السلام على من اتبع الهدى .
بداية , فاني أود أن أشكر جميع أعضاء هذا المنتدى و أخص بالشكر الأخ " ناصر التوحيد " لرده على مداخلتي , مما ينم عن حسن خلقه ، كذلك أتوجه بالشكر للقائمين على هذا المنتدى و نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتهم ، انه على ذلك قدير و بالإجابة جدير , و أبعث برسالة تقدير إلى موكب الثابتين , القابضين على الجمر , الذابين عن لا اله إلا الله , المدافعين عن بيضة الإسلام , الملجمين للملحدين بأسطع البراهين , السائرين في موكب النور { نحسبهم كذلك و الله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدا } .
أما بعد , فقد نسيت بالأمس أن أذكر شيئا و هو أن أهل الإسلام قد ردوا على مبطلي اليقينيات { السفسطائيين } أو المشككين فيها أو القائلين بنسبيتها , منذ زمن بعيد , قبل أن يولد ديكارت و أتباعه , برد بسيط و لكنه مفحم , ويفهمه الجميع على اختلاف مشا ربهم .
يقول هؤلاء المبطلون أنه لا يوجد حقائق أو يقينيات أبدا, فلاحظ أيها القارئ العزيز كلمة{أبدا} فهم أثبتوا أنهم متيقنين من بطلان الحقائق , وبالتالي أثبتوا يقينا مع رفضهم المطلق لليقينيات, وهو ما يهدم مذهبهم من أساسه و ينقلب السحر على الساحر ويلزمهم بإثبات حقائق . كذلك القائلين بنسبية الحقائق , يقولون الحقائق كلها نسبية , فكلمة {كلها} تثبت حقيقة مطلقة وهي القول بالنسبية , فبطل بالتالي كلامهم . أما المشككين في الحقائق , فنقول لهم هل شككم حقيقي أم باطل فان قالوا باطل , أفحموا أنفسهم , وان قالوا حقيقي فقد أثبتوا حقيقة ما , وهو المطلوب . ويمكنكم الرجوع لابن حزم في كتابه الفصل أو لكتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي في معرض ردهم على السفسطائيين , وذلك لمن يريد التفصيل.
هذا من ناحية , أما من ناحية أخرى فقد لاحظت إصرار المدعو {ايف هيتز} على اعتبار كلام ديكارت أنه يدل على أسبقية الوجود للوعي حيث قال : انا افكر اذن انا موجود
هذه الاذن الست تفهم منها الاستدلال؟؟
فماهي المقدمة والحقيقة التي اعتمد عليها ديكارت ليثبت انه موجود؟
قوله انا افكر طيب كيف يكون التفكير دليل على وجودي؟ الا اذا كان الوجود يسبق الوعي.
أقول لايف هيتز كما قلت بالأمس : ديكارت اعتمد على قضية بديهية في استدلاله مع أنه لم يبرهن عليها وهي أن {الشيء لا يخرج من لاشيء } و قلنا كيف أنه نقض ما بناه . وأما ما ادعيته من أنه كان يقصد أسبقية الوجود على الوعي فلا دليل عليه , ولكن الذي قمت به يسمى التحليل الإيديولوجي وليس الموضوعي لأنك تؤول قول ديكارت لإثبات إيديولوجية معينة , و أعتقد أنك ربما سعيت لاستعمال كلمة مادة بدل وجود , و ذلك لإثبات الزعم الماركسي على أن المادة تسبق الوعي , و لكنك استعملت كلمة وجود ليتسق تلفيقك أولا , و أيضا لأن الفلسفة الماركسية تنطلق من مسلمة تزعمها وهي أن لا وجود إلا للمادة . و طبعا هذا يفضي بنا إلى مناقشة أسس الفلسفة الماركسية ومناقشة زعمها أنها علمية . و هذا العمل سنقوم به في فترة لاحقة إن شاء الله , في موضوع مستقل .
ففي الحقيقة أنا طالب في الجامعة أدرس الفيزياء , وفي بلدي حيث رفعت راية العلمانية و أخمد صوت التوحيد بدعوى محاربة الظلامية , كثيرون هم أتباع الماركسية {لا كثرهم الله } و خاصة في قطاع الطلبة , لأن أغلب الشعب قد تم اجتثاثه من إسلامه , وأغلب الموحدين مضطهدون , لأجل ذلك كانوا أكثرية . لذلك كان الاحتكاك بهم و مناقشتهم من الأمور الحتمية , فهم يعتبرون الفلسفة المادية أحد دعائم الإلحاد . و سنري الجميع تهافت دعواهم بإذنه تعالى .
و أخيرا أشكر الجميع لإتاحة لي الفرصة لابداء رأيي و أقول كما قال حجة الإسلام الغزالي : إن رد المذهب قبل فهمه أوالاطلاع على كنهه هو رمي في عماية.
يقول حجة الإسلام الغزالي ( إن رد المذهب قبل فهمه و الاطلاع على كنهه هو رمي في عماية )
ويقول أيضا ( انظر إلى قولي و لا تنظر إلى عملي ينفعك قولي و لا يضرك تقصيري )
معظم الناس -ولا أقول المتدينين- يعتقد أن هذه المقولة تعني أنه من لايفكر كمن لا وجود له في هذا العالم...يعني كالجماد
ومنهم من يفسرها أنها تعني أنه لإثبات وجودك بين الناس وأن تتحصل على مكانة وسطهم يجب أن تفكر كيف السبيل للوصول إلى ذلك
هل تعتقد ذلك أنت أيضا؟؟؟
توفيرا للوقت، سأكتب شرح مختصر للقصد من وراء قول ديكارت لمقولته الشهيرة وللمزيد من التفاصيل يمكن للزملاء الأفاضل البحث عن الموضوع والقراءة عنه
ديكارت كان يقصد أنه لا يملك دليلا واحدا على وجود ماحوله، لا يملك أي دليل على وجود ما تنقله له حواسه
الشيء الوحيد الذي تأكد أنه موجودا هو نفسه...لأنه يفكر
أنا أفكر..إذا أنا موجود..لا يمكن أن لا أكون موجودا وأنا أفكر
ولكن هذه الأنا نفسها لا أملك دليلا عن ماتكون...فقط أنا متأكد من أنها موجودة...أين..لا أستطيع أن أعرف...
إذا..كل شخص - هذا إن كنتم فعلا موجودين...لأني لا أملك دليلا على وجودكم حقا- يملك دليلا حسيا لا يستطيع إنكاره يثبت أنه موجود...ألا وهو أنه يفكر...غير ذلك..لا يملك أي دليل على وجود أي شيء آخر
وجودي لا يعني هنا أني إنسان...وجودي يعني وجود الأنا المفكرة..فقط لا غير
أما كوني إنسانا فأنا لاأملك دليلا واحدا عليه
أدعوا الجميع لمناقشة الموضوع
تحياتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أظن انك لم تقرأ تفسير ديكارت للكوجيطو،فهو قال:
"أنا أشك إذن أنا أفكر إذن أنا موجود،من الذي اوجدني،بحثت عن الوجود فلم اجد إلا أنا،أنا مخلوق فمن خلقني فلا يعقل أن الذي خلقني أقل مني لأن الأقل لا يقوى على خلق الأعلى،ولا يمكن أن يكون الذي خلقني مثلي لأنه لو كان مثلي لماذا خلقني هو ولم أخلقه أنا،إذن بقي شيء واحد أن الذي خلقني إله كامل"
والواقع أن مقوله ديكارت الشهيرة تحتاج قبل أن مناقشتها أن نضعها في سياقها الصحيح من الفلسفة الغربية ..
فإن الفلسفة الغربية قد خاضت حتى الأذنين في مستنقعات السفسطائية ..
فلم تنكر وجود الله فقط ..
بل أنكرت الـ(أنا) والخارج والذهن والعالم كله ..!
هنا جاء ديكارت ليبني صرح العقل من جديد ويعيد إليه حقوقه المهضومة ..
حيث أن الفلسفة الغربية قد أجهضت الثقة بالعقل والحواس ..
ودافعها في ذلك كان تأثرها بالنصرانية المحرفة المعارضة للعقل ..
مما زين لفلاسفة الغرب الحط من قدر العقل وحكمه على القضايا حتى تسلم النصرانية من نقده ..!
فيكون الاعتماد على الإيمان وحده دون العقل في تقرير اليقين ..
فإن تعارض العقل مع الإيمان النصراني المحرف دعا الفلاسفة إلى الحط من قدر العقل لصالح الإيمان ..
وهكذا سادت السفسطائية في فلسفات الغربيين مثل كانت وهيوم وغيرهما ..
ثم جاء ديكارت ليلغي ازدواجية العقل والإيمان ..
بإعادة حقوق العقل إليه وتخليصه من السفسطائية ..
يقول ديكارت : مهما كان ترتيب المعاني الذي يراد تقريره في الفلسفة فالشيئ الذي يبقى حقيقة دائمًا هو الشعور ، فقد أشك في وجود الأجسام وقد أشك في وجود الله وفي الحقائق الرياضية ، لكن لا أشك أصلاً في وجود شعوري لأن شكي في وجود شعوري شعور أيضًا ، والحال أن شعوري أن شكي معناه أني موجود ، فإن من لا يوجد لا يشك أيضًا .
وبناء عليه فأنا مدرك شاعر موجود من حيث أني مدرك إن لم أكن موجودًا بأي حيثية .
فديكارت يمشي من هذا الطريق في إثبات وجود الله ..
فوجود نفسه المستفاد من إدراكه هو الحقيقة الأولى الثابتة ..
ثم يترتب عليه وجود الله ثم يترتب عليه إثبات وجود العالم ..
والموضوع شيق وقد يحتاج إلى بسط في بعض المواضع ..
والله الموفق .
إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
[ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].
Comment