قصة السمكة .. ومناط القبول !

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أحمد بن مسفر العتيبي
    عضو
    • Sep 2013
    • 118

    #1

    قصة السمكة .. ومناط القبول !

    قبل ثلاثين عاما ًكان أستاذ الفصل رحمه الله تعالى يشرح لنا قصة السمكة الشهيرة . وهي حكاية متواترة يرويها أدباء العصر عن مؤرِّخي خراسان في ترجمة أحمد بن مسكين أحد الزهاد في القرن الثالث الهجري .


    وقصة السمكة طويلة موجزها : أنه كان في البلدة رجل يُدعى أبا نصر الصياد ، يعيش مع زوجته وابنه في فقر شديد .

    وبينما كان مهموما مغموما ً، يسأل الله تعالى الفرج والرزق الحلال، مرَّ على شيخه أحمد بن مسكين يشكو له فقره ، فقال له اتبعني إلى البحر .
    فانطلقا إليه وقال له الشيخ راغباً في لجوء تلميذه إلى الله تعالى : صلّ ركعتين واسأل الله تعالى الرزق الحلال الطيِّب ، فصلَّى ، ثم قال له : سم الله. ثم رمى الشبكة ، فخرجت بسمكة عظيمة ، وقال له : بعها واشتر بثمنها طعاماً لأهلك .


    فانطلق إلى السوق يبيعها ، واشترى فطيرتين إحداهما باللحم والأخرى بالحلوى ، ثم رجع للشيخ ليعطيه من الطعام .

    فردَّ الشيخ الفطيرة قائلاً : هي لك ولعيالك ، ثم أردف : ” لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة ” . والقصة طويلة ، وهذه خلاصتها .


    وهذه القصة تشبه قصة تُعزى لشقيق البلخي (ت:194هـ ) وإبراهيم ابن أدهم (ت: 162هـ )رحمهما الله تعالى ، وهما من المشهورين بالزهد والصلاح ، وخلاصتها أنه قدم شقيق البلخي مكة وإبراهيم بن أدهم بمكة ، فاجتمع الناس ، فقالوا : نجمع بينهما . فجمعوا بينهما في المسجد الحرام ، فقال إبراهيم بن أدهم لشقيق :
    يا شقيق ! علىماذا أصَّلتم أصولكم ؟

    فقال شقيق : أصَّلنا أصولنا على أنا إذا رُزقنا أكلنا ،وإذا منعنا صبرنا .
    فقال إبراهيم بن أدهم : هكذا كلاب بلخ ! : إذا رزقتأكلت وإذا منعت صبرت .
    فقال شقيق : فعلى ماذا أصَّلتم أصولكم يا أبا إسحاق؟فقال : أصَّلنا أصولنا على أنا إذا رزقنا آثرنا ، وإذا منعنا حمدنا وشكرناقال : فقام شقيق وجلس بين يديه ، وقال : يا أبا إسحاق ! أنت أستاذنا .

    القاعدة عند الأصوليين أن الملة واحدة والشرائع مختلفة ، ولهذا وجبت معرفة الحق من كل طريق جاءت به الرسل عليهم السلام .
    واستقراء الأدلة ونخل المؤلفات يعين على فهم مراد الله تعالى ، لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني .

    لو نظرنا في الكتاب العزيز لوجدنا أن الله تعالى يعلِّق القبول على التقوى لا على مجرد البذل والعطاء والقيام بالفعل أو القول .
    والتقوى اسم جامع لكل خير مع حسن المقصد وتجريد النية للغني – سبحانه – الذي لا تنفذ خزائنه .
    قال الله تعالى : ” إنما يتقبل الله من المتقين ” ( المائدة : 27 ) . وقال سبحانه : ” لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ” ( الحج : 37 ) .
    وقال سبحانه عن ابني آدم عليه السلام : ” فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر “ ( المائدة : 27 ) والذي لم يتقبل منه هو قابيل لأنه تقرب بمال رديء ونفسه به متعلِّقة ، فعاقبه الله لسوء مقصده .

    ولهذا قال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ” إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان لـه خالصاً وابتُغي به وجهه ” . رواه الإمام النسائي بإسناد صحيح .

    ولهذا أعظم القُرب التي يتقرب بها إلى الله تعالى هي الفرائض التي أوجبها الله سبحانه ليختبر بها حسن مقاصد العباد من ضدها .


    فالصيام مثلاً من الفرائض الواجبة وهي ركن من أركان الإسلام ، فإذا صامه العبد وقامه مؤمنًا محتسبًا ما عند الله من الغنائم والأجور مؤثرًا شهواته وحظوظ نفسه ، ممسكا عن الآثام الظاهرة والباطنة ، فإنه يكون محقِّقاً لمراد الله تعالى .
    والقاعدة القرآنية أن كل فريضة يتجرد المؤمن للقيام بها مع كمال الذُّل والخضوع فإن صاحبها يعد عند الله من المقبولين . فقد قال الله تعالى عن العاملين المستسلمين لأمر الله : ” أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون “ ( الأحقاف: 16 ) .


    وهذه الآية فيها جواز التوسل بالتوبة إلى الله والإنقياد له بالطاعة ، وهي من علامات القبول .

    وبعبارة عصرية مبسطة القبول يكون بالضبط المعنوي والحسي للقول والعمل والإرادات ، تحقيقا لقول الله تعالى : ” فاعبد الله مخلصاً له الدِّين ” ( الزمر : 2 ) . فكل عملٍ أو قول يظهر بنية صالحة على هدى من الله فهو مقبول ، ولو كان صاحبه من أحقر الناس .

    ولهذا بلغ بلال الحبشي رضي الله عنه منزلة عالية في الجنة بفضل صدقه وتعظيمه لله تعالى وطاعته للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو كان له مقاصد أخرى لما بلغ ما بلغ .
    ولهذا لما ذم الله تعالى الكفار ووبخهم ، قرنهم بالبهائم التي لا تعقل خبراً ولا إدراكاً ، ” إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ” ( الأنعام : 44 ) ، لأن الكفار ظاهرهم شر ومقاصدهم سيئة . وهذه سنة الله فيهم لخبث مقصدهم .

    في مؤلفات القادة العسكريين يروى أنّ أحد الساسة الأجانب وجّه إليه سؤال حول سبب إلقاء القنبلة الذرية على مدينتي (هيروشيما ) و(ناكازاكي) اليابانيتين ، ممّا أدّى إلى مقتل مائتي ألف إنسان بريء ، وإصابة بالعاهات لكثير من الناس ، فقال: نحن فعلنا ذلك من أجل السلام! ولو لم نفعل ذلك لطالت الحرب أكثر، ولذهب ضحيتها عدد أكبر من القتلى! .

    علماء الغرب في العصر الحديث – رغم قلة زادهم - أقاموا الحجة علينا وعلى أنفسهم بتقريب التقوى بالدلالة إلى أسبابها التي تخفى على كثير من الناس ، فقد حلَّلوا المادة واكتشفوا الذرة والنواة ، حتى قال ألكسيس كاريل : ” إن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف، وإن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب ، وعلينا أن ندرك أن علم الإنسان هو أصعب العلوم جميعاً “ .

    وهذا المعنى بعمومه صحيح لأن الله تعالى ربط بين معرفته وعبوديته بقوله : ” وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ” ( الذاريات : 20 ) .


    وفي هذا إشارة إلى أن التسلح بالعلم النافع من علامات القبول عند الله تعالى .
    لو عكف مسلم على دراسة خلق الله في النفس والكون لأورثه ذلك من التقوى والخوف من الله ما لا يعلمه إلا الله وحده ، وكان سبباً في قبوله ورفع درجاته عند ربِّه .

    ولهذا يوجد عند الفلكيين والأطباء من تعظيم الله ما لا يوجد عند غيرهم في الغالب .

    ختاماً فإن الضب والحوت لا يجتمعان ، كما أن العمل لله ولغيره لا يجتمعان . وقديماً قال الأصوليون : لا يجوز تأخير الواجب إلى آخر وقته إلا بشرط العزم على فعله . والله الهادي .

    هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

    أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
    عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية
    __________________

    مؤسِّس مُدوَّنة المتوقِّد التأصيلية
    开元手机网页版-开元(中国)-深耕勘察测绘领域 公司深耕勘察测绘领域,持有工程测量甲级、界线与不动产测绘甲级、摄影测量与遥感乙级、地理信息系统工程乙级、水土保持监测等多项专业资质。
Working...