ، فمن شأن الحقّ أنَّه إذا جاء بنوره الساطع زهق الباطل ، إنَّ الباطل كان زهوقاً.

              وإنَّني أُقّدِّمُ الأجوبة من منظار الحقّ ، ليكون بياني حجّةً عند الله يوم الدين على واضعي الأسئلة ، والمتأثرين بهم ، وحجَّةً لناشدي الحقّ وطالبيه ، الذين قد تؤثر في أفكارهم ونفوسهم التشكيكات والشُّبُهات والمغالطات ، وحجَّةً ينتفع منها أنصار الإسلام ، والدعاة إليه ، والمدافعون عن شرائعه وأحكامه.

              * * *

              أوّلاً:
              أسئلتهم حول الحرِّيَّة وأجوبتها


              السؤال الأول:

              "كيف يمكن التوفيق بين حرِّيَّة التفكير والاعتقاد التي منحها الله للإنسان ، وبين منعه (مع استخدام العقوبة القصوى وهي القتل) من تغيير دينه ، وإن كان هذا التغيير قد نجم عن قرار شخصيّ نابع عن تفكير عميق ، ولأسباب جدّيَّة؟".

              الجواب :

              إضافة إلى ما سبق بيانه حول "الحريّة في مفهومنا الإسلامي" أقول :

              إنَّ الإنسان البالغ العاقل له الحرِّيَّة التامّة قبل أن يدخل في الإسلام في أن يُسلم أو لا يُسلم ، فلا تُْكْرَهُ إرادته ، إذْ لا إكراه في الدّين.

              لكنَّه مُسْتَتْبَعٌ بالمسؤولية عند الله عزَّ وجلَّ عن اختياره ، فإن اختار الكفر بما جاء به الإسلام من عقيدة وشريعة وأحكام ، فالنار مثواه يوم الدين خالداً مخلَّداً فيها أبداً.

              ولا يُكْرَهُ إنسان على الدخول في الإسلام بحال من الأحوال.

              ومن أراد أن ينتمي إلى الإسلام فعليه أن يعرف قبل انتمائه أنَّه سيُكلّف تكاليف إذا خالفها فقد يعرِّض نفسه للعقاب ، حتى درجة العقوبة القصوى ، وهي القتل.

              وهكذا كمن يريد أ، يطلب جنسيَّة دولة من الدول ، فإنَّ عليه أن يعلم أنَّه مسؤول عن الالتزام التام بقوانين هذه الدولة وأنظمتها قبل أن يتمّ العقد معه على منحه جنسيَّتها ، ومن هذه الأنظمة معاقبتها بعقوبتها إذا فعل ما يقتضي عقابه ، ولو كانت العقوبة القصوى.

              فطلب الجنسية من قِبَل الفرد ، ومنْحُها له من قِبَلِ الدولة ، عقْدٌ بين طرفين يشتمل على منافع وتبعات ، ومن تبعات اكتساب الجنسية تطبيق أنظمتها ، ودفع الضرائب كسائر نظرائه ، والجندية الإجبارية عند وجودها ، وقبول قانون العقوبات التي لديها ، حتّى ما يجدّ من قوانينها في المستقبل ، وإذا خان الدولة خيانة عظمى ، فتعامل مع أعدائها حُكم عليه بالعقوبة القصوى .

              ومن الأمور التي يُبايع عليها من يرغب أن يدخل في الإسلام أنَّه إذا ارتدَّ عنه ، عرَّض نفسه للقتل.
              إذن فليفكِّرْ بأناة وبكامل حرّيته قبل أن يسلم وينخرط في جماعة المسلمين ، ويلتحق بالدولة الإسلامية ، فمن وافق وهو بكامل حرّيته وعقله وإدراكه على أن ينتمي إلى الإسلام ، فقد التزم وهو حرّ حريةً تامَّة أن يكون مُعاقباً بالقتل إذا ارتدَّ عنه.

              فلا تعارضَ إذن بوجه من الوجوه بين حرِّيَّة التفكير والاعتقاد وبين هذا ، والسؤال مطروح بجهل ، أو بمغالطة للتلبيس وخلط المفاهيم.

              فالعقاب على الردَّة ليس هو في الحقيقة إكراهاً على الدين ، ولكنَّه حمايةٌ للأمَّة الإسلامية من المتلاعبين ذوي الحيل الذين يدخلون في الإسلام بحريَّة ، ويخرجون منه بحريَّة ، وهم أعداءٌ للإسلام والمسلمين ، يمكرون بهما ، ويكيدونهما ، ويتَّخذون الوسائل المختلفة للتلاعب بالإسلام ، وتمزيق وحدة المسلمين وإضعافهم ، والتسلُّط عليهم ، والاستيلاء على ثرواتهم وخيراتهم ، وحربهم من داخل صفوفهم ، متذرِّعين بشعار الحرِّيَّة.

              ومن ادَّعى أنَّه كان يجهل عند دخوله في الإسلام أنَّ عقابه القتل إذا ارتَدَّ عنه ، فإننا نقول له : من المعروف المقرر عند كل القانونيّين أنَّ الجهل بالقانون العامّ لا يعفي الفرد من المسؤولية إذا هو خالف أحكامه.
              * * *

              السؤال الثاني:

              "المسلمون يعتبرون من الطبيعي جداً أن يعترف النصارى بحقّ إخوتهم في العقيدة في اعتناق الإسلام ... ألاَ يمكن للمسلمين الراغبين في دخول النصرانية من التمتّع بالحقّ نفسه ، إقراراً للحرِّيَّة التي منحها الله للإنسان؟".

              الجواب :

              جاء في جواب السؤال الأول ما يتعلَّق بالردَّة عن الإسلام فلا داعي لإعادته هنا.

              وأقول هنا : إنَّ ما ورد في السؤال ليس هو ما يُناظر به المسلمون النصارى ، فهم لا يقولون : إنّ من حقِّ النصرانيّ أن يعتنق الإسلام وينضم إلى المسلمين ، باعتبارهم حزباً ، أو جماعة من الناس .

              ولكن الدّعاة المسلمين يقولون لكل إنسان : إننا نبلِّغك أنَّك مخلوق لله ربّ العالمين ، ربّ السماوات والأرض ، وأنَّ من الواجب عليك أن تؤمن به ربَّاً واحداً لا شريك له ، وتعبدَهُ وحده ، ولا تشرك بعبادته أحداً ، وتؤمن بكلّ ما جاء من عند الله ، وبكلّ رُسُل الله وأنبيائه ، دون تفريق ، وأن يكون إيمانك على وفق الحق الذي جاء من عند الله ، والذي لم يتعرَّض لتحريفٍ أو تبديلٍ أو تغيير ، وأنَّ من الواجب عليك أن تعمل بمقتضى آخِر دين مُنزَّل من عند الله ، مؤيّد بالحجج والبراهين ، ومقترن بالمعجزة التي تُثْبت صدق الرسول الذي بلَّغه عن ربِّه ، فإن لم تؤمن ورفضت هذا الدين الخاتم عرَّضت نفسك لعذاب الله في نار جهنَّم يوم الدين خالداً مخلَّداً فيها أبداً ، ولا ينفعك يومئذٍ حزبٌ ولا جماعة ، ولا تنفعك شفاعةٌ من أحدٍ ، ونحن لك مبلِّغون وناصحون ، لا نكرهك ولا نجبرك ، فإنْ منعك مُكْرِهِين فباستطاعتك أن تؤمن مستخفياً ، حتى إذا سنحت لك الفرصة أعلنت إيمانك ، والتحقت بجماعة المسلمين وضممتَ قُوَّتَك إلى قوتهم.

              ولسنا نقول للنصارى : إنَّ من حقّه أن لا تمنعوه ولا تكرهوه على البقاء في النصرانية بمقتضى مبدأ الحرِّيَّة .

              ولكن نقول لهم : أنتم جميعاً يجب عليكم أن تؤمنوا بدين الله الحقّ ، وبجميع أنبياء الله ورُسُله ، فإنْ أبيتم عرَّضتم أنفسكم ، وأهليكم ، وأتباعكم ، لعقاب الله الشديد يوم الدين.

              ونقول لهم جميعاً : نحن مستعدّون أن نقدِّم لكم الحجج والبراهين العقلية والعلمية لإقناعكم إنْ شئتم . ولكم أن تقولوا ما تشاؤون حول أصول دينكم ومبادئكم ، ونحن مستعدّون لمناظرتكم حولها ، على مستوى أرضيَّة فكريَّة عقليَّة علميَّة مشتركة بيننا وبينكم ، فمن لزمته الحجّة وقام عليه البرهان الحقّ منّا فعليه أن يعلن اعترافه به ، ونقول لكم كما علَّمنا القرآن المجيد في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):
              {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}

              فالسؤال الثاني كما ورد في أسئلة تنظيم "الآباء البيض" لا يكون على الطريقة التي ساقوها ، إلاَّ إذا اعتبر موجهو السؤال أنَّ الدّين قضيَّة جماعات بشريَّة ذات انتماءات إنسانيَّة ، لا قضيَّةٌ ربّانيَّة يُطالب الناس جميعاً بها ، فطرح السؤال طرحٌ قائمٌ على فكرة خاطئة غير صحيحة أصلاً ، فنحن لا نقول للنصارى : إنَّ من حقّ النصراني عليكم ألاَّ تعترضوا حرِّيته في اختيار تغيير دينه.

              إنَّ قضيَّة الدين ليست قضيَّة مساومات سياسية أو اقتصادية ، حتى يكون التعامل فيها بالمثل .

              إنَّ الدين حقُّ الله على عباده جميعاً ، وليس حقّ المسلمين حتّى يتنازلوا عن شيءٍ منه ، فإن كان النصارى يعتقدون أنَّ النصرانية حق النصارى ، وأنَّ لهم أن يساوموا عليه فهذا شأنهم ، وهو مختلف تماماً عن الفكر الإسلامي ، والعقيدة الإسلامية الرَّبّانية.

              * * *

              السؤال الثالث :

              "هل الإسلام على استعداد – في البلاد الإسلاميَّة – لمنح المسيحيين تلك الحريّات التي يتمتَّع بها المسلمون في البلاد المسيحية ، بما في ذلك دخول المساجد ، والتعبير الحرّ عن دينهم ودعوتهم الجماهير لاعتناق العقيدة المسيحية؟".

              الجواب:

              المسلمون مستعدّون لعقد مناظرات عامة حول قضايا العقائد الإسلامية والعقائد النصرانيَّة ، وسائر العقائد والمبادئ المنتشرة في مختلف شعوب الأرض ، سواء أكان ذلك في بلدان الشعوب غير المسلمة ، أم في بلدان الشعوب المسلمة ، فمن شاء أن يناظر مناظرةً حرَّةً مفتوحةً ضمن أصول وقواعد المناظرات المنطقيَّة فمرحباً به ، ولدينا في بلدان المسلمين قاعات وصالات عامَّة كبرى تصلُح للمناظرة ، وفي كلّ بلدان شعوب الأرض مثل ذلك.

              ولا نكون ضيِّقي الأفق ولا مُحْرِجين ولا مُتَعنِّتين في أن تكون هذه المناظرات في معابدهم الخاصة ، ولا في المُدن الدينيَّة الخاصة بهم ، كالفاتكان مثلاً ، بل نرضى أن تكون في أيّ مكان جامع يَصْلُح لعقد مناظرات عامَّة ، نعرض فيها مبادئنا ، ويعرض فيها الآخرون مبادئهم.

              مع بيان أنَّنا لا ندخل عليهم كنائسهم ولا معابدهم ، ولا نُحرجهم بذلك ، يُضَاف إلى ذلك أننا لا نجدهم في واقع الأمر يسمحون بأن نكون دعاة للإسلام في كنائسهم أو مجامعهم العامَّة دعوةً علنيَّة.

              ففي السؤال مغالطة إيهاميَّة لا تستند إلى واقع ، وهي محاولة لستر أعمال المبشرين النشيطة داخل بلاد العالم الإسلامي ، إذْ للمبشرين النصارى في البلدان الإسلامية آلاف البعثات والإرساليات والمنظمات والمؤسسات التعليميَّة والطبيَّة وغيرها ذات المهمّات التبشيريَّة ، وقد انتشرت في بلدان المسلمين بتسامح السلطات الإدارية ، وبتأثير الدول الاستعماريَّة النصرانية ، وليس للمسلمين بمقابل ذلك في بلدان الشعوب المسيحيَّة دعاة يبشرون بالإسلام إلاَّ العدد القليل جدّاً ، وبعض المراكز الإسلامية التي توجِّه نشاطها للأقليات المسلمة في هذه البلدان.

              والمعاملة بالمثل التي يُطالِبُ بها السؤال تستدعي أن يكون للمسلمين في البلدان المسيحية مثلُ ما للمبشِّرين النصارى في بلدان المسلمين من مؤسسات تبشيريَّة ، مختلفة الأسماء ، ومختلفة التخصُّصات ، ومن بعثات تبشيريَّة تتخذ مختلف الوسائل الإغرائية غير الشريفة لتنصير المسلمين ، ومنها استغلال الأزمات والجوائح والمجاعات ، واستغلال الأموال التي توجّه للمساعدات الإنسانية العامَّة ، وتوجيهها لمهمَّات التنصير ، ومن هذه الأموال ما تبذله شعوب الأمَّة الإسلامية للمساعدات الإنسانية.

              * * *

              السؤال الرابع:

              "كيف يكون منطقيّاً التأكيد بأنَّ الله قد منح الحريَّة بالتساوي للرجل والمرأة ثمَّ تمنع المرأة المسلمة من اختيار الرجل الذي ترغب في الزواج منه إنْ لم يكن مسلماً؟".

              الجواب:

              سبق في المقدّمات العامَّة بيان أنَّ الإسلام لم يجعل الحريَّة المطلقة مبدأً من مبادئه ، فالحريَّة المطلقة منافية لحكمة خلق الناس ممتَحَنِين بأوامر الله ونواهيه في هذه الحياة الدنيا .

              وأُضيف هنا أنَّ التشكيك في حكمة الله بما يشرع لعباده وبما يوجب عليهم من واجبات ، وما يحرِّم عليهم من محرَّمات ، وما يُبيح لهم من مباحات ، هو مذهب إبليس حين رفض السجود لآدم ، زاعماً أنَّ عنصره الناريَّ أفضلُ من عنصر آدم الطينيّ ، مع أنَّ منطق العقل يرفض العنصريَّة أصلاً ، ويحكم على الكائن بما هو عليه ، لا بما كان قبل ذلك في عنصره وأصله ، وقد كان ما انتهى إليه تكوين آدم أن كرَّمه الله بالعلم ، وبأدوات المعرفة ، فأمَرَ اللهُ من تساءل عن الحكمة من خلقه بأن يسجدوا له ، وهم ملائكة ، بعد أن أظهر الله لهم أن هذا الإنسان مستعدٌّ أن يكون أعلم منهم.

              ونظير النزعة العنصرية الفاسدة التي اعتمد عليها إبليس ، التسويةُ بين المتفاضلين في الخصائص والصفات وما ينجم عنها من نتائج وآثار ، فادِّعاء المساواة بين صنفين مختلفين في الخصائص الجسديَّة والنفسيَّة ، ومختلفين في الوظائف الاجتماعية ، يتضمَّن قضيَّة فاسدة تناقض مبدأ الحق والعدل.

              إنَّ من المعلوم في المشاهد والتجربة ، وفي المقرَّرات العلميَّة حتّى أحدث ما ظهر منها أنَّ المرأة ذات خصائص جسديَّة ونفسية مختلفة عن خصائص الرجل.

              فخصائص المرأة تؤهلها لوظائف اجتماعيَّة أهمُّها الأمومة ، ثم حاجتها إلى رجل يكون هو صاحب القوامة عليها وعلى سائر أعضاء أسرته.

              وصاحب القوامة الذي هو الرجل في أسرته ، قد يستخدم سلطة قوامته في حمل زوجته على ترك دينها.

              من أجل ذلك فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يُبِحْ للمرأة المسلمة بأن تتزوَّج زوجاً غير مسلم ، حمايةً لها من ضغط الزوج ، وتأثيره عليها بإخراجها عن إسلامها ، وتعريضها لعذاب الله الأبديّ.

              وفي المقابل فإننا لا نعترض على غير المسلمين إذا منعوا نساءهم من أن يتزوَّجْنَ بالمسلمين ، بل هذا يسرُّنا ، وبوبدّنا أن يُصْدِروا قرارات تحريميّة تمنع نساءهم من الزواج برجالٍ مسلمين ، فهذا أحفظ لرجالنا ، وأبعد عن الفتنة في الدين.

              لكن ماذا نفعل إذا أباح غير المسلمين لنسائهم بأن يتزوَّجْنَ برجالٍ مسلمين؟

              إنَّنا على كراهية وعدم رغبة نوافق على زوج الرجل المسلم بامرأة من أهل الكتاب ، بشرط أن يكون الزواج بينهما على وفق نظام الإسلام في أحكام الأحوال الشخصيَّة ، وأن تكون الولاية والقوامة للرَّجل ، وأن يكون الأولاد (ذكوراً وإناثاً) تابعين لآبائهم في الدين ، وأن يكون الميراث وفق أحكام الإسلام ، فإذا اختلت هذه الشروط ، أو اختلَّ بعضها ، فإنَّ الإسلام لا يُبِيحُ للرجل المسلم أن يتزوج بامرأة غير مسلمة ولو كانت كتابيَّة.

              وتعاليم الإسلام تُرْشِدُ إلى اختيار المرأة المسلمة التقيَّة النقية ذات الدين والخلق القويمة عند الرغبة في الزواج.
              * * *

              السؤال الخامس:

              "كيف يمكننا تفسير العقوبات الجسديَّة كقطع يد السارق أو الجلد أو الرجم وهي المبيَّنة في بعض الآيات القرآنية؟!".

              الجواب :

              إجابتي على هذا السؤال تنطلق من منطلقات خمسة:
              * أولاً : الدين شريعة وأحكام ربّانية ، وحق الله على عباده أن يدينوا له وحده ، فيستمسكوا بشريعته ويعملوا بأحكامه.

              وليس دين الله للناس من أوضاع الناس ، حتى يجري التفاوض عليها معهم.

              والتشكيك في شريعة الله وأحكامه لعباده تشكيك في حكمته ، ورفضٌ لحقِّه جل وعلا في تنظيم أمور عباده بما يعلم أنَّه هو الأصلح والأنفع لهم.

              وقد ثبت لدينا بالدليل القاطع أنَّ الإسلام الذي بلَّغه رسول الله حقٌّ منزَّل من عند الله لا ريب فيه ، ومعجزةُ القرآن شاهد قائم دائم يشهد بأنه تنزيلٌ من عند الله.

              * ثانياً: العقوبات الجسديَّة موجودة في الرسالات الرَّبانية المنزَّلة على المرسلين الصادقين المبعوثين من عند الله ، ومنهم رسل بني إسرائيل ، ومن هذه العقوبات عقوبة الرجم.

              وأصحاب السؤال الذين يقولون : إنَّهم نصارى ، يؤمنون بأسفار العهد القديم ، وبما جاء فيها ، ويجعلونها ضمن كتابهم المقدَّس الجامع لأسفار العهد القديم ، وأسفار العهد الجديد.

              ألم يقرؤوا سفر اللاّويّين ؟ ألم يدرسوا ما فيه ؟ ألم يبيِّن لهم رجال الكنيسة ما في كتب أهل الكتاب من عقوبات جسديَّة؟

              إذا كانوا على علم بها ، فنقول لهم على طريقة سؤالهم : كيف يفسِّرونها؟!

              وإذا كانوا يجهلونها ، فنقول لهم : تعلَّموا دينكم أوَّلاً ، وادرسوا كُتُبَكُم ، ثم تعالوا إلى المناظرة وطرح الأسئلة التشكيكية إنْ شئتم ، ولا تطرحوا أسئلة من وجهة نظر العلمانيين ، أو الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ورُسُله وكُتُبه.

              اقرؤوا هذا النصّ من الإصحاح العشرين من سِفْر اللاّويين:

              "9 _ كلُّ إنْسَانٍ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فإنَّهُ يُقْتَلُ . قَدْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ.

              10- وَإذَا زَنَى رجلٌ مع امرأةٍ فإذا زنى مع امرأة قريبه فإنَّه يقتل الزاني والزانية.

              11- وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه فقد كشف عورة أبيه . إنهما يقتلان كلاهما . دمهما عليهما .

              12- وإذا اضطجع رجلٌ مع كنته فإنهما يقتلان كلاهما . قد فعلا فاحشة . دمهما عليهما .

              13- وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا . إنهما يقتلان . دمهما عليهما .

              14- وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها فذلك رذيلة . بالنار يحرقونه وإياهما لكي لا يكون رذيلة بينكم.

              15- وإذا جعل رجلٌ مضجعه مع بهيمة ، فإنه يقتل . والبهيمة تميتونها.

              16- وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائها تميت المرأة والبهيمة . إنهما يقتلان . دمهما عليهما".

              وجاء فيه أيضاً:

              "1- وكلم الرب موسى قائلاً : وتقول لبني إسرائيل : كل إنسان من بني إسرائيل ومن الغرباء النازلين في إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنه يقتل . يرجمه شعب الأرض بالحجارة".

              مُولَك: اسم ملك . وهو اسم ملك جهنم حسب رأي الكنعانيين الوثنيّين (عن : قاموس الكتاب المقدَّس).

              وجاء فيه أيضاً:

              "27 – وإذا كان في رجلٍ أو امرأةٍ جان أو تابعه فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه . دمه عليه".

              واقرؤوا هذا النصّ من سفر التثنية (الإصحاح العشرين) وفَسَّروه لنا بحسب منطقكم الإنساني:

              "10- حين تقرب من مدينةٍ لكي تحاربها استدعها إلى الصلح.

              11- فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك التسخير ويستعبد لك.

              12- وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فاحصرها.

              13- وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف.

              14- وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاها الرب إلهك.

              15- هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا .

              16- وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما .

              17 – بل تحرمها تحريماً ، الحثيين ، والأموريين ، والكنعانيين , والفرزيين ، والحويين ، واليبوسيين ، كما أمرك الرب إلهك.

              18- لكي لا يعلموكم أن تعلموا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم".

              بعد هذا أقول لأصحاب السؤال :

              كيف يفسرون ما في كتب العهد القديم التي يؤمنون بها من عقوبات جسدية ، قبل أ، يسألوا عن تفسير العقوبات الجسدية الموجودة في الإسلام؟.

              * ثالثاً : لقد تراجعت شعوب الأرض ، ودول العالم المتحضِّر عن أفكار إلغاء العقوبات الجسدية ، ولجأت في الآونة الأخيرة إلى إصدار قوانين بالعقوبات الجسدية حتى مستوى العقوبة القصوى ، كالجرائم المتعلقة بنشر المخدرات وترويجها.

              مع إقرارهم جميعاً استباحة ما تصنعه الحروب ذات الأهداف المدفوعة بالأنانيات غير النبيلة ولا الشريفة ، من قتل وصور بشعةٍ جداً ، تحرم من يصاب بها من بعض أعضائه وحواسه ، وتعطله في الحياة ، وتجعله من المعوقين ، مع ما تجلبه له من آلام جسيمة.

              * رابعاً : على طارحي السؤال أن يراجعوا تاريخ النصارى المملوء بمآسي القتل والاضطهاد الشنيع بكلّ أنواع التعذيب والإذلال ، والتي منها قطع الأيدي والأرجل والأنوف والآذان ، ومنها سملُ العيون وإطفاء نورها بالحديد المحمى ،وغير ذلك ، لإكراه النصارى ولا سيما المسلمون على ترك دينهم ، والدخول في النصرانية.

              وقد كان بين طوائفهم مثل ذلك أيضاً ، بسبب الخلافات الدينية . ألا يذكرون ما صنعت محاكم التفتيش في أسبانيا؟

              ألا يذكرون ما صنع رجال الكنيسة من حبس الألوف في أقبية مغلقة وجمعهم فيها كجمع سمك السردين في العلب ، وتركهم فهيا حتى يموتوا وقوفاً متراصين ، مختنقين جياعاً ظماءً؟

              ألا يذكرون القسوة الشديدة التي عاملوا بها المسلمين في المستعمرات التي استعمرتها بعض الدول المسيحية لبعض بلدان المسلمين في الشرق الأقصى ، واعترف بها بعض قادة المبشرين ، وقد بارك رجال الكنيسة هذه الأعمال؟

              * خامساً : لقد جرَّب المسلمون عبر تاريخهم العقوبات الجسديَّة الَّتي أمر الله بها ، كالقطع والجلد والرجم ، فكان من منافعها العظيمة حماية المجتمعات الإسلاميَّة من جرائم قتل شنيع فما دونه تعادل آلاف أضعاف ما تمَّ تنفيذه من عقوبات جسدية ، بمعنى أن يداً واحدةً قطعت حماية المجتمعات الإسلامية من جرائم قتل شنيع فما دونه تعادل آلاف أضعاف ما تم تنفيذه من عقوبات جسدية ، بمعنى أن يداً واحدة قطعت لسارق قد حمت آلافاً من الناس بريئين سويّين غير مجرمين ، كان من الممكن لولا هذه العقوبة الصارمة الحاسمة أن يتعرضوا للقتل وقطع الأيدي والأرجل وبقر البطون وإحداث عاهات مستديمات فيهم ، بأيدي مجرمين عدوانيين ، مع ما يسلبون وينهبون من أموال ويهتكون من أعراض.

              ويحسن بطارحي السؤال أن يراجعوا إحصائيات دول العالم اليوم التي لا تعاقب السارقين بقطع الأيدي ، وما فيها من أرقام جرائم خيالية فيها قتل بأبشع الصور فما دون القتل من أعمال عدوانية إجرامية ، من أجل الحصول على المال الحرام بالسرقة أو السلب والنهب والقهر بالقوة.

              كذلك نقول : إن رجم عددٍ لا يتجاوز عدد أصابع اليدين لزناة متزوجين محصنين ، ثبت على الزاني منهم الزنى بشهادة أربعة شهود عدول شاهدوا بأعينهم فعلته ، أو قدموا أنفسهم للتطهير باعتراف منهم لم يكرهوا عليه ، ولم يستدرجوا إليه ، بأية وسيلة من وسائل الاستدراج ، قد حمى المجتمع الإسلامي قروناً متعددة من انتشار فاحشة الزنى في الأسر المحصنة ، وحماه مما تجر هذه الفاحشة من فسادٍ في المجتمع ، واختلاطٍ في الأنساب ، ومآسٍ في الأسر ، ثم مما تجلبه من أمراض وبائية قد أحدثت طوفاناً وبائياً في الشعوب التي تهاونت بهذا الأمر ، وجعلت ممارسته من مظاهر الحرِّيَّة الشخصية.

              وأقول لأصحاب السؤال الذين يقولون : إنهم نصارى : هل أباحت شريعة من الشرائع الربانية الزنى المنتشر في عالم اليوم في الشعوب النصرانية بشكل معتاد غير منتقد ، باعتباره ظاهرة من ظواهر الحريات الشخصية ، وقد سبب في شعوب الأرض مآسي تدوَّن بها بحوث ورسائل بل كتب كبيرة؟!

              إنَّ أصل الحكم الرباني في شريعتهم هو الرجم ، وقد كانوا يفعلونه في عصورهم الأولى ، ثم دخل عليهم التحريف في الدين ، والتهاون بتطبيق أحكامه ، فليراجعوا تاريخهم ، أو فليقرؤوه إن كانوا جاهلين.

              أفيعترضون على حكم هو من أحكام الإسلام وهو من أصول شريعتهم ، وأحكام دينهم ، ومنصوص عليه في الكتب التي يؤمنون بها ، كما سبق بيان ما جاء في الإصحاح العشرين من سفر اللاّويين؟!

              إذا تحولوا علمانيين فلينصروا العلمانية صراحةً ، وليخلعوا قناع مناصرة الديانة النصرانية.

              وإذا كانوا ينصرون ما هو قائم في الشعوب النصرانية مما هو مخالف لأصول دينهم ، فليدعوا الأديان كلها جانباً ، وليتحدثوا عن واقع بشري بحت ، لا عن أديان ربانية منزلة من عند الله رب العالمين.

              وأذكرهم با جاء في الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا:

              "1- أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون .

              2- ثم حضر إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم.

              3- وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنا . ولما أقاموها في الوسط .

              4- قالوا له : يا معلم ، هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل.

              5- وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم فماذا تقول أنت ؟

              6- قالوا هذه ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه . وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض.

              7- ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم : من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر.

              8- ثم انحنى أيضاً إلى أسفل وكان يكتب على الأرض.

              9- وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحداً فواحداً مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين".

              * * *
              Last edited by قسورة; 04-23-2007, 07:29 AM.
              من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

              Comment

              • قسورة
                عضو
                • Nov 2005
                • 157

                #37


                ثانياً:
                أسئلتهم حول المسَاواة وأجوبتها

                السؤال الأول:

                "ما معنى الدفاع عن تفوق الإنسان الحر على العبد ، دون إدانةٍ للعبودية والقضاء عليها؟".

                الجواب:

                إنَّ المفاهيم الإسلامية التي يدل عليها كتاب الله القرآن ، وتدل عليها أقوال الرسول وأفعاله ووصاياه تقرر أن الحر ليس له – بسبب كونه حراً – تفوق عند الله ، وكذلك في المجتمع الإسلامي المطبق لأحكام الإسلام ، على العبد ، بسبب كونه عبداً ، وكذلك في وجدان كل مؤمن مسلم ، فلا تفوق في الإسلام للحر على العبد.

                فرب عبد مؤمن مسلم صالح تقي هو خير بإيمانه ودينه وعلمه وعقله وخصائصه النفسية والجسدية من سيده.

                أما الحرِّيَّة والعبودية فقضيتان من النظام الاجتماعي الذي يحدد علاقات البشر ، دون النظر إلى اعتبارات تفوق واستعلاء ، أو تدن وانحطاط.

                إن العلاقة بين العبد وسيده في مفاهيم الإسلام تشبه العلاقة بين عامل بأجر ، مهما كان هذا العامل عظيماً في صفاته وخصائصه الذاتية والاجتماعية ، وبين رب عمل ، مهما كان رب العمل هذا منحط القيمة في صفاته وخصائصه الذاتية والاجتماعية . فموقع العامل بأجر اضطُرَّ أن يؤجّر نفسه لحاجته إلى الأجرة ، تجاه رب العمل ، هو موقع المكلف المسؤول ، الذي يتلقى أوامر الذي يعمل عنده ، ويتلقى نواهيه ، حول العمل الذي أجر طاقة عمله له ما دام أجيراً ، وهذه العلاقة تحكمها ضوابط حقوقية.

                وهي أيضاً تشبه العلاقة بين رئيس الدولة أو أي ذي سلطة إدارية ، وبين الذين هم تحت سلطته.

                فهل صاحب السلطة الإدارية له تفوق في خصائصه البشرية بسبب كونه في موقعه الإداري؟!

                إن كثيرين من الذين هم تحت سلطته هم أفضل منه أضعافاً مضاعفة في خصائصهم وصفاتهم النفسية والجسدية ، لكن موقعهم في حدود النظام الإداري هو موقع المأمور الذي يجب عليه أن يطيع أوامر رئيسه.

                ونقول هنا لطارحي السؤال على طريقة سؤالهم : ما معنى هذا التفوق؟!

                وإذا دافعوا عنه فنقول لهم على طريقتهم أيضاً : ما معنى الدفاع عن تفوق الرئيس على مرؤوسيه؟!. وما معنى تفوق المدير على من هم تحت إدارته؟!. وما معنى تفوق البابا على الكرادلة؟! وتفوق الكرادلة على البطارقة؟! وهكذا تسلسلاً حتى أدنى مراتب الإكليروس.

                أما نحن المسلمين المؤمنين بمفاهيم الإسلام فلا نرى العلاقة بين العبد وسيده ، ولا أمثالها تفوقاً ، بل هو أمرٌ من النظام الاجتماعي اقتضته طبيعة الحياة الاجتماعية البشرية ، لتنظيم أحوال الناس ، ولولا ذلك لفسدت المجتمعات ، ولصار الناس فوضى .

                وتطبيقاً لهذا المفهوم الإسلامي اتخذ العبيد والموالي في تاريخ المسلمين سبلهم للارتقاء إلى أرفع المراتب الاجتماعية ، فكان منهم كبار العلماء والمحدثين والقادة الموجهين ، والأئمة الأعلام ، ثم كانت لهم دولة ذات شأن تعرف في تاريخ المسلمين بدولة المماليك.

                على خلاف العبيد في تاريخ الشعوب النصرانية ، الذين كانوا يسترقون نهباً وسلباً من السواحل الإفريقية ، ويساقون بالتعذيب إلى أمريكا ، وعلى أجسادهم أقام النصارى العالم الجديد ، وهذه بقعة مظلمة سوداء في تاريخ الشعوب النصرانية ، ولا زالت مظاهر الاستعلاء التفوقي للعرق الأبيض على الشعوب السود موجودةً حتى الآن ، في الشعوب النصرانية ، وهو ما يسمى بالتمييز العنصري ، الذي تعاني منه الشعوب السود ، على خلاف واقعهم بين شعوب الأمة الإسلامية.

                وأما الرق فقد كان قبل الإسلام نظاماً عاماً عند كل الشعوب ، وعند كل أهل الملل والنحل ، ومنهم اليهود والنصارى . وقد كانت له أسبابٌ هي في معظمها ظالمة آثمة لا أخلاقية ولا إنسانية ، تعتمد على السلب والنهب والسطو بالقوة المسلحة مع الإكراه بالقتل لمن يسترق ، إذا تمرد على من استرقه أو على من اشتراه منه.

                ولما جاء الإسلام حث على عتق العبيد ، ولم يكن من الممكن إلغاء الرق نهائياً من طرف واحد ، وهو طرف الأمة الإسلامية ، لأن الرق من القضايا التي تواضعت عليها شعوب الأرض ، لكن الإسلام منع كل الموارد الظالمة الآثمة التي كانت تمد نظام الرق ، وتجعل الأحرار عبيداً ، وكان من اللازم أن يعامل بالمثل في أسرى الحرب فقط ، لأن الأسرى من المسلمين عند غير المسلمين كانوا عرضة ً للاسترقاق ، أو يفدون بنظرائهم ، أو بالأموال ، فكان من العدل في نظام الإسلام المعاملة بالمثل . وزاد الإسلام الأسرى تكريماً ، فأعطى القيادة المسلمة حق المن بإطلاق الأسرى دون مقابل ، وبدأ النص القرآني به ، وسكت عن الاسترقاق ، إشعاراً بعدم الرغبة فيه ، ولكن قد تدعو إليه المعاملة بالمثل ، فقال الله عزَّ وجلَّ في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):

                {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}.

                ولم يقل القرآن : وإما استرقاقاً ، ليدل على أن الاسترقاق غير مرغوب فيه ، وإنما قد تدعو الحاجة إليه ، بمقتضى قواعد المعاملة بالمثل ، وليدل على أن من صلاحيات القيادة الإسلامية أن تتفق مع محاربيها على أن يكون التعامل فيما بينهم على إيقاف نظام الاسترقاق ، والاكتفاء بالمن (أي : بإطلاق الأسرى دون مقابل) ، أو بالفداء (أي : بافتداء أسرى بأسرى ، أو افتداء أسرى بمال).

                وإذا كان أصحاب السؤال يجهلون أو يتجاهلون أن نظام الرقيق والعبيد من الأنظمة لدى أهل الكتاب جميعاً ومنهم النصارى ، فإنني أحيلهم على النص الذي أوردته فيما سبق من الإصحاح العشرين في سفر التثنية ، وليقارنوا بين قول الله تعالى في القرآن:

                {إِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ...}.

                وبين ما جاء في سفر التثنية حول محاربة أهل المدن :

                "فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك التسخير ويستعبد لك .

                وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف".

                إلى آخر ما جاء في النص مما هو أشد وأقسى.

                وأقول لهم أيضاً : ألم يكن لداود عبيد يطيعونه ، ويخضعون له ؟! ألم يكن لسليمان عبيد يطيعونه ويخضعون له؟! ألم يكن لأيوب عبيد يطيعونه ويخضعون له؟!

                إذا كانوا يجهلون ذلك ، فإني أعرض عليهم مقاطع من كتابهم المقدس :

                ( 1 ) جاء في الإصحاح الثاني عشر من "صموئيل الثاني" ما يلي في معرض بيان حزن داود من أجل مرض الولد الذي حملت به منه امرأة أوريا (كما يزعمون) كذباً وبهتاناً على داود فيما نعتقد نحن له من عصمة عن الزنا :

                "18 – وكان في اليوم السابع أن الولد مات ، فخاف عبيد داود أن يخبروه بأن الولد قد مات لأنهم قالوا : هو ذا لما كان الولد حياً كلمناه فلم يسمع لصوتنا . فكيف نقول له قد مات الولد . يعمل أشر .

                19- ورأى داود عبيده يتناجون ففطن داود إلى أن الولد قد مات . فقال داود لعبيده : هل مات الولد؟ فقالوا : مات" إلى آخر القصة.

                ( 2 ) وجاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر "الملوك الأوَّل" ما يلي في معرض الحديث عن سليمان:

                "3- وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من النساء السراري فأمالت نساؤه قلبه".

                ( 3 ) وجاء في سفر أيوب بيانٌ عن خدمه وغلمانه الكثيرين ، العاملين في خدمته ، المطيعين لأوامره ونواهيه ، وجاء فيه بعض بيان عن عبيده وإمائه.

                فلما امتحنه الله بزوال النعمة جاء في أقواله كما في الإصلاح التاسع عشر:

                "14- أقاربي قد خذلوني والذين عرفوني نسوني.

                15- نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبياً ، صرت في أعينهم غريباً.

                16- عبدي دعوت فلم يجب".

                ثم ألا يذكرون أن "سارة" زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام كانت لها أمة هي "هاجر" وأنها وهبتها لزوجها إبراهيم ، ولما حملت منه غارت منها ، وألزمت زوجها بإبعادها ، حتى أخذها هي وابنها الرضيع إسماعيل إلى مكة وتركها في وادٍ غير ذي زرع بأمر الله وإذنه؟

                ( 4 ) وجاء في رسالة بطرس الرسول الأولى (الإصحاح الثاني) ما يلي :

                "18- أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة ليس للصالحين المترفقين فقط ، بل للعنفاء أيضاً.

                19 – لأن هذا فضل إن كان أحدٌ من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم.

                20- لأنه أي مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون ، بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله.

                21- لأنكم لهذا دعيتم".
                * * *

                السؤال الثاني:

                "لماذا يقال بأن الله قد خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات ، بينما تقبل عدم المساواة لأسباب دينية . كما يعلن عن تفوق المسلم على غير المسلم وإن كان الأخير من (أهل الكتاب) ومن أتباع الديانات الأخرى ، أو من غير المؤمنين.

                ونجد هذه اللامساواة في الميادين الحقوقية والاجتماعية ، اعتماداً على العقائد الدينية .

                ونحن بدورنا نتساءل : هل يتعارض التعايش بالحقوق نفسها ، بين المسلمين والنصارى واليهود وبقية الناس ، مؤمنين أم غير مؤمنين مع العقيدة الإسلامية ، وبخاصة بالنسبة إلى قضية تطبيق الشريعة دون تمييز على المسلمين وغير المسلمين".

                الجواب :

                السؤال مطروح بشكل عام دون بيانٍ ولا تحديد ولا أمثلة ، والأسئلة العامة مزالق مغالطات لا يجاب عليها أجوبة عامة.

                والاعتراض الوارد في السؤال يتضمن اعتراضاً عاماً غير محدد ، وغير مقترن بأمثلة ، ومثل هذا الاعتراض ساقط لا قيمة له في مجال البحث العلمي ، والحوار العقلي المنصف المتجرد.

                إن باستطاعة أي إنسان غير ملتزم بمنطق الحوار العلمي والمناظرة النظيفة الحصيفة الشريفة ، أن يقول لأي فاضل نزيه شريف بريء : لماذا تتظاهر بالفضل والنزاهة والشرف والبراءة ، بينما نجدك على خلاف ذلك؟!

                إن أول رد مهذب يرد به هو أن يقول : ماذا تنكر علي من قول ، أو خلق ، أو سلوك ؟

                أثبت بالأمثلة من الواقع ما أنت تشتمني به.

                ونحن هنا نرد بمثل ما رد به الرسول "نوح عليه السلام" على قومه إذ قالوا له : إنا لنراك في ضلال مبين.

                فقال لهم : يا قوم ليس بي ضلالة.

                قال الله عزَّ وجلَّ في القرآن ، في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):
                {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.

                ونرد بمثل ما رد به الرسول "هود عليه السلام" على قومه إذ قالوا له : إنا لنراك في سفاهةٍ وإنا لنظنك من الكاذبين.

                فقال لهم : يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكني رسول من رب العالمين.

                قال الله عزَّ وجلَّ في القرآن ، في سورة (الأعراف) أيضاً:

                {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}.

                ومع هذا ، فإني أقدم تصوراً كلياً عاماً عن الحقوق والواجبات في الإسلام ، يدرك طارحو السؤال من خلاله كيف ينبغي أن تطرح الأسئلة والاعتراضات ، ويظهر أنهم بعيدون عن الدراسات الحقوقية والقانونية ، أميون في هذا المجال العملي ، كما هم أميون في كتابهم المقدس ، أو متجاهلون يغالطون في طرح الأسئلة ، ظانين أن الأسئلة تنطي عليهم حيل الأسئلة.

                إن التفصيل في هذا الموضوع يحتاج بياناً واسعاً يعتمد على تتبع جزئيات الحقوق والواجبات ، ومعرفة من له حق ما ، ومقدار ذلك الحق ، ومعرفة من ليس له حق ، ثم معرفة من عليه واجبٌ ما ، ومقدار ذلك الواجب ، ومعرفة من ليس عليه واجب ، كل ذلك على وجه الدقة.

                وقبل أي بحث في هذا الموضوع أقول : إن الإسلام يقرر من مبادئه الكلية العامة مبدأ العدل ، لا مبدأ المساواة ، ومبدأ العدل يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه ، أو على مقدار حقه دون زيادة ولا نقصان.

                وإعطاء كل ذي حق حقه ، أو على مقدار حقه دون زيادة ولا نقصان هو واجب على من يملك هذا الإعطاء.

                أمثلة :

                ( 1 ) فمن حق الله على عباده أن يؤمنوا به رباً واحداً أحداً لا شريك له ولا ند له ، ولا ولد له ، ولا صاحبة له.

                ومن حق الله على عباده أن يعبدوه وحده ولا يشركوا بعبادته أحداً. وأن يطيعوه في أوامره.

                إذن ، فعلى كل ذي إرادة حرة علم بحقوق الله عليه بنفسه ، أو بلاغاً عن طريق الرسل ، واجبُ أداء هذه الحقوق.

                ومن كفر بالله ، في ربوبيته الواحدة ، أو في إلهيته الواحدة ، أو عصى أوامر الله ونواهيه ، ولم يؤد حقوق الله عليه ظلم وأجرم ، واستحق المؤاخذة والعقاب بنفسه ، على مقدار استهانته أو تقصيره بأداء حقوق الله عليه ، ولا يحمل مخلوقٌ ما كائناً من كان وزراً اكتسبه مخلوق آخر {كل نفس بما كسبت رهينة} ، وهذه قاعدة من قواعد الدين منزلة على إبراهيم عليه السلام فمن بعده من المرسلين ، وفكرة تحمل عيسى عليه السلام الخطيئة عن غيره بتقديم نفسه للصلب ، خرافةٌ لا أصل لها في قانون العدل الرباني ، صنعها محرفو الديانة الربانية ، التي جاء بها عبد الله ورسوله عيسى عليه السلام فمن بعده من المرسلين ، وفكرة تحمل عيسى عليه السلام الخطيئة عن غيره بتقديم نفسه للصلب ، خرافةٌ لا أصل لها في قانون العدل الرباني ، صنعها محرفو الديانة الربانية ، التي جاء بها عبد الله ورسوله عيسى عليه السلام.

                ( 2 ) وقد أعطى الله عباده حقوقاً قسمها بينهما بحسب ما وهبهم ، وكلفهم من الواجبات على مقدار ما وهب كلاً منهم.

                فلكل ذي حياة حق في أن يحيا ، وفي أن يكون له رزق ، وفي أن يكون له من مطالب حياته ما يحتاجه له ، طوال مدة رحلة امتحانه في الحياة الدنيا.

                وعلى الناس جميعاً أن يصونوا له هذا الحق ، ما لم يعمل عملاً يستحق عليه عقاباً ، وقد يصل العقاب إلى عقوبة الطرد من الحياة الدنيا بالقتل.

                هذا الحق يتساوى فيه الناس جميعاً ، فهم فيه سواسية ، بشرط أن لا يعتدي صاحب هذا الحق على حق الله ، أو حقوق الآخرين من عباد الله ، أو شيء من خلق الله.

                ومن الحقوق التي يجب أن تبقى مصونة للإنسان في رحلة امتحانه ، تأمين حريته الشخصية في أن يؤمن بما شاء ، ويكفر بما شاء ، وفي أن يفكر كما يشاء ، ويختار لنفسه من الدين والاعتقاد ما يشاء ، فلا يُكرَهُ ولا يُجْبَرُ على دينٍ ما ، أو اعتقاد ما ، لكنه بعد ذلك ملاحقٌ عند الله بالمسؤولية والحساب والجزاء ، فإن اعتدى على غيره من أصحاب هذا الحق فأجبرهم أن يؤمنوا بمثل ما آمن به ، أو أن يدينوا بدينه ، وأكرههم بأية وسيلة من وسائل الإكراه ، كان على أهل الرشد من البشر أن يمنعوه من ذلك ، ولو بأن يقاتلوه إذا اقتضى الأمر قتاله ، لإزاحته من موقع السلطة الإكراهية.

                وقد علمنا القرآن أنه لا إكراه في الدين ، وأن الأنبياء والمرسلين جميعاً لم يكرهوا الناس على الدين ، ولم يقبلوا ديناً بإكراه ، ولم يقرروا مؤاخذة على الكفر بالحق إذا كان ناشئاً عن إكراه.

                والأمر في التوراة والإنجيل والقرآن بقتال الكافرين ، إنما هو لتأمين حريات الأفراد في الدين ، وإزاحة ذوي السلطان الذين يكرهون الناس على وثنياتهم وكفرياتهم ، عن مراكز قواتهم التي بها يكرهون الناس.

                هذه تعاليم الإسلام ، وأدلتها كثيرة وواضحة.

                ( 3 ) وتوجد حقوقٌ لبعض الأفراد ، هي واجباتٌ على غيرهم ، دون تبادل التساوي بين هؤلاء وهؤلاء.

                إن للوالدين مثلاً حقوقاً على أولادهما ، وهذه الحقوق يترتب عنها واجبات على الأولاد ، ذكوراً وإناثاً ، فالتساوي بين الوالدين وأولادهما في الحقوق والواجبات غير معقول وغير ممكن ، لأنه لا يمكن أن يكون الابن أباً لأبيه حتى يكون له عليه من الحق مثل ما لأبيه عليه من الحق ، إنه دور مستحيل عقلاً.

                إذن فحق الوالد على الولد لا يساوي من هذه الناحية حق الولد على والده أو والدته.

                لكن للود حقاً آخر على أبيه وأمه ، ولا يوجد لهذا الحق مساوٍ عند الوالد نحو ولده.

                وكل حق من جهةٍ على جهةٍ يقابلُه واجب على من عليه الحق ، فحق الرئيس على من هم تحت يده بمقتضى النظام الاجتماعي يقابله واجب عليهم ، هو أن يطيعوه في غير معصية الله ، وفي أن يحترموه ويوقروه ، ولهم حقٌّ عليه في أن يعدل بينهم ويرفق بهم ، ويعمل على أمنهم ، وتيسير وسائل كسب أرزاقهم ، ونحو ذلك .

                والزوج بمقتضى قوامته على زوجته ، له عليها حقٌّ أن تطيعه بالمعروف في غير معصية الله ، وأن تعفَّه ، وأن تهيئ له الوسائل حتى تكون له سكناً ، ويجد عندها طمأنينته ، إلى غير ذلك من حقوق.

                وحقها عليه أن ينفق عليها ، ويكون لها عوناً وسنداً ، ويرفق بها ، ويعاشرها بالمعروف .

                ونرى أن الحقوق والواجبات بينهما ليست في كل العناصر متطابقة ولا متساوية ، هو منفق وهي غير منفقة ، هو صاحب قوامة وهي ليست صاحبة قوامة.

                إن طبيعة الخصائص المختلفة تقتضي التكامل ، لا التطابق ولا التساوي ، فمطلب التساوي منشؤه سوء الفهم لطبيعة الوجود ، وطبيعة الحياة ، وتطبيقه يؤدّي إلى الفساد والإفساد.

                وهكذا إلى سائر الحقوق والواجبات.

                أما المسلمون فقد قامت بينهم وحدة الدين عقيدةً وشريعةً ونظاماً فكل من ينتمي إلى هذا الدين هو مكلف أن يلتزم بالحقوق والواجبات المبينة فيه ، والتي تحددها الخصائص والصفات ، وتقوم على مبدأ العدل ، لا على مبدأ التساوي.

                وأما المسلمون مع غير المسلمين الذين لم يؤمنوا بالعقيدة الإسلامية ، والشرائع الإسلامية ، والنظام الإسلامي ، فالجامع بينهم روابط إنسانية ، والحقوق والواجبات بيهم تحددها مفاهيم هذه الروابط ، وقواعدها عامة ، وتقوم على مبدأ العدل لهم أو عليهم ، لا على مبدأ التساوي ، فكل حقٍ تقرره مبادئ الحقوق الإنسانية يقابله واجبٌ على الآخرين أن يحترموه ، ويلتزموا به إذا كان يتعلق بهم.

                فالجماعة المسلمة لها روابط قائمة على وحدة الدين , وهذه الرواط لها نظام عام شامل.

                وحين يتكون مجتمع ما من أكثرية لها روابط قائمة على وحدة الدين ، وأقلية لا تدين بدين الأكثرية ، فإن الأكثرية ليست مطالبة في منطق المجتمعات البشرية كلها بأن تتنازل عن مبادئها ومصالحها من أجل الأقلية ، وقد تعطى الأقلية بعض استثناءات لا تتعارض مع قواعد النظام العام ، ولا تتعارض مع المصالح الكبرى للأكثرية.

                وهنا أقول : هل يوجد في أية دولة ذات أكثرية نصرانية أو قومية من دول العالم أنظمة متعددة بعدد الأقليات الدينية أو القومية فيها؟!

                أم توضع الأنظمة العامة بمقتضى رغبات ومصالح الأكثرية؟!

                إن كل الأنظمة الديمقراطية في العالم تحددها –بحسب الظاهر – إرادة الأكثرية ، ثم تفرض على الجميع ، ومنهم الأقليات التي لم تحترم إرادتها ، وفي أحسن الأحوال وبعد المطالبات الملحة قد تعطى إنسانياً بعض حقوق استثنائية ، كالمعابد والمدارس الخاصة بها ، وبعض المراكز التي يمكنون فيها من نشاطٍ ديني محدود ، على الرغم من أنها أنظمة قائمة على مبادئ علمانية غير نصرانية.

                أما الدول التي تشتد فيها النزعة النصرانية ، فالأقليات المسلمة فيها مقهورة ، مهضومة الحقوق ، مضطهدة من أجل دينها ، لا تجد أية مساواة بينها وبين الأكثرية النصرانية ، في كل المجالات ، وبعض الأقليات المسلمة في بعض البلدان النصرانية من هذا القبيل يفرض عليها تغيير أسمائها الإسلامية ، فأين المساواة والمدعاة؟

                هل وجدت الأقليات النصرانية في الدولة الإسلامية عبر تاريخها الطويل ، شيئاً من هذا الذي تعاني منه الأقليات المسلمة في الدول ذات التعصب النصراني ؟ إن الإسلام راعى للأقليات غير المسلمة استثناءاتها الخاصة التي تقتضيها أحكام أديانها الخاصة ، بشرط عدم التأثير على النظام العام ، أو الإخلال بقواعده وأمن المجتمع.

                ومن ناحية أخرى أقول بنظرة حقوقية : إذا كان المسلم يتمتع بين المسلمين بحقوق أكثر من حقوق غير المسلم أحياناً ، ويتحمل من الواجبات عليه للمسلمين أكثر مما يتحمل غير المسلم ، فهذا أمر اقتضته طبيعة روابط وحدة الجماعة بيهم ، ولا يقال : هذه نزعة تفوق . وفي المقابل نجد كل جماعة في الدنيا تجمعهم روابط متكافئة ، لهم على بعضهم حقوق ، وعليهم نحوهم واجبات ، ولا يوجد نظيرها بينهم وبين غيرهم من الجماعات الأخرى ، التي تؤلف بينهم روابط أخرى دينية أو طنية ، أو مذهبية أو حزبية ، حتى الأسرة تجمع بينها روابط ، وهي لا تطالب بأن تعامل أفراد سائر الأسر بمثل ما تعامل به أفراد أسرتها تماماً.
                كذلك لا يقال : إن لغير المواطن الذي لا يحمل جنسية الدولة من الحقوق على الدولة مثل حقوق المواطن بالتساوي ، فهذا لا يقول به أحدٌ من الناس ، وذلك لانعدام روابط المواطنة ، وليس تفضيل المواطن في الحقوق على النزيل الضيف ، أو عابر السبيل ، أو المقيم بعهد أو أمان ، هو من قبيل التفوق الإنساني.

                والذي يظهر أن واضعي السؤال من المؤسسة التبشيرية العاملة تحت تنظيم "الآباء البيض" لم يدرسوا مبادئ الحقوق في الشرائع الدينية أو القوانين الوضعية ، لأننا نلاحظ على أسئلتهم حول المسا واة جهلاً لا نراه عند الذين لديهم معرفة ما بأصول قوانين الحقوق وقواعدها.

                وأكره أن أقول : إن السؤال يعتمد على المغالطة والتضليل ، فهما فغير أخلاقيين في المناظرة أو الحوار أو طرح الأسئلة.
                * * *

                السؤال الثالث :

                "لماذا يقبل تفوُّق جنس على آخر ؟ وهو أمر نراه من خلال النقاط التالية :

                ( 1 ) قبول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج.

                ( 2 ) إمكانية هجر الرجل لزوجته دون أن يقدم تبريراً لعمله ، ومن دون أن يعاني من أية نتائج لعمله هذا ، بينما لا تستطيع المرأة سوى الحصول وبصعوبة على الطلاق ، وعن الطريق القانوني فقط.

                ( 3 ) للأب حق الوصاية أو الولاية على الأبناء دائماً ، وإن كان الأطفال في حضانة الأم.

                ( 4 ) بالنسبة إلى المواريث نجد أن نصيب المرأة ، وفي أغلب الأحيان ، هو أقل من حصة الرجل .

                الجواب:

                إن سؤالهم حول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج سؤال عجيب من الذين يؤمنون بأنبياء بني إسرائيل ، وبأسفار العهد القديم من كتابهم المقدس.

                ولنا مع الذين لا يؤمنون بكتاب رباني من الملاحدة والعلمانيين كلامٌ طويل ، وبيانٌ مستفيض ، نبين فيه حكمة الرسالات الربانية في إباحة تعدد الزوجات ، مع تحريم تعدد الأزواج في وقت واحد.

                أما النصارى الذين يؤمنون بإبراهيم عليه السلام رسولاً ، ويؤمنون بإسحاق ويعقوب وموسى وسائر أنبياء رسل بني إسرائيل ، فإننا نحيلهم على ما هو مدون في كتابهم المقدس من نصوص وبيانات تدل على أن من شريعة هؤلاء الرسل جميعاً إباحة تعدد الزوجات ، دون تعدد الأزواج طبعاً ، وأن بعض أنبيائهم ورسلهم كانوا يعددون الزوجات.

                فقد كان لإبراهيم عليه السلام في وقت واحد زوجة ، هي "سارة" وجارية وهبتها له زوجته وهي "هاجر" المصرية ، التي وهبا لسارة فرعون مصر ، وحملت منه بإسماعيل عليه السلام .

                وكان ليعقوب "إسرائيل" عليه السلام زوجتان شقيقتان ، هما : "ليئة" وهي الكبرى ، و"راحيل" وهي الصغرى ، وكان له معهما جاريتان هما : "بِلْهَة" جارية راحيل ، و"زِلْفَة" جارية ليئة ، وأنجب من الأربعة أولاده الاثني عشر ، هم أجداد أسباط بني إسرائيل .

                وكان لداود عليه السلام عدة زوجات ، فمنهن زوجتان جاء ذكرهما في الإصحاح الثاني ، من سفر "صموئيل الثاني" فقد جاء فيه:

                "2- فصعد داود إلى هناك هو و امرأتاه أخينوعم اليزرعيلية وأبيجايل امرأة نابال الكرملي.
                3- وأصعد داود رجاله الذين معه كل واحدٍ وبيته وسكنوا في مدن حبرون.
                4- وأتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكاً على بيت يهوذا".
                وقد سبق بيان ما لسليمان عليه السلام من زوجات ، وهن (700) سيدات ، و(300) سراري ، كما جاء في الإصحاح (11) من سفر الملوك الأول.

                واستمرت شريعة تعدد الزوجات في بني إسرائيل ، وفي رسالة عيسى عليه السلام ، ثم جاء منع التعدد تحريفاً كنسياً في النصرانية ، مستنداً إلى وصية بولس في رسائله ، كما جاء في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوث (الإصحاح السابع).

                والتعدد أمر منصوص عليه في سفر "التثنية" ففي الإصحاح الحادي والعشرين منه ما يلي :

                "15 – إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة ، فإن كان الابن البكر للمكروهة.

                16- فيقوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكراً على ابن المكروهة البكر.

                17 – بل يعرف ابن المكروهة بكراً ليعطيه نصيب اثنين من كل ما يوجد عنده لأنه هو أول قدرته له حق البكورية".

                بعد هذا أقول ما هو جواب أصحاب السؤال حول إباحة تعدد الزوجات في رسالات رسل بني إسرائيل؟ وحول وجوده فعلاً في تاريخهم؟

                إنهم إذا وصلوا إلى جواب يقنعهم عما لديهم في الرسالات الربانية التي يؤمنون بها ، فليكن هذا الجواب كافياً لهم ، ورداً على سؤالهم الإيهامي التشكيكي.

                إجابة لإقناع العلمانيين اللادينيين:

                وبعد دفع تشكيك أصحاب السؤال من النصارى ، أقول للعلمانيين اللادينيين الذين قد يخطر في بالهم طرح مثل هذا السؤال ، ما يلي :

                إن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام دون إباحة تعدد الأزواج ، هو ما تقضيه الحكمة الرفيعة في المجتمع البشري.

                أما تعدد الأزواج فأمرٌ لا يقره عاقل ، ولا يقره دين ، ولا نظام وضعي بشري ، إذ لا تساوي بين المرأة والرجل في الحمل والولادة ، فكيف يطلب التساوي في التعدد؟

                إن السبب في منع تعدد الأزواج ظاهر واضح ، وهو ما قد يُفضي إليه تعدد الأزواج من اختلاط الأنساب ، مع منافاته أصلاً للطبيعة البشرية التي فطر الله الناس عليها ، فالزوج هو الذي له الإدارة والقوامة ، ومعلومٌ أن السفينة الواحدة لا يقودها ربانان في آنٍ واحد ، والتناوب في الحياة الزوجية بين صاحبي قوامة غير ممكن لا على سبيل المشاركة ، ولا على سبيل التقسيم الزمني الذي يعرف بالمهايأة ، ويؤدي إلى خلافات وصراعات حتمية تنتهي بالتدمير السريع للأسرة.

                وأما إباحة تعدد الزوجات فأمر تقتضيه مصالح إنسانية كثيرة ، وقد يكون التعدد هو الحل الأفضل والأنسب لكثير من المشكلات في المجتمع البشري ، ومن ذلك ما يلي :

                * أولاً : إن إباحة تعدد الزوجات بشكل صريح وعلني ، مع عدم الإذن بالزيادة على أربع زوجات في وقت واحد ، ومع الإلزام بالعدل بين الزوجات وإلا فيجب الاقتصار على واحدة ، وهو ما قررته أحكام الشريعة الإسلامية ، أفضل ألف مرة مما تعاني منه المجتمعات النصرانية والعلمانية التي تمنع تعدد الزوجات الرسمية الصريحات ، من انتشار التعدد فعلاً دون ضوابط ، وبطرق سفاحية غير مشروعة ، ولا تستتبع حقوقاً ، ولا التزامات على الزوج ، وينتشر بها اللقطاء أولاد الزنا ، أو يعيشون في الحياة ليس لهم آباءٌ معروفون يُسألون عنهم ، ويتحملون مسؤولياتهم تجاههم.

                إن هذه المجتمعت التي تمنع تعدد الزوجات تغض النظر عن تعدد العشيقات والخليلات والصواحب أو تسمح بذلك علناً ولا تجد في الزنا أي حرج ما دام قائماً على تراضي الطرفين ، حتى غدا التعدد بهذه الطرق غير المشروعة والتي لا ضابط لها ، ظاهرة متفشية في هذه المجتمعات التي تنتمي إلى المسيحية أو إلى العلمانية اللادينية ، حتى لا تكاد تسلم منها إلا القلة القليلة النادرة.

                والسبب في ذلك أن كثيراً من الرجال لا تقنعهم ولا تكفي مطالبهم زوجة واحدة ، فإذا كان النظام المعمول به لا يسمح بأكثر من زوجة واحدة ، فإنهم يلجؤون إلى اتخاذ العشيقات والخليلات والصواحب غير الشرعيات ، مع ممارسة الزنا فوقهن بلا حدود.

                أفإقرار التعدد عن طريق الزنا مع التحرر من التبعيات أصلح للمجتمع ، أم إقراره مضبوطاً مراقباً محدوداً ، تراعى فيه الحقوق ، وتلتزم فيه تبعات الحياة الزوجية كاملة؟!

                * ثانياً : قد تتعرض المجتمعات البشرية لاحتمالات زيادة عدد النساء عن عدد الرجال ، الأمر الذي يفضي إلى إبقاء قسم من النساء عوانس أو أرامل ، لا يجدن من يتزوجهن من الرجال ، لقلة أعدادهم عن أعداد النساء ، وقد حصل هذا كثير في أعقاب الحروب .

                ولا نعلم فيما سبق في التاريخ أن زاد عدد الرجال على عدد النساء ، فالحكمة تستدعي إعطاء حكم الإباحة ، مع ضوابط العدل بين الزوجات ، وضمان حقوقهن كاملة.

                * ثالثاً : قد تتعرض المرأة لمرض لا تستطيع معه القيام بالوظائف الزوجية ، وتكون مجرد عبء على الزوج ، أو قد يفقد الرجل مشاعر الميل الجنسي إلى زوجته ، وفي كل من هاتين الحالتين يكون الزوج أمام حلين:

                - إما أن يطلق ليتزوج غير زوجته.

                - وإما أن يعدد ، والتعدد خير للمرأة من طلاقها ، أو أهون على نفسها ، على أن لها أن تختار الطلاق عن طريق المخالعة إذا لم تصبر على أن تشاركها غيرها في زوجها.

                * رابعاً : قد يكون الرجل مخصباً ، وتكون المرأة عقيماً ، ولا يريد الرجل أن يضار العقيم بالطلاق ، ويحرص على بقاء المودة بينهما ، مع رغبته في الإنجاب.

                وفي هذه الحالة قد يكون من الأصلح للمرأة ، أو الأهون عليها أن تكون شريكة لامرأة أخرى في رجلها ، من أن تطلق وتكون بغير زوج ، وهذا ما تفضله معظم الزوجات العقيمات .

                على أنها إذا رغبت في الطلاق فلها أن تطالب به ، ويتم ذلك عن طريق السلطة القضائية وبحكم الشرع ، ثم تبحث عن زوجٍ آخر يرضى بها وهي عقيم ، ويكون ملائماً لها.

                وحين يكون العقم من الزوج ، فإن لها الحق بأن تطالب بالطلاق عن طريق المخالعة لتتزوج بمخصب.

                وأخيراً أقول : إن التعدد في الغالب يكون مخالفاً لرغبة المرأة ، ولا يكون موافقاً لرغبتها إلا نادراً جداً ، ولكنه لا يكون مخالفاً لإرادتها ، ولما تراه الأفضل لها ، أو الأخف والأهون على نفسها.

                وذلك لأن السابقة التي يسوؤها مشاركة أخرى لها في زوجها ، باستطاعتها أن تطالب بالطلاق ، ولكنها قد لا تطالب به لأنها ترى أن من الأفضل لها أن تكون شريكة لأخرى في زوجها ، من أن تكون خلية في بيت أبيها لا زوج لها.

                أما اللاحقة فإنما تدخل وهي راضية بأن تكون شريكة ، إذ لو وجدت الأفضل لما وافقت ، إذن فموافقتها قائمة على أساس الرضا بالمشاركة ، فلو أنها كانت قد وجدت الزوج المناسب الذي تستقل به لم توافق على أن تكون شريكة لأخرى.

                بهذا نلاحظ أنه لا ظلم ولا إكراه لإرادة المرأة في أي حالٍ من الأحوال ، أما الرغبات ومطالب النفس وما تشتهي في الحياة الدنيا ، فإنه ما من رجل ولا امرأة في هذه الحياة يستطيع أن يحقق كل رغباته ، ولا الكثير منها ، لأن الحياة الدنيا حياة امتحان وابتلاء ، بالخير والشر ، بما يسر وما يسوء ، بالنعم والمصائب ، وليست حياة تحقيق كامل الرغبات ، بل نعمها ولذاتها مختلطة دواماً بمصائب ومؤلمات ومحزنات ، والمحبوبات فيها ممتزوجة بالمكروهات ، لحكمة الامتحان ، في ظروف هذه الحياة الدنيا ، وهكذا دواماً ظروف الامتحان الأمثل ، وقد جعل الله للمرأة التي تصبر على مشاعر الغيرة من شريكتها في زوجها أجراً عظيماً.
                * * *

                وأما حق الوصاية على الأبناء فهو تابع لقوامة الرجل في نظام الإسلام داخل أسرته ، وهو كحق الرئيس أو المدير على كل من هو تحت يده ، في كل الشرائع والأحكام الربانية ، وفي كل الأنظمة البشرية الوضعية ، وقد سبق إيضاح هذه الفكرة.

                وأزيد هنا أن التعاليم الدينية عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، تجعل للرجل حق السيادة في أسرته على زوجته وأولاده.

                ففي الإصحاح الثالث من رسالة بطرس الرسول الأولى ما يلي :
                "1- كذلكن أيتها النساء كن خاضعات لرجالكن حتى وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة يربحوهن بسيرة النساء بدون كلمة.
                2- ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف...

                5- فإنه هكذا كانت قديماً النساء القديسات أيضاً المتوكلات على الله يزين أنفسهن خاضعات لرجالهن.

                6- كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها التي صرتن أولادها صانعات خيراً وغير خائفات خوفاً البتة".

                أليس عجيباً أن يطرح "الآباء البيض" سؤالاً انتقاداً للإسلام ، حول أمرٍ هو جزء من وصايا دينهم؟!!

                لو طرحه العلمانيون أو الذين لا يؤمنون بدين لكان لنا معهم أجوبة أخرى علمية وعقلية وتجريبية.
                * * *

                وأما كون ميراث المرأة أقل من ميراث الرجل ، فلدى المسلمين بحوث تفصيلية كثيرة ، حررها كتاب مسلمون متعددون ، وأثبتوا فيها أن هذا هو الأمر الطبيعي الأكمل ، بعد أن حمل الرجل في نظام الإسلام مسؤولية بذلك المهر لزوجته ، والإنفاق عليها وعلى سائر أسرته ولم تكلف المرأة من ذلك شيئاً وإن كانت ذات غنى.

                وحكمة الإسلام في كل ذلك مبينة لدى فقهاء المسلمين والباحثين في حكمة التشريع الرباني.

                والرد على هذا السؤال لا يزيد على أنه تكرير لما فصله الباحثون من المسلمين.

                ولكن واضعي الأسئلة التشكيكية لا يريدون أن يقرؤوا ما عند المسلمين من بيانات كافيات شافيات ، خوفاً على أنفسهم من أن يقنعوا بها ، فيؤمنوا بالإسلام ، ويهجروا دينهم المحرف.

                وإن قرأها بعضهم من أهل الهوى والتعصب ضد الإسلام والمسلمين طمسها ، أو تلاعب في مفاهيمها ، وأبعدها عمن قد يتأثر بها من جماعته ، والمناصرين لأهوائه وتحريفاته.

                يا أهل الكتاب تعالوا فاقرؤوا ما عند المسلمين ، تعالوا إلى حوار حرٍ مكشوف بيننا وبينكم . إننا نرى بعض الدعاة إلى النصرانية منكم من رجال الكنيسة أو أصحاب الأهواء الأخرى ، يقرؤون ألف جواب مقنع ، يدحض تساؤلاتهم المشككة بالإسلام ، فيطمسونها كأنهم لم يقرؤوها ، ثم يعودون إلى طرح الأسئلة نفسها من جديد ، بأساليب الدس و البث الإعلامي التسللي ، الذي يراد منه إلقاء الشكوك في نفوس الجهلة بالدين من عليه الصلاة والسلام امة المسلمين ، ولا يراد منه التوصل إلى معرفة الحقيقة.

                قليلاً من الحق والعدل والإنصاف يا أهل الكتاب ، إنه لا ينفعكم عند الله أن تدعوا حب عيسى عليه السلام واتباعه ، وأنتم تتبعون في الواقع محرفي دينكم ، دين الله الذي جاء به عيسى ، وأوصاكم فيه باتباع محمد متى بعثه الله من بعد عيسى .

                اقرؤوا ما جاء في إنجيل "برنابا" ولا تقولوا هذا لا نعترف به ، فالمكر اليهودي قد حرف لكم دينكم وأبعدكم عن الحق ، كفاكم غفلة ً واتباعاً للهوى والتعصب الأعمى ، واتباعاً للمنافقين من اليهود فيكم.

                * * *

                السؤال الرابع:

                "أين نجد الترابط المنطقي لله والذي خلق البشر وأحبهم جميعاً بينما نجد – كما في النصوص القرآنية – يحث على قتال الكفار؟".

                الجواب :

                أقول : إن الله عزَّ وجلَّ قد كرم بني آدم بصفات لم يعطها لغيرهم ، والتكريم شيء ، والمحبة شيء آخر.

                أما محبة الله لعباده فهي خاصة بمن آمن به على ما أنزل سبحانه وتعالى ، وتزداد محبة الله لعبده كلما أكثر العبد من طاعة ربه وعبادته والعمل بما يرضيه.

                فادعاء أن الله يحب الناس جميعاً لا دليل عليه مطلقاً ، لا من العقل ، ولا من الرسالات الربانية الصحيحة ، ما دام الناس موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان ، ولو كان الله عزَّ وجلَّ يحب الناس جميعاً على خيرهم وشرهم ، وصالحهم وفاسدهم ، ومؤمنهم وكافرهم ، وضالهم ومهتديهم ، فلماذا يعذب يوم القيامة في جهنم من يستحق منهم العذاب ، ولماذا أيضاً يسعى النصارى في زعمهم لتخليص الناس من العذاب عن طريق الإيمان بالنصرانية ، وتكريمهم بهدايتهم إلى المسيحية ، ألا يكفيهم أنهم مشمولون بمحبة الله ، والله لا يعذب من يحبه؟.

                ليس صحيحاً أن الله يحب الناس جميعاً ، فالله لا يحب الكافرين ، ولا يحب الظالمين ، ولا يحب الفاسقين ، ولا يحب الطغاة البغاة المتجبرين ، ولا يحب المتكبرين ، ولا يحب كل مختال فخور ، وهكذا إلى سائر المجرمين.

                ولكن الله عزَّ وجلَّ يحب لكل الناس أن يؤمنوا به حق الإيمان ويؤمنوا برسله جميعاً ، ويؤمنوا بما بعث الله به رسله ، ويحب لكل الناس أن يسلموا لأوامره ونواهيه عن طريق إرادتهم الحرة ، لا جبراً ولا إكراهاً ، إن الله عزَّ وجلَّ يحب للناس جميعاً أن يؤمنوا ويسلموا طائعين مختارين ليخلصهم من عذابه ، وليدخلهم في جنته يوم الدين ، دار كرامته التي أعدها لعباده المؤمنين به وبرسله أجمعين ، وبما جاءوا به عن ربهم ، وبناءً على الإيمان الصحيح الصادق ساروا في صراط الله المستقيم يعملون الصالحات عبر رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا .

                فمن عاند وكفر غضب الله عليه ، ألم يغضب الله على فرعون وجنوده حتى أغرقهم في البحر ؟ كما جاء في القرآن ، وكما جاء في سفر الخروج ، (في الإصحاح الرابع عشر). ألم يغضب الله على بني إسرائيل حين بعدوا العجل الذهبي ، في عهد موسى عليه السلام ، فأمرهم بأن يقتلوا أنفسهم ليتوب عليهم ، كما جاء بيان هذا في القرآن ، وفي سفر الخروج (الإصحاح الثاني والثلاثين)؟. ألم يغضب الله على الكفار الوثنيين ، ويأمر بني إسرائيل بمداهمتهم في بلادهم وأرضهم في فلسطين ، ومقاتلتهم وقتل ذكورهم بحد السيف ، كما جاء في سفر التثنية؟

                وفي الإنجيل الأصل غير المحرف قد كلف الذين آمنوا بعيسى أن يقاتلوا في سبيل الله ، إذا تهيأت لهم وسائل القتال وأسبابه ، لنصرة دين الله ، وإعلاء كلمته ، ومقاومة الكفر والكافرين ، والقرآن يكشف هذه الحقيقة ، بقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

                {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

                وأؤكد هنا أن قتال الكافرين ليس لإكراههم على الإيمان ، ولكن لتأمين حرِّيَّة الناس في عقائدهم ، ولإقامة الحق والعدل ، ورفع الظلم .

                وهذه قضية شرحها المفكرون المسلمون في مقالات مستفيضات ، فلا داعي هنا إلى تكرار هذا الموضوع ، وأحيل على ما كتبت حوله في غير هذا الموضع من الكتاب.

                بعد هذا أقول لطارحي السؤال : ألم تجتمع دول أوروبا المسيحية كلها ، بقيادة رجال كنائسها لمحاربة المسلمين ، فيما عرف في التاريخ بالحروب الصليبية ، التي استمرت قرابة مئتي سنة ، تأتي فيها جيوشهم الجرارة من بلدانها ، لقتال المسلمين في بلادهم بأرض الشام؟! فأين هذا من محبة الله لكل البشر؟!

                ألم تحتل الدول الاستعمارية الغربية النصرانية معظم بلدان العالم الإسلامي بالقوة تعاونها الكنائس النصرانية ، وتبارك أعمالها ، مع أنها كانت تنشر العلمانية والإلحاد والكفر بالله ، وتنهب خيرات البلاد وتسخر رجالها؟!

                وعن طريق الدول الاستعمارية نشرت الجمعيات التبشيرية مؤسساتها المختلفة في بلدان المسلمين؟!

                فأين هذا من محبة الله لكل البشر؟!

                يا دُعاة التبشير بالنصرانية ، آمنوا بالإسلام فهو خير لكم ، تنجوا يوم الدين من عذاب ربكم في جهنم وبئس المصير ، وتدخلوا جنته دار كرامته التي أعدها سبحانه وتعالى للمتقين المؤمنين المسلمين.
                * * *

                السؤال الخامس:

                "وفي الدول الإسلامية التي تطبّق فيها الشريعة .. هل التعددية (في كافة صورها الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعائلية) هل ستعتبر هذه التعددية رحمة إلهية تضمن الحرِّيَّة والمساواة ، أم أنه ستفرض الشريعة على الجميع بشكل ديكتاتوري ، كما نراها حالياً في كثير من الدول الإسلامية؟".

                الجواب:

                إن أي عالم مفكر منصف لا يطرح مثل هذا السؤال العام.

                فالتعددية العائلية من حيث كونها تعددية عائلية فقط ، موجودة في كل بلدان العالم الإسلامي ، وفي الدولة الإسلامية نظرياً وتطبيقياً ، ويحكمها جميعاً نظامٌ عامٌ يطبق على الجميع دون استثناء ، ومن أساء في التطبيق اعتبره المسلمون من المذنبين العصاة الخارجين عن الالتزام بالأحكام الإسلامية.

                وهذه التعددية موجودة في كل شعوب العالم ، حتى عند الذين من مبادئهم إلغاؤها كالماركسيين .

                والتعددية السياسية : إن كانت بمعنى أنظمة سياسية متعددة مختلفة فيما بينها ، فهو أمرٌ لا يوجد في أية دولة من دول العالم ، ولا يطالب بها إلا من يريد إقامة صراع يؤدي إلى الانقسام والانفصال الحتمي عند التكافؤ ، أو إلى تغلب فريق على فريق ، ثم فرض نظامه.

                وإن كانت بمعنى التعددية الحزبية فالإسلام لا يمنع من حرِّيَّة الفكر ، وحرية إبداء الآراء السياسية ، والاجتهادات الفردية والجماعية في هذا المجال ، ولكن تشكيل أحزاب سياسية تعسى للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالح خاصة ، مقنعة بأقنعة العمل السياسي لمصلحة الشعب كل الشعب أمرٌ من عناصر النظام الديمقراطي العلماني ، وهو نظام له مجموعة أسس ومفاهيم يتفق في بعضها مع نظام الإسلام في الحكم ، ويختلف في بعضها معه ، وشرح عناصر الاتفاق والاختلاف يتطلب بحثاً مستقلاً ، وباستطاعة الحريص على المعرفة التفصيلية أن يرجع إلى ما كتبت حول هذا الموضوع في كتابي "كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة" .

                ولست أدري : هل طارحو السؤال علمانيون أن نصارى دينيون؟ فإن كانوا دينيين فقد عرفنا أن تاريخ النصارى الديني يعتمد على النظام الملكي الوراثي ، ولا يعتمد على النظام الديمقراطي ، وإذا كان الأمر كذلك فما علاقة سؤالهم بقضايا الدين النصراني ، في حوارهم مع المسلمين ، ومن الأفضل لهم أن يتركوا مثل هذا السؤال للعلمانيين الديمقراطيين ، وعندئذٍ فإننا على استعداد لأن نبين لهم نظام الإسلام في الحكم بصورة مقنعة ، ونناظرهم في عناصر ديمقراطيتهم ، ونكشف لهم أن نظام الإسلام هو الأحسن والأكمل .

                وأما أمر الأقليات غير المسلمة في الدولة الإسلامية ، فقد سبق بيان أوضاعها في جواب السؤال الثاني من أسئلتهم حول المساواة ، فلا داعي لإعادته هنا.

                بقي الكلام على التعددية الاجتماعية والثقافية والدينية :
                * أما التعددية الاجتماعية فلم أجد في السؤال عنها قضية محددة قابلة للبحث والبيان . وحين يبينون لنا عناصرها فنحن على استعداد تام لبيان موقف الدولة الإسلامية منها بالتفصيل ، مع بيان مطابقته لأسس الحق والعدل.

                * وأما التعددية الثقافية فالجواب حولها يكون ببيان ما يلي :

                ( 1 ) من الثقافات أنواع مشتركة بين شعوب الأرض جميعاً ، فالوحدة فيها قائمة ، ولا تعددية في واقعها.

                ( 2 ) ومن الثقافات أنواع مشتركة بين أهل الإيمان بالله ، والوحدة فيها قائمة بين أهل الإيمان ، ولا تعددية في واقعها.

                ( 3 ) ومن الثقافات أنواع خاصة بالملحدين الذين لا يؤمنون بالله ، وهذه الثقافات لا تتبناها الدولة الإسلامية ، ولا تضعها ضمن أنظمتها ، وحين تجعل شيئاً منها في مناهج دراستها فلترد عليها ، ولتبين زيفها وبطلانها ، وهذا هو ما عليه كل الدول الدينية النصرانية واليهودية وغيرهما.

                ( 4 ) ومن الثقافات أنواع خاصة بأديان الأقليات غير المسلمة ، والدول الإسلامية تسمح لهذه الأقليات بأن تنشئ ما تشاء من مؤسسات تعليمية خاصة بأبناء ملة كل منها ، لتعليمهم ثقافاتهم الدينية الخاصة.

                * وأما التعددية الدينية فقد وجدت عبر تاريخ الدول الإسلامية الطول ، طوائف نصرانية ويهودية وبوذية وبرهمية ، وقد كانت لهم من الدول الإسلامية الحماية التامة والرعاية الشاملة ، ولم يضاروا من أجل دينهم في أي أمرٍ من أمورهم الخاصة بهم.

                وما هو مباح في دينهم فإنهم يعاملون فيه بمقتضى أحكام دينهم في بيئاتهم الخاصة دون أن يخلوا فيها بما يفضي إلى إفساد أحوال المسلمين الذين هم الكثرة الكاثرة.

                أما النظام المشترك العام الذي تحكمه علاقات مدنية وإدارية واقتصادية وأمنية فالجميع فيه سواء ، وهذا أمرٌ تتفق عليه نظريات الحقوق الدولية جميعها.

                ألا فكفوا أيها المشككون لئلا تعرى أفكاركم الضحلة ، وتنكشف عوراتها.

                * * *

                من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                Comment

                • قسورة
                  عضو
                  • Nov 2005
                  • 157

                  #38






                  القِسمُ الثالِث

                  نَظَراتٌ عَامَّة حَوْل دَوافِع الغزو في الناسِ
                  وَتلخيص وَتوجيه للِمسْلمين

                  وفيه فصلان:

                  1- دوافع الغزو
                  2- خلاصة وتوجيه



                  الفصْل الأوّل
                  دَوافع الغزو
                  إما إصلاحية ربّانية وإما عدوانية ومطامع إنسانية

                  1- ربّانية أو عدوانية.
                  2- الجهاد المقدس:
                  أ- أهدافه.
                  ب- الدعوة إليه في الرسالات الربانية.
                  جـ- وسائل الجهاد المقدس.
                  د- استخدام وسائل العنف.
                  هـ- الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال.
                  و- الروح المعنوية العالية لدى حملة رسالة الجهاد المقدس.

                  3. أهداف محاولات التسلط المادي المرتبط بالدوافع العدوانية.
                  4- تآزر الغزاة لتحقيق الأهداف المشتركة.



                  ( 1 )
                  ربانية أو عدوانية

                  تنحصر أهداف امتداد بعض الأمم أو الشعوب إلى بعضٍ مؤدياً ذلك إلى بسط سلطان إحداها على الأخرى في هدفين رئيسين:

                  الهدف الأول :

                  ما تحدده الشرائع الربانية من إعلاء لكلمة الله ، وإقامة للحق والعدل ، وحكم بما أنزل الله ، ووسيلته الجهاد المقدس.

                  الهدف الثاني :

                  ما توسوس به مطامع النفوس وشهواتها وغرائزها وأهواؤها ونزواتها ، وألوان عدوانها ، ووسيلته الحروب العدوانية المختلفة ، المادية والمعنوية ، الحارة والباردة.

                  ( 2 )
                  الجهاد المقدس


                  أ- أهدافه :

                  إن الجهاد المقدس يهدف إلى غاية نبيلة مثالية ، هي العمل على نشر عقيدة دينية ربانية بين الناس ، آمنت بها أمة ، ودعاها إيمانها بها إلى أن تسعى في نشرها وتعميمها على الناس ، حباً للخير ، وغيرة على بني الإنسان ، وطاعة لله ، وهي أيضاً تمكين المؤمنين بها من إقامة الحق والعدل بين الناس والحكم بينهم بما أنزل الله والسعي في جلب الخير لهم ، على حب ورحمة وإخاء.

                  هذه هي غاية الجهاد المقدس في أصول تعاليم الأديان الربانية كلها ، وليست غايته الأساسية طلباً لثراء المؤمنين ، أو رغبة بانتصارهم أو غلبتهم ، أو سعياً وراء السلطان والعلو في الأرض ، إلا أن تكون هذه الأمور وسيلة للغاية الأساسية.

                  وبناء على هذه الغاية الأساسية للجهاد المقدس يغدو المستجيبون الجدد لدعوته مثل المجاهدين الفاتحين ، دون أي فروق بين حامل العقيدة الأول وحامل العقيدة الجديد ، إلا الفروق التي تقتضيها طبيعة الأمور لدى كل أمة ، وهي الفروق التي تعتمد على التفاوت في مقدار الثقة ، والكفاءات الذاتية أو العلمية أو المكتسبة بالخبرات والمهارات العملية ، ويدل على إقرار اعتبار ذلك قول الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

                  فهذا يشعر باعتبار فروق العمل لدى قياس نسب التفاوت بين الأفراد ، ويدل عليه بوضوح أيضاً قول الله في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

                  {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}.

                  ويدل عليه أيضاً قول الله تعالى في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول):

                  { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}

                  وقوله تعالى في سورة (الزخرف/43 مصحف/63 نزول):

                  {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً}.

                  ويدل عليه قول الرسول : "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير".

                  أما عند الله تعالى فالتفاوت في التكريم يستند إلى مقدار التفاوت في تقوى الله لا غير ، وهو المقياس الذي يقاس به الجزاء الرباني يوم القيامة ، ويدل عليه قول الله تعالى في سورة (الحجرات/49 مصحف/106 نزول):

                  {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .

                  فأفضلية التكريم عند الله متناسبة طرداً مع أفضلية نسبة التقوى ، ويلزم من ذلك عقلاً أن تتنازل الأفضلية بمقدار تنازل درجات التقوى.

                  والغاية المثالية العظيمة التي هي هدف الجهاد المقدس لا يخدشها ما يلزم عنه من أمور مادية ترافق حركته ، دون أن تكون مقصودة في الأصل لرسالته.

                  فقد يفضي الجهاد إلى تحقيق بعض المغانم المادية ، وقد يفضي إلى ضرورة بسط سلطان المجاهدين الفاتحين ، لإقامة الحق والعدل والدعوة إلى الخير ، وفعل الخير وتأمين حرِّيَّة انتشار دين الله ، نظراً إلى طبيعة الأحوال الإنسانية التي تقتضيها ظروف الجهاد والفتح من جهة ، وظروف عناد أعداء دين الله وصراعهم للحق وكيدهم له من الجهة المضادة ، مع إلحاح الدواعي المثالية التي توجب إضعافهم كبحاً لجماح الشر والفتنة.

                  ومع ذلك فإن رسالة الجهاد المقدس تظل في جميع الأحوال رسالة مثالية ، لا تهدف في أساسها إلى إرضاء شهوة الحكم عند أمة ضد أخرى ، أو كسب مغانم لها ، أو تسليط شعب على شعب.

                  ومتى تحول الجهاد عن غايته الربانية إلى الغايات الإنسانية الأخرى ، المتصلة بالمطامع المادية أو الغرائز النفسية ، أمسى شكلاً من أشكال محاولات سيطرة بعض الشعوب على بعض . ولقد عرف التاريخ منها في بحر الزمن أمواجاً كثيرة مقبلة أو مدبرة ، تبعاً لرياح المطامع والشهوات الإنسانية ، مع الشعور بالقوة القادرة على التغلب والاستيلاء .

                  وحينما ينحرف الجهاد عن غايته التي حددها الله في رسالاته ، يكلُ الله القائمين به إلى أنفسهم ، وإلى إمكاناتهم الإنسانية البحتة ، ويحجب عنهم العون والمدد والتأييد ، ويقذف في قلوبهم الرعب ، ويطرحهم مع حشد الأمواج البشرية التي تتلاطم في حدود إمكاناتها المادية الخالية من القوى المعنوية المؤثرة الغلابة . وكذلك حينما يستثمر المجاهدون الفتح والنصر لغير الغاية التي قام الجهاد المقدس من أجلها ، فإن الله يكل الفاتحين إلى أنفسهم ، ويرفع عنهم يد التثبيت والمعونة ، فتموج بهم الأرض التي فتحوها ، وترتج بهم العروش التي اعتلوها ، وتأتيهم إنذارات الانهيار ، ليصلحوا نياتهم وأعمالهم ، فإذا استمروا في الانحراف عن الطريق الذي حدده الله لهم ، آذنهم بنقمته ، وأنزل بهم عذابه ، فدالت دولتهم ، وانهارت قوتهم ، وظفر بهم عدوّهم.

                  ب- الدعوة إلى الجهاد المقدس في التوراة والإنجيل والقرآن:

                  ولقد ظهرت الدعوة إلى الجهاد المقدس في الأديان الربانية الثلاثة ، التي جاء بها موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، وكان ظهورها فيها بشكل بارز قوي ، يدل على ذلك قول الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

                  {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

                  أما موسى عليه السلام فقد طلب من بني إسرائيل أن يباشروا هذا الجهاد المقدس ليحقق الله لهم الفتح فرفضوا طلبه ، وقالو له كما أخبرنا الله في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):

                  {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.

                  فقضى الله عليهم أن يتيهوا في الأرض أربعين سنة ، وتوفي موسى وهارون عليهما السلام دون أن يباشر بنو إسرائيل الجهاد ، ثم باشروه في عهد طالوت بشكل إقليمي محدود ، ولما فتح الله عليهم وأظفرهم بالملك ، وتمتعوا بخيراته ، وانتهت موجة الملك النبوي بانتهاء عهدي داود وسليمان ، استكانوا وفسدوا ، وتحولت غاية الجهاد في نفوسهم من رسالة ربانية إلى غايات مادية وقومية عنصرية بحتة ، وأخلدوا إلى الأرض فضرب الله قلوب بعضهم ببعض.

                  وأما عيسى عليه السلام فقد دعا قومه إلى الجهاد ، وباشر منه المراحل الأولى ، وهي الدعوة اللسانية ، ولكن لم تمر عليه فترة من الزمان كافية تمكنه من أن ينتقل من طور جهاد الدعوة إلى طور جهاد النضال والكفاح المسلح ، إذ رفعه الله إليه بعد ثلاث سنوات فقط من بدء دعوته.

                  وأما الذين اضطلعوا بأعباء الجهاد المقدس وأعمال الفتح بشكل واسع في التاريخ وعلى ما يجب ، فقد حدثنا القرآن منهم عن ذي القرنين ، وحدثنا منهم عن جهاد الرسول محمد وعن جهاد الذين معه ممن آمن به وصحبه ، وحدثنا التاريخ عن جهاد المسلمين وفتوحاتهم بعد الرسول صلوات الله عليه.

                  لقد أخبرنا القرآن عن ذي القرنين ، فقال الله تعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

                  {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}

                  فمن خلال هذا النص القرآني يتبين لنا أن ذا القرنين قد قاد جيوش الجهاد المقدس ، وقام بأعمال الفتح الديني على نطاق واسع جداً ، فقد مكن الله له في الأرض ، وآتاه أسباب التمكين والقوة بحسب عصره ، فاستعمل هذه الأسباب في نشر دين الله في الأرض ، وامتدت فتوحاته حتى بلغ أقصى المعمور من جهة مغرب الشمس ، وأدرك القسم الذي يعظم الليل فيه ، وتغرب الشمس فيه سريعاً وهي في عين حمئه ووجد هنالك أقواماً فدعاهم إلى الله فعذب من كفر منهم ، وأحسن إلى من آمن ، ثم توجه شطر مشرق الشمس ، حتى بلغ أقصى المعمور من جهة المشرق ، وأدرك القسم الذي يعظم فيه النهار ، فدعاهم إلى الله ، فعذب من كفر منهم ، وأحسن إلى من آمن ، ثم توجه إلى أمكنة آهلة بالسكان من الشرق ، حتى بلغ بين السدين ، وأقام حاجزاً بين بعض سكان تلك البلاد وبين قبائل يأجوج ومأجوج الشريرة ، ودعا إلى الله ونشر دينه.

                  وأخبرنا القرآن أيضاً عن الجهاد المقدس الذي قام به محمد رسول الله صلوات الله عليه والمسلمون في غزواته ، وكان به ظهور الإسلام ، وذلك في سور كثيرة ومواطن متعددة.

                  وحدثنا التاريخ عن الجهاد المقدس والفتح المبين الذي قام به المسلمون بعد الرسول محمد في عصورهم الزاهرة الأولى ، فأثمر ذلك لهم فتحاً مبيناً ، وامتد الإسلام به شرقاً وغرباً ، وتحققت للمسلمين بالجهاد المقدس معجزة الفتح التاريخية ، إذ التزموا بحدود غايته المثلى ، وظل أمر المسلمين كذلك حتى تسرب إلى نفوسهم مرض الانحراف عن الهدف المثالي الحق ، ودخل إلى قلوبهم داء الوهن ، والطمع بالدنيا ، وحب الشهوات ، والتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ، والإخلاد إلى الأرض ، فوكلهم الله إلى نفوسهم ، و سلط عليهم عدوَّهم.

                  ولن يستطيع المسلمون أن يرفعوا عن صدورهم ضغط أعدائهم ، وأعداء دينهم الكثيرون ، ما لم يراجعوا دينهم ، ويلتزموا بما يوجبه عليهم ، ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ، أما الحروب التي خمل فيها المنتسبون إلى الإسلام شعارات وطنية أو قومية أو غير ذلك مما لا يقره الإسلام ، فلم تجن لهم إلا الخيبة والهزائم ، لأن الله عزَّ وجلَّ لم يمدهم فيها بعونه وتأييده ، وتركهم فيها لوسائلهم ، وهي وسائل أضعف من وسائل أعدائهم.

                  جـ- وسائل الجهاد المقدس:

                  نظرة إجمالية عامة إلى وسائل الجهاد المقدس تكشف أنها ذات نسق مثالي رائع . فهي تبدأ أولاً بمجاهدة النفس ، ثم تثني بمجاهدة الآخرين ، ومجاهدة الآخرين تبدأ بوسائل الدعوة المختلفة التي تتدرج من الأخف إلى الخفيف ، فإلى الشديد فالأشد ، وتراعي في كل ذلك أحوالهم النفسية والاجتماعية ، ومكاناتهم ومنازلهم في أقوامهم ، وتنتهي هذه الوسائل في آخر الأمر بالقيام بأعمال القتال ، وفق الدواعي الذي تقتضيه ، من دفاع ، أو كسر أسوار تحجب عن الشعوب نفوذ أنوار الحق والهداية إليها.

                  وابتغاء مرضاة الله ، وإعلاء كلمته في الأرض ، وإقامة الحق والعدل بين الناس ، والحكم بما أنزل الله ، هي الغايات المثلى من الجهاد المقدس في قلوب المؤمنين الصادقين.

                  أما جاهد النفس فيكون بمقاومة جهلها وانحرافاتها الفكرية والاعتقادية بالعلم والمعرفة الحقة ، وبمقاومة شهواتها الجامحة وأخلاقها الجانحة بوسائل التربية الفضلى والسلوك الأقوم . كمقاومة الطمع فيها بالقناعة ، وتحويل أطماعها إلى ما عند الله من أجر عظيم لأهل طاعته . وكمقاومة الحسد فيها بالرضى عن قسمة الله ، والاعتقاد بأن العطاء والمنع بيده ، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ، وأن كلاً من عطائه ومنعه لا بد أن يكون لحكمة يعلمها ، وقد يكون كل منهما خيراً للإنسان متى رافقه طاعة الله ورضوانه . وكمقاومة الشهوات الملحلة بالصبر ، وإطماع النفس بما عند الله من أجر ، وتغذيتها بما أحل الله والكف عما حرم . وكمقاومة الجبن والشح فيها وبوسائل الإقناع والترغيب التي تغذيها بأن الآجال والأرزاق محتومة ، وتفتح أمامها أبواب الأمل والرجاء بما أعد الله لباذلي أرواحهم وأموالهم في سبيله من أجر عظيم وثواب جزيل ، وباستثارة كوامن الإيمان في القلب ، حتى تندفع النفس إلى مرضاة الله مشحونة العاطفة بقوة الإيمان ، ومهدية السبيل بنور الإيمان . وهكذا ، وقد كان الصدر الأول من المسلمين يسمون جهاد النفس الجهاد الأكبر ، فإذا قفلوا من معركة من معارك القتال مع عدوهم قالوا : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، أي : إلى مجاهدة نفوسهم.

                  وأما جهاد الآخرين فله وسائل شتى ، يرتقي المجاهد فيها على سلم متعدد الدرجات ، وليس كل مخالف عدوّاً ما لم يمارس عداوته بشكل عملي ، والمخالفون في نظر حملة لواء الجهاد المقدس جاهلون ومرضى ، والرسالة الخيرة التي يحملها العلماء الأصحاء إنما هي تعليم الجاهلين ، وتطبيب المرضى ، ومساعدتهم ، والرفق بهم ، والأخذ بأيديهم في طرق الصحة والسلامة الفكرية والقلبية والنفسية.

                  لذلك تعين على هؤلاء المجاهدين أن يبدأوا من أول درجة من درجات سلّم الجهاد ، وهي درجة الدعوة إلى الله على بصيرة ، ضمن الأساليب الحكيمة . ووسائل الدعوة هي كل ما أن يوصل فكرة الحق وتطبيقاته إلى عقول المعارضين ونفوسهم وأعمالهم.

                  أ- فتكون بالدعوة الحكيمة باللسان ، ويقتدي المجاهد في ذلك بجهاد الدعوة الذي قام به الرسول صلوات الله عليه ، وقامت به النخبة ال ممتازة من أصحابه وتابعيهم بإحسان ، وتتضمن الدعوة الحكيمة باللسان ، الإقناع بالحديث الخاص ، والإقناع بالخطابة العامة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، ويدل على ذلك قول الله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

                  {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...}.

                  ويمكن أن يكون المراد من الحكمة وسائل الإقناع بالعلم والحجج المنطقية البرهانية ، وأن يكون المراد من الموعظة الحسنة وسائل التأثير الخطابي بالترغيب والترهيب ، أما الجدال فهو صراع الأدلة والحجج وفق أصول المناظرة السليمة من المماراة والمغالطات.

                  ب- وتكون أيضاً بالدعوة عن طريق الكتابة والنشر ، في نثر الكلام أو شعره ، بتأليف المؤلفات ، وكتابة المقالات ، ونظم القصائد والدواوين ، وإعداد البيانات ، وتوزيع المطبوعات ، والعمل على نشر الجيد النافع منها ، إلى غير ذلك من كل مكتوب نافع يدخل إلى النفوس عن طريق الإقناع الفكري ، أو لتأثير الوجداني.

                  جـ- وتكون أيضاً بالدعوة العاملة الصامتة ، عن طريق الأسوة الحسنة ، وذلك بأن يكون الداعي في نفسه قدوة حسنة محببة ، يؤثر بلسان حاله العلمي التطبيقي ، فيقتدي به الآخرون اعتقاداً وسلوكاً ، قولاً وعملاً.

                  د- وتكون أيضاً بالتربية والتعليم ، والبدء بهذه الوسيلة ينبغي أن يكون منذ المراحل الأولى للطفولة ، لأنها حينئذٍ تكون أنفذ إلى أعماق النفس وأكثر تأثيراً وأبقى مع الزمن.

                  هـ- وتكون أيضاً ببذل عرض الحياة الدنيا من مالٍ أو متاع ، أو ببذل الخدمات والمعونات ، لتأليف القلوب على الخير ، وجلبها إلى تقبل الهداية ، فللمعونات والصلات المادية والمعنوية آثارها في السيطرة على القلوب واستمالة النفوس ، وإزاحة العقبات منها ، وما أكثر ما كان رسول الله يبذل من ذلك لتأليف القلوب ، إضافة إلى كون حب العطاء خلقاً أصيلاً فيه صلوات الله عليه .

                  وبالجملة : فعلى الداعي المجاهد أن يتدرج في وسائل الدعوة ، وأن ينزل الناس منازلهم ، وأن يقتدي بأساليب الدعوة التي قام بها أنبياء الله ورسله.

                  د- استخدام وسائل العنف في الجهاد المقدس:

                  إذا لم تجد لدى القيام برسالة الجهاد المقدس الوسائل الهينة اللينة البيانية والتربوية والترغيبية المختلفة ، دعت الضرورة إلى اللجوء إلى وسائل أخرى تترقى فيها أساليب العنف شيئاً فشيئاً ، مع ضبط النفس وعدم اتباع الهوى ، والرغبة بالانتصار لله فقط ، دون تدخل عوامل نفسية أخرى.

                  فمن هذه الوسائل استخدام القوة ، ويكون ذلك بتسخير قوة السلطان المعنوية ثم المادية لهداية الناس إلى الخير ، وإلزام المنتسبين إلى الإسلام أو الخاضعين له بتطبيق أحكامه ، ولاستخدام قوة السلطان وجوه تطبيقية كثيرة جداً:

                  منها إصدار القرارات والتنظيمات ، وتوجيه الأوامر المكتوبة ، وترتيب الجزاءات المعنوية والمادية ، واعتبار الالتزامات الدينية جزءاً من الكفاءات التي تدخل في شروط التوظيف والترقيات ، واعتبار عدم الالتزام بها إخلالاً بالوجبات المسلكية التي تستدعي الإنذار ثم المعاقبة ، ومنها تنفيذ الأحكام الشرعية على الجناة والمجرمين ، إلى غير ذلك من وسائل كثيرة.

                  وقد يغدو فريق من مخالفي الإسلام أعداءٌ متربصين أو محاربين ، لذلك يجد حملة الجهاد المقدس أنفسهم أمام أمرٍ لازب ، إنهم دعاة هداة ، ولكن فرض عليهم المخالفون المعادون أن يتخذوهم أعداءً . لذلك كان لا بد لحملة لواء الجهاد المقدس من اتخاذ وسائل الدفاع الكافية ، والمبادهة في بعض الأحيان قبل المباغتة ، مع التزام شروط رسالتهم الربانية التي يضطلعون بمهماتها ، ويكون ذلك بأمرين:

                  الأمر الأول : إعداد المستطاع من القوة ، والاجتهاد في إعدادها حتى تربو على قوة العدو ، من مالٍ وسلاحٍ ورجالٍ وخبراتٍ وغير ذلك . قال الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}.

                  الأمر الثاني : القتال لإعلاء كلمة الله ، وتكون هذه الوسيلة في آخر الأمر ، حينما لا تجدي كل الوسائل الأخرى من دونه ، وحينما يصبح حملة لواء الجهاد المقدس تحت الخطر الهاجم من قبل عدوّهم.

                  وإذا ألجأت الضرورة إلى سلوك سبيل القتال فإن القتال يستدعي الجود بالنفس ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

                  ولذلك كان لمن يجود بنفسه في هذا السبيل حظ الشهادة في سبيل الله ، وكان للمقاتل في هذ السبيل من الضمان الإلهي أن يدخله الله الجنة ، وأن ينال ما لا يوصف من أجره عنده.

                  ولكن للقتال في سبيل الله ركناً أساسياً لا بد منه ، وهو أن يكون في سبيل الله ، ويعني هذا الركن العام في دلالته ما يشمل تحديد الباعث له على الخروج إلى القتال ، والمطلب الذي يسعى إلى تحقيقه في الدنيا ، والغاية القصوى التي يرجوها عند الله.

                  وذلك لأن الضمان الذي ضمنه الله للمجاهدين ، إنما هو لمن خرج مجاهداً في سبيله لا يخرجه أي دافع دنيوي ، وإنما يخرجه أمور ثلاثة:

                  أولها : باعث أسمى في نفسه يحركه إلى الخروج مجاهداً ، ألا وهو باعث الإيمان بالله ، والتصديق برسله . أما من خرج للقتال في سبيل ضلالات شيطانية إلحادية ، أو في سبيل وثنيات مادية ، فإنه يعرض نفسه إلى تهلكتين ، تهلكة الموت أو القرح في الدنيا ، وتهلكة العذاب الأليم في الآخرة.

                  ثانيها: مطلب يسعى إلى تحقيقه في الدنيا إذ يقذفه بنفسه إلى معترك الموت بإذن الله وطاعته فيقتل أو يقتل ، ألا وهو نشر دين الله وإعلاء كلمته ، وقد أوضح هذا الأمر الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ، (أنَّ النبي سئل فقيل له : يا رسول الله ، الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه والرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل غضباً فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله").

                  ثالثها: غاية قصوى يرجوها عند الله ، ألا وهي نيل رضوانه ، وبلوغ جنته ، والظفر بما أعد الله من أجر عظيم للمجاهدين المقاتلين في سبيله وأما الظفر في الدنيا فهو أمرٌ إن قضاه الله فتلك حُسنى عاجلة أكرم الله بها المؤمنين المجاهدين في سبيله ، وإن لم يقضه الله فقد حقق المؤمنون غايتهم القصوى ، وهي نيل رضوان الله وجنته ، والأجر العظيم الذي أعده ، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

                  {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

                  وهكذا تنحصر دوافع الجهاد المقدس : بالباعث الأسمى وهو الإيمان بالله والتصديق برسله ، وبالمطلب العاجل وهو العمل على نشر دين الله وإعلاء كلمته ، وبالغاية القصوى وهي ابتغاء رضوان الله ونيل ثوابه الذي أعده للمحسنين ، وهذه الدوافع هي على النقيض من دوافع العدوان الذي يقوم به أعداء دين الله.

                  هـ- الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال في جهاد مقدس:

                  حينما تلجئ الضرورة حملة رسالة الجهاد المقدّس أن يقفوا موقف القتال في مواجهة من ناصبوهم العداوة ، وكادوهم وكادوا دينهم ، فإن للقتال شروطاً تلزمهم بها رسالة الجهاد نفسُها.

                  فبعد تحديد الغاية من القتال ، وإعداد العدّة له ، والتصميم على مباشرته – ابتغاء نشر الدين ، ودفعاً لعدوان المعتدين – يجب على المقاتلين في سبيل الله أن يتقيدوا بالمنهج التطبيقي الذي شرعه الله في القتال ، وأن يلتزموا جميع الشروط التي أمر الله بها فيه ، وأن ينتهوا عما نهى الله عنه.

                  ونستطيع أن نجمل الشروط التي يجب توافرها اقتباساً من الآيات القرآنية في القتال ، وذلك فيما يلي:

                  الشرط الأول : وحدة الغاية ، وذلك بأن تكون غاية المقاتلين واحدة ، وهي ابتغاء مرضاة الله ، بالعمل لنشر دينه وإعلاء كلمته ، والحكم بما أنزل لعباده ، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

                  {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

                  وقوله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

                  الشرط الثاني : وحدة صف المقاتلين وتماسك جماعتهم ، وذلك لأن تفرق صفوف المقاتلين دون خطة موحدة جامعة مبدد للقوى ، موهن للعزائم ، ممكن للعدو من أن يظفر بكل قسم على حدة ، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الصف/61 مصحف/109 نزول):

                  {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}.

                  الشرط الثالث : الاعتماد على الله في تحقيق النصر ، وعدم الاغترار بالنفس ، وهذا الشرط مهم جداً لإحراز النصر ، لأن الاعتماد على الله مع ملاحظة أوامره بوجوب بذل قصارى الجهد لنيل تأييده ونصره من شأنه أن يضاعف القوة ، ويزيد من إمكانات القتال ، عند حملة رسالة الجهاد.

                  أما الاغترار بالنفس فإنه يفضي إلى الاستهانة بقوة العدو ، ومع الاستهانة يحصل التهاون والتباطؤ والتواكل ، وهذه من أبرز عوامل الخذلان ومسبباته . ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم}.

                  وقوله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

                  {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}.

                  الشرط الرابع : شدة البأس في القتال ، وذلك لأن شدة البأس تجعل قلوب الأعداء فريسة الخوف ، ومتى وجد الخوف سبيله إلى القلوب انهارت قوى الهجوم ، ثم تنهار من ورائها قوى المقاومة ويفضل المقاتل حينئذ الفرار أو الاستسلام ، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}.

                  فقوله تعالى : "فشرد بهم من خلفهم" يدل على الإلزام بإيقاع البأس الشديد في العدو المقاتل حتى تنخلع قلوب الذين من خلفهم ذعراً ، فيشردوا ويفروا من وجوه المقاتلين من المسلمين ، طلباً للسلامة ، وإيثاراً للعافية ، ومخافة أن يقع بهم مثل هذا البلاء العظيم.

                  الشرط الخامس : الثبات والمصابرة وعدم تولية الأدبار ، مع الاعتصام بالإكثار من ذكر الله تعالى ، وذلك لأ، من طبيعة الثبات والمصابرة أن تفل حد العدو المقاتل ، وتسقيه كؤوس اليأس من الظفر ، وبذلك تنهار قوته ، ويساعد على الثبات والمصابرة الاشتغال بذكر الله والأمل بمدده المادي والمعنوي ، ويدل على هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

                  وقوله تعالى في سورة (الأنفال) أيضاً:

                  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

                  الشرط السادس : طاعة القيادة ، وعدمُ التنازع في الأمر ، ذلك لأن فقد الطاعة يجعل القيادة غير قادرة على استعمال القوى في مواجهة العدو ، فتجمد القوى أو تتصارع فيما بينها ، أو تستعمل في غير صالح المعركة ، وذلك من أسباب الفشل الكبرى ، كما أن التنازع في الأمر باختلاف وجهات النظر في القتال يؤدي إلى هذه النتائج نفسها التي تسبب الفشل ، وليس من شأن حملة رسالة الجهاد المقدس العصيان والتنازع ، ودليل هذا الشرط من القرآن قول الله تعالى في سورة (الأنفال) أيضاً:

                  {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

                  وقوله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

                  {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

                  وبتحقيق هذه الشروط في القتال مع شرط إعداد المستطاع من القوة الكافية السابق له ، ومع تحديد الهدف منه كما أمر الله ، يستطيع حملة رسالة الجهاد المقدس أن يظفروا دائماً بالنصر على أعداء الإسلام.

                  و- الروح المعنوية العالية لدى حملة رسالة الجهاد المقدس:

                  حينما تلجئ الضرورة حملة رسالة الجهاد المقدس أن يقفوا موقف المقاتلين في مواجهة أعدائهم وأعداء دينهم فإن الروح المعنوية سترتفع في قلوبهم ارتفاعاً عالياً جداً.

                  وذلك لأنهم يتلمسون في أنفسهم أن الباعث لهم على القتال أنبل غاية تقصد ، ويجدون أنفسهم مندفعين إلى التقيد بشروط القتال التي حددها الله لهم ، وأمرهم بالتزامها ، ويشعرون بأن شوقاً يقذف بهم إلى الظفر بما وعدهم الله ، إما النصر وإما الشهادة وجنّة الخلد .

                  وما من جيش استجمع كل ذلك إلا نزع الجبن من قلوب أفراده ، فلم يخشوا الموت ، وأقبلوا على القتال وهم شديدو البأس ، ثابتو الأقدام ، وعندئذ يجد هذا الجيش معونة الله المعنوية والمادية مصاحبه له مهما كر أو فر في مساجلات القتال.

                  ومن المستبعد جداً أن يصاب في وقت من أوقاته بالضعف أو التخاذل والوهن ، ما دام مستجمعاً لما سبق بيانه ، وذلك لأنه على يقين بأن وعد الله بالنصر للصادقين معه ، والمخلصين له ، لا بد محقق ، فهو شديد الثقة بذلك ، كيف لا وهو فيما يقوم به إنما يقاتل عدو الله وعدو دينه ، وعدو رسالة الخير التي أمر الله بها عباده ، وهو يعتقد أنه يقاتل بإذن الله وأمره ، مؤيداً بعون الله وقهره ، موعوداً بأجر الله ونصره.

                  من أجل كل ذلك ترتفع قوة المقاتلين في سبيل الله بنسبة ما في قلوبهم من إيمان وصبر ، وصدق مع الله ، حتى يكون الواحد كفؤاً للعشرة من العدو في الحد الأعلى ، وكفؤاً لاثنين من العدو في الحد الأدنى.

                  ويدلّ على ذلك قول الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

                  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * )الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

                  وكذلك تكون قوة المؤمنين الصابرين بخلاف الذين يخرجون بطراً ورئاء الناس ويقاتلون حميةً وعصبية ، أو يقاتلون للفخر والعلو في الأرض بغير الحق أو يقاتلون ليثني عليهم بين الناس بالشجاعة أو بغية الوصول إلى مال أو الحصول على شهوات ولذات أو الوصول إلى مجد دنيوي لا يهدف إلى غاية من غايات الجهاد المقدس ، أو يقاتلون في سبيل فرد أو جماعة من الناس أو غير ذلك من أمور لا تعادل غايتها بذل الروح في سبيلها ، فإن هؤلاء إن يخرجوا إلى القتال فما أسرع ما يدب الذعر إلى قلوبهم ، ويصيبهم الخوف والهلع ، ثم إنهم في أغلب أحوالهم متى وجدوا لأنفسهم منفذاً للفرار من المعركة أخذوا سبيلهم إليه ، إلا أن يغلب على ظنهم أ،هم بقوتهم المادية منتصرون ، وأن عدوهم ضعيف أو جبان ، أو أن يقوم في أنفسهم أنهم قد أمسوا ملزمين بالقتال وإلا قتلوا وأبيدوا . ومن أجل ذلك نلاحظ أن الجيوش التي لا تحمل رسالة جهاد مقدس تعاني أكبر ما تعاني مما يمسى عند العسكريين بفقد الروح المعنوية ، وتحاول قياداتها رفع هذه القوة بوسائل مختلفة دعائية ونفسية ومادية ، ومن الوسائل المادية ما يتم به سلب الشعور العاقل عند الجندي المقاتل ، عن طريق المسكرات ، ولكن كل وسائلهم لا تحقق بعض النتائج التي يحققها الإيمان .

                  أما الجيوش التي تحمل رسالة الجهاد المقدس بصدق فإنها قلما تصاب بفقد الروح المعنوية ، ولو لم يتحقق لها الظفر المادي على العدو ، لأن كل مقاتل فيها يعتقد أنه قد ظفر بما يقاتل من أجله ، وهو بلوغ رضوان الله ، واستحقاق الأجر عنده ، وأنه يقاتل لغاية هو يرجوها ويطلبها ، ولم يفرض عليه القتال لمصلحة غيره من الناس.

                  أما النصر المادي فيعتقد أنه بيد الله يؤتيه من يشاء لحكمة يعلمها ، وحكمة الله غير متهمة في قلوب المؤمنين .

                  وقد لاحظ أعداء الإسلام هذه العقيدة القوية الراسخة التي تجعل جيوش حملة رسالة الجهاد المقدس كأنها الجبال الراسيات قوة وثباتاً ، وامتحنوها بشكل عملي خلال قرون ، فوقفوا أمامها وقد مستهم صدمة عنيفة من الذعر والدهش والحيرة ، ثم لم يجدوا سبيلاً لتفتي هذه القوة الهائلة إلا بأن يأتوا إلى جيوش رسالة الجهاد المقدس فيفرغوها من سر قوتها الحقيقية ، ويضعوا مكانها قوة خلبية باردة ، ثم يوجهوا عليها ضرباتهم القاصمة ، ورأوا أنه لن يتم لهم الظفر عليها إلا بذلك ، وكذلك فعلوا فوجهوا جهودهم لإزالة قوة الإيمان بالله وتهديم البواعث على الجهاد المقدس ، وأتبعوا ذلك بإلغاء شروط القتال في سبيل الله ، ووضعوا مكان كل ذلك قوى صورية تعطي صوتاً عظيماً مدوياً ، ولكنها لا تحدث إلا أثراً يسيراً ، وقد لا تحدث أي أثر إلا أثراً ضد حاملها ، ووضعوا مكان الشروط الربانية شروطاً أخرى ، فأحلوا محل الاعتماد على الله الاعتماد على إمدادات الدول الطامعة ذات المصالح الشخصية ، والاغترار بالنفس ، وأحلوا محل ذكر الله عبارات قومية وعنصرية ، وأغانٍ مشحونة بتبجحات حقيرة وحميات جاهلية وبردوا حرارة الاندفاع الحقيقي إلى القتال ، ففقدت الجيوش المسلمة بذلك عناصر قوتها الحقيقية ، فكيف يتم لها الظفر بعد ذلك على عدوها ؟!


                  Last edited by قسورة; 05-06-2007, 08:02 AM.
                  من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                  Comment

                  • قسورة
                    عضو
                    • Nov 2005
                    • 157

                    #39



                    ( 3 )
                    أهداف محاولات التسلط المادي المرتبط بالدوافع العدوانية

                    سجل تاريخ الإنسان القديم والحديث أنواعاً من التسلط المادي المرتبط بالدوافع والغرائز الفردية لذوي سلطان الأرض ، أو الدوافع والغرائز الجماعية لأمم وشعوب ، وكان منها أمثلة مفرطة في الهمجية ، وأمثلة دون ذلك ، وكان منها أمثلة مقنعة بأثواب نفاق مزورة ، تدعي الرقي والتهذيب ، وهذه أكثرها مكراً وأبعدها غوراً وأطولها مدة استقرار في البلد المغلوب على أمره.

                    وأهداف هذه الأنواع من التسلط لا تعدو أن تكون أهدافاً توسوس بها مطامع النفوس وشهواتها وغرائزها ونزواتها وأهوائها وأحقادها.

                    وقد تتحكم هذه الوساوس بإرادة صاحب سلطان قوي أو تتحكم بإرادة بطانته المسيرة لأمره ، فيلتفت صاحب السلطان يمنة ويسرة ، فيجد قوة كبيرة من حوله رهن إشارته وطوع أمره ، ويرى أنها قادرة على تحقيق مطامعه في التسلط ، فيسخرها في ذلك.

                    وقد تتوسع حلقة هذه الوساوس فتكون في أمة بأسرها ضد أمة أخرى ، أو في شعب ضد شعب آخر ، أو في قبيلة ضد قبيلة ، وحيثما ترى هذه الحلقة الموسعة أن لديها من القوة ما يمكنها من التسلط على ما تطمع به ، تتحرك في محاولة التسلط ، وتسخر قواها المادية في سبيل تحقيق مطامعها الأنانية.

                    وقد تتوسع حلقة هذه الوساوس توسعاً ثانياً فتكون في مجموعة أمم أو شعوب تشعر فيما بينها بجامعة ما تجمعها ، ضد مجموعة أخرى من الناس ، تتسع حيناً وتضيق حيناً آخر بحسب مقتضيات الظروف المواتية للقيام بأعمال التسلط .

                    ولا تعدو أنواع التسلط الذي يراد منه تحقيق الأهداف التي توسوس بها دوافع النفوس الأنانية ، أن تكون أنواع تسلط همجي مدنس بالقذارات الفكرية والنفسية والتطبيقية ، مهما تفاوتت الصور التطبيقية فيما بينها ، في القدرة على إخفاء همجيتها أو عدم القدرة على ذلك.

                    إنها على اختلاف صورها مظاهر للرغبة النفسية بالعدوان على حقوق الآخرين ، ولكن بعض هذه المظاهر ذكي ماكر متمدن ، وبعضها بدائي همجي جاهل ، وفي باطن كلٍ من المظهرين تقبع نفسية ذئب مجرم نهم إلى الافتراس ، إلا أن الخطة التنفيذية في القسم الأول خطة ثعلب والحركة حركة إنسان ، أما القسم الثاني فخطته وحركاته وحشية بشعة في صورة جسدٍ إنساني ، وبين المرتبتين الذكية المتمدنة والبدائية الهمجية مراتب متعددة ، تختلف فيما بينها بحسب قربها أو بعدها عن مظاهر التمدن أو مظاهر الهمجية.

                    ونضرب مثلاً للعدوان الذكي الماكر المتمدن بالطبيب المجرم الذي طمع بالمال الوفير ، فاتفق مع زوجة الرجل الثري على قتله في صورة طبية خفية ، لا تنتبه إليها يد العدالة ، مقابل عداءٍ مغر تدفعه إليه ، إذ هيأ لها فرصة وراثة زوجها الثري ، والتخلص منه لتتزوج بآخر تهواه . وأما مثل العدوان الهمجي فيكون بأن تتفق هذه الزوجة مع نفر من متوحشي الغابات على قتل زوجها بالصورة التي اعتادها في صيد الوحوش والحشرات ، وهذه الصورة بعيدة طبعاً عن كل مظهر من مظاهر القتل المتمدن.

                    فالباعث في كلٍ من الصورتين واحد والغاية واحدة ونسبة العدوان والظلم في كل منهما واحدة أيضاً والجريمة في كلٍ منهما هي الجريمة نفسها إلا أن الصورة الأولى قد كانت صورة ذكية ماكرة متمدنة أما الصورة الثانية فقد كانت صورة بدائية همجية متوحشة تنفر منها طبائع المتمدنين.

                    واختلاف الصورة في فلسفة الجريمة لا يؤدي إلى الحكم بأن إحداهما أخف من الأخرى في نسبة الجريمة ، نظراً إلى أن البواعث النفسية ، والغاية التي هي الحصول على المال الحرام ، والطريق إلى ذلك وهو العدوان بالقتل كلها واحدة ، ولم يختلف بين الصورتين إلا شكل القتل فقط ، إذ تم أحد الشكلين بالوسيلة التي استطاع أن يتوصل إليها الطبيب المثقف بالثقافة المتمدنة الراقية ، بينما تم الشكل الآخر بالوسيلة التي وقفت عندها معارف الهمجي المتوحش ، البعيد عن المعارف المدنية وأساليبها.

                    وهكذا تكون أنواع التسلط المادي الذي تدفع إليه أهواء النفوس وأحقادها ومطامعها وغرائزها وشهواتها ، ونشاهد من أمثلتها في العالم الحديث تحركات جيوش أجنحة المكر الثلاثة ، وشر ما في هذا التسلط أن يوجه ضد حملة رسالة الخير والهداية للإنسانية جمعاء ، وأن يعلن عداءه للإسلام ، حيثما نبتت له غرسة ، أو ظهرت له دعوة.

                    وباستطاعتنا أن نكشف الغطاء عن طائفة من البواعث النفسية الأنانية ، التي تدفع مجرمي التسلط المادي المدنس بالمطامع والشهوات والأهواء والغرائز والنزوات والأحقاد السود ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب.

                    فلدى البحث النظري والبحث التاريخي يتبين لنا عدد من هذه البواعث ، ونذكر منها البواعث التالية:

                    1- الباعث الأول : الرغبة بإشباع الشهوة إلى الحكم والسلطان ، وحب الاستيلاء على كل شيء ، وهذه نزعة ربوبية تتحكم ببعض النفوس البشرية.

                    2- الباعث الثاني : الرغبة بابتزاز الأموال ، والاستيلاء على مصادر الثروات إما حباً بالمال وافتتاناً به واستزادةً منه ، وإما لتسخيره في تنمية القوة أو تحقيق مطالب الأنفس وشهواتها.

                    3- الباعث الثالث : الرغبة باحتلال أرض ذات مناخ أجود أو طبيعة أجمل من أرض الطامع بالتسلط ، طلباً للمتعة ، أو حباً بالتفاخر والتكاثر بين الناس . أو الرغبة باحتلال أرضٍ ذات مركز له أهمية تجارية أو سياسية أو عسكرية أو دينية في العالم.

                    4- الباعث الرابع : الرغبة بتسخير الشعب المطموع به في الأعمال المدنية الزراعية أو الصناعية أو العمرانية أو غيرها ، أو تسخيره في الأعمال العسكرية وذلك بتجنيد مقاتليه لقتال أعداء قوة التسلط ، واستخدامهم في الأغراض التي تقوم بها جيوش هذه القوة.

                    5- الباعث الخامس : الرغبة بالتوسع في الأرض للاستيطان أو الاستغلال ، ولا تتحقق هذه الرغبة إلا بمزاحمة السكان الأصليين ، أو بطردهم من أرضهم ، أو بإبادتهم وإفنائهم.

                    6- الباعث السادس : التنفيس عن كراهة موروثة وأحقاد قديمة ، والرغبة بالانتقام من أمة من الأمم ، أو دين من الأديان ، أو مذهب من المذاهب الفكرية والاجتماعية ، التي كان لها نفوذ ما عليهم أو على أسلافهم في حقبة من الزمن ويكون هذا التنفيس ضد العقائد والمذاهب بمحاولات هدم العقائد والمذاهب الصالحة ، ونشر الأفكار الفاسدة الضارة ، وإحلالها محلها.

                    7- الباعث السابع : الرغبة بإرضاء نوازع الحسد الذي يأكل قلوب طائفة من مجرمي التسلط ، ولا تتحقق هذه الرغبة إلا بسلب كل أسباب النعمة التي يتمتع بها المحسودون ، وذلك عن طريق استخدام القوة وبسط السلطان ، أو عن طريق المداهمة بالغارات العدوانية وإتلاف أسباب النعمة التي أثارت داء الحسد في نفوس الباغين.

                    8- الباعث الثامن : خوف صاحب السلطان على سلطانه من القوة التي يتمتع بها قادته وضباطه وجنوده ، فيحاول أن يتخلص منهم بتوجيه طاقاتهم الحربية لقتال شعوب غير خاضعة لسلطانه ، ويغريهم باستباحة أموالهم ونسائهم وذراريهم إذا ظفروا بهم وغرضه من ذلك شغلهم أو صرفهم عن التفكير بإزاحته واحتلال مركزه وتدبير المؤامرات ضده.

                    9- بواعث متفرقة : وتوجد بواعث أخرى متفرقة ، لا قيمة لها بذاتها عند الناس ، إلا أن بعض ظروف الاحتكاك والتنافس المصحوب برعونات فكرية ونفسية جاهلية ، قد تولدت مضاعفات غضبيّة وحميّات وعصبيات تؤدي إلى العدوان فالتسلط . وقد تتذرع بعض هذه البواعث بذرائع التفوق العرقي أو الحق الإلهي ، كمطامع هتلر وموسوليني ، وكمطامع اليهود الذين يخططون لحكم العالم ، زاعمين أنهم شعب الله المختار.

                    10- اجتماع عدة بواعث للعدوان : فقد تجتمع عدة بواعث للقيام بعدوان أمة على أمة وظاهرٌ أن أي باعث من هذه البواعث لا يعتبر مشرفاً في مستوى المجد الإنساني ، والقيم الأخلاقية الكريمة ، لأي متحرك به ، ولذلك نلاحظ أن معظم الذين يتحركون بواحد أو أكثر منها لقتال الأمم والشعوب عدواناً وظلماً – بغية التسلط عليها ، للانتقام منها ، أو للظفر بما لديها من نعم وخيرات مادية أو معنوية – لا يُعربون عن بواعثهم الحقيقية ، وإنما يجعلون فوقها أقنعة مزوّرة ، ويسوقون دونها المبررات الكثيرة الكاذبة ، لتغطية الأهداف الحقيقية لتحركاتهم ، وقد يفتعلون مثيرات الغضب لتأتي تحركاتهم العدوانية في لباس المؤدب ، أو في لباس المنتقم.

                    ومن المبررات التي اصطنعتها الدوائر الاستعمارية لصور الاستيلاء الذي فرضته على أمم وشعوب كثيرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، مزاعمُ التمدين والتحضير والتعليم والمساعدات الصحية والاجتماعية ، والحقيقة أن معظم هذه المزاعم لم تكن إلا ستائر فقط ، والغرض منها خداع الرأي العام العالمي ، وتخدير الشعوب التي ستدفع ضريبة استكانتها وذلّها ، من أموالها ورجالها ودمائها وذراريها ومبادئها وعقائدها وأخلاقها.

                    وقد كانت هذه المبررات ضرورية لها ، وذلك لإحكام خطتها في الاستيلاء والتسلط ، ولولا ذلك لظلت الشعوب في حالة صراع مستمر لقوى الاحتلال الأجنبي لأرضها ، الأمر الذي يجعل قوى الاحتلال في حالة قلق دائم ، واضطراب مستمر ، ثم لا يمكنها ذلك من تحقيق رغباتها ، لأن رغباتها المادية أو المعنوية لا يمكن تحقيقها إلا في جوٍ من الاستقرار والطمأنينة ، يضاف إلى ذلك الأعباء المتتابعة التي ستثقل كاهلها من جراء حركات التحرير الوطني ، واضطرار السلطة المستولية لإخماد نيرانها المتأججة.

                    وهكذا تظل صور التسلط المادي المدنس بالمطامع والشهوات والغرائز والأحقاد والنزوات بين باعث عدواني يحرضها ، وغلالة مزورة خادعة تسترها أو لا تسترها ، وجرائم عدوانية وحشية ترافقها ، وقد اكتوى العالم الإسلامي وما زال يكتوي بنيران قوى التسلط عليه ، المباشر أو غير المباشر ،من المعسكرين الغربي والشرقي ، ضمن البواعث الشخصية الأنانية التي سبق ذكرها بشكل مجمل ، وفيما يلي شرح هذه البواعث:

                    1- الرغبة بإشباع الشهوة إلى الحكم والسلطان:

                    وقد تكون الشهوة إلى الحكم والسلطان غريزة في معظم النفوس الإنسانية ، ومن الثابت أنها لدى بعض القياديين نامية جداً وموجهة لمعظم أعمالهم ، وهذه الغريزة من أقوى الغرائز ذات الأثر التاريخي العام ، بما فيها من جموح وطموح لا يحققان وجودهما إلا بإخضاع الآخرين ، والتغلب عليهم في ميادين الصراع والسبق والتنافس ، إلا أن لها ما يكبح جماحها ، ويقيدها بقيود خلقية كريمة ، كما أن لها صوارف تصرفها وتحولها إلى ميادين تنافس لا مزاحمة فيها ، لأنها تتسع لكل متسابق كريم طالب للمجد.

                    لكنها حينما تترك دون قيد يقيدها أو صارف يصرفها فإنها ربما تغدو أخطر باعث مدمر للكون ، مهلك للحرث والنسل ، موصل إلى ادعاء الربوبية ، إذا تهيأت لها الأسباب المساعدة على ذلك .

                    وأعظم القيود التي تكبح جماحها قيود الإيمان بالله ، ومخافة عقابه وانتقامه ، ورجاء فضله وإنعامه ، أما الصوارف التي تصرفها فيأتي في مقدمتها توقع مسؤوليتها الكبرى ، التي تُلقى على صاحب السلطان ، وملاحظة أعبائها الجسام التي ينوء بحملها أفذاذ الرجال ، والزهدُ بما في السلطان من منافع ذاتية دنيوية ، أو جاهٍ عريض ، أمام عظم المسؤولية ، وثقل الأعباء ، وبذلك فقد تضطر الأمة إلى أن تدفع الصالحين للحكم إلى سدته دفعاً ، دون أن يكونوا شرهين له ، جامحين إليه ، يقاتلون الناس جميعاً – لو استطاعوا – من أجل اعتلاء سدته.

                    ولهذه الصوارف الدينية قوة على نقل ما في النفوس من طمع بمظاهر الحكم والسلطان ، إلى الطمع بالتزود من المعارف والتسابق فيها ، أو الطمع بابتغاء مرضاة الله عن طريق التنافس في فعل الخير ، أو الطمع بالجهاد في سبيل الله لهداية الجاهلين وإرشاد الضالين ، والنكاية بأعداء الحق والخير والهدى ، الجاحدين المعاندين ، الذين يكيدون دين الله كيداً شديداً ، ويصدون الناس عنه ، ويقاتلون المؤمنين به ، ويريدون إطفاء نور الله بأفواههم.

                    وهكذا تستطيع الصوارف الدينية إجراء التحويلات النفسية لشهوات الحكم النانية ، وبهذه التحويلات تجعل طاقات العمل المختلفة تتوجه لتحقيق سعادة الناس ، بعد أن ك انت موجهة توجيهاً أنانياً ينجم عنه شرور كثيرة ، وعدوان وظلم ، وآلام جسيمة للمجتمع البشري.

                    ولن تتمّ هذه التربية التحويلية بصورة فضلى إلا في ظل تربية دينية صحيحة ولا نجد لها صورة صحيحة مثلى إلا في الإسلام ، الذي يعمل على التخفيف منها حتى آخر حدّ يمكن أن تصل إليه مجموعة بشرية .

                    وكم جرّ باعث الشهوة إلى الحكم والرغبة بالسطان على الناس عبر التاريخ الطويل من ويلات ونكبات جسام ، في حروب طاحنة ، أزهقت فيها أرواح ، وأريقت فيها دماء ، وأتلفت فيها خيرات ، وبددت قوى وطاقات ، ودرست مدن وحضارات ، ودهّمت مساجد وبيع وصلوات ، لا سيما حينما يضطرب جنون العظمة في رأس زعيم يتوقد في نفسه لهيب الشره بأن يكون له سلطان على كل شيء ، ثم يستطيع أن يجد بطانة تؤازره ، وقوة تناصره ، مع كفر بالله يطلق لأهوائه العنان ويجعلها ملك قيادة الشيطان .

                    ومع هذه المطامع التي ليس لها أساس إنساني كريم تستجيب له النفوس البشرية أو ترضى به ، لا بد أن تقف الأمم والشعوب من صاحبها موقف الدفاع عن حقوقها التي يراد لها أن تكون غنائم باردة ، وأسلاباً سهلة المنال ، في أيدي مجرمي الحروب ، كما لا بد أ، تقف في وجهها مطامع مناظرة عند جموحين آخرين يتوقد في نفوسهم أيضاً لهيب الشره إلى السلطان والحكم ، ومن هذا أو ذاك يكون الصراع الدموي العنيف ، الذي تنشأ عنه مضاعفات كثيرة ، إذ يتولد منه الحقد والكراهية والرغبة بالانتقام ، وفساد الطبائع الإنسانية ، كما يتولد منه التفاخر بالبطولات ، وشدة الارتباط بالعنصريات والعصبيات والحميّات الجاهلية ، وهكذا إلى آخر حشد الرذائل الخلقية والاجتماعية، التي تخلفها الحروب المدنسة بالمطامع الأنانية غير المقدسة.

                    وقد عرف التاريخ القديم والحديث أمثلة كثيرة من الحروب ، التي تثيرها من الشهوة إلى الحكم والسلطان بواعث ضاربة ضارية في نفوس بعض الناس ، ممن ليس لهم من الدين ومخافة رب العالمين ما يضبط شراسة نفوسهم ، ويملك جماحها العنيد ، وليس لديهم مشاعر إنسانية عامة يحسون بها آلام شركائهم في الإنسانية.

                    وقد ظهرت هذه الأمثلة في مختلف الأمم البدائية والمتحضرة ، وكذلك ظهرت في الأمم التي أدركت مدنيات القرن العشرين.

                    فنجد أمثلة منها في تاريخ الفرس ، وأمثلة أخرى في تاريخ الروم ، وأمثلة في تاريخ اليونان ، وأمثلة في تاريخ الأحباش ، وكانت الأمثلة التي ظهرت قديما ًفي هذه الأمم أمثلة كبرى ذات نطاق واسع.

                    وفي تاريخ العرب قبل الإسلام نجد أمثلة كثيرة منها ، ولكنها جزئية ومحدودة ونجد مثل ذلك في تاريخ الشعوب البدائية.

                    وكانت الأمثلة منها قليلة ومحدودة في تاريخ المسلمين بفضل التربية الإسلامية ، والروادع الدينية ، ولم تظهر هذه الأمثلة إلا من منحرفين خارجين على التعاليم الإسلامية والوصايا الربانية.

                    أما أعداء الإسلام والمسلمين فقد سجل التاريخ عليهم أمثلة كثيرة منها ، وتذهلنا الأمثلة التي قدّمتها الشعوب المغولية ، والشعوب التترية ، وفي الصليبية أمثلة دون ذلك.

                    فإذا وصلنا إلى تاريخ شعوب أوربا الحديثة جابهتنا الأمثلة الصارخة التي أعلنت عنها حروب كونية كبرى.

                    وهذه الأمثلة لا بد أن تتكرر وتظهر في كل مجموعة بشرية لم تعم فيها يد الإصلاح الديني عملاً فعالاً مثمراً ، وشر ما في الأمر أن تحمل هذه المطامع الشخصية الأنانية مدمرة بها أمجاد الإنسانية الخيرة ، التي يحملها دعاة الخير ورسل الهدى.

                    وقد حمل نفر غير قليل من أصحاب المطامع الشخصية بالحكم والسلطان ، في تاريخ الإنسانية الطويل العداوة ضد دعاة الحق من الأنبياء والمرسلين , وضد الإسلام خاتمة الرسالات الربانية ، واستخدموا ما استطاعوا أن يجمعوه من قوة وكيد في حرب الأمم والشعوب المؤمنة المسلمة لربها ، بغية إضعاف قوتها ، وصرفها عن رسالتها الربانية ، التي تحمل الخير والرفاه والسعادة لكل الأمم والشعوب.

                    2- الرغبة بابتزاز الأموال والاستيلاء على مصادر الثروات

                    وقد تكون الرغبة بابتزاز الأموال ، والاستيلاء على مصادر الثروات ، حبّاً بالمال ، وافتتاناً به ، أو بغية تسخيره في تنمية القوة ، أو تحقيق مطالب الأنفس وشهواتها ، من أبرز البواعث النفسية التي تدفع مجرمي التسلط المادي المدنس بالمطامع الأنانية والشهوات والغرائز والنزوات والأحقاد ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب.

                    ومن المعلوم بالتجربة أن النظريات الحقوقية تغدو غير ذات أثر فعال في النفوس ، حينما تشعر أن لديها من القوة ما يمكنها من تحقيق مطامعها ، متجاوزة كل مبدأ من مبادئ الحق والعدل ، وتشعر مع ذلك بانعدام الرقابة عليها من قبل سلطة إنسانية تحاسبها وتجازيها ، ثم لا تؤمن برقابة ربانية عليمة حكيمة قديرة عادلة ، ستسألها وستحاسبها وستجازيها بالعدل على أعمالها.

                    ولما كان المال على اختلاف أشكاله وصوره إحدى القوى الخطيرة التي يتوسل بها إلى تحقيق مطالب الأنفس وشهواتها ، كان له في نفوس الناس جميعاً مكانة عظيمة موصولة بالدوافع الأولية التي بني عليها وجود الإنسان في هذه الحياة ، وموصولة أيضاً بالدوافع الثانوية وغيرها من الدوافع التي تحقق للإنسان متعة ولذة ، أو تفاخراً وتكاثراً ، أو لهواً ولعباً ، أو غير ذلك من زينة الحياة الدنيا .

                    قال الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

                    {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.

                    وفي كلام الرسول قوله صلوات الله عليه : "لو أوتي ابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً ، ولو أوتي ثانياً لابتغى إليه ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب".

                    ولما كان علم الإنسان ضمن قدراته التي يستطيع بذلها لا يحقق له جميع مطامعه في تحصيل المال الوفير ، الثراء الكثير ، كانت نفسه باستمرار ممتدة للاستيلاء على أموال الآخرين التي جنوها بكدهم وسعيهم ، إلا أن يردعهم رادع من دين ، أو من خوف رب العالمين.

                    ولكن الآخرين حريصون أيضاً على ما لديه من أموال ، فلم يكن أمام الناس بين يدي معركة الطمع والدفاع عن الحق إلا طريقان:

                    طريق الحق والعدل الذي تحمل لواء الدعوة إليه وصيانته شريعة الله الثابتة ، ومعها وسيلتا الترغيب والترهيب العاجلتين والآجلتين.

                    وطريق العدوان والظلم الذي تميل إليه معظم النفوس ، ما دامت في أيديها القوة الكافية لانتزاع حقوق الآخرين ، والاستحواذ عليها إرضاءً لمطامع النفوس وشهواتها وأهوائها.

                    أما طريق الحق والعدل فمن العسير أن يلتزم الناس به إلا في حالتين : إحداهما : ضعف قوتهم عن العدوان على غيرهم ، وعند ذلك ينادون بمبدأ الحق والعدل صيانة لأنفسهم وحفظاً لحقوقهم . وثانيتهما : سموّهم إلى مراتب الإيمان بالله ، وشعورهم بأن الله القادر القاهر يراقبهم على أعمالهم ، صغيرها وكبيرها ، وسيحاسبهم ويجازيهم ، ويقيم فيهم عدله بحسب أعمالهم ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، ولا يضيع عمل عامل منهم ، ولو كان مثقال ذرّة . وليس وراء هاتين الحالتين إلا تكلفات تعاني منها المجتمعات الإنسانية عناءً كبيراً ، ثم تفلت من أيديها جميعا الضوابط حينما يظفر المجرمون بالقوة الكافية.

                    وأما طريق العدوان والظلم فإنه في نظر كثير من الناس المجرمين ، الذين لا يراقبون الله ، ولا يرجون ثوابه ، ولا يخشون عقابه ، أيسر طريق لبلوغ الثروات الكبرى ، وحينما تتجلى هذه الانحرافات في أفراد أو في عصابات تتولد جرائم محلية محدودة ، يؤدبها ويحد منها الرأي العام المتواضع على خلافها ، أما حينما تتجلى هذه الانحرافات في نفوس من بأيديهم مصائر شعوب ، وقوى دول كبيرة ، أو تتجلى في نفوس أمة بأسرها ، تجمعها رابطة ما من الروابط الإنسانية ، فإن مشلكة العدوان تغدو حينئذٍ مشكلة دولية ، أ ومشكلة عالمية ، إذ تبرز في أشكال غزوات سلب ونهب ، أو حروب سلب ونهب كبرى ، تزهق فيها أرواح بريئة ، وتدمر فيها حضارات ، وتتلف فيها خيرات.

                    وقد عرف تاريخ الإنسان القديم والحديث أمثلة كثيرة من أمثلة الغزوات والحروب الصغرى والكبرى ، التي تحركها المطامع المادية والرغبة بابتزاز أموال الآخرين ، وسلبها بغير حق ، والاستيلاء على مصادر ثرواتهم .

                    ومن أمثلة ذلك حروبٌ كثيرة توقدت نيرانها بين الناس ، في تاريخ الإنسان القديم والحديث ، كالحروب التي كانت تحركها المطامع الرومانية والفارسية والحبشية ، وكالغزوات التي كانت تمارسها قبائل العرب أيام الجاهلية ، وقبائل معظم الشعوب المتخلفة حضارياً ، وقراصنة البحار وغيرهم ، ومن أمثلة ذلك أيضاً الحروب التي أوقد نارها المغول والتتار ، والدول الصليبية ، ثم الحروب العنيفة التي أوقدت نيرانها الدول الاستعمارية.

                    وقد تعرضت بلاد المسلمين وأموالهم لصور كثيرة من الغزو الذي كان الدافع له ابتزاز أموالهم ، والاستيلاء على مصادر ثرواتهم.

                    3- الرغبة باحتلال أرض ذات امتيازات طبيعية مفضلة

                    وقد تكون الرغبة باحتلال أرض ذات مناخ أجود أو طبيعة أجمل من أرض الطامعين ، أو ذات مركز ذي أهمية تجارية أو عسكرية ، من البواعث النفسية الأنانية التي تدفع مجرمي التسلط المادي المدنس بالمطامع والشهوات والأهواء ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب.

                    فمن المعلوم أن لكل إقليم خصائص اختصته العناية الربانية بها ، فالإقليم الرخي الطري الناعم المثمر قد لا تكون فيه كنوز الذهب والفضة وسائر المعادن الثمينة ، والإقليم المثمر قد لا تكون فيه كنوز الذهب والفضة وسائر المعادن الثمينة ، والإقليم الذي تكثر فيه الكنوز قد لا يكون رخياً طرياً ناعماً مثمراً ، وبعض الأقاليم محظوظ بأنه محطة اتصال بين عالمين متباعدين أرضا ً، مترابطين في المصالح التجارية أو السياسية أو غيرهما ، فيحتل بينهما مركز الوسيط والطريق الذي يضطر إليه كلٌّ منهما.

                    وهذه الخصائص والهبات الربانية من شأنها أن تثير مطامع الطامعين ، وحسد الحاسدين ، فتجلب إلى أهلها موجات الغزاة ، وتجعلهم عرضة لعدوان المعتدين ومحاولات تسلط الغاصبين ، الذين ليس لديهم من الدين أو مخافة عدل رب العالمين ما يردعهم عن الاعتداء على حقوق غيرهم ، فيحملون أسلحة التسلط المدنس بالمطامع الأنانية ، ويباشرون أعمال الغزو غير المقدس ضد أصحاب الأرض الشرعيين ، ولا غرو أن يقف هؤلاء موقف الدفاع الشريف عن أرضهم وبلدهم ، وبذلك يقع الصدام الدموي المسلح ، وتسفك الدماء ، ويكثر الفساد في الأرض . والباعث المؤدي إلى حدوث هذه الويلات الجسام منحصر في المطامع النفسية الدنيئة التي ليس لها سند إلا الأنانية المجرمة ، وحب الأثرة ، والرغبة بالعدوان.

                    4- الرغبة بتسخير الشعوب

                    ومن البواعث النفسية التي تحرض مجرمي الحروب على التسلط ، الرغبة بتسخير الشعوب في الأعمال الاستثمارة وغيرها ، كالأعمال الزراعية أو الصناعية أو العمرانية أو أعمال الخدمات ، وأشدها الأعمال الحربية ، إذ يجندون الشعوب المغلوبة ويدفعون بها إىل معارك حربية ضد شعوب أخرى .

                    وهذا لون من ألوان استعباد الإنسان للإنسان بغية تسخيره في الأعمال ، وقد سجل تاريخ الإنسان القديم والحديث أمثلة كثيرة من هذا الاستبعاد . لقد كانت الشعوب الغالبة تستعبد الشعوب المغلوبة استعباداً تاماً أو جزئياً ، فتسخرها فيما تشاء من أعمال ، ثم جاء الاستعمار بصوره المختلفة فكان لوناً متمدناً من ألوان الاستعباد.

                    وإذا كان التاريخ القديم يحدثنا عن الشعوب المغلوبة المستعبدة التي بنت بكدها وذلها ودمها وآلامها للغالبين آثاراً خالدة ، ظلت مائة آلاف السنين تشهد بمقدار التسلط الذي بلغوه ، إننا قد شهدنا في التاريخ الحديث جيوشاً جرارة من إفريقية والهند مستعبدة مسخرة لتوطيد دعائم دول استعمارية ، تسلطت على شعوبها ، وبنت أمجادها بكد وذلك هذه الشعوب ، وبطاقات أفرادها ، وبخيرات أرضها.

                    وقدم إنسان المدنية الحديثة أمثلة من الاستعباد مناظرة لما كان يقدمه إنسان القرون الأولى دون فروق جوهرية كبيرة ، إلا الفروق التي تقتضيها وسائل العصر ، فكل منها قائم على استغلال الإنسان وغذلاله لأخيه الإنسان دون حق مشروع ، أو هدف مثالي ، ولدى البحث نجد أنه لا دافع لهذا العدوان إلا النانية الشخصية أو الجماعية ، والمطامع النفسية الظالمة ، والنزوات القائمة في نفوس أفراد متسلطين ، أو شعوب أخذتها العزة بالإثم ، فنمت فيها أنانيات ومطامع ونزوات مشتركة ، فتواطأت على إروائها باضطهاد شعوب أخرى وإذلالها واستعبادها.

                    بينما لا نجد في رسالة الجهاد المقدس أي أثر لإقرار صور الإذلال والاستغلال والاستعباد ، أما نظام الرقيق فقد كان لوناً من ألوان المعاملة بالمثل ، إذ كان نظاماً سائداً في مختلف أمم الأرض ، وحينما جاء الإسلام أخذ في إصلاح هذا النظام داخل المجتمعات الإسلامية ، إذ لم يكن يستطيع أن يملي إرادته على الشعوب التي كانت تعلن عداءها للإسلام والمسلمين ، أما إصلاحه تمهيداً للتخلص منه فقد كان بالحرص على تحرير الرقيق ، وإيجاب الرفق في معاملته ، واعتباره بمثابة عضو من أعضاء الأسرة الإسلامية ، التي وكل إليها أمر الرقابة عليه خشية مؤامراته ، فهو يأكل مما تأ:له منه ، ويلبس مما تلبس منه ، ولا يكلف من العمل إلا في حدود طاقته ، حتى إذا ظهرت عليه أمارات صلاح حاله ، واطمأنت النفوس إليه أطلقت حريته ، ورفعت الرقابة عنه ، وأعطي بذلك مباشرة جنسية المواطن الشريف ، وأخذ يتمتع بكل الخيرات التي يتمتع بها جميع المسلمين ، من خيرات اقتصادية وأدبية واجتماعية وغيرها ، أما المجالات العلمية فإنه لا يحرم منها بحال من الأحوال ، حتى في أشد أحوال الأسر ، لأن رسالة الإسلام في أساسها تعليم وهداية.

                    وهكذا يظهر الفرق دائماً بين البواعث النفسية الأنانية غير المقدسة ، وبين أهداف رسالة الجهاد المقدس . ولعل هذا النظام الذي يقوم على أساس جعل الأسير عضواً من أعضاء أسرة إسلامية داخل المجتمع المسلم يخالط شؤون الحياة كلها ، إلا أنه موضوع تحت الرقابة ، أكرم لإنسانية الأسير وأرحم ، وأفضل لترقيته ثقافياً واجتماعياً ، من الأنظمة المتبعة الآن بالنسبة إلى الأسرى ، فهي أنظمة شبيهة بالاستعباد الجماعي ، إذ فيها إذلال جماعي ، وحجز لكل الحريات في السجون ، وتسخير في بعض الأعمال ، وتقتير في وسائل العيش ، مع تعذيب وإهانة.

                    5- الرغبة بالتوسع في الأرض للاستيطان أو الاستغلال

                    ومن البواعث النفسية التي تدفع مجرمي التسلط المادي المدنس بالشهوات والمطامع الأنانية ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب ، الرغبة بالتوسع في الأرض ، بغية الاستيطان فيها أو استغلالها.

                    وحين لا تتحقق هذه الرغبة لهم برضا أصحاب الأرض الشرعيين فإنهم لا يجدون سبيلاً إلى ذلك إلا سلوك سبيل الجريمة والظلم والعدوان ، إما بمزاحمة أصحابها ، ومقاسمتهم أرضهم ومعيشتهم ومصادر رزقهم ، وإما بسلبها منهم سلباً كلياً ، وطردهم والعمل على إبادتهم وإفنائهم بشتى وسائل الإفناء الوحشي أو المتمدن.

                    وما نشاهده من ذلك في الناس على متسوى الأفراد أو العصابات ، نشاهد نظيره على مستوى الأمم والشعوب والدول الكبرى.

                    ففي الأمثلة المصغرة نشاهد جرائم التوسع في الأرض بالظلم والعدوان ، عن طريق السرقة أو الاحتيال ، أو عن طريق استخدام القوة المباشرة أو غيره المباشرة ، كتسخير قوة الحكم ، والضرب بسيف السلطان أو عن طرق أخرى ، والوسائل الشيطانية في ذلك كثيرة.

                    هذا جار سكن يحركه الطمع للاستيلاء على قطعة أرض من دار جاره ظلماً و عدواناً ، ليوسع بها داره ، ويزيدها حسناً وجمالاً ، ويجازف بارتكاب جريمة الاستيلاء لبغير حق على ملك جاره ، وربما تكون حاجة جاره لها وهو صاحب الحق تمثل ضرورة من ضرورات سكنه وسكن أسرته ، بينما لا تزيد حاجة المتسلط على أنها لون من ألوان استكمال مظاهر الرفاهية والزينة له ولأسرته.

                    وهذا جار في أرض زراعية يحركه الطمع أيضاً للاستيلاء على قطعة أرض من مزرعة جاره ، ليوسع بها مزرعته ، ويجمل بها أرضه ، فيجازف بارتكاب جريمة الاعتداء على حق غيره ، وربما كانت حاجة جاره لهذه القطعة – وهو صاحب الحق – تمثل ضرورة أساسية من ضرورات عيشه لأنها الوسيلة الوحيدة لعمله الذي يجني منه رزقه ورزق أسرته.

                    وهنا تقف تعاليم الإسلام حارساً أميناً على حقوق الناس ،ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد ، أن رسول الله قال : "من أخذ شبراً من أرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين".

                    وفي الأمثلة المكبرة التي يرتكبها مجرمو التسلط من الأمم والشعوب ، نشاهد جرائم التوسع في الأرض ، بطرق شتى ، منها ألوان الغزو المادي المسلح ، الذي يمتلك الغزاة فيه بلاداً لشعوب وأمم أخرى بمقاتلة أهلها وقهرهم ، وطردهم أو إبادتهم.

                    ومن أمثلة ذلك في القرن العشرين للميلاد مطالب ألمانية هتلرية ، التي نشأ عنها ما سمي بالحرب الكونية الثانية . ومن أفحش الأمثلة وأكثرها تصويراً للجريمة الإنسانية ما يمارسه اليهود في فلسطين ضد سكان الأرض الأصليين ، وأصحاب الحق الشرعي فيها ، وليس التذرع بأن اليهود قد سبقت لهم سكنى هذه الأرض منذ نيف وألف سنة ، لذلك فلهم الحق بأن يستردوها ويطردوا أهلها منها أو يعملوا على إفنائهم ، إلا كحجة الضيف الذي استقبله صاحب الدار بالترحاب والإكرام ، ثم زاد في إكرامه فأطال مدة إقامته ، إلا أن أولاد هذا الضيف استطاعوا في يوم ما أن يستغلوا مرض صاحب الدار ، ويعلنوا أمام الجيران أنهم أصحاب الدار ومالكوها ، ثم شفى الله المريض وشهد ما وصل إليه أولاد ضيفه من فساد ولؤم وعدوان ، فاستعان عليهم بذوي القوة فطردهم من بيته ، فتفرق هؤلاء الأولاد في الأرض ، ولكنهم ما زالوا يحنون إلى دار الضيافة ، وبعد عشرات القرون من السنين ، رجع الأحفاد يطالبون بدار الضيافة ، ويزعمون أمام الناس أنهم أصحابها ، وأنهم كانوا قد طردوا منها ، وما على الناس إلا أن يملكوهم إياها ، ويطردوا منها أبناء الذين كانوا قد استضافوهم في دارهم.

                    هذا هو منطق اليهود في هذا العصر ، ومنطق الدول الكبرى التي تؤديهم وتمدهم ؛ وما يدرينا فلعل اليهود سيطالبون بتملك جميع بلاد الدنيا ، لأنهم سكنوها ضيوفاً فترات طويلة من الزمن.

                    أما وجود اليهود في فلسطين فإن الحقيقة التاريخية التي يعترفون بها تثبت أنه قد كان بمثابة وجود الضيف في المثل السابق ، فإبراهيم عليه السلام قد كان من سكان ما بين النهرين ، فجاء مهاجراً إلى أرض الكنعانيين ، وقد استضافه الكنعانيون وأحسنوا وفادته ، وكان له أسرة قليلة العدد ضمن سكان كثيرين ، ولم تلبث هذه الأسرة أن هاجرت إلى مصر ، ثم عادت بعد قرون ومعها رسالة الجهاد المقدس ، إلا أن الفساد قد أسرع إليها ، فسلب الله عنها النعمة ، و استمر أصحاب البلاد الأصليين في أرضهم ، ولما جاءت المسيحية دخل قسم منهم فيها ، ثم لما جاء الإسلام أسرعوا إليه فصاروا مسلمين .

                    فهل لهذه الدعوى التي يصنعها اليهود ، ويؤيدهم فيها أمثالهم في الإثم والجرم ، أقدام تقف عليها في مواجهة منطق الحق الذي يملكه الفلسطينيون؟

                    6- الرغبة بالانتقام تنفسياً عن الكراهية والأحقاد الموروثة

                    ومن البواعث النفسية الأنانية التي تدفع مجرمي التسلط المادي المدنس بالأهواء والشهوات ، والأحقاد والنزوات ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب ، الرغبة الانتقام تنفيساً عن كراهية موروثة وأحقاد قديمة.

                    وحينما يكون الانتقام الجاهلي موجهاً ضد مجموعة من الناس ، يتوجه أيضاً ضد كل ما يختص بهم من دين ، أو نظام اجتماعي ، أو تاريخ ، أو أرض ، أو أي مجد حضاري أو مدني ، مهما كانت هذه الأمور جديرة بالاحترام والتقدير ، أو حقيقة بأن تتبع أو يستفاد منها للتقدم وإسعاد الناس ورفاههم ونشر الخير بينهم.

                    ويظل الإنسان في انفعالاته الانتقامية المستندة إلى الكراهية الموروثة جاهلياً ، بعيداً عن المنطق الحضاري ، ما لم تهذب عواطفه وتضبط نفسه وانفعالاته مجموعة العقائد والمفاهيم والنظم الدينية الربانية الحقة ، القائمة على أسس عامة بعيدة عن كل تعصب أناني أو قومي أو عرقي.

                    ويظهر أثر التكوين البدائي لطبائع النفوس في كثير من شعوب الأرض المتمدنة ، ما دامت بعيدة عن التربية الدينية الربانية الصحيحة ، أو المفاهيم الاجتماعية التي تدعو إليها ، وكلما قربت هذه الشعوب في حضاراتها من إدراك هذه المفاهيم ، وتمثلها في السلوك ، تضاءلت في نفوسها الطبائع الجاهلية.

                    ومن خصائص التربية الدينية الربانية الصحيحة ، التي تمثلها التعاليم الإسلامية أصدق تمثيل ، الأسس الاجتماعية التالية:

                    الأساس الأول : "لا تزر وازرة وزر أخرى" فلا تتحمل الجماعة ذنوب أفراد منها ، ما لم تكن متواطئة معهم عليها ، أو راضية بها ، ولا يتحمل الأبناء والأحفاد ذنوب الآباء والأجداد ، ما لم يتابعوا ممارستها ، أو تصبح فيهم أموراً تقليدية محببة غير مستنكرة.

                    وهذه الأساس من شأنه أن يقطع دابر كل كراهية متوارثة بين الأمم والشعوب.

                    الأساس الثاني : الأخوة الإنسانية التي لا تعترف بالفوارق العرقية أو اللونية أو اللغوية أو السكنية أو الطبقية ، وهذه الأخوة ذات مستويين:

                    أما المستوى الأول : فهو المستوى العام الذي يشمل الناس جميعاً ، ويتمثل بحب المسلم الخير والسعادة لكل بني الإنسان ، وفي هذا المستوى يقول الرسول : "كلكم لآدم وآدم من تراب"

                    ويقول الله تعالى في سورة (الحجرات/49 مصحف/106 نزول):

                    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .

                    وأما المستوى الثاني : فهو المستوى الخاص ، ويتمثل بحب الخير والسعادة مع التأييد والمناصرة والمودة للملتزمين بالحق ، الداعين إليه ، السالكين صراط الخير والهدى ، صراط الله المستقيم.

                    وذلك لأنه قد اقتضت طبيعة نشر الحق والخير في المجتمع الإنساني ، وطبيعة العمل على مقاومة الباطل والشر أين وجد ومن أية جهة صدر ، مناصرة دعاة الحق والخير الملتزمين بهما ، وكبح جماح دعاة الباطل والشر العاملين بها.

                    ولما كانت المناصرة أثراً من آثار الإرادة الإنسانية ، التي تتأثر بالميل العاطفي ، كان من مقتضى النصرة أن تكون مصحوبة بالحب في الله ، وكان من مقتضى المكافحة أن تكون مصحوبة بالبغض في الله.

                    وقانون الحب والبغض في هذا الأساس مستند إلى مبدأين ، يضم أحدهما الحق والخير ، ويضم الثاني الباطل والشر ، وضابط المبدأ الأول منهما ما أمر الله به عباده ودعاهم إلى العمل به وابتاعه ، وضابط المبدأ الثاني منهما ما نهى الله عنه عباده ودعاهم إلى تركه واجتناب سبيله . وقد بين الدين الإسلامي للناس أوامر الله ونواهيه.

                    من أجل ذلك كانت ثمرة هذا القانون تتجلى في الحب في الله والبغض في الله ، دون أن تتدخل في كل من الحب والبغض أية عوامل شخصية أو أهواء نفسية.

                    ومن شأن هذا الأساس أن يطلق دوائر الجماعات الإنسانية ، ويأخذ بأيدي الناس إلى الوحدة العالمية ، التي تعتمد على وحدة الفكر ووحدة الهدف في الحياة ويرافقهما وحدات أخرى ذات ارتباط بالنظم العامة ، والتكوين السياسي للجماعات الإنسانية .

                    الأساس الثالث : إلغاء الأنانيات على اختلافها أمام مبادئ الإصلاح والخير ، ومكتشفات العلم ومنجزاته.

                    ويقتضي هذا الأساس ، أن يتقبل الذين تأثروا بالتربية ألإسلامية المثلى كل مبادئ الإصلاح والخير ، وأن يمتصوا بسرعة كل مكتشفات العلم ومنجزاته ، ولو حملها إليهم أقل الناس مكانة اجتماعية بين الأمم ، وقاعدتهم في هذا ما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : "الكلمة الحكمة ضالة الحكيم ، فحيث وجدها فهو أحق بها" .

                    وكلمتهم المأثورة في ذلك "خذ الحكمة من أي وعاءٍ خرجت".

                    ومع تمثل هذه الأسس الراقية تنعدم معظم عوامل الكراهية والبغضاء والحقد ، التي لها في معظم الأمم والشعوب رواسب موروثة ، مع أنها غير ذات أساس منطقي مقبول ، لدى التقويم الفكري السليم.

                    وكم تعرضت الإنسانية لآلام كثيرة ، وحروب بشعة حقيرة ، وألوان شتى من العدوان والظلم التي لا دافع لها إلا مخزونات كره وحقد تغلغلت في النفوس ، تكاثرت عن طريق التوالد الذاتي البحت ، وورثها الأبناء والأحفاد عن الآباء والأجداد ، وحينما نرجع إلى أصولها الأولى نجد أنها ناتجة عن رعونة وطيش ، وأنانية وأثرة ، أملتها عادات وتقاليد جاهلية ، تحمل الجماعة وزر مذنب منها ، ولا تفهم معنى الأخوة الإنسانية ولا تشعر به ، ولا تعترف بأي إصلاح أو خير أو علم ، ما لم يكن صادراً عنها أو منسوباً إليها.

                    وقد صادفت حركة الإصلاح ونشر الخير والعلم على أيدي المسلمين موجة عنيفة مضادة من الكره والحقد والبغضاء وعند بعض الذين رفضوا الإسلام ، وقد اختزن طاقة هذه الموجة فئات من الناس ، فورثوها لأولادهم وأحفادهم . أما الذين استجابوا لدعوة هذه الحركة فقد اندمجوا بسرعة في صفوف المؤمنين المصلحين ، فقبلوا الإسلام ، ورضوا به ديناً ونظام حياة ، فسعدوا به ، ولم يجدوا في نفوسهم أي حرج ، وهؤلاء هم النسبة الغالبة من الشعوب التي دخلت إليها حركة الإصلاح . وأما الذين لم يستجيبوا فلم يقترف المسلمون تجاههم ذنوباً تستحق أن يقابلوا عليها بالكره والحقد والبغضاء ، لكن الجاهليات الأنانية جعلتهم لا يعترفون بالأخوة الإنسانية ، ولا يتقبلون مبادئ الإصلاح والخير التي جاءهم بها دعاة من غيرهم ، فكرهوا وأبغضوا وحقدوا ، وورثوا ذلك لأبنائهم وأحفادهم ، واتبعوا المفاهيم الجاهلية ، التي لا تتجاوز حدود الدوائر الأنانية الضيقة والعصبيات المقيتة.

                    وكم تعرض المسلمون في قرون الضعف والتجزئة لعداء شديد ، وكيد مديد ، من وارثي كراهية وحقد وبغضاء.

                    7- الرغبة بإرضاء نوازع الحسد

                    ومن البواعث النفسية الأنانية التي تدفع مجرمي التسلط المادي المدنس بالانحرافات الخلقية ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب ، داء الحسد الذي يأكل قلوب طائفة من الناس .

                    ومعلوم أ، هاذ الداء القبيح ، متى استحكم في قلوب الحاسدين ، لا تتحقق رغباته إلا بإزالة كلّ أسباب الن عمة التي يتمتع بها المحسودون.

                    ثم لا يقف داء الحسد عند حدود الأماني ، ولكنه ينتقل إلى مباشرة الأسباب المادية لتحقيق رغباته الحقيرة ، وذلك عند شعور الحاسد بأن لديه من القوة المادية ما يستطيع أ، يزيح به من الوجود مثيرات حسده ، مهما كان نوعها ، إما بسلب أسباب النعمة من صاحبها وإضافتها إلى نعمه ، وإما بحجبها عنه ، وإما بإتلافها وإزالتها من الوجود.

                    إلا أن المؤمنين بالله حق الإيمان ، الراضين بقسمته وعدله ، إذا مسهم طائف من شياطين الحسد تفجرت في قلوبهم ينابيع ذكر الله ، وامتدت أمام بصائرهم آفاق المعرفة ، وتدفقت عليهم فيوض العلم ، فأدركوا سر الابتلاء في هذه الحياة الدنيا ، وأبصروا حكمة الله ، فاطمأنت بها قلوبهم ، وعظمت بها قناعتهم ، ثم جاءهم من الله شفاءٌ لما في الصدور .

                    ويمكن أن نضع لهذا الداء وآثاره قانوناً نفسياً يستند إلى عناصر ثلاثة:

                    العنصر الأول : وجود هذا الداء في النفس بالمقدار الذي يؤثر تأثيراً على ما في سلوك الإنسان وانفعالاته .

                    العنصر الثاني : فقد الشعور بمراقبة الله ، والتبصر بحكمته ، والخوف من نقمته.

                    العنصر الثالث : شعور الحاسد بأن لديه من القوة ما يمكنه من سلب أسباب النعمة عمن يحسده ، أو حجبها عنه ، أو إتلافها إتلافاً كلياً.

                    فإذا اجتمع العنصران الأول والثاني ولم يتوافر للحاسد العنصر الثالث – وهو شعوره بالقوة على تحقيق رغبات داء الحسد – تولدت عنهما أماني سلب النعمة أو حجبها أو إتلافها.

                    وإذا اجتمعت الع ناصر الثلاثة تولد عنها جميعاً كل المحاولات العملية الإجرامية التي تستهدف مباشرة تحقيق الأماني .

                    وتتفاوت النتائج بنسبة تفاوت وجود هذه العناصر ، فإذا كانت نسبة داء الحسد مثلاً بمعدل (70) درجة مئوية من النسبة العظمى التي بلغها إبليس في حسده لآدم ، وتضاءل معها الشعور بمراقبة الله والخوف من جزائه ونقمته ، حتى بلغ دون العشرة في المئة . وبلغ معهما الشعور بالقوة على تحقيق الأماني دون التعرض لعقاب مادي معدل (70) درجة مئوية مثلاً ، فإن قوة فاعلية الأماني ستكون قوة كبرى ، والاندفاع إلى الجريمة سيكون أمراً محققاً في تقدير مدى سلوك الإنسان سبل الشر والأذى.

                    أما إذا كانت النسب ضئيلة ، أو كانت نسبة الشعور بمراقبة الله والتبصر بحكمته والخوف من نقمته عالية ، فإن آثار الحسد في السلوك ستكون آثاراً ضئيلة خفيفة.

                    ومن هذا نلاحظ أن وجود عنصر داء الحسد مع الشعور بالقوة على تحقيق أماني الحاسد يلغيهما أو يكبحهما الشعورُ بمراقبة الله ، والتبصر بحكمته ، والخوف من نقمته ، بل من شأن هذا الدواء المدهش أن يطارد جرثومة الداء من أساسها.

                    ولدى النظر في تاريخ الإنسان القديم والحديث نلاحظ كم كان لهذا الداء الخبيث من آثارٍ إنسانية مخزية ، وأعمال في الكون مفسدة مدمرة ، وكم دفع مجرمي التسلط المادي إلى إشعال نيران حروب كثيرة وكبيرة ، نجم عنها آلام جسيمة ، وأمراض اجتماعية وجسدية ونفسية خطيرة ، ونجم عنها أيضاً دمارٌ لمظاهر تقدم الإنسان وحضارته ، وفساد عريض وشر مستطير.

                    ولما اصطفى الله محمداً بالنبوة ، وأننزل عليه القرآن ، واختصه بأن يكون خاتم المرسلين ، وحمل من آمن به من العرب لواء الدعوة إلى رسالته العظيمة ، خاتمة رسالات السماء ، وأقبلت عليهم رياح النصر والتأييد من كل جهة ، أثار ذلك حسد بعض أتباع الديانات السابقة ، وأوقد في قلوبهم نيرانه ، فكان منهم معتدلون لم يتجاوزوا حدود الأماني ، وكان منهم مجرمون أخذوا يهتبلون كل فرصة للنكاية بالمسلمين ، وقطع كل طريق من طرق الدعوة دونهم ، وللنكاية بالإسلام الذي كان سر مجدهم ونصرهم وخذلان عدوهم.

                    واحتل اليهود الصف الأول بين طوائف الحاسدين ، فأخذوا ينكرون الحق الذي جاء به محمد صلوات الله عليه ، ويتآمرون عليه وعلى رسالته في حياته ، ثم أخذوا يكيدون للمسلمين وللإسلام كيداً عظيماً ، على مقدار القوة التي يشعرون بأنها تمكنهم من فعل شيء يسيرُ في طريق تحقيق أمانيهم العدوانية الظالمة الآثمة ، إلى أن مرّ نهر الزمن في صحراء القرن العشرين ، وبدت على الشعوب الإسلامية مظاهر الضعف ، تسارع اليهود من كل حدب وصوب إلى إرضاء نوازع الحسد الذي يأكل قلوبهم من قرون ، وإلى تلبية مطامع أخرى في نفوسهم ، وإلى سلب المسلمين جوهرة عظيمة عزيزة عليهم دينياً وتاريخياً ، وانتزاع الرئتين من الجسد ، بوسائل إجرامية ، وآزرهم على ذلك آخرون في الأرض ، أكثر منهم قوة على تحقيق أمانيهم ، وأقل منهم حسداً ، ولكن اشتركوا جميعاً في جريمة التسلط على ما ليس لهم به حق ، بالغضب والقتل والسلب والتشريد ومحاولات الإفناء مع محاربة الدين الذي كان سبب نعمة المسلمين العظمى ، منذ ظهور الإسلام في القرن الأول الهجري ، الموافق للقرن السابع من ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام .

                    8- خوف صاحب السلطان على سلطانه من عناصر قوته البشرية

                    ومن البواعث النفسية الأنانية غير المقدسة ، التي تدفع مجرمي التسلط المادي إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب ، خوفُ صاحب السلطان على سلطانه من القوة العسكرية والسياسية التي يتمتع بها قواده وضباطه وجنوده ، فيحاول أن يتخلص منهم بتوجيه طاقاتهم القتالية لقتال شعوب غير خاضعة لسلطانه.

                    ويبدو أن هذا الباعث يلازم معظم ذوي السلطان ، الذين لا يرون فيه معنى المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقهم ، والتي ينوء بحملها أفذاذ الرجال على مدى تاريخ الإنسان ، وإنما يرون فيه مغانم وأمجاداً لهم ولمن يصتل بهم فقط ، وربما يلازم طائفة من المخلصين الذين يدركون عظم مسؤوليته ، إذا كانوا في مجتمع كثير الشر ، يحتاج تقويمه إلى حشد كبير من القوى والخطط الذكية ، واليقظة التامة ، أما إذا كانوا في مجتمع قليل الشر ، يقدر في ذوي السلطان العدل والاستقامة ، ويشكر لهم قيامهم بالمسؤولية الكبرى ، فإنهم قلما يلمس قلوبهم الخوف لى أنفسهم أو سلطانهم . ومن الأمثلة التاريخية لهذا القسم الخليفتان أو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، إذ كانا في المجتمع الإسلامي في عهديهما مثل سائر الناس في طمأنينة قلوبهما ، وذلك لتوافر شرطين أساسيين:

                    أحدهما : فيمن بيده السلطان ، وهو العدل والاستقامة ، والشعور بالمسؤولية ، والزهد القلبي بكل مظاهر الحكم .

                    وثانيهما : في المجتمع ،وهو كثرة ذوي الاستقامة فيه ، الذين يرون السلطان على صورة يزهد بها الحريصون على دينهم ، الخائفون من ربهم ، ما لم يلجئهم الواجب إلى الاضطلاع به ، وهم يمجدون من يضطلع به منه من الأكفاء الأفذاذ ، ذوي العدل والاستقامة.

                    على أنه رغم وجود هذا الباعث في نفس صاحب السلطان ، فإنه لا يتخذ خطة لتثبيت حكمه بالعدوان والظلم والفساد في الأرض ، متى كان لديه نصيب كافٍ من الإيمان بالله وحسن مراقبته والخوف من عقابه.

                    أما الذين قست قلوبهم وتعاظمت نفوسهم وسيطر عليهم الغرور وحرموا من نعمة الطمأنينة التي هي ثمرة من ثمرات الإيمان بالله ، وأثر من آثار مراقبته وخشيته . فأولئك هم الذين تعمل أفكارهم في ابتكار الحيل وتخطيط الخطط الشيطانية لتثبيت دعائم ما في أيديهم من سلطان ، لأنهم لا يملكون من صفات الحاكم العادل المالك لقلوب رعيته رصيداً يدعم سلطانهم ضد بعض الطامعين الذين يمثلون قوتهم في عدم سلطانهم تجاه نقمة رعيتهم عليهم .

                    وحينما يشعر هؤلاء بأن قوتهم التي تثبت حكمهم ضد الرغبة الحقيقية لرعيتهم . وقد أصبحت مربض خطر على سلطانهم لوجود عناصر فيها أخذت تشعر بمقدرتها على انتزاع الحكم والاستئثار به لأنفسها عن طريق القوة العسكرية أو السياسية التي في أيديها فإن موجة من القلق والاضطراب تستولي عليهم . وعندئذٍ يقلبون وجوه الرأي للتخلص من هذه الأزمة المثيرة للقلق والاضطراب ، إذ تتنازعهم فيها عوامل نفسية مختلفة ، أهمها العوامل التالية :

                    العامل الأول : الحرص الشديد على ما في أيديهم من سلطان ، لأنهم يرون فيه مغانم كثيرة لأنفسهم ولذويهم ، ولا يشعرون فيه بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتقهم ، لأنهم فقدوا معاني الإيمان بالله ومراقبته والخوف من نقمته .

                    العامل الثاني : الطمع بالاستزادة من مغانم الحكم .

                    العامل الثالث : الخوف الشديد من القوى الطامعة بانتزاع ما في أيديهم من سلطان .

                    وحينما يقلبون وجوه الرأي للتخلص من الأزمة النفسية التي أثارت قلقهم واضطرابهم يعثرون على حيل شيطانية وخطط إجرامية مختلفة منها ما يلي:

                    أ- حيلة إيقاع الخلاف بين عناصر القوة السياسية أو العسكرية التي يخشاها أصحاب السلطان لأنهم يتصورون أنه متى وقع الخلاف بينها مع تعادل قوتها تفرقت كلمتها وتكونت فيها زعامات متناقضة . ومع تناقضها تجد أطراف النزاع فيها بقاء صاحب السلطان هو الحل الذي يحميها من الصدام المتكافئ.

                    ب- خطة التخلص من عناصر القوة التي يخشونها ولو بوسيلة جريمة من جرائم القتل المباشر أو غير المباشر . وهذه الخطة الإجرامية قد لا تظفرهم بما يريدون . وربما كانت سبباً في إضعاف قوتهم أمام أعدائهم أو أعداء شعوبهم وبلادهم.

                    ج- خطة التخلص منهم بإبعادهم عن مركز السلطان إبعاداً مادياً أو معنوياً.

                    د- خطة شغلهم بإثارة فتن وإقامة حروب آثمة ظالمة وإطلاق أيديهم في البلاد التي يغزونها إرضاءً لغرورهم ومطامعهم وإبعاداً لهم عن جو الاستقرار الذي قد يفكرون فيه بانتزاع السلطان ، وإذا كانت هذه الفكرة دائرة في رؤوسهم فإن هذا الإبعاد يساعد على تأجيل التفكير بمحاولات تنفيذها . وهنا تقع ظروف جرائم العدوان على الشعوب الآمنة التي لا جرم لها . كما أنه ليس للذين يريدون غزوها هدف مثالي كريم ؛ وإنما أراد حكام هؤلاء الغزاة التخلص من القوى التي تحت أيديهم ؛ والتي يخشون منها على سلطانهم.

                    وكم تعرضت شعوب كثيرة في التاريخ القديم والحديث إلى غزو مجرمين من هذا النوع ، ونالتهم منهم مصائب وآلام كثيرة ، دون هدف مثالي كريم . وكم قوضت بهم حضارات وظلمت بهم مبادئ إنسانية عظيمة وهدمت بهم أركان ديانات سماوية صحيحة فيها الخير والسعادة للناس , واضطهد معتنقوها اضطهاداً شنيعاً .

                    9- بواعث متفرقة أخرى

                    ومن البواعث النفسية الجاهلية التي تدفع مجرمي التسلط المادي غير المقدس ، إلى العدوان على غيرهم من الأمم و الشعوب مجموعة رعونات فكرية ونفسية طائشة تدل على مبلغ السذاجة الفكرية والنفسية والبدائية الاجتماعية المتخلفة تخلفاً حضارياً شائناً مهما كانت تتمتع بالمظاهر المدنية الفخمة لأن المظاهر المدنية ليست هي التي تصنع الحضارات الراقية ، وإنما تصنعها المبادئ الفكرية السليمة والتعاليم الخلقية العظيمة .

                    وقد سجل تاريخ الإنسان طائفة من الحروب بين القبائل والشعوب والأمم أدت إلى تسلط بعضها على بعض ، واستعباد بعضها لبعض عدواناً وظلماً دون أن يكون الباعث لها غير رعونات وحماقات غضبية جاهلية ، ناشئة عن افنعالات نفسية ساذجة ، أثارتها أسباب جزئية تافهة ، لا تحرك الألوف منها شعباً راقياً متحضراً أثرت فيه التربية الدينية الإلهية بمثلها تربيةً مباشرة . كالأمم المتمسكة برسالاتها الربانية ، أو تربية غير مباشرة كالأمم التي احتكت بأتباع الرسالات الربانية . فأخذت عنها فضائل أخلاقية عن طريق السراية والعدوى الطيبة والاقتناع بالمفاهيم التي دعوا إليها.

                    ومن أمثلة الحروب الانفعالية الطائشة أيام العرب في الجاهلية ، وهي أيام حروبهم التي كانت معظم أسبابها أموراً تافهة جداً ، وقد ذكر المؤرخون أنها بلغت نحواً من (1700) يوم ، ورغم أن هذه الحروب لم يكن من نتائجها التسلط المادي السياسي العام فذلك لأن حياة العرب المائجة في الصحراء لا تسمح بذلك. أما التسلط الذي كان يسمح به شكل حياتهم فقد كان يحصل كالاستيلاء على الأموال وكاسترقاق العبيد والإماء عن طريق السلب والنهب والعدوان والظلم .

                    ومفاهيم الحضارة الراقية التي جاء بها الإسلام ، جعلتنا اليوم نعجب كثيراً لسبب الحروب التي استمرت في الجاهلية بين قبيلتين من قبائل العرب ، هما عبس وذبيان ، مدة أربعين سنة . وهي الحروب المشتهرة باسم حروب داحس والغبراء ، إذ كان سببها على ما يذكر الإخباريون ، أن "قيس بن زهير" زعيم قبيلة عبس ، و"حمل بن بدر" زعيم قبيلة ذبيان ، تراهنا على أن يتسابقا على فرسيهما المسميين : "داحس" و"الغبراء" فاحتال زعيم قبيلة ذبيان بحيلة تساعد فرسه على السبق ، فثار قيس زعيم قبيلة عبس ، وتفاقم الأمر وحميت العصبيات في النفوس ، واهتاج الغضب في كل من القبيلتين ، فقامت الحرب بينهما ، وتكررت أيامها خلال أربعين سنة .

                    وهذه الحروب الآثمة الظالمة لم تعدُ أسبابها الأولى أنها نزوة من نزوات الغضب ، ثارت ضمن حادثة تسابق بين زعيمين ، وهي من الأسباب التي لا تستحق الذكر لتفاهتها .

                    وربما ثارت حروب طاحنة بين قبيلتين أو بين شعبين ، انتصاراً لكرامة رجل أو امرأة ، تعرّض أحدهما للإهانة من قبيل شخصٍ من غير قبيلته أ, غير شعبه . وربما ثارت حروبٌ ثأراً لمقتل إنسان ، فذهب ضحيتها ألوف القتلى ، وسقط فيها ألوف الجرحى . وربما قامت حروب دفع إليها التفاخر بين الأنداد بالشجاعة والقوة وكثرة الأنصار ، أو طلب مجد وهمي لا تسنده حقيقة فكرية تقبلها العقول السليمة . وربما قامت حروب دفع إليها شتيمة ظهرت على لسان أحمق طائش . إلى غير ذلك من أسباب تافهة مناظرة لهذه التوافه.

                    بينما نجد الإسلام ينظر إلى أهم هذه الأسباب وهو القتل بأمثل نظرات الحكمة والعدل ، فيقرر مبدأ القصاص من القاتل عمداً و عدواناً ، فرداً كان أو جماعة ، إلا أن يعفو أولياء القتيل رضاً بالدية ، كما ينهى بحزم بالغ عن الإسراف في القتل ، وقد ألغى الإسلام بذلك تقاليد الحماقات والرعونات الجاهلية ، التي كانت تقتل برجل من قبيلتها أي رجل من القبيلة الأخرى ، وقد تأخذ على نفسها أن تقتل بقتيلها عشرات من قبيلة القاتل ، وهنا تضرب الحمية في رؤوس الآخرين ، فيقابلون بالمثل ، ويسرف كل منهما في القتل.

                    أما الإسلام فإنه يقرر ما يلي :

                    أولاً : ما تضمنه قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):
                    {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

                    وبذلك حدد الإسلام مبدأ القصاص ، حرصاً على حياة الناس ونبه إلى أن الالتزام بهذا الحكم الرباني من شأنه أن يحافظ على حياة الأفراد والجماعات ، لأن من يريد أن يقتل عمداً وعدواناً متى علم أنه سيقتل قصاصاً ارتدع عن القتل وأدرك أنه يقدم على عملية انتحار ، وليس كلّ مجرمي القتل يحلو لهم أن ينتحروا . أما حينما يخطر على بالهم أنهم سيعاقبون بالسجن فقط ، أو سيقتل غيرهم من أفراد قبيلتهم مكانهم فإن الرادع لهم عن القتل لا بد أن يضعف في نفوسهم .

                    ثانياً : ما تضمنه قول الله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
                    {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}.

                    وهذا يحد من دوافع الغضب التي تثور في نفوس أولياء المقتول ويثبت لهم أنهم منصورون بحكم الله إذ جعل لهم سلطاناً أن يطالبوا الدولة الإسلامية بالقصاص من القاتل مهما كان شأنه ، ثم يردعهم عن أن يسرفوا في القتل ، وذلك بأن لا يتجاوزوا حدود الله ، فيقتلوا غير القاتل ، أو يقتلوا معه أحداً من عشيرته رغبة بالانتقام الشديد على عادات الجاهلية . لأن هذا من شأنه أن يثير الحميات والعصبيات ؛ ويزيد من احتمالات تدافع أمواج الانتقام بين القبائل والشعوب ؛ ويمكن العداوات والجماعية ويشق عصا الجماعة الواحدة ويحدث الفرقة بينها فيطمع بها عدوها.

                    10- اجتماع عدة بواعث نفسية

                    وقد تجتمع عدة بواعث نفسية غير كريمة من البواعث التي سبق بيانها ، فتدفع مجرمي التسلط المادي المدنس إلى العدوان على غيرهم من الأمم والشعوب.

                    وعندئذ تتولد طاقات عنيفة من طاقات الشر الفعالة المتحركة في اتجاه الظلم والعدوان والتصميم على التسلط الآثم المقرون بالغايات النفسية البحتة البعيدة عن كل هدف مثالي كريم ، يعمل لصالح تقدم الإنسانية ورفع مستواها الحضاري الصحيح .

                    وقد نجد معظم هذه البواعث مجتمعة في جيش الغزو ذي الأجنحة الثلاثة (المستعمرين والمبشرين والمستشرقين) المتجه بقواه المادية والفكرية من كل الجهات ضد الإسلام عقيدة ونظاماً ، وضد المسلمين أفراداً وجماعات معاصرين وغابرين ، وضد الأرض التي لهم فيها حق وسلطان ، ومساكن ومزارع وطرقات برية وبحرية ومصادر ثروات ومناجم خيرات.

                    فبينما نرى الجناح السياسي والعسكري للدول ذات المطامع الاستعمارية غربية كانت أو شرقية يتجه نحو التسلط على الأرض والمال والأنفس ، وسائر القوى البشرية والطاقات الإنسانية في البلاد الإسلامية نرى جناحاً آخر سائراً في موكب الغزو أو متقدماً عليه حاملاً شعاراته التي تحمل في بطائنها ألغام هدم الإسلام ، وتفتيت وحدة المسلمين وإضعاف قوتهم ويبذل ما لديه من حيلة ومكر وكيد لمساعدة الجناح السياسي والعسكري . ثم نرى جناحاً ثالثاً سائراً في موكب الغزو أو متقدماً عليه أيضاً يحمل حقائبه العلمية والثقافية والفنية وفيها مخططات هدم العقائد والنظم والأخلاق الإسلامية عن طريق بث النظريات الفلسفية والمادية والقانونية والنفسية المتضاربة تحت ستار العلمانية . وفيها أيضاً مخططات تهدف إلى تفتي وحدة المسلمين وإضعاف قوتهم . ويبذل ما لديه من حيل تلبس أثواب العلمانية المزورة لمساعدة الجناحين السابقين.

                    وقد تتوجه طائفة من قوى الأجنحة الثلاثة شطر أهداف واحدة ظاهراً وباطناً بينما يتفرد كل منها بتسديد أسلحته الخاصة به إلى الأهداف التي تمثل نوع الاختصاص الموكول إليه .

                    فبينما تكون المهمة المباشرة لقوى الجناح السياسي والعسكري الظفر بالتسلط المادي تكون المهمة المباشرة لجناح المبشرين التبشير بعقائدها الدينية المناهضة للإسلام والمكذبة له ونشر الأكاذيب المنفرة من الإسلام والمسلمين والمشوهة لتاريخهم . وتكون المهمة المباشرة لجناح المستشرقين العبث بأفكار الشعوب المسلمة عن طريق الفلسفات التي لا سند لها من الحق والنظريات التي لم تشهد البراهين العلمية بصحتها والأكاذيب الملصقة بالعلم زوراً وبهتاناً مع تظاهر هذا الجناح بالعلمانية والتحرر من الدين وعدم الاعتراف بأية تعاليم تتصل به . والحال أن أكثر عناصره من المنتظمين في سلك التبشير . إلا أن خطة العمل الماكرة ألزمتهم بأن يتظاهروا بالعلمانية والتحرر من الدين لتكون كلمتهم أكثر قبولاً في نفوس ضحاياهم من أبناء المسلمين .

                    وقوى الأجنحة الثلاثة على اختلاف مستوياتها ومهماتها واختصاصاتها وتباين وجهات نظرها بحسب الظاهر في صور لقائها وصور افتراقها تسير متآزرة متعاونة ، تؤدي وظائف يتمم بعضها بعضاً ، ضمن آلة واحدة تخفى على الكثيرين روابطها . وربما تكون القيادة المتحركة لها في الحقيقة واحدة أيضاً ، إلا أنها قد بالغت في ستر نفسها حتى لا تنكشف للباحثين المتتبعين ، وحتى تظفر بالقدرة التامة على متابعة خطتها الذكية الماكرة . وهي في مأمن من الرقباء الذين قد يدلون المعرضين للصيد على مرابض الصيادين ، وينبهون الضحايا إلى منطلق طوابير جيش الغزو ذي الأجنحة الثلاثة.

                    ( 4 )
                    تآزر الغزاة لتحقيق الأهداف المشتركة


                    تتضح أهداف تنفيذية مشتركة بين الأجنحة الثلاثة في خطط العمل التطبيقية التي من شأنها أن تحقق لهم غايات بواعثهم النفسية.

                    من البدهي أن قوى الدفاع السليمة عند أية جماعة بشرية لا بد أن تتألف من مجموعة عناصر ، منها العناصر التالية:

                    العنصر الأول : القوى المادية وتتمثل هذه القوى :

                    أ- بالمقدار العددي للطاقة الحية لكتلة الدفاع البشري.
                    ب- بمدى القدرة الحية البشرية المدربة على الدفاع أفراداً وجماعات , ويمثل ذلك القادة والجنود من المستويات المختلفة.
                    جـ- بمقار القدرات الأخرى التي تستخدمها أو تنتفع منها كتلة الدفاع البشري ، وتمثلها الأسلحة الخفية والحصون والمنشآت الدفاعية والعقبات والمواقع المساعدة في طبيعة الأرض والمناخ.
                    د- بالكفاية التموينية لكتلة الدفاع البشري وللقدرات الأخرى.

                    العنصر الثاني : القوى الفكرية وتمثلها المفاهيم الفكرية والأسس الاعتقادية التي تنظم الأفراد في سلك كتلتهم البشرية الواحدة والتي ينجم عنها وحدة عاطفية تؤكد روابط الكتلة وتدعم تماسكها.

                    العنصر الثالث : القوى النفسية والإرادية وتمثلها في الأفراد وفي الجماعة الواحدة ما لديهم من القواعد الأخلاقية المشتركة ، وما لديهم من شجاعة وروح معنوية ، وما لديهم من تصميم إرادي على الدفاع.

                    وقد أدرك جيش غزو الإسلام والمسلمين ذو الأجنحة الثلاثة هذه الحقيقة ، فأعد لكل عنصر من عناصر قوى المسلمين المختلفة خطط تفتيت وهدم وتوهين . وتآزرت الأجنحة على محاربة هذه العناصر ، واعتبرت محاربتها أهدافاً مشتركة تعمل على تحقيقها ، وانطلق كل جناح يستعمل الأسلحة التي يقدر على استعمالها ، ضمن خطوط السير التي ترسمها وتملي تعليماتها غرفة العمليات العليا لقيادة هذا الجيش الظالم الآثم.

                    فبينما تكون أسلحة الجناح السياسي والعسكري دائرة بين مصاولات ومداورت الخداع السياسي والحربي ، تكون أسلحة الجناح الذي يضطلع بمهماته المستشرقون دائرة بين محاورات فكرية ودسائس علمية وبحوث ومؤلفات دينية واجمتاعية ونفسية وتاريخية مملوءة بالدس والتحوير والتلاعب بالحقائق ومملوءة بالانتقادات والتهجمات المزورة الملفقة على المفاهيم والأفكار والأحكام والشرائع الإسلامية ، ومشتملة على أكاذيب موضوعة على التاريخ الإسلامي ، وعلى ما يستطيعون من تعاليم الإسلام ، وفي الوقت ذاته تكون أسلحة الجناح التبشيري دائرة في ميادين التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية بمختلف المستويات.

                    ولذلك نجد السلطات الاستعمارية سياسية كانت أو عسكرية تدعم كلاً من الجناحين الاستشراقي والتبشيري دعماً كبيراً جداً بالمال والحماية وتذليل المهمات والإنقاذ عند اشتداد الأزمات والتزويد بالمعلومات السياسية والعسكرية عند الحاجة وبكل ما لديها من خبرات سياسية وإدارية ، ولكنها تحاول بقدر الإمكان أن لا تتظاهر بذلك . وفي هذا الدعم تتلقى المؤسسات التبشيرية المساعدات الجمة من مختلف الدول الكبرى على شكل مخصصات ذات أرقام عالية جداً تستطيع أن تدعم بها ميزانياتها الضخمة وأن تنشئ بها المؤسسات التعليمية والثقافية الصحية والاجتماعية في معظم البلاد ، وأن تعد البعوث وما تسميه بالإرساليات إعداداً عالياً ، حتى تستطيع القيام بمهماتها على أكمل وجه ممكن لها ، ويضاف إلى هذه المخصصات الدولية سيل عظيم من المساعدات المالية التي يقدمها أثرياء العالم من الذين يؤمنون بالرسالة التي يقوم بها المبشرون ، وكذلك سيل أرباح هذه المؤسسات من الأسر الإسلامية التي تدفع أبناءها إليها . والأنكى من ذلك ما يدفعه بعض أغنياء المسلمين لهم من تبرعات تتجمع لدى مؤسسات التبشير ميزانيات قد تفوق ميزانيات دول ذات وزن.

                    ويتلقى المبشرون أيضاً دعماً مماثلاً من كل السلطات الاستعمارية والمؤسسات التبشيرية إذ تغدق عليهم المرتبات الضخمة منها ، وتعطى لهم كل إمكانات التفرغ للبحث والمتابعة . ثم تتلقى ما ينتجونه من أعمال تلقي الصادي المتلفه. فتكافئهم عليه وتعمل على نشره وتوزيعه توزيعاً واسعاً ، وإحاطته بكل دعايات التمجيد والإكبار ، وتدفع بالمنتجين إلى مراكز الصدارة العلمية بين العلماء الباحثين ، وقد يكونون من القماءة والضآلة بحال لا يستحقون معها إلا أن يكونوا خاملي الذكر قابعين في زوايا الإهمال ، إلا أن القوى المساندة المساعدة هي التي رفعتهم وأشادت بهم.

                    وفي مقابل ذلك تجد السلطات الاستعمارية لها سنداً مقنَّعاً عند كل من جناحي المستشرقين والمبششرين ، ففي المراكز التبشيرية مكاتب استخبارات تزود السلطات الاستعمارية بالمعلومات المطلوبة . وفيها أيضاً مكاتب دس لتصدير الإشاعات وتصيد الأجراء ، وشراء الضمائر والذمم ، وقد يكون فيها مرابض قوى مادية تستعمل عند اشتداد الأزمات على السلطات الاستعمارية ، وأجهزة خاصة لتقديم التقارير والتوصيات . كما أن المستشرقين يقومون بإعداد ما يلزم من تقارير ونصائح تستفيد منها السلطات الاستعمارية فوائد جمة ، وتعمل بوحيها وإشاراتها.

                    * * *



                    من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                    Comment

                    • قسورة
                      عضو
                      • Nov 2005
                      • 157

                      #40






                      الفصْل الثاني
                      خلاَصَة وتوجيه لِلمسْلمين


                      1- مقدمة .
                      2- العناصر الغازية .
                      3- نتائج حققها الغزاة .
                      4- خطوات العودة الحميدة .









                      ( 1 )
                      مقدمة


                      بعد امتحان الغزو المادي المسلح الخائب الذي قام به الغزاة ضد الإسلام والمسلمين ، استطاعوا أن يصلوا إلى خطة غزو جديدة ذات شطرين :

                      الشطر الأول منهما : خطة غزو هدفها امتلاك نفوس أبناء المسلمين وأجيالهم الناشئة بالشهوات ومرضيات الأهواء والنزعات . وقد وضع الغزاة تفصيلات واسعة جداً لتنفيذ هذه الخطة وصيد أبناء المسلمين وبناتهم بها داخل البلاد الإسلامية وخارجها حينما يذهب هؤلاء إلى بلاد الغزاة زائرين أو دارسين أو أصحاب مصالح.

                      الشطر الثاني منهما : خطة غزوٍ هدفها السيطرة على عقول أبناء المسلمين وأجيالهم الناشئة بالأفكار وأنواع الثقافات التي يراد لها أن تحل محل المفاهيم الإسلامية الأصيلة . ولا بد أن تكون هذه الأفكار وأنواع الثقافات بعيدة عن العلوم المادية البحتة والتكنولوجيا ، لأن هذه العلوم لا بد أن تخضع للتجربة المادية ولا بد أن تمتحن بنتائجها . فإذا كانت مزيفة فلا بد أن يظهر زيفها بسرعة لدى فشلها في تقديم نتائجها المرجوة منها ، على أن هذه لا تمس المفاهيم الإسلامية الصحيحة.

                      إذن فالأفكار والثقافات الغازية ينبغي أن تكون مما يمس المفاهيم الإسلامية التي هي الحصن الأعظم الجامع للشعوب الإسلامية والحامي لها . وينبغي أيضاً أن تهيأ لها الظروف الملائمة والوسائل الكافية لتزاحم المفاهيم الإسلامية ثم تبعدها وتحل محلها . وعندئذٍ يظفر العدو بتحقيق كامل خطته بسهولة ويسر . فإن لم يتيسر له ذلك ، فلا أقل من أن تسلك الأفكار والثقافات الغازية طريقاً ولو طويلاً ومتعرجاً يمكن أن ينتهي في آخر مسيرة الغزو إلى مزاحمة المفاهيم الإسلامية وإبعادها واحتلال محلها .

                      فماذا عسى أن تكون ميادين هذه الأفكار والثقافات الغازية ؟

                      إنها لا بد أن تكون ميادين لقسمين من العلوم :

                      القسم الأول : العلوم المتصلة بفلسفة الوجود ونشأته والغاية منه ومصير الحياة ومصير الإنسان بعد هذه الحياة . لأن هذه العلوم أو بالأ؛رى ما يسمى علوماً من أفكار لا سند لها من علم أو تجربة هي التي يمكن أن تمس كبريات العقائد الإسلامية . إذ معظم المفاهيم الإسلامية النظرية الجذرية تدور في هذا الفلك .

                      وفي هذا القسم تدخل علوم الفلسفة ونشأة الكون ونشأة الحياة وأصل الإنسان والتطور وما إلى ذلك من بحوث .

                      القسم الثاني : العلوم المتصلة بسلوك الإنسان في هذه الحياة ، فرداً كان أو جماعة ، لأن معظم المفاهيم الإسلامية العملية تدور في هذا الفلك .

                      وفي هذا القسم تدخل جملة من العلوم كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق وعلم الاقتصاد وعلم السياسة والفنون الجمالية المختلفة وبعض النظريات التي ليس لها نتائج عملية من نظريات العلوم المادية البحتة . فمن شأن هذه العلوم – إذا صيغت ضمن نظريات مزخرفة وأحيطت بهالة من التقديس العلمي المزور – أن تكون قادرة على غزو عقول الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين وبناتهم ، لا سيما إذا جاءت مقترنة ببعض الحقائق الظاهرة الخاضعة للتجربة والملاحظة ، والتي ليس في إمكان الإنسان أن يزورها ، والتي تقدم برهان صدقها من نتائجها المادية الظاهرة.

                      إذن فليكن عبور خطة الغزو الفكري أو الغزو الثقافي ضمن هذين الفلكين الثقافيين .

                      وهنا قامت في وجه الغزاة أسوار العلوم الإسلامية الرصينة وحصون النصوص الإسلامية الحصينة وأمجاد تاريخ المسلمين الناصع في جملته.

                      ( 2 )
                      العناصر الغازية


                      وبعد البحث والتأمل والاختبار والتجربة والملاحظة وتقويم النتائج رأى الغزاة أن يهاجموا هذه الأسوار والحصون بخطة ماكرة جداً ، تشتمل على عناصر كثيرة جداً منها العناصر التالية :

                      العنصر الأول : إثارة الشبهات حول المبادئ والمفاهيم الإسلامية ، وإثارة الشبهات حول النصوص المشتملة في مضمونها على هذه المبادئ والمفاهيم ، وبعد العناء الطويل لم يظفروا من ذلك بطائل كبير يذكر ، أو يستطيع التأثير في العقول النيرة الواعية البصيرة ، وقام الباحثون من المسلمين يفندون هذه الشبهات ، ويكشفون حقيقة الإسلام الناصعة.

                      العنصر الثاني : تشويه المفاهيم الإسلامية ، بدس أفكار غير إسلامية في أصلها ، ثم يجعل بعض المسلمين يأخذونها على أنها من الإسلام ، ثم بحاربة الإسلام بها .

                      إن الغزاة في هذا يحاولون أن يقذفوا فينا الوباء بدسائسهم ليوجهوا لنا النقذ اللاذع بعد ذلك ، وليقولوا لنا : أنتم موبوءون ، وما كان فينا هذا الوباء الذي ينتقدوننا به إلا بأسباب من دسائسهم .

                      العنصر الثالث : تجهيل المسلمين بإسلامهم ، أو صرفهم عن تفهمه تفهماً صحيحاً بدسائس كثيرة ومكايد خطيرة ، وللعملاء والأجراء ، والمخدوعين بهم دور كبير وخطير في حمل هذه الدسائس ، وتنفيذ هذه المكايد.

                      والغرض من هذا التجهيل أن تكون عقول المسلمين ونفوسهم وقلوبهم مستعدة بفراغها لتقبل ما تمليه عليهم خطة الغزو.

                      وفي تنفيذ خطة التجهيل هذه يحاربون كل نشاط تعليمي صحيح مشرق منير ، هدفه تعليم العلوم الإسلامية الحقة ، وفق الأساليب المعاصرة ، ووفق الصور السليمة المقنعة القادرة على الصمود والثبات ، ضدّ كلّ أنواع الغزو الثقافي الماكر .

                      وهذه المحاربة تتخذ طريقين : طريقاً تنتهي بإلغاء مواد تعليمية قادرة على التبصير الصحيح للأجيال الناشئة ، مع اصطناع المبررات المزيفة لذلك . وطريقاً تنتهي بتعقيد المعارف الإسلامية ، وجعلها في وضع عقيم الإنتاج ، غير صالح لمسايرة معارف العصر ، ومناهضة الثقافة الغازية ، ولهذه الطريق نتيجة أخرى هم يرجونها ، ألا وهي تنفير الأجيال الناشئة تفي البلاد الإسلامية من العلوم الإسلامية.

                      مع العلم بأن المعارف الإسلامية والمفاهيم الإسلامية لو صيغت صياغة مسايرة لأساليب التعليم الحديث ، مع احتفاظها بمضمونها الحق ، قادرة على أن تكون هي الغازية حقاً ، لأنها في مستوى القمة ، بالنسبة إلى الميادين التي عالجتها في المفاهيم الكبرى والصغرى ، وفي تحديد كمال السلوك الإنساني ، الذي يحقق أرقى مستوى من السعادة التي يمكن تحقيقها في ظروف هذه الحياة الدنيا للفرد وللجماعة.

                      العنصر الرابع : تشويه واقع تاريخ المسلمين تشويهاً يجعل المسلمين يفقدون مشاعرهم بأمجادهم ، وينظرون إلى تاريخهم نظرات استهانة ونقد ، مع أن في تاريخهم العظيم ما ليس في تاريخ أية أمة من الأمم ، علماً وحضارة وإنسانية مثالية ومجداً كبيراً .

                      العنصر الخامس : محاولة إقامة حجب وعقبات كثيرة بين أبناء المسلمين وبين العلوم المادية البحتة العالية والعلوم التكنولوجية الكبرى ، لإقامة حاجز بينهم وبين مياادين القوة المادية الحقيقية ، ثم شغلهم بسيول هائلة من العلوم الأخرى التي تشتمل على الأفكار والثقافات الغازية ، والإيحاء لهم بأن الاشتغال بها هو طريق التقدم العلمي الصحيح للارتقاء الحضاري.

                      العنصر السادس : قيادة حركة التعليم العالية خطة ومناهج ومضامين وعناصر عمل وتنفيذ ، ثم القبض على نواصي وثائق المعرفة وصكوكها الورقية التي ترتبط بها الألقاب العلمية ، وكراسي التعليم في كل معاهد التعليم وجامعاته.

                      وكان من ضمن المعارف التي زحف الغزاة إلى قيادة التعليم فيها لمنح أعلى الوثائق فيها العلوم الإسلامية والعربية ، لاستقدام أبناء المسلمين إلا بلادهم واستدراجهم إلى شبكة الصيد التي نصبوها لهم ، بغية أن ينفذوا خطتهم العامة عن طريق من يستطيعون تصيده من هؤلاء الأبناء ، ومتى تولى قيادة العلوم الإسلامية والعلوم العربية الخادمة لها ، حملة ألقاب عليا مطبوعون بخاتم العدو مرصوصون في قالبه ، فإن خطة الغزو تكون أكثر إحكاماً وأعظم نفاذاً.

                      ويخرج زمرٌ من أبناء المسلمين إليهم ، فيسقط من يسقط منهم في حبائل الفكر والثقافات المدسوسة المزيفة ، ويسقط من يسقط منهم في حبائل الشهوات والمطامع ، ومرضيات الأهواء والنزغات ، وينجو من ينجو منهم بفضل الله وعصمته ، إلا أنه كما ينجو من الحريق من يدخل النار وهو يلبس الألبسة الواقية ، أو كما ينجو من الغرق من يتوغل سابحاً في عباب البحر الهائج.

                      وهنا نقول : إن أخذ هذه العلوم الإسلامية والعلوم العربية على أيدي أعداء هذه العلوم – وإن نا فقوا لها وتظاهروا بالإخلاص لها في البحث العلمي – يمثل خطراً عظيماً على الأمة الإسلامية ، ويمهد للغزاة سبيل الغزو للإسلام نفسه ولو بعد حين .

                      ولكن ثقتنا بالله أن الله لن يمكنهم من ذلك لأنه تكفل بحفظ كتابه ، وإن من حفظ الله أن يتخذ المسلمون الخطط والوسائل اللازمة للحماية.

                      ومن العجيب أن كراسي العلوم الإسلامية في الجامعات العالمية إنما يتولاها في هذه الجامعات من لا يدين بالإسلام ، بينما لا يتولى كراسي العلوم النصرانية إلا عالم من علماء النصرانية ، ولا يتولى كراسي العلوم اليهودية إلا عالم بالهيودية من علماء اليهود ، فماذا فعل المسلمون تجاه واجبهم الذي يقضي عليهم بانتداب علماء من المسلمين يتولون كراسي العلوم الإسلامية في الجامعات العالمية!؟.

                      وفتنتنا الكبرى بشهادات الماجستير والدكتوراه ، نبهت الغزاة إلى خطة يسلكونها عن طريق هذه الشهادات .

                      جاء في كتاب المشكلة الشرقية "Eastern Problem London 1957-p.149" ما يلي :

                      "لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تماماً.

                      ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية . فيجب أن تختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة والشخصية الممزقة والسلوك المنحل من الشرق ولا سيما من البلاد الإسلامية وتمنحهم المنح الدراسية . وحتى تبيع لهم الشهادات بأي سعر ، ليكونوا المبشرين المجهولين لنا ، لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبو إليه في البلاد الإسلامية.

                      إن اعتقادي القوي بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالاً تاماً جنون الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات ، واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا ومآربنا ، باسم تهذيب المسلمين والإسلام".

                      العنصر السابع : تشويه الإسلام بتحريف معانيه ونصوصه ، وإخراجها عن مواقع دلالاتها المرادة.

                      ( 3 )
                      نتائج حققها الغزاة

                      ووقع المسلمون من جراء أعمال الغزاة ، وبأسباب من أنفسهم ، في أمراض وانحرافات ، يجب عليهم أن يتخلصوا منها ، حتى يستعديوا مجدهم في العالم ، ويحتلوا مراكز القيادة الحضارية المثلى .

                      ومن هذه الأمراض والانحرافات ما يلي :

                      1- مفاهيم غير صحيحة ، مسيطرة على أفكار كثيرين منهم ، منها مستحدث ، ومنها موروث من عصور الانحطاط .

                      2- الانبهار بظواهر الحضارة المادية الحديثة ، وهذا الانبهار يسوق إلى التقليد الأعمى ، الذي تغدو فيه القوى الفكرية والنفسية والإرادية معطلة مشلولة ، وتغدو فيه القوى الجسدية المختلفة مندفعة اندفاعاً أرعن وراء جهة الانبهار .

                      3- التخلف العلمي والعملي عما يجب أن يكونوا عليه ، والسابقين إليه قبل كل سابق من أمم الأرض ، بموجب قوة الدفع الحضاري الموجود في تعاليم الإسلام وتوجيهاته ووصاياه.

                      4- تلقي الضربات المتتاليات من قبل أعدائهم وأعداء دينهم ، الطامعين ببلادهم والعاملين على إخراجهم من دينهم وأخلاقهم الإسلامية ، وتفتيت وحدتهم الكبرى إلى أجزاء صغرى لا كيان لها ولا وزن لها بين أمم الأرض.

                      ومن شأن هذه الضربات المتتاليات أن ترسم في النفوس الضعيفة صوراً من اليأس والقنوط ، وترسم في النفوس القوية صوراً من الأمل والرغبة بالتنافس والتحدي ، ولكن هجر عامة المسلمين لإسلامهم أضعف نفوسهم .

                      5- تأثر معظم طلائع الأجيال الحديثة بحملات الغزو الفكري والنفسي والاجتماعي والسياسي والسلوكي الذي غزانا به أعداء الإسلام من مختلف الأشكال والأجناس والألوان.

                      وبعض هذا الغزو قد جاءت حملاته إلينا ، وبعض هذا الغزو قد حُمل أبناؤنا إليه .

                      6- تخلي معظم المسلمين عن التطبيقات الإسلامية ، وارتداد كثيرين من أبناء المسلمين عن العقيدة والمفاهيم الإسلامية ارتداداً كلياً.

                      7- انتشار الجهل بالمفاهيم والتعاليم الإسلامية الصحيحة ، وانشغال النفوس والأفكار بمطالب الأجساد والشهوات والأهواء .



                      ( 4 )
                      خطوات العمل الحميدة


                      والعمل للإسلام الحق يتطلب من طلائع الوعي الإسلامية حركة فعالة متزنة تتسم بطول الصبر وسعة الصدر وعدم استعجال النتائج والتخطيط للأمد البعيد بفكر عميق مستفيد من تجارب الماضي وعظاته ، لتقف بقوة وثبات بعيدين عن الثورات الانفعالية الآنية في المواجهة المضادة لأعمال الغزو وفي البناء الإيجابي الفعال للفكر الإسلامية وللأمة المسلمة الصحيحة.

                      ولهذه الحركة الإسلامية أن تستفيد من خطة العمل التالي :

                      1- ينطلق العمل الإسلامي بالاعتماد على عنصرين رئيسين من عناصر العمل الفعالة المنتجة بهدوء واتزان ودأب:

                      العنصر الأول : مثقفون ثقافة إسلامية واعية متسمة بعمق التفكير وسعة الأفق ورحابة الصدر وقوة الحجة والفاعلية الدائبة.

                      العنصر الثاني : جمهور من الملتزمين بالإسلام عقيدة وعملاً ، الغيورين عليه ، المتحمسين للاضطلاع بمسؤولياتهم نحوه ، أياً كانت مجالات عملهم في اكتساب الرزق ، مع زاد مناسب من الثقافة الإسلامية.

                      2- منهاج العمل :

                      لإعداد عنصري العمل السابقين يمكن رسم بعض الخطوات الرئيسة دون الدخول في التفاصيل.

                      الخطوة الأولى : الانطلاق إلى العمل ، وتتم هذه الخطوة بإحدى وسيلتين :

                      أ- إما باندفاع نواة أولى صالحة للاستقطاب ، مزودة بكفاءة طيبة للعمل ومعرفة إسلامية واسعة وأخلاق قيادية حكيمة .

                      ب- وإما بتجميع نخبة ممتازة من الباحثين الإسلاميين ، ليصدر عنهم مجتمعين الانطلاق إلى العمل ، مع التخفيف من مشكلات القيادات الجماعية ما أمكن .

                      الخطوة الثانية : وضع ميثاق إسلامي عام ، يمكن أن يلتقي عليه معظم المسلمين وأن يلتزموا به ، ومن طبيعة هذا الميثاق أن يكون بعيداً عن إثارة كل النقاط الخلافية الفرعية.

                      الخطوة الثالثة : وضع منهاج التثقيف الإسلامي العام ، باختيار البحوث الإسلامية التي يحتاج إليها المسلم المعاصر .

                      ويتم وضع هذا المنهاج ، ثم تؤخذ الموافقة عليه من قبل علماء المسلمين الموثوقين المنبثين في الأقطار الإسلامية .

                      الخطوة الرابعة : إعداد المصنفات الإسلامية الحديثة ، أو انتقاء المناسب منها ، على أن تتناول بالبحث الموضوعات المقررة للتثقيف الإسلامي العام ، وتصدر هذه المصنفات بعد الموافقة على إصدارها من قبل عدد من علماء المسلمين الموثوقين في الأقطار الإسلامية.

                      وينبغي أن تتفادى هذه المصنفات عناصر الخلافات المذهبية العنيفة ، ما لم تتصل بجوهر العقيدة الأساسية.

                      وينبغي أيضاً أن تكون هذه المصنفات ذات مستويين أو أكثر ، مستوى ابتدائ يُعدّ لتثقيف الجماهير المسلمة بالثقافات الإسلامية المطلوبة ، ومستوى متوسط ثم مستوى آخر عال ، لتثقيف زمرة العنصر الأول بالثقافات الإسلامية التفصيلية ، المدعمة بالحجج والبراهين المقنعة.

                      الخطوة الخامسة : إعداد جيش المثقفين ثقافة إسلامية راقية ، مقرونة بوعي والتزام واتزان.

                      ويجب أن تكون دوائر التثقيف الإسلامي الراقي في حالة اتساع مستمر ، ومن بين هذا الجيش المثقف بالثقافة الإسلامية الراقية تتفجر القيادة الحكيمة الرزينة ، الحريصة على متابعة الجهد التثقيفي ، والعمل للإسلام بغيرة وإخلاص .

                      الخطوة السادسة : التوعية الإسلامية العامة ، بمستويات تتناسب مع حال الجماهير المختلفة ، مع التربية الحكيمة على الالتزام بالتطبيق الدقيق للأحكام والأخلاق الإسلامية ، دون شدة أو عنف في بعض الفروع الشكلية البحتة.

                      ويدخل في هذه الخطوة تكليف كل مثقف إسلامي – سواء أكان من زمرة العنصر الأول أو من زمرة العنصر الثاني – نقل ما تزود به من معرفة إسلامية ، ونقل ما التزم به من سلوك إسلامي إلى غيره ، عن طريق الدعوة ، أو التأثير بالقدوة الحسنة ، وذلك ضمن برنامج تفصيلي محدد ، يفرض على كل عامل وظيفة يومية يباشرها في ميدان التثقيف والتوعية الإسلامية.

                      ويجب أن يكون التثقيف بالأساليب المؤثرة ، التي لا تثير عصبيات الآخرين ، ولا تحرضهم على الاستمساك بالباطل والإصرار عليه ، وسلوك مسلك العناد والمخالفة .

                      ومن أمثلة الأساليب الرفيعة المؤثرة ، الاستدراج إلى الإقرار بالفكرة ، بعد وضع هالة حولها من الحجج الخفية والبراهين غير المباشرة ، وذلك قبل الإعلان التام عنها ، فبهذا الأسلوب يظن الآخر أنه هو صاحب الفكرة ومبتكرها ، فيستمسك بها ، ومن الأساليب أيضاً أن يهدي حامل رسالة التوعية صديقاً أو زميلاً له كتاباً إسلامياً ، يشعره بأنه اطلع عليه وأعجب به ، أو يضعه بين يديه ليقرأه ويبدي فيه رأيه بعد فترة كافية لقراءته ، مع متابعته برفق ، واستنجازه قراءته برقة متناهية.

                      الخطوة السابعة : تبريد حرارة الخلافات المذهبية ، و العمل على تقريب وجهات النظر بطريق لا جدال فيها ولا مشاحنات ، مهما دعا الانفعال إلى ذلك .

                      وطريق تبريد حرارة الخلافات المذهبية البث العارض ، أو الكتابات المتسمة بالاعتدال والرفق واللين ، وتكريم كل جهة من جهات الخلاف ، وعرض الحق مقترناً بالدليل ، دون إبراز صورة التعصب له .

                      الخطوة الثامنة : فضح دسائس أعداء الإسلام الفكرية والعملية بين المسلمين ، وإبراز الصورة الإسلامية المشرقة الحقة ، بكل وسيلة من وسائل الإعلام والتنوير العام .

                      واتخاذ الوسائل الكفيلة بحماية أبناء المسلمين حماية تامة من المواطن التي تكثر فيها شبكات الصيد التي ينصبها الأعداء الغزاة .

                      الخطوة التاسعة : استغلال مختلف المشاعر الإنسانية ، لإيقاف المسلمين موقف الحذر في مواجهة كل غزو فكري يمس عقائدهم وعباداتهم وأخلاقم ونظمهم الإسلامية ووحدتهم العالمية .

                      وضرورة هذه الخطوة تظهر حينما نلاحظ افتتان معظم النفوس بالمدنية الحديثة ، التي تأتي و معها المتفجرات السرية لهدم العقائد والأخلاق .

                      الخطوة العاشرة : تجنب أي صراع مباشر مع أية حركة إسلامية مهما كان نوعها ، لأن هذا الصراع من ِشأنه أن يبدد طرق طاقات المسلمين تبديداً داخلياً ، يسمح لأعداء الإسلام بأن يظفروا بأطراف النزاع ، بينما يجب تجميع القوى الإسلامية كلها لتكون في مواجهة أعدائهم الكثيرين .

                      الخطوة الحادية عشر : توجيه قدر كبير من طاقات العمل إلى بلاد الغزاة ، لنشر الإسلام الصحيح الصافي فيها ، بمختلف وسائل النشر ، مع إعطاء صورة سليمة للتطبيق الإسلامي.

                      * * *






                      خَاتِمَة




                      لا أزعم أنني في هذا السِفّرْ أحصيت كل أنواع المكر التي مكرتها قوى الأجنحة الثلاثة وخوافيها ، ولكنني بالتأكيد قد نبهت على معظمها ، ووجهت الأنظار إلى الاحتراس منها. ولجأت إلى طريقة التحليل واستخلاص العظة ، وبيان ما يجب عمله تجاه القوى المختلفة للأعداء الكثيرين ، وإنني واثق من أن الله سينصر أولياءه على أعداء دينه مهما كثرت أعدادهم وعظمت قواتهم ، بشرط أن يصدقوا إيماناً وعملاً وجهاداً ، ويحققوا في أنفسهم ما يجب عليهم للظفر بالنصر كما أمرهم الله .

                      وكان الفراغ من تنسيقه وتنقيحه في أواخر جمادى الثانية من العام الهجري 1395 الموافق لشهر حزيران من العام الميلادي 1975 .

                      وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


                      عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني

                      من لم يكن له من دينه واعظ ، لم تنفعه المواعظ

                      Comment

                      • حازم
                        طالب علم
                        • Sep 2004
                        • 1886

                        #41
                        للرفع
                        إذا رضيت لنفسك بالهوان وجعلت من نفسك نعلاً فلا تلومن من انتعلك !
                        روابط هامة :

                        Comment

                        Working...