فى المعجزات وخوارق العادات بين الانكار والاثبات .

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • خطاب أسد الدين
    عضو
    • Oct 2014
    • 1105

    #91
    القول القويم فى نقد منهج عدنان ابراهيم

    1_http://sunnahway.net/books/Adnan1.pdf

    2_http://sunnahway.net/books/Adnan2.pdf
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
    { درء التعارض : 1\357 }

    Comment

    • خطاب أسد الدين
      عضو
      • Oct 2014
      • 1105

      #92
      مناقشة علمية لعدنان إبراهيم في طعنه في عبدالله بن عمر
      الأربعاء, 20 جمادى الآخر 1434
      ساعد عمر غازي

      تناول الدكتور عدنان إبراهيم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - بالطعن واللمز من حيث أنه لا يصلح للخلافة، وأنه لا يصلح إلا للنساء، وأن ذلك هو رأي أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - في ابنه عبد الله - رضي الله عنه -، مستشهدا ببعض المرويات؛ يقول عدنان إبراهيم: "أبوه غضب جدًا لمجرد أن رجل رشحه لأبيه وهو مطعون رضوان الله عليه وهو يجود بأخر أنفاسه للخلافة غضب جدًا جدًا وقال: ثكلتك أمك والله ما أردت بها الله. وفي رواية أخرى قال: عبد الله ابني: لا يصلح إلا للنساء". ثم لما أنكر الشيخ عثمان الخميس وفقه الله على عدنان إبراهيم ما قاله في حق عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -، لم يرجع بل تمادي وعمل محاضرة خصصها للرد على استنكار الشيخ عثمان وغيره، يثبت فيها بالأدلة حسب زعمه بأن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - لا يصلح إلا للنساء، فأتى بكتاب أنساب الأشراف للبلاذري، ومصنف عبد الرزاق، وسيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ليستخرج منهم أدلته على ما أراد أن يرمي به ابن عمر - رضي الله عنه -، فقال عدنان إبراهيم في محاضرته هذه: "موقف ابن عمر مع النساء إيش قصة ابن عمر مع النساء، في "أنساب الأشراف" عن الأعمش عن إبراهيم -النخعي- قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيًا لاستخلفته، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فأين أنت من عبد الله بن عمر؟ فقال عمر: قاتلك الله، والله ما الله أردت بهذا القول، أستخلف رجلًا لم يحسن أن يطلق امرأته؟ ورواه هكذا ابن سعد في الطبقات". انتهى كلام عدنان.

      وهذا الأثر الذي استشهد به ضعيف؛ فإبراهيم النخعي لم يسمع من عمر - رضي الله عنه - فروايته عنه منقطعة، قال أبو حاتم: لم يلق أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عائشة ولم يسمع منها شيئًا فإنه دخل عليها وهو صغير وأدرك أنسًا ولم يسمع منه. وقال أيضًا: إبراهيم النخعي عن عمر مرسل. هذا من حيث سند الرواية.

      ونزيد عدنان أن البلاذري في "أنساب الأشراف" أخرج من طريق علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مسندًا إلى ابن عباس، وكان عنده ابن عمر وسعيد بن زيد، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئًا، ولم أستخلف بعدي أحدًا، وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله،... فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال له: قاتلك الله. والله ما أردت الله بها. أستخلف رجلًا لم يحسن يطلق امرأته؟". وهذا سند ضعيف، وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، ضعفه غير واحد، قال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد: حدثنا على بن زيد، و كان يقلب الأحاديث. وفي رواية: كان على بن زيد يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غدًا، فكأنه ليس ذاك. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. وقال ابن حبان: يهم و يخطئ، فكثر ذلك منه فاستحق الترك. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": "ضعيف".

      ولكن عدنان في هذه المحاضرة لم يذكر الرواية الأخرى التي ذكرها في قول الأول وهي: "عبد الله ابني: لا يصلح إلا للنساء"، وهي تخالف من حيث المعنى رواية: "لم يحسن يطلق امرأته"، كما هو ظاهر، ونحن نطالبه بأن يذكر أين هذه الرواية؟ ثم نطالبه بصحتها إن وجدها!!، وهذه الرواية لو كانت عنده في كتاب لسارع في إخراجه وقرأ الرواية منه، كما صنع في بقية ما ذكره من روايات، أو على الأقل أعادها مرة أخرى؛ إنما هي من بنات أفكاره، أراد أن يرمي بها ابن عمر - رضي الله عنه -، وعدنان إبراهيم، كما ظهر لكل من يستمع له من العلماء وطلبة العلم بعناية وتتبع أنه يكذب فيما ينقله ويعزوه من أحاديث وروايات، كما أنه لا يحسن ألفاظ كثير منها، ويصحح الضعيف ويضعف الصحيح وقد جمعنا في ذلك مسائل سيأتي ذكرها إن شاء الله.

      ولم يكتف عدنان إبراهيم بذكر هذه الرواية الضعيفة عن عمر - رضي الله عنه -، بل ذهب إلى تقرير هذا على سبيل القدح في ابن عمر - رضي الله عنه - فقال: "هذا لا يصلح، حتى لتطليق نسائه يعني ضعيف في النواحي هذه، هذا اعتقادي في هذا الرجل".

      وقال أيضًا: "لكنه شخصية ضعيفة مترددة، هذا لا يضيره ولا يشينه يا جماعة". وقال أيضًا: "لكن ستدرك أيضًا أنه لا يصلح أن يكون قيادة سياسية لا ينفع يا جماعة". نقول لعدنان وغيره، على فرض تقوية قول عمر: "لم يحسن يطلق امرأته"، بمجموع الطريقين فكل ما في هذه الرواية أن عمر - رضي الله عنه - أراد أن يبعد ابنه عبد الله عن أمر الخلافة، إما من باب الورع، أو من باب شفقة الأب على ابنه، أو من باب نظرة الأب لابنه الذي قد لا يعجبه في ابنه أشياء قد لا تلفت نظر الناس ولا يعتبرونها تضر أو تقدح، ولعل كان قول عمر - رضي الله عنه - إن صح في الجملة من باب قفل الباب أمام الناس، فذكر ما يظن أنه يكفي ليكون عذرًا عند الناس، وهو في حقيقة الأمر لا يقدح مطلقًا في شخصية عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -، ولعل اختيار عمر - رضي الله عنه - لأمر تطليق النساء كان له قصة تخص عمر - رضي الله عنه - مع ابنه عبد الله - رضي الله عنه -، فعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "كانت تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها، فقال عمر: طلقها فأبيت، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أطع أباك وطلقها". أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والطحاوي في "المشكل"، و الحاكم، وأحمد. وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وحسنه الألباني في "الصحيحة". ثم إن قصة تطليق ابن عمر لامرأته في الحيض مشهور وهي في الصحيحين نذكر منها عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، - رضي الله عنهما - أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا...". الحديث. إلى غير ذلك من روايات هذا الحديث، والذي يعنيننا هنا هو أن عمر - رضي الله عنه - أمر عبد الله - رضي الله عنه - بتطليق امرأته، وباشر أيضًا سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما طلق عبد الله - رضي الله عنه - امرأته في الحيض، فلعل هذا الأمر ظل عالقًا في ذهن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - فأخذه على أبنه عبد الله - رضي الله عنه -، إما لعدم سماع كلامه في بداية الأمر عندما أمره بتطليق زوجته، أو لأنه طلقها وهي حائض، مما جعل عمر - رضي الله عنه - يقول قوله هذا، قال ابن حجر في "فتح الباري" وهو يتكلم على تطليق ابن عمر - رضي الله عنه - امرأته وهي حائض: "فقد يحتمل أن لا تكون عن شقاق بل عن سبب آخر وقد روى أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال طلقها فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أطع أباك. فيحتمل أن تكون هي هذه ولعل عمر لما أمره بطلاقها وشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - فامتثل أمره اتفق أن الطلاق وقع وهي في الحيض فعلم عمر بذلك فكان ذلك هو السر في توليه السؤال عن ذلك لكونه وقع من قبله". ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكر ما وقع في كلام بعضهم من لمز ابن عمر - رضي الله عنه -، وبيان حقيقته، حتى لا ندع لعدنان إبراهيم مجالًا للتعقيب على طريقته، في التعالي والتعالم وعدم الدقة في التحقيق، فقد جاء في كلام علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن البغدادي، الجوهري، مولى بني هاشم الحافظ، الحجة، مسند بغداد، المتوفي سنة 230هـ: قال يحيى بن معين: ثقة صدوق.

      وقال أيضًا: علي بن الجعد أثبت البغداديين في شعبة. وقال فيه مسلم: هو ثقة لكنه جهمي. وقال أبو حاتم: كان متقنًا صدوقًا. وقال أبو زرعة: كان صدوقًا في الحديث. وقال النسائي: صدوق. لكن جاء عنه أنه يطعن على بعض الصحابة - رضي الله عنه -، فأخرج العقيلي في "الضعفاء" (3/225)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (/)، من طريق أبي غسان الدوري -وفي بعض النسخ المروزي- يقول كنت عند علي بن الجعد فذكروا عنده حديث ابن عمر كنا نفاضل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقول خير هذه الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر وعمر وعثمان فيبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره فقال علي: "انظروا إلى هذا الصبي هو لم يحسن يطلق امرأته يقول كنا نفاضل". وقال أبو غسان: كنت عند علِي بن الجعد فذكروا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للحسن إن ابني هذا سيد فقال من جعله سيدًا، وأخرج العقيلي والخطيب من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: قلتُ لعلي بن الجعد بلغني أنك قلت ابن عمر ذاك الصبي، قال: "لم أقل ذلك ولكن معاوية ما أكره أن يعذبه الله". فنفى الوقيعة في ابن عمر - رضي الله عنه - وأثبتها في معاوية - رضي الله عنه -!! إلا أن أبا داود قال كما نقل عنه الآجري: "علي بن الجعد وسم بميسم سوء، قال: ما يسوؤني أن يعذب الله معاوية وقال ابن عمر ذاك الصبي".

      ونقل عنه أيضًا أنه وقع في أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه -، فأخرج الخطيب في "تاريخ بغداد: قال هارون بن سفيان المستملي المعروف بالديك قال: كنت عند علي بن الجعد فذكر عثمان بن عفان فقال: أخذ من بيت المال مائة ألف درهم بغير حق، فقلت: لا والله ما أخذها ولئن كان أخذها ما أخذها إلا بحق، قال، لا والله ما أخذها إلا بغير حق، قلت: لا والله ما أخذها إلا بحق. قال الألباني في "الضعيفة" (14/935): "وهارون بن سفيان - هو: ابن بشير أبو سفيان مستملي يزيد بن هارون يعرف بـ(الديك )-: له ترجمة في "تاريخ بغداد" (14/25) برواية جمع أخر عنه، مات سنة (251)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا".

      ولما نقل عنه من وقوعه في الصحابة - رضي الله عنه -، جعل الإمام أحمد لا يحدث عنه وينهى أبنه عبد الله من الذهاب إليه فقال العقيلي قلت لعبد الله بن أحمد بن حنبل: لم تكتب عن علي بن الجعد؟ فقال: نهاني أبي أن أذهب إليه فكان يبلغه عنه أنه تناول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال زياد بن أيوب سأل رجل أحمد بن حنبل، عن علي بن الجعد، فقال الهيثم: ومثله يسأل عنه؟ فقال أحمد: أمسك أبا عبد الله فذكره رجل بشيء، فقال أحمد: ويقع في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو زرعة الرازي: "كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيت في كتابه مضروبًا عليهما". فالقول الذي نسب لعلي بن الجعد في ابن عمر - رضي الله عنه -، باطل لا يقبل، سواء رجع عنه أم لم يرجع، وكذلك قوله في غيره من الصحابة - رضي الله عنه -، فلا يفرح عدنان إبراهيم وأمثاله بتلك الزلات!!

      وأعود فأقول: إن في النفس شيء من تقوية قول عمر - رضي الله عنه - : "لم يحسن يطلق امرأته"، فقد جاء ما يخالفه عن عمر - رضي الله عنه -، فنقول لعدنان إبراهيم إن السبب الذي من أجله لم يذكر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ابنه عبد الله في أهل الشورى هو؛ لأن عمر - رضي الله عنه - جنب ابنه أمر الولاية من بعده، لا لأنه لا يصلح لها، أو لأنه لا يصلح إلا للنساء؛ أو لأنه شخصية ضعيفة مترددة، كما كذب وافترى عدنان، إنما لأمر آخر، وهو أن عمر - رضي الله عنه - أراد أن يجنب قرابته أمر الاستخلاف، وهذا من ورع عمر - رضي الله عنه - وقد فعل هذا أيضًا مع سعيد بن زيد ابن عمه أحد العشرة الذين بشرهم رسول الله بالجنة وسعيد بن زيد هو راوي حديث العشرة، لذلك قال ابن حجر في "فتح الباري": "واقتصار عمر على الستة من العشرة لا إشكال فيه؛ لأنه منهم وكذلك أبو بكر ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبل ذلك وأما سعيد بن زيد فهو ابن عم عمر فلم يسمه عمر فيهم مبالغة في التبري من الأمر وقد صرح في رواية المدائني بأسانيده أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض إلا انه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه وقد صرح بذلك المدائني بأسانيده قال فقال عمر: لا أرب لي في أموركم فأرغب فيها لأحد من أهلي". وفي صحيح البخاري في حديث البيعة بعد عمر قال عمر: "يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ -كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ -". قال ابن حجر: "قوله: "كهيئة التعزية له": أي لابن عمر لأنه لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة أراد جبر خاطره بأن جعله من أهل المشاورة في ذلك".

      فعمر - رضي الله عنه - يجعل عبد الله - رضي الله عنه - في أهل المشاورة في أمر الخلافة، مما يدل على أن عمر - رضي الله عنه - يعرف مدى رجاحة عقل ابنه عبد الله - رضي الله عنه -، إنما أراد تجنب ترشيحه لأمر الخلافة لقرابته منه، لا كما ذهب عدنان إبراهيم، ثم نذكر هذا الحديث لكي نرى رجاحة فهم ابن عمر من صغره، وفرح عمر - رضي الله عنه - بذلك، فقد أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ قَالَ عَبْدُ اللهِ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنَا بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هِيَ النَّخْلَةُ قَالَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا". وفي رواية: "قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لاَ يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ قَالَ لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ عُمَرُ لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا". قال ابن حجر: "ووجه تمنى عمر - رضي الله عنه - طبع الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره وليزداد من النبي - صلى الله عليه وسلم - حظوة ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم". وقال النووي: "وفيه سرور الإنسان بنجابة ولده وحسن فهمه وقول عمر - رضي الله عنه - لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلى أراد بذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو لابنه ويعلم حسن فهمه ونجابته". ثم أن ابن عمر - رضي الله عنه - عند علماء الأمة من علماء الصحابة ومن فقهاء الأمة، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: "الإِمَامُ، القُدْوَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ"، وقال ابن حجر: "وهو أحد العبادلة وفقهاء الصحابة والمكثرين منهم"، ثم إن ابن عمر - رضي الله عنه - عند المسلمين في عصره كان مما يصلح للخلافة ومن أهلها، وأن الناس كانوا يطلبون منه ذلك ولكنه كان زاهدًا في ذلك الأمر مخافة إراقة الدماء والانخراط في أمر الدنيا، فقد أخرج ابن سعد في "الطبقات" بإسناد لا بأس به عن خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: لَوْ أَقَمْتَ لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ رَضُوْا بِكَ كُلُّهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ خَالَفَ رَجُلٌ بِالْمَشْرِقِ؟ قَالُوا: إِنْ خَالَفَ رَجُلٌ قُتِلَ، وَمَا قَتْلُ رَجُلٍ فِي صَلاَحِ الْأُمَّةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَتْ بِقَائِمَةِ رُمْحٍ وَأَخَذْتُ بِزُجِّهٍ ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. خالد بن سمير هو السدوسي البصري. روى له: البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قال ابن حجر: "صدوق يهم قليلًا". وأخرج بإسناد حسن عن نَافِعٌ أَنَّهُ دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: فَسَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ لَوْلاَ مَخَافَتُكَ لَزَاحَمْنَا قَوْمَنَا قُرَيْشًا فِي أَمْرِ هَذِهِ الدُّنْيَا". وبإسناد صحيح عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَال: كُنْتُ أَمْشِي خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاضِعِينَ سُيُوفَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَقُولُونَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَعْطِ بِيَدِكَ. وأبو العالية البراء البصري، اسمه زياد بن فيروز و قيل زياد بن أذينة وقيل كلثوم وقيل أذينة وقيل لقبه أذينة، مولى قريش. روى له: البخاري، ومسلم، والنسائي. وقال ابن حجر: "ثقة". وهذه شهادة أسلم مولى عمر في ابن عمر - رضي الله عنه - فأخرج ابن سعد بإسناد صحيح عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَوْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: أَسْلَمُ: مَا رَجُلٌ قَاصِدٌ لِبَابِ الْمَسْجِدِ دَاخِلٌ أَوْ خَارِجٌ بِأَقْصَدَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ لِعَمَلِ أَبِيهِ. وأخرج ابن سعد في "الطبقات"، وأحمد في "فضائل الصحابة" بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنَّكَ سَيِّدُ النَّاسِ وَابْنُ سَيِّد ، فَاخْرُجْ نُبَايِعْ لَكَ النَّاسَ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ لاَ يُهَرَاقُ فِي سَبَبِي مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، فَقَالُوا: لَتَخْرُجَنَّ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ عَلَى فِرَاشِكَ، فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ قَوْلِهِ الأَوَّلِ، قَالَ الْحَسَنُ: فَأَطْمَعُوهُ وَخَوَّفُوهُ ، فَمَا اسْتَقْبَلُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. ولذا قال ابن الأثير في "أسد الغابة": "وكان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى، وكل ما تأخذ به نفسه، حتى إنه ترك المنازعة في الخلافة مع كثرة ميل أهل الشام إليه ومحبتهم له". وقال أيضًا الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "قلت -أي الذهبي: كاد أن تنعقد البيعة له يومئذ، مع وجود مثل الإمام علي وسعد بن أبي وقاص، ولو بويع، لما اختلف عليه اثنان، ولكن الله حماه وخار له". فماذا بعد هذه الشهادات في بيان أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان ممن علم الناس أنه يصلح لسياسة الناس وللقيادة السياسية، وإنما تركها مخافة إراقة الدماء وخوفًا على نفسه من تنافس الدنيا، فهل نترك هذا لسخافات هذا التائه الضال عدنان إبراهيم، عامله الله بما يستحق.

      ثم ابن عمر - رضي الله عنه - كان متأنيًا فيما يقول ويفتي به، فأخرج ابن سعد في "الطبقات" بإسناد حسن عن نَافِعٌ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مَسْأَلَتَهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَمَا سَمِعْتَ مَسْأَلَتِي؟ قَالَ: "بَلَى وَلَكِنَّكُمْ كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِسَائِلِنَا عَمَّا تَسْأَلُونَنَا عَنْهُ، اتْرُكْنَا يَرْحَمْكَ اللَّهُ حَتَّى نَتَفَهَّمَ فِي مَسْأَلَتِكَ ، فَإِنْ كَانَ لَهَا جَوَابٌ عِنْدَنَا، وَإِلاَّ أَعْلَمْنَاكَ أَنَّهُ لاَ عَلِمَ لَنَا بِه"ِ. ولذا قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "وكان - رضي الله عنه - شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه، وكل ما يأخذ به نفسه". فما هو بضعيف متردد يا عدنان!!

      ثم يحاول عدنان إبراهيم أن يخدع الناس فيظهر الثناء على ابن عمر - رضي الله عنه - فيقول: "سيدنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - رجل صالح صالح، ومتسنن وعابد وتقي". انظر كيف يتفضل عدنان فيصف عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - بأنه رجل صالح، فنقول له لا ننتظر منك يا عدنان أن تثني على ابن عمر - رضي الله عنه - وتصفه بالصلاح، فقد شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فأخرج البخاري وغيره، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ لاَ أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ بِي إِلَيْهِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ. فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ، أَوْ قَالَ إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ". وفي رواية: "فَزَعَمَتْ حَفْصَةُ أَنَّهَا قَصَّتْهَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ مِنَ اللَّيْلِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ مِنَ اللَّيْلِ". وقال كذلك كل من روى الحديث عن ابن عمر، فقَالَ سَالِمٌ بن عبد الله: "فَكَانَ عَبْدُ اللهِ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلا". وقال نَافِعٌ: "لَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ". أخرج كل هذه الروايات البخاري في "صحيحه". وقد بوب البخاري على هذا الحديث: "باب مَنَاقِبُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنهما - "، وبوب الترمذي عليه في جامعه: " باب: مناقب عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -"، وذكره ابن حبان في صحيحه تحت: "ذكر شهادة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر بالصلاح". وبوب عليه البغوي في "شرح السنة": "باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب أبي عبد الرحمن القرشي العدوي - رضي الله عنه - ". وقال العيني في "عمدة القاري" معقبًا على إخراج البخاري لهذا الحديث في باب مناقب ابن عمر - رضي الله عنه -: "مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن قول النبي إن عبد الله رجل صالح منقبة عظيمة له".

      وقال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": "وعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصالحين". ثم نمضي في ذكر ما أتصف به ابن عمر - رضي الله عنه -ن فضائل الأخلاق ومحاسنه ثناء أهل عصره عليه ومعرفتهم لقدره ومنزلته، فأخرج ابن سعد في "الطبقات"، وأحمد في "فضاءل الصحابة" بإسناد صحيح عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -ابن مسعود-: إِنَّ أَمْلَكَ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنِ الدُّنْيَا ابْنُ عُمَرَ.

      وقال ابن حجر في "الإصابة": "وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح وهو في الغيلانيات والمحامليات عن سالم بن أبي الجعد عن جابر: "ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر". وأخر أيضًا أحمد في فضائل الصحابة وعنه أبو نعيم في "معرفة الصحابة". وفي رواية عند أبي نعيم في "معرفة الصحابة": عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَمَرَّ بِنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَطُوفُ، فَقَالَ جَابِرٌ: "إِذَا سَرَّكُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ لَمْ يُغَيِّرُوا، وَلَمْ يُبَدِّلُوا فَانْظُرُوا إِلَيْهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا غَيَّرَ".

      وقال ابن حجر في "الإصابة": "وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن عن السدي رأيت نفرًا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ابن عمر". ولذا قال أبو نعيم: "مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّنْيَا، وأعطي المعرفة بالآخرة، والإيثار لها حق اليقين، لم تغيره الدنيا، ولم تفتنه، كان من البكائين الخاشعين".

      وقال ابن حجر في "الإصابة": " وفي معجم البغوي بسند حسن عن سعيد بن المسيب لو شهدت لأحد من أهل الجنة لشهدت لابن عمر. ومن وجه صحيح، كان ابن عمر حين مات خير من بقي".

      ونذكر هنا أيضًا محبة الناس لابن عمر - رضي الله عنه -، دون أن يكون بينه وبينهم منفعة دنيوية من إمارة أو أموال ونحو ذلك فأخرج ابن سعد في "الطبقات" بإسناد صحيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَابَّتِهِ ، فَقَالَ لِيَ ابْنُ عُمَرَ: "يَا مُجَاهِدُ إِنَّ النَّاسَ يُحِبُّونَنِي حُبًّا لَوْ كُنْتُ أُعْطِيهُمُ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ مَا زِدْتُ".

      ثم بماذا ترجموا له العلماء في كتبهم: قال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": "عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيُّ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّنْيَا، أُمُّهُ وَأُمُّ أُخْتِهِ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَيْنَبُ بِنْتُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، هَاجَرَ مَعَ أَبِيهِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -، كَانَ آدَمَ طُوَالًا لَهُ جُمَّةٌ مَفْرُوقَةٌ تَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ، يَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيُشَمِّرُ إِزَارَهُ، يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ، أُعْطِيَ الْقُوَّةَ فِي الْعِبَادَةِ، وَفِي الْبِضَاعِ، كَانَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِآثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّبِيلِ الْمُبِينِ، وَأُعْطِيَ الْمَعْرِفَةَ بِالْآخِرَةِ، وَالْإِيثَارَ لَهَا حَقَّ الْيَقِينِ، لَمْ تَغَيِّرْهِ الدُّنْيَا، وَلَمْ تَفْتِنْهُ، كَانَ مِنَ الْبَكَّائِينَ الْخَاشِعِينَ، وَعَدَّهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّالِحِينَ، اسْتَصْغَرَهُ عَنْ بَدْرٍ فَغَلَبَهُ الْحُزْنُ وَالْبُكَاءُ، وَأَجَازَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَأَذْهَلَهُ عَنِ الْأَمْنِ وَالتُّكَى، نَقْشُ خَاتَمِهِ عَبْدُ اللهِ لِلَّهِ، أَصَابَ رِجْلَهُ زُجُّ رُمْحٍ فَوَرِمَتْ رِجْلَاهُ، فَتُوُفِّيَ مِنْهَا بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَدُفِنَ بِالْمُحَصَّبِ، وَقِيلَ: بِذِي طُوًى، وَقِيلَ: بِسَرِفَ، مَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ". وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني.

      أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم، واستصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمه أم، أم المؤمنين حفصة: زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي. روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن أبيه، وأبي بكر، وعثمان، وعلي، وبلال، وصهيب، وعامر بن ربيعة، وزيد بن ثابت، وزيد عمه، وسعد، وابن مسعود، وعثمان بن طلحة، وأسلم، وحفصة أخته، وعائشة. وغيرهم".

      هذا ظننا في هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه -.

      ولكن تدني عدنان وأصر على ووصف ابن عمر - رضي الله عنه - بأنه كان همه كله في النساء بشهادة والده أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -، فقال: "ابن عمر يحب النساء وأستاذ فيها معروف"، ويقول أيضًا: "عنده تعلق بالنساء هو طبيعته هيك". ويقول أيضًا: "عنده طاقة جنسية جبارة"، وقال أيضًا: "هنا في مصنف عبد الرزاق وقعت له على شيء عجيب كان خريتًا وخبيرًا بهذه الأشياء يعرفها ويستشار فيها معروف". ثم أخذ في سرد روايات عن ابن عمر - رضي الله عنه - لكي يؤكد ذلك ثم يعلق عليها باستهزاء، وهذه الروايات التي أخرجها عبد الرزاق في "مصنفه" تحت: "باب الرجل يكشف الأمة حين يشتريها"، فذكر الأثر الأول: عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: قلت له: الرجل يشتري الأمة أينظر إلى ساقيها وقد حاضت، أو إلى بطنها؟ قال: نعم، قال عطاء: كان ابن عمر يضع يده بين ثدييها وينظر إلى بطنها وينظر إلى ساقيها أو يأمر به. علق عدنان إبراهيم بقوله: "قلت لكم أستاذ معروف قدوة". ثم قال: "هذا الباب كله عن ابن عمر أفهم له دلالة علمية". ثم ذكر الرواية رقم (13202): "قال معمر وأخبرني بن أبي نجيح عن مجاهد قال وضع بن عمر يده بين ثدييها ثم هزها".

      قال عدنان معلقًا: "ليشوف قوة تحمها وجستها كلها على بعضها أحرقوه عبد الرزاق أحرقوا المصنف لم نؤلف من دارنا". إلا أن عدنان إبراهيم كان غير أمين في نقله كعادته فعندما ذكر الأثر رقم (13203) ذكره هكذا عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد قال كنت مع ابن عمر في السوق فأبصر بجارية تباع فكشف عن ساقها وصك في صدرها، وقال: "اشتروا".

      ولم يكمل عدنان إبراهيم بقية الأثر لغرض في نفسه وهو قول مجاهد: "يُريهم أنه لا بأس بذلك". فعدنان إبراهيم وقف عند قول ابن عمر: "وقال: اشتروا"، وحذف قول مجاهد: "يريهم أنه لا بأس بذلك"؛ لأنها تعكر عليه استدلاله. وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (20610): حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ مَنْصُور، عَنْ مُجَاهِد، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَمْشِي فِي السُّوقِ فَإِذَا نَحْنُ بِنَاسٍ مِنَ النَّخَّاسِينَ قَدَ اجْتَمَعُوا عَلَى جَارِيَةٍ يُقَلِّبُونَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَنَحَّوْا وَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ، فَدَنَا مِنْهَا ابْنُ عُمَرَ فَلَمَسَ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا، وَقَالَ: أَيْنَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ؟ فَإنَّمَا هِيَ سِلْعَةٌ. فأكدت هذه الرواية أن ابن عمر فعل ذلك ليبين للناس جواز ذلك لما رأى منهم تحرجًا، فابن عمر - رضي الله عنه - صاحب علم وفتوى، وليس فعله هذا لشهوة كما هو ظاهر!! ونقول: نعم هذه الروايات التي في مصنف عبد الرزاق صحيحة عن ابن عمر - رضي الله عنه -، ولم يتفرد بروايتها، فقد أخرجها أيضًا ابن أبي شيبة في "مصنفه"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وأهل السنة والجماعة بحق لا يحرقون أمهات مصنفاتهم؛ إنما يفهمون ما فيها فهمًا صحيحًا، ويميزون بين صحيحها وضعيفها، ولا يخفون شيئًا منها، قال الإمام وكيع بن الجراح -رحمه الله-: "أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا مالهم". أخرجه الدارقطني في "سننه".

      وإنما أفتى من أفتى من العلماء بحرق كتب السحر والزندقة والملاحدة ونحو ذلك. ولكن ما دلالة هذه الآثار المروية عن ابن عمر - رضي الله عنه -؟ هل تدل على ما ذهب عدنان إليه من ابن عمر كان خبرًا بالنساء ونحو ذلك مما قاله؟ نقول بالتأكيد لا، لكنها تدل على أن فعل ابن عمر - رضي الله عنه - إنما كان لبيان جواز هذا الفعل، ولتأكيد ذلك دلهم عليه بفعله، فهو صاحب علم وفتوى، وليس فعله هذا لشهوة. نقول أن هذه الروايات التي ذكرها عدنان إبراهيم ليس فيها ما يدعيه على ابن عمر - رضي الله عنه - بأنه كان خبيرًا بالنساء أو (نسونجي)؛ لأن هذه الروايات متعلقة بمسألة وهي: هل يجوز لمن يريد شراء الأمة أن ينظر إلى بدنها؟ وفعل ابن عمر - رضي الله عنه - متعلق بهذه المسألة، ثم إن ابن عمر - رضي الله عنه - لم يتفرد بهذا الحكم فقد قال به غير واحد من التابعين ومن بعدهم، وإليك بيان ذلك: ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه باب: " الرّجل يرِيد أن يشترِي الجارِية فيمسُّها" ثم أخرج أثار عن ابن عمر - رضي الله عنه - بنحو ما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، ولكنه زاد عليه ما أخرجه. مصنف ابن أبي شيبة (20613): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَاوَمَ بِجَارِيَةٍ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى ثَدْيَيْهَا وَصَدْرِهَا.

      وعبد الله بن حبيب هو ابن أبى ثابت، و اسمه قيس بن دينار الأسدي، مولاهم الكوفي.

      قال المزي في "تهذيب الكمال": قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة.

      وكذلك قال أبو القاسم الطبراني. وقال النسائي: ليس به بأس.

      وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات".

      روى له مسلم حديثًا، والنسائي في "خصائص على "حديثًا".

      وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": وقال الدارقطني: عبد الله و عبيد الله و عبد السلام بنو حبيب بن أبى ثابت، وكلهم ثقات. وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير". ولذا قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة". وأبو جعفر هو محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمي المدني، أبو جعفر الباقر. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه.

      قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة".

      وقد ذكر المزي في ترجمة عبد الله بن حبيب أنه روى عن: أبى جعفر محمد بن على بن الحسين. وهذا إسناد صحيح وأبو جعفر الباقر من أهل البيت، فماذا سيصنع عدنان إبراهيم؟! فالباقر رحمه الله ورضي عنه فعل مثل فعل ابن عمر - رضي الله عنه -، فهل الباقر كان خبيرًا بالنساء؟! وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (20615): حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: "كَانَ مُحَمَّدٌ إذَا بُعِثَ إلَيْهِ بِالْجَارِيَةِ يَنْظُرُ إلَيْهَا كَشَفَ بَيْنَ سَاقَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا".

      وأزهر السمان هو أزهر بن سعد السمان، أبو بكر الباهلي مولاهم البصري

      روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

      قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة".

      وقال الذهبي في "الكاشف": "حجة".

      وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، أبو عون البصري

      روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

      قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العلم و العمل و السن.

      وقال الذهبي في "الكاشف": "أحد الأعلام، قال هشام بن حسان: لم تر عيناي مثله. و قال الأوزاعي: إذا مات ابن عون وسفيان استوى الناس".

      قال المزي في "تهذيب الكمال: روى عن: محمد بن سيرين.

      وروى عنه: أزهر بن سعد السمان.

      فتبين أن محمدًا المذكور في الإسناد هو التابعي محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة ثبت كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى".

      وقال الذهبي في "الكاشف": "ثقة حجة، أحد الأعلام، كبير العلم". فهذا إسناد غاية في الصحة، فماذا سيصنع عدنان إبراهيم؟! فابن سيرين رحمه الله فعل مثل فعل ابن عمر - رضي الله عنه -، فهل ابن سيرين كان خبيرًا بالنساء؟!

      كما أن عدنان إبراهيم لم يذكر أن عبد الرزاق في "مصنفه" بعد أن روى ما جاء عن ابن عمر - رضي الله عنه -، ذكر رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بنحو ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه -، ففي "مصنف عبد الرزاق" (7/287) رقم (13208): عن ابن جريج قال أكل في... أصدق [وقع سقط في المطبوعة، ولذا قال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تحقيقه على المصنف: هنا كلمة غير مستبينة وما قبلها كما أثبت، والصواب عندي "قال: أخبرني من أصدق] عمن سمع عليًا يسأل عن الأمة تباع أَينظر إلى ساقها وعجزها وإلى بطنها؟ قال: لا بأس بذلك لا حرمة لها إنما وقفت لنساومها. ولكن عدنان كتمه ولم يذكره، وإن كان في إسناده سقط كما أشار الأعظمي، وفيه أيضًا عنعنة ابن جريج، وراو مبهم وهو قوله: "عمن سمع عليًا"، ولكن كان على عدنان إبراهيم من الأمانة العلمية أن يذكر ذلك ثم يبين ضعف الإسناد عن علي - رضي الله عنه -، ولكنه أراد أن يظهر ابن عمر بأنه متفرد بهذا الصنيع، حتى يظهره بهذا المظهر!!

      وقال الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ"مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا الرَّجُلُ يُرِيدُ شِرَاءَ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَدَنِهَا؟ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَاقَيْهَا وَعَجُزِهَا وَبَطْنِهَا، وَقَالَ: لَا حُرْمَةَ لَهَا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا، وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ يَنْظُرُ إِلَى جَمِيعِهَا إِلَّا الْفَرْجَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ".

      وقال ابن مفلح الحنبلي في "الفروع": "وَيَنْظُرُ مِنْ أَمَةٍ مُسْتَامَةٍ رَأْسًا وَسَاقًا، وَعَنْهُ -الإمام أحمد-: سِوَى عَوْرَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: كَمَخْطُوبَةٍ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَلِّبَهَا إذَا أَرَادَ الشِّرَاءَ، مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهَا لَا حُرْمَةَ لَهَا.

      قَالَ الْقَاضِي: جَازَ تَقْلِيبُ الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ بِمَعْنَى لَمْسِهِ مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ، وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا وَعَلَى عَجُزِهَا مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ، وَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهَا". وهو عند البيهقي في "السنن الكبرى" (5/329) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً كَشَفَ عَنْ سَاقِهَا، وَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا وَعَلَى عَجُزِهَا". وَكَأَنَّهُ كَانَ يَضَعُهَا عَلَيْهَا مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ. قال الألباني في "إرواء الغليل": "والسند صحيح".

      وفي "شرح منتهى الإرادات": (وَرَأْسٍ وَسَاقٍ مِنْ أَمَةٍ مُسْتَامَةٍ) أَيْ مُعَرَّضَةٍ لِلْبَيْعِ يُرِيدُ شِرَاءَهَا كَمَا لَوْ أَرَادَ خِطْبَتَهَا بَلْ الْمُسْتَامَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ نَقَلَ حَنْبَلٌ، لَا بَأْسَ أَنْ يُقَلِّبَهَا إذَا أَرَادَ الشِّرَاءَ مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ؛ لِأَنَّهَا لَا حُرْمَةَ لَهَا.

      وَرَوَى أَبُو حَفْصَة أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا وَعَلَى عَجُزِهَا مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ وَيَكْشِفُ عَنْ سَاقَيْهَا".

      وقال ابن ضويان في "منار السبيل":
      "وكذا أمة مستامة، لما روى أبو حفص بإسناده: أن ابن عمر كان يضع يده بين ثدييها، وعلى عجزها من فوق الثياب، ويكشف عن ساقها ذكره في الفروع". قصدنا هو بيان أن من العلماء من قال بنحو قول ابن عمر - رضي الله عنه -، فنقول لعدنان إبراهيم فهل كل هؤلاء العلماء الذين وافقوا ابن عمر - رضي الله عنه - كانوا خبراء بالنساء؟!، ولكن لا يستبعد على عدنان إبراهيم أن يقول: نعم كانوا خبراء!! ونحن ليس بصدد بحث هذه المسألة، ولكن هدفنا هو ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة من أقوال لهم أيضًا ما في مصنف ابن أبي شيبة (20614):حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنِ الأَوْزَاعِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً وَسُئِلَ عَنِ الْجَوَارِي اللاَتِي تُبَعْنَ بِمَكَّةَ ، فَكَرِهَ النَّظَرَ إلَيْهِنَّ إلاَّ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ. وهذا إسناد صحيح. ونقل عن أبي موسى التشديد في ذلك فأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (20617)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4/411) من طريق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حَكِيمٍ الأَثْرَمِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: "لاَ أَعْلَمُ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً فَنَظَرَ إلَى مَا دُونَ الْحَاوِيَة وَإِلَى مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ إلاَّ عَاقَبْته". ولفظ الطحاوي: "لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا نَظَرَ مِنْ جَارِيَةٍ إلَّا إلَى مَا فَوْقَ سُرَّتِهَا وَأَسْفَلَ مِنْ رُكْبَتَيْهَا لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا عَاقَبْتُهُ". وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات غير حكيم الأثرم فقال النسائي: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الآجري عن أبى داود: "ثقة". وقال ابن أبى شيبة: سألت عنه ابن المديني فقال: "ثقة عندنا". وفي "التقريب": "فيه لين". فهل بعد هذا العرض لأقوال أهل العلم يبقى لعدنان إبراهيم متعلق فيما ذهب إليه!! ثم يمضي عدنان إبراهيم في مشواره الذي يريد به إثبات أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان خبيرًا بالنساء، فيذكر قول ابن عمر: "لقد أعطيت من الجماع شيئًا ما أعلم أحدًا أعطيه إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". ويعلق عدنان بقوله: "كان عنده طاقة في هذا الشيء شيء فظيع مش طبيعي رجل جبار في هذا الشيء الله يهنيه، واضح أنه متميز هذا أيش نعمل له نعمة من الله الذي أنعم عليه". نقول لعدنان إبراهيم: ماذا لو أعطى الرجل قوة في الجماع؟! هل معنى هذا أنه لا يصلح إلا لذلك؟، أو ينبغي أن يعير بذلك ويشنع عليه؟! ويكون ذلك سببًا في أن يقال: إنه لا يصلح إلا لذلك؛ والجواب: لا ينبغي ذلك؛ لأنه من الممكن أن يجمع الرجل بين قوة الجماع، وغيره من الأمور كالحزم والأناة، والثبات، وقوة الجأش ونحو ذلك!! سبحانك هذا بهتان عظيم.

      ثم انظر إلى علماء الأمة ماذا قالوا عن قوة ابن عمر في الجماع، عدوا ذلك من كمالاته، فقال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": "أُعْطِيَ الْقُوَّةَ فِي الْعِبَادَةِ، وَفِي الْبِضَاعِ". ثم إن نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد أعطي قوة ثلاثين رجلًا في الجماع، كما قال أنس - رضي الله عنه - : "كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلاَثِينَ". قال ابن حجر في "فتح الباري": "في هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم ما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - من القوة على الجماع وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية". ومع ذلك لم يكن هذا الأمر يتعارض مع مهام النبوة وبقية شئونه. ولكنها الأهواء!!

      ثم يذكر عدنان إبراهيم ما أخرجه الطبراني وغيره عن محمد بن سيرين قال: "ربما أفطر ابن عمر على الجماع". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" إسناده حسن". وقال العيني في "عمدة القاري": "وإسناده حسن". علق عدنان إبراهيم بقوله: "يفطر على امرأته هناه الله مش قادر يتحمل عنده طاقة جبارة رضوان الله عليه". نقول لعدنان إن العلماء يستدلون بفعل ابن عمر هذا على جواز أن يفطر الرجل على جماع زوجته، فلا مانع من أن يطأ الرجل الصائم زوجته بعد غروب الشمس قبل أن يأكل أو يشرب شيئًا، وصومه صحيح ولا يلزمه شيء؛ لأنه بمجرد غروب الشمس فقد حل للصائم ما كان محرمًا عليه من الأكل والشرب والوطء، فله أن يفعل من ذلك ما يشاء. قال العيني في "عمدة القاري": "وروينا عن ابن عمر أنه كان ربما أفطر على الجماع رواه الطبراني من رواية محمد ابن سيرين عنه وإسناده حسن، وذلك يحتمل أمرين:
      أحدهما: أن يكون ذلك لغلبة الشهوة وإن كان الصوم يكسر الشهوة.

      والثاني: أن يكون لتحقق الحل من أهله، وربما يتردد في بعض المأكولات".

      ولعل ابن عمر - رضي الله عنه - فعل ذلك لبيان عدم التحرج من هذا الفعل.

      ثم يمضي عدنان إبراهيم في محاولة فجة ليثبت أن ابن عمر كان همه النساء، وذلك بذكر أن عمر - رضي الله عنه - كان يخاف على ابنه عبد الله من الوقوع في الزنا، قد يقال: إنك تبالغ في ذلك إن عدنان إبراهيم لم يقصد ذلك، وحتى نقطع هذا كله نذكر كلام عدنان إبراهيم في ذلك فقال ما نصه: "في مناقب عمر لابن الجوزي في صفحة (150) عن ابن عمر قال استأذنت عمر في الجهاد، فقال: أي بني إني أخاف عليك الزنى –قال عدنان معلقًا: يعرف إنه عنده طاقة جبارة، جبارة ممكن لا يتحمل وبعدين يأخذ له جارية!!- فقلت: أو على مثلي تتخوف ذلك؟ قال: تلقون العدو فيمنحكم الله أكنافهم فتقتلون المقاتلة وتسبون الذرية وتجمعون المتاع فتقام جارية في المغنم فينادى عليها فتسوم بها فينكل الناس عنك ويقولون: ابن أمير المؤمنين ولله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فيها حق فتقع عليها فإذا أنت زان، أجلس". قال عدنان: "في سؤال هنا كان يقول لأبيه نبهتني لم أفعل هذا، لا أبوه يعرف أنه ربما لا يستطيع أن يقاوم عنده طاقة جنسية جبارة".
      يتبع========
      قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
      ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
      { درء التعارض : 1\357 }

      Comment

      • خطاب أسد الدين
        عضو
        • Oct 2014
        • 1105

        #93
        نقول لعدنان إبراهيم:
        أولًا: أن هذه الرواية التي ذكرتها من كتاب ابن الجوزي لا إسناد لها، فلا حجة فيها.

        ثانيًا: أنه على فرض صحتها لا دلالة فيها على ما ادعاه عدنان إبراهيم من أن عمر - رضي الله عنه - كان يعرف عدم قدرة أبنه عبد الله - رضي الله عنه - على تحمل أمر النساء، فكل ما في هذه القصة، شدة ورع عمر - رضي الله عنه - وخوفه من مجاملة الناس لأبنه في أمر الجواري فخشي عليه أن يقع على جارية لا تحل له، فهذا الأمر الذي خاف منه عمر - رضي الله عنه - أن يقع من الناس قد يخفى على ابن عمر - رضي الله عنه - ولا يظهر، ولهذا لا حاجة لابن عمر - رضي الله عنه - لمراجعة أبيه في هذا الأمر، بل كان عليه طاعة أمير المؤمنين في ذلك. وقد ذكرها ابن الجوزي في "سير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - " تحت: "الباب التاسع والأربعون: في ذكر ورعه".

        ثالثًا: أن ابن عمر - رضي الله عنه - شهد معركة اليرموك وفي "أسد الغابة": "وكانت اليرموك بالشام لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر". فهذا مما يدل على وهاء هذه القصة، ثم إن ابن عمر من المجاهدين في سبيل الله وقد شهد المعارك الكثيرة مع المسلمين قال ابن عساكر في "تاريخ دمشق": "شهد مع رسول الله الخندق وما بعدها من المشاهد، وشهد غزوة مؤتة مع زيد وجعفر، وشهد يوم اليرموك". وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "وكان لا يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "قدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازيًا".

        رابعًا: إذا نظرنا إلى هذه قول عدنان إبراهيم تعليقًا على قول عمر - رضي الله عنه - : "أي بني إني أخاف عليك الزنى". قال عدنان: "يعرف إنه عنده طاقة جبارة، جبارة ممكن لا يتحمل وبعدين يأخذ له جارية". أهكذا يا عدنان يأخذ ابن عمر - رضي الله عنه - جارية لا تحل له، أهكذا يتهم ابن عمر - رضي الله عنه - بالفاحشة!! هذا الذي يتبادر من قولك هذا يا عدنان!! وإذا نظرنا أيضًا إلى قول عدنان: "في سؤال هنا كان يقول لأبيه نبهتني لم أفعل هذا، لا، أبوه يعرف أنه ربما لا يستطيع أن يقاوم عنده طاقة جنسية جبارة". ما هذا يا عدنان! تريد أن تفهمنا أن عمر - رضي الله عنه - خاف على ابن عمر - رضي الله عنه - الزنى لأنه يعلم عدم قدرة أبنه على أن لا يملك نفسه عن الحرام!! ما هذا التردي في الفهم والمعتقد!!

        وأزيد هنا أن ابن عمر - رضي الله عنه - مع ما يتمتع به من قوة الجماع كان عازفًا عن الزواج مما يدل على قدرة على صيانة نفسه، وأن أمر النساء في حياته ليس كما صوره عدنان إبراهيم للناس، فأخرجه الشافعي في "المسند" وابن سعد في "الطبقات الكبرى"، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَلاَّ يَتَزَوَّجَ ، فَقَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ: تَزَوَّجْ ، فَإِنْ مَاتُوا أُجِرْتَ فِيهِمْ ، وَإِنْ بَقُوا دَعَوُا اللَّهَ لَكَ. وهذا إسناد صحيح.

        ثم ذكر عدنان إبراهيم قصة الجارية مع ابن عمر - رضي الله عنه -، فما هي قصة الجارية؟ فقد أخرج ابن سعد في الطبقات وعنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" عن مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عُجْبُهُ بِهَا أَعْتَقَهَا ، وَزَوَّجَهَا مَوْلًى لَهُ.

        قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هُوَ نَافِعٌ، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، قَالَ نَافِعٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الصَّبِيَّ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: وَاهًا لِرِيحِ فُلاَنَةَ يَعْنِي الْجَارِيَةَ الَّتِي أَعْتَقَ.

        ماذا قال عدنان إبراهيم عن هذه القصة وماذا أخذ منها؟ قال عدنان إبراهيم: "مش كان عنده جارية وكان يحبها كثيرًا، وبعدين نزل عنها؛ لأنه ما شاء الله إنسان تقي، ابن عمر تقي جدًا كان يحب أن ينفق أحسن مما عنده، شعاره آية: ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وأكثر شيء يحبه هذه الجارية حب لذيذ جميل، أنت حرة لوجه الله، خذها يا نافع، خذها نافع مولاه أخدها نكحها خلف ولد كان دائمًا يحن لها ابن عمر فإذا أخذ ابنها ضمه يقول: واهًا لريح فلانة آه، عنده تعلق بالنساء هو طبعته هيك واهًا لريح فلانة هذه قصة مشهورة عنه". انظروا: عدنان إبراهيم يصور ابن عمر - رضي الله عنه - أنه عاشق ولهان، لا يستطيع التخلص من حبه القديم، ويفسر أن قول ابن عمر - رضي الله عنه - "واهًا لريح فلانة"، كان بسبب أنه يحن إلى هذه الجارية!!

        والجواب عن هذا: أن هذا الأثر إسناده حسن، وأن: "وَاهًا": كلمة توضع موضع الإعجاب بالشيء، فهي كلمة تعجب من طيب كل شي. كما في "المعجم الوسيط"، قال الجوهري: "إذا تعجبت من طيب شيء، قلت: واهًا له ما أَطيبه". ولعل المعنى الذي أراده ابن عمر - رضي الله عنه - هو أنه لما رأى الغلام ابن الجارية، أعجبه فوقع في نفسه أنه حقًا ابن هذه الجارية، لما يعرفه عنها، وليس هو لهفة على الجارية لتعلقه بالنساء كما صور عدنان، فليس في صنيع ابن عمر - رضي الله عنه - ما ينتقص به منه. هذا حسن ظننا بابن عمر - رضي الله عنه - وليس فيه ادعاء عصمة له، ولا هو فيه تكلف في فهم المراد من قوله. والله أعلم.

        وفي نهاية المحاضرة أراد عدنان إبراهيم أن يضفي على ما قاله صفة العلم والتحقيق فقال: "لا أتكلم عن عبط عن جهل أنا أكون صورة علمية ليش ابن عمر يحب النساء، العيب أنك لا تفهم ما فهمه أبوه الفاروق وتقل بالساهل يصير خليفة ما ينفعش لا يصلح للخلافة مش علشان موضوع النساء وأنه يحب النساء كثير كده لا، لا طبيعة الشخصية".

        والحقيقة بعد ما أتينا على شبه عدنان الواحدة تلو الأخرى تبين أن عدنان إبراهيم يتكلم عن عمد للوقيعة في عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - ولا يمنع أن يكون في كلامه عبط وجهل. فعدنان إبراهيم أراد بهذا كله طعناً مبطناً في الصحابة - رضي الله عنه -، لكي يقول لا تفرحوا بهم، هكذا كانت همومهم!! فهذا ابن عمر - رضي الله عنه - كان كل همه النساء، لا غير!.
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
        ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
        { درء التعارض : 1\357 }

        Comment

        • خطاب أسد الدين
          عضو
          • Oct 2014
          • 1105

          #94
          الرد على شبهات عدنان إبراهيم في نفي صحبة معاوية وخالد بن الوليد
          الاثنين, 19 رجب 1435
          مركز الفتوى

          الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

          فصحبة خالد بن الوليد، ومعاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهم ـ ثابتة لا خلاف فيها، والمدعو عدنان إبراهيم لا يطعن فقط في صحبة هذين الصحابيين، بل يزعم أن كل من أسلم بعد صلح الحديبية فليس صحابيًا، وهذا يجري على أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأمثالهما، فضلًا عمّن تأخر إسلامه للعام الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كجرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - ولا يتوقف أمر هذا الشخص عند هذا الحد، فإنه يصرح بأن أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان ليسوا كلهم في الجنة؛ لأن بعضهم نكص على عقبيه!
          وأما موقفه من معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ فلا يقف عند حد نفي الصحبة عنه، بل إنه يسبه، ويطعن فيه، ويلعنه، ويصل القبح إلى مداه، فيقول عنه: دعِي بن دعِي، ويصف ابنه يزيد بأنه ابن حرام، ويصف ميسون بنت بحدل الكلبية زوجة معاوية أنها كانت تهوى سرجون خادم معاوية، ويلعن معاوية لعنًا قبيحًا، ويصفه بأنه دجال عظيم، وعنده عقدة جنسية!
          ومعاوية - رضي الله عنه - مشهود له بالجنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام: قلت - يا رسول الله -: أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم - يا رسول الله -؟ قال: لا. أخرجه البخاري. ومعلوم أن أول جيش غزا البحر هو جيش معاوية.

          وثبت أن النبي صلى الله وسلم قال فيه: اللهم اجعله هادياً، مهدياً، واهده، واهد به. أخرجه أحمد وغيره.

          وسئل الإمام أحمد عن رجل يشتم معاوية أيصلى خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة.

          وسئل أحمد عمّن ينتقص في معاوية، وعمرو بن العاص، أيقال له: رافضي؟ قال: "إنه لم يجترأ عليهما، وإلا وله خبيئة سوء"

          وبالجملة فقد نص على فضل معاوية - رضي الله تعالى عنه - وإمامته علماء الأمة وأعلامها، وروى عنه كثير من الصحابة أحاديث عدة، وهذا فضل عظيم له، وصرح بفضله غيرهم من التابعين والعلماء، كسعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل، وابن المبارك، والمعافى بن عمران، والميموني، وسائر أعلام الأمة وأئمتها، كالبخاري، وابن الجوزي، وابن كثير، والطبري، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثير، نصوا على فضله، وصحبته، وأن الطاعن فيه خبيث الطوية، وراجع لمزيد الفائدة الفتويين: 34898، 52235.
          وأما خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ففضائله ومناقبه ومآثره ومكانته وقدمه في الإسلام لا تخفى على ذي بصيرة، وراجع في بيان بعض ذلك الفتويين: 25798، 111004، وراجع في الدفاع عنه الفتويين: 105602، 199591.

          وأما الاستشهاد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا لي أصحابي. على نفي صحبة خالد وأمثاله ممن تأخر إسلامه، فلا يصح بحال، وإنما يصح الاستدلال به على تفاوت مراتب الصحابة، وأفضلية السابق منهم، وسياق الحديث يدل عليه، فعن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها! فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دعوا لي أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد، أو مثل الجبال، ذهبًا ما بلغتم أعمالهم. رواه أحمد.

          قال المناوي في فيض القدير: قوله: "أصحابي" مفرد مضاف، فيعم كل صاحب له، لكنه عموم مراد به الخصوص؛ لأن السبب الآتي يدل على أن الخطاب لخالد، وأمثاله ممن تأخر إسلامه، وأن المراد هنا متقدمو الإسلام منهم، الذي كانت له الآثار الجميلة، والمناقب الجليلة في نصرة الدين": من الإنفاق في سبيل الله، واحتمال الأذى في سبيل الله، ومجاهدة أعدائه، ويصح أن يكون من بعد الصحابة مخاطبًا بذلك حكمًا: إما بالقياس، أو بالتبعية. اهـ.
          وقال ابن حجر في فتح الباري: المراد بقوله: "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أن أحدكم أنفق .. " وهذا كقوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} الآية. ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى. اهـ.
          وبهذا يتضح أن مدعي هذه الدعوى ممن ينتقص من مقام الصحبة، هو من أولى الناس بهذا التحذير النبوي الشريف.

          وأما الاستشهاد بتخوف عمر من أن يكون من المنافقين، وسؤاله حذيفة عن ذلك، فجوابه: أن هذا جار على دأب السابقين بالخيرات من الأتقياء والصلحاء كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: 60] وقد سبق لنا بيان ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 74064، 170249، 68464. كما سبق لنا الرد على شبهة احتمال كون بعض الصحابة من المنافقين، وذلك في الفتوى رقم: 217708.
          وللاطلاع على المزيد في بيان حال هذا الشخص المذكور يمكن مراجعة مقال: (حقيقة الدكتور عدنان إبراهيم المتشيع) وتجده على هذا الرابط: http://www.saaid.net/bahoth/171.htm

          كما تجد جامعا للردود عليه، وبيان حقيقة حاله من خلال هذا الرابط: http://sunnahway.net/node/1127

          والله أعلم.
          قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
          ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
          { درء التعارض : 1\357 }

          Comment

          • خطاب أسد الدين
            عضو
            • Oct 2014
            • 1105

            #95
            إقامة البرهان في الرد على من أنكر خروج المهدي والدجال ونزول المسيح في آخر الزمان - للشيخ حمود التويجري
            بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، وبعد:

            فقد رأيتُ في المجلَّة المسمَّاة "المسلمون" مقالاً لعبدالكريم الخطيب، أنْكَرَ فيه ما أخبر به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من ظهور المهديِّ في آخِر الزمان، وما أخبر به مِن خروج الدجَّال، ونزول عيسى ابنِ مريم - عليهما الصلاة والسلام - وهذه جَراءة عظيمة وخطيرة جدًّا؛ لأنَّ إنكارَ الأحاديث الثابتة عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومقابلتَها بالردِّ والاطِّراح يدلُّ على الاستخفاف بأقوال رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويستلزم مشاقَّتَه واتباع غير سبيل المؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 39]، وليس إنكارُ الأحاديث الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالأمـر الهيِّن؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].

            وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءَهم وأموالهم، إلاَّ بحقِّها، وحسابهم على الله)).

            وهذا يدلُّ على وجوب الإيمان بكلِّ ما أخبر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ممَّا كان في الماضي، وما يكون في المستقبل، ويدلُّ أيضًا على أنَّ عصمة الدمِ والمال إنما تكون لِمَن آمن بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبكلِّ ما جاء به، ومَن لم يؤمن به وبما جاء به، فليس بمعصوم الدَّمِ والمال، وفي هذا أبلغُ تشديد على مَن يردُّ الأحاديث الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويعارِضها برأيه، أو برأي غيره.

            وقد قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: مَن ردَّ حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهو على شفَا هَلَكة، وقال إسحاق بن راهَوَيْه: مَن بلغه عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خبرٌ يقرُّ بصحته، ثم ردَّه بغير تَقِية، فهو كافِر.

            وقال أبو محمد البربهاري في "شرح السُّنة": إذا سمعتَ الرجل يطعن على الآثار ولا يَقبَلها، أو ينكر شيئًا من أخبار رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاتَّهمه على الإسلام، فإنَّه رجل رديء المذهب والقول، وإنَّما يَطعن على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى أصحابه.

            وقال أيضًا: لا يَخرج أحدٌ من أهل القبلة عن الإسلام حتى يَرُدَّ آيةً من كتاب الله - عز وجل - أو يردَّ شيئًا من آثار رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو يصلِّي لغير الله، أو يذبح لغير الله، فقد وجب عليك أن تُخرِجه من الإسلام.

            وقال أيضًا: مَن ردَّ آية من كتاب الله، فقد ردَّ الكتاب كلَّه، ومن ردَّ حديثًا عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد ردَّ الأثر كلَّه، وهو كافِر بالله العظيم.

            وقال إبراهيم بن أحمد بن شاقلا: مَن خالف الأخبار التي نقلها العدلُ عن العدل موصولة بلا قطْع في سندها، ولا جرْح في ناقليها، وتجرَّأ على ردِّها - فقد تهجَّم على ردِّ الإسلام.

            وقال ابن حزم في "كتاب الأحكام": جاء النصُّ، ثم لم يختلف فيه مسلِمان في أنَّ ما صحَّ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قاله ففرْض اتباعه، وأنَّه تفسير لمراد الله في القرآن، وبيان مجمله؛ انتهى.

            وإذا عُلِم ما ذكرتُه من الآيات والحديث وأقوال أهل العِلم في التشديد على الذين يردُّون الأحاديثَ الثابتة عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فليُعلم أيضًا أنَّه قد ثبت في ظهور المهدي في آخِر الزمان عشرة أحاديث، وقد ذكرتُهـا وذكرتُ كـلام العلماء في تصحيحها في أول كتاب "الاحتجاج بالأثر على مَن أنكر المهدي المنتظر"، فلتراجع هناك.

            وأمَّا خروج الدجَّال، فقد جاء فيه أكثرُ مِن مائة وتسعين حديثًا من الصِّحاح والحِسان، وقد ذكرتُها في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة"، فلتراجع هناك.

            وقد تواترتِ الأحاديثُ في خروج الدجَّال من وجوه متعدِّدة، ذكرتُها في "إتحاف الجماعة"، ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة مِن فتنة الدجَّال في كلِّ صلاة، لكان ذلك كافيًا في إثبات خروجه، والردِّ على مَن أنكر ذلك، وقد روى عبدالرزاق بإسناد حسن، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: إنَّه سيخرج بعدَكم قوم يكذِّبون بالرجم، ويكذِّبون بالدجَّال، ويكذِّبون بالحوض، ويكذِّبون بعذاب القبر، ويكذِّبون بقوم يخرجون من النار.

            وهذا الأثر له حُكم المرفوع؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمرٍ غَيْبيّ، وذلك لا يُقال مِن قِبَل الرأي، وإنَّما يقال عن توقيف.

            وقد ظهر مِصداقُ ما جاء فيه من التكذيب بالدجَّال وغيره، فأنكرتْ طوائفُ كثيرة من الخوارج والجهمية، وبعضِ المعتزلة خروجَ الدجَّال بالكلية، وردُّوا الأحاديث الواردة فيه، ذكر ذلك ابن كثير في "النهاية" قال: وخرجوا بذلك عن حيِّز العلماء لردِّهم ما تواترتْ به الأخبارُ الصحيحة عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

            وذكر النوويُّ في "شرح مسلم": أنَّ مذهبَ أهل السُّنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنظَّار إثباتُ خـروج الدجال، خلافًا لِمَن أنكره من الخوارج والجهمية، وبعض المعتزلة؛ انتهى.

            وقد تبع الخوارجَ والجهميَّةَ والمعتزلة على إنكار خروج الدجَّال كثيرٌ مِن المنتسبين إلى العِلم في زماننا وقبلَه بزمان، وأنكر بعضُهم كثيرًا من أشراط الساعة، ممَّا هو ثابت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبعضُهم يتأوَّلها على ما يوافق عقليتَه الفاسدة، وقد ذكرتُ بعض أقوالهم في "إتحاف الجماعة"، فلتراجع هناك.

            ولو كان الذين أشرْنا إليهم أهلَ علم على الحقيقة، لَمَا ردُّوا شيئًا من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكانوا يقابلونها بالرِّضا والقبول والتسليم.

            وأمَّا نزول عيسى ابن مريم - عليهما الصلاة والسلام - في آخِر الزمان، فقد جاء فيه آياتٌ من القرآن، وتواترتِ الأحاديث عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالإخبار بنزوله، وأنَّه يَقتل الدجَّالَ، ويكون في هذه الأمَّة حَكَمًا عدلاً، وإمامًا مُقسِطًا، وجاء في ذلك آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين، وذكَر بعضُهم الإجماعَ على نزوله، وأنه لم يخالِفْ فيه أحدٌ من أهل الشريعة، وإنَّما أنكره الفلاسفة والملاحدة، ممَّن لا يُعتد بخلافهم، وقد ذكرتُ ذلك مستوفًى في "إتحاف الجماعة"، فليراجع هناك.

            وأما ما جاء في العنوان الأوَّل عن نزول عيسى في آخر الزمان، فهل هو حقيقة يؤكِّدها القرآن، أم مسألة تتنافَى مع الإسلام؟

            فجوابه أن يُقال: بل نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - في آخِرِ الزمان حقيقةٌ يؤكِّدها القرآن، قال الله تعالى في صِفة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3 - 4]، وقد تَواتَر عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه أخبر بنزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - في آخِر الزمـان، فيجب الإيمانُ بذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]، وقد جاء في ذلك آيتانِ من القرآن:

            إحداهما: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: 159]، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "قبل موتِ عيسى ابن مريم"؛ رواه ابن جرير بإسناد صحيح.

            وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية قال: "خروج عيسى ابن مريم"، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

            وروى أبو بكر الآجُرِّيُّ في كتاب "الشريعة" عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية قال: يعني: أنَّه سيدركه أناسٌ من أهل الكتاب حين يُبعث عيسى فيؤمنون به، وروى ابن مردويه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه قال في هذه الآية نحو قول ابن عباس - رضي الله عنهما.

            وهذا القول هو الصحيحُ في تفسير الآية، وقد اختاره ابن جرير وابن كثير، وبه يقول أبو مالك والحسن وقتادة، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، قال الحسن: والله إنَّه لحيٌّ الآن عند الله، ولكن إذا نَزَل آمنوا به أجمعون؛ رواه ابن جرير.

            وأمَّا قول مَن قال من المفسِّرين: إنَّ الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود إلى الكتابيّ، فليس فيه معارضة لِمَا تقدَّم، فقد يؤمن كلُّ كتابي عند احتضاره بأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله، ولكن لا ينفعه إيمانُه في هذه الحالة، وأمَّا الذين يؤمنون به بعد نزوله في آخِرِ الزمان، فإنَّ إيمانهم به ينفعهم، والله أعلم[1].

            الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: 61]، وقرأ ابن عبَّاس وأبو هريرة وقتادة والأعمش: ﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ بفتح العين واللام؛ أي: أمارةٌ وعلامة على اقتراب الساعة، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى بن مريم يوم القيامة؛ رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وعبدُ بن حميد، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم في مستدركه، وصحَّحـه هو والذهبي، وقد رواه ابن حبَّان في صحيحه، والحاكم، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النـبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قـال: "نزول عيسى بن مريم قبل يوم القيامة"؛ صححه الحاكم والذهبي.

            وقد رُوي عن أبي هريرة ومجاهد، والحسن وقتادة، وأبي العالية وأبي مالك، وعكرمة والضحَّاك نحوُ قول ابن عباس - رضي الله عنهما.

            وممَّا جاء في الآيتَين والأحاديث الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - في آخِر الزمان، وما قاله ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما من السَّلف في تفسير الآيتين من سورة النساء وسورة الزخرف - يُعلم أنَّ نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - حقّ، والحقُّ لا يَتنافى مع الإسلام، ومَن زعم أنَّ نزوله يتنافى مع الإسلام، فهو ممَّن يشكُّ في إسلامه؛ لأنَّه لم يحقِّق الشهادة بأنَّ محمدًا رسـول الله؛ إذ لا بدَّ في تحقيقها من التصديق بكلِّ ما أخبر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من أمور الغيْب، ممَّا كان فيما مضَى، وما سيكون في المستقبل.

            وأمَّا قول بعض المتخرِّصين: إنَّ الأحاديث الواردة في نزول عيسى كلَّها مزيَّفة لا يقبلها العقل.

            فجوابه أن يُقال: هذه مكابرة لا تصدُر من رجل له أدْنَى مُسْكة من عقل ودِين، وإذا كان عقل المرء فاسدًا، فلا شكَّ أنه يتصوَّر الحق في صورة الباطل، وقد جاء في نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - أكثرُ من خمسين حديثًا مرفوعًا، أكثرُها من الصحاح، والباقي غالبُه من الحسان، فمَن زَعَم أنَّها كلها مزيَّفة فلا شكَّ أنَّه فاسد العقل والدِّين.

            وأمَّا قول المتخرِّص: إنَّ نزول المسيح لا يُقرُّه المنطق.

            فجوابه أن يقال: أمَّا المنطق المستقيم، والعقل السَّليم الذي يدور مع الحقِّ حيثما دار، فإنَّه لا يتوقف عن قَبول ما جاء في كتاب الله تعالى، وما تواتَر عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في نزول المسيح في آخِر الزمان، وأمَّا المنطق المنحرِف، والعقل الفاسِد، فإنَّه لا يتوقَّف عن ردِّ الحق وعدم قَبوله، ولا عِبرةَ بالعقول الفاسدة، ولا بأهلها.

            وأما قوله: وهو مستحيل؛ لأنَّ محمدًا هو آخِرُ الأنبياء بنصِّ القرآن.

            فجوابه أن يُقال: إنَّ عيسى - عليه الصلاة والسلام - إذا نزل في آخِر الزمان لا يأتي بشَرْع جديد، ولا يحكم بالإنجيل، وإنما يحكم بكتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويكون واحدًا من هذه الأمَّة، وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كيف أنتم إذا نَزَل عيسى ابنُ مريم فيكم، وإمامُكم مِنكم))،وفي رواية لمسلم: ((كيف أنتم إذا نَزَل فيكم ابنُ مريم فأمَّكم منكم))، قال الوليد بن مسلم: فقلت: لابن أبي ذئب: إنَّ الأوزاعي حدَّثَنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: ((فأمَّكم منكم)) قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمَّكم منكم؟ قلت: تخبرني، قال: فأمَّكم بكتاب ربِّكم تبارك وتعالى، وسُنَّة نبيِّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم.

            وقال أبو ذرٍّ الهروي: حدَّثَنا الجوزقي عن بعض المتقدِّمين قال: معنى ((إمامُكم منكم)): أنَّه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل، وقال ابن التِّين: معنى قوله ((وإمامُكم منكم)): أنَّ الشريعة المحمديَّة متصلة إلى يوم القيامة، وأنَّ في كل قرن طائفةً من أهل العلم.

            وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرْط الشيخَين، عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: أنَّ نبي الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول: ((إنَّ الدجَّال خارج - فذكر الحديث وفيه -: ثم يجيء عيسى ابن مريم - عليهما السلام - مصدِّقًا بمحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى مِلَّته، فيقتل الدجال، ثم إنَّما هو قيام الساعة))؛ وقد رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.

            وروى الطبراني أيضًا في الكبير والأوسط، عن عبدالله بن المغفل - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أهبطَ الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فِتنةً أعظمَ من فتنة الدجال - فذكر الحديث وفيه -: ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدِّقًا بمحمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى ملَّته إمامًا مهديًّا، وحَكمًا عدلاً، فيقتل الدجَّـال))، قال الهيثمي: رجالـه ثقات، وفي بعضهم ضعْف لا يضر. اهـ.

            قلت: والحديثُ قبله يشهد له ويقوِّيه.

            وأما قوله في أحد العناوين: لو كان من أصول الإيمان الاعتقادُ برجعة المسيح، أو ظهور الدجَّال أو المهدي، لجاءَ ذلك في القرآن صريحًا مُحْكمًا.

            فجوابه أن يُقال: كلُّ ما ثبت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه أخبر بوقوعه، فالإيمان به واجب، وذلك من تحقيق الشهادة بأنَّ محمدًا رسول الله، وتحقيقها من أصول الإيمان، ولا يكون المرء مؤمنًا معصومَ الدم والمال، حتى يحقِّق الشهادة بالرسالة؛ لقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم، إلاَّ بحقِّها وحسابهم على الله))؛ متفق عليه.

            وقد ثَبَت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه أخبر بظهور المهدي في آخِر الزمـان، وبخروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم - عليهما الصلاة والسلام - فوجَبَ الإيمان بذلك؛ تصديقًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3 - 4]، وعملاً بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]، وبما جاء في آياتٍ كثيرة من الأمر بالإيمان بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والإيمان به لا يتمُّ إلاَّ بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتصديق أخباره والتمسُّك بسنته، وعملاً أيضًا بما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي تقدَّم ذِكْره.

            وأما قوله: ثم كيف يملأ المسيح الدنيا عدلاً بعد أن ملئت جورًا؟ وهل هذا من سُنَّة الله تعالى في الحياة الإنسانية؟ وكيف يفيض المال عند رجعة المسيح؟! فلا يقبله أحد.

            فجوابه أن يُقال: مَن علم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير، وأنَّه ما شاء كان، وعلم أيضًا أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يقول إلاَّ الحق، ولا يخبر إلاَّ بالصدق - لم يشكَّ في شيء ممَّا أخبر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيجب على المسلِم أن يؤمن بكلِّ ما جاء عن الله تعالى، وما جاء عن رسـول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا يَعترِض على أخبار الصادق المصدوق بـ"كيف ولِمَ"، وغير ذلك من أنواع الاستفهام الذي يدلُّ على الشكِّ فيما أخبر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعدم الإيمان به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

            وأمَّا قوله: وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((والذي نفسي بيدِه ليوشكنَّ أن ينزلَ عيسى ابن مريم، فيكسِر الصليب، ويقتل الخِنزير، ويضع الحرْب)).

            فجوابه أن يُقال: إنَّ الكاتب قد صحَّف في لفظ الحديث، حيث قال فيه: ((ويضع الحـرب))، والذي في الحديث: ((ويَضَع الجِزية))، ومن تعمَّد التصحيف في أقوال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهو داخلٌ في عداد الكاذبين على رسـول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد تواتر عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((مَن كذَب عليَّ متعمدًا فليتبوأْ مقعدَه من النار))، ولعلَّ الكاتب لم يتعمَّد التصحيف، وإنَّما وقع منه سهوًا، أو وجدَه في بعض الكتب التي لم تُصحَّح من الأخطاء المطبعيَّة.

            وأما قوله: وبعد، فإنَّ هذه المرويات من الأحاديث والأخبار، في شأن رجعة المسيح - عليه السلام - أو في شأن ظهور الدجال أو المهدي لا متعلَّق لها بالعقيدة، سواء أصحَّتْ أو لم تصحّ، وأنَّ العقيدة الإسلامية قائمة على الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخِر، والحساب والجزاء والجنة والنار.

            فجوابه من وجهَين:

            أحدهما أن يُقال: كلُّ ما أخبر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فالإيمان به متعلِّق بالعقيدة؛ لأنَّه لا يتم الإيمان بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلاَّ بالإيمان بأخباره، ومَن لم يؤمنْ بأخباره، فهو فاسدُ العقيدة، وقد تقدَّم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه أنَّ عصمة الدم والمال إنَّما تكون لِمَن آمن بما جاء به الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

            الوجه الثاني أن يقال: إنَّ أهل السُّنة والجماعة قد تلقَّوا ما جاء عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في ظهور المهدي، وخروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم - عليهما الصلاة والسلام - بالقَبول، ودوَّنوا ذلك في كتب الصِّحاح والسُّنن والمسانيد، وذكروا مضمونَه في كتب العقائد، قال إمام أهل السُّنة أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - في عقيدة أهل السُّنة والجماعة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: والإيمانُ أنَّ المسيح الدجَّال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءتْ فيه، والإيمان بأنَّ ذلك كله كائنٌ، وأن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لدّ"؛ انتهى.

            وقال أبو محمد البربهاري - رحمه الله تعالى - في "شرح السنة": والإيمان بنزول عيسى ابن مريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - ينزل فيَقتل الدجَّال، ويتزوَّج، ويصلِّي خلف القائم مِن آل محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويموت ويدفنه المسلمون؛ انتهى.

            والقائم من آل محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو المهدي؛ كما جاء في حديث جابر - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرُهم المهدي: تعالَ صلِّ بنا فيقول: لا، إنَّ بعضهم أميرٌ بعض تكرمة الله لهذه الأمة))؛ رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بإسناد جيِّد، وقد ذكره ابن القيم في الكتاب "المنار المنيف"، وقال: إسناده جيد.

            وقال الطحاوي - رحمه الله تعالى - في العقيدة المشهورة: "ونؤمن بأشراط الساعة، من خروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم - عليه السلام - من السماء"؛ انتهى.

            وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": جملة ما عليه أهل الحديث والسُّنة الإقرارُ بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء مِن عند الله، وما رواه الثِّقاتُ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يردُّون من ذلك شيئًا... إلى أن قال: ويصدِّقون بخروج الدجـَّال، وأنَّ عيسى ابن مريم يقتله؛ انتهى.

            وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسُّنة على التصديق بخروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم - عليهما الصلاة والسلام - وقتْله الدجَّال، والعِبرة بأهل الحديث والسُّنة، ولا عِبرة بمَن خالفهم من أهل البِدع والضلالة والجهالة.

            وقال أبو محمد عبدالله بن أبي زيد القيروانيُّ المالكيُّ - رحمه الله تعالى - في رسالته المشهورة: والإيمان بما ثَبَت من خروج الدجَّال ونزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - حَكَمًا عدلاً يقتُل الدجَّال؛ انتهى.

            وقال أبو أحمد ابن الحسين الشافعي المعروف بابن الحدَّاد في عقيدة له: وأنَّ الآيات التي تظهر عند قُرْب الساعة من الدجال، ونزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - والدُّخَان والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغيرها من الآيات التي وردتْ بها الأخبار الصِّحاح - حقّ؛ انتهى.

            وقال الموفَّق أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي في عقيدته المشهورة: ويجب الإيمان بكلِّ ما أخبر به النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحَّ به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنَّا، نعلم أنَّه صدق وحقٌّ..... إلى أن قال: ومِن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم - عليه السلام - فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وأشباه ذلك مما صحَّ به النقل؛ انتهى.

            وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: مسألة: عيسى ابن مريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيٌّ رفعه الله تعالى إليه برُوحه وبدنه، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55]؛ أي: قابضك، وكذلك ثبت أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل الدجَّال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجِزية، حَكمًا عدلاً مقسطًا، ويُراد بالتوفِّي الاستيفاء، ويراد به الموت، ويُراد به النوم، ويدلُّ على كل واحد القرينةُ التي معه؛ انتهى.

            وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": نزول عيسى - عليه السلام - وقتله الدجَّال حقٌّ صحيح عند أهل السُّنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشَّرْع ما يبطله، فوجب إثباتُه، وأنكر ذلك بعضُ المعتزلة والجهمية ومَن وافقهم، وزعموا أنَّ هذه الأحـاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، وبقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا نبيَّ بعدي))، وبإجماع المسلمين أنَّه لا نبي بعد نبيِّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنَّ شريعته مؤبَّدة إلى يوم القيامة لا تنسخ.

            وهذا استدلالٌ فاسد؛ لأنَّه ليس المراد بنزول عيسى - عليه السلام - أنَّه ينزل نبيًّا بشرع يَنسخ شرعَنا، ولا في الأحاديث شيءٌ من هذا، بل صحَّت الأحاديث أنَّه ينزل حكمًا مقسطًا، يحكم بشرعنا، ويُحيي من أمور شرعنا ما هجَرَه الناس؛ انتهى كلامه، وقد نقله النووي في "شرح مسلم"، وأقرَّه.

            وقال المناوي في "شرح الجامع الصغير": "أجمعوا على نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - نبيًّا، لكنَّه بشريعة نبيِّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم".

            وقال المناوي أيضًا: "حكى في المطامح إجماعَ الأمة على نزوله، ولم يخالِف أحدٌ من أهل الشريعة في ذلك، وإنَّما أنكره الفلاسفة والملاحدة"؛ انتهى.

            وقال السفاريني في شرح عقيدته: "نزول المسيح عيسى ابن مريم ثابتٌ بالكتاب والسُّنة وإجماع الأمَّة، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنَّما أنكر ذلك الفلاسفةُ والملاحدة، ممَّن لا يُعتد بخلافه، وقد انعقد الإجماعُ على أنَّه ينزل ويحكم بهـذه الشريعة المحمدية"؛ انتهى.

            هذا ما ذكره علماءُ المسلمين في خروج الدجَّال، ونزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - في آخِرِ الزمان، وفيه أبلغُ ردٍّ على قول الخطيب: أنَّ المرويات من الأحاديث والأخبار في شأن رجعة المسيح، أو في شأن ظهور الدجَّال - لا متعلَّق لها بالعقيدة.

            ومما ذكرتُه عن أهل العلم يتضِح أنَّ الخطيب قد خالَف عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وإجماعَهم على خروج الدجَّال ونزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - ووافق أعداءَ الإسلام والمسلمين من الفلاسفة والملاحدة، الذين أنكروا خروجَ الدجال، ونزولَ عيسى - عليه الصلاة والسلام.

            وأما قوله: ولو كان من أصول الإيمان - الإيمان برجعة عيسى أو ظهور الدجال أو المهدي - لجـاء ذلك في القرآن الكريم صريحًا محكمًا.

            فجوابه أن يقال: كلُّ ما أخبر به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المغيَّبات مما كان فيما مضى، وما سيكون في المستقبل، فالإيمانُ به داخل في ضِمن الإيمان بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وذلك مِن أعظم أصول الإيمان، وقد جاء الأمرُ بالإيمان بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في آياتٍ كثيرة من القرآن، وكلهُّا محكمات، والإيمان بأخبار الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - داخلٌ أيضًا في ضِمن قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]، وداخلٌ أيضًا في ضمن قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وداخـلٌ أيضًا في ضمن قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وهذه الآيات كلها مُحْكمات، وكلها تدلُّ على أنَّ تصديق أخبار النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِن أعظم أصول الإيمان.

            وقد قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] قال: أتدري ما الفِتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلِك، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

            وأما قوله: إنَّ مثل هذه الأخبار تَفتح على الناس أبوابًا من الفِتن، حيث تتطلع نفوس كثيرة إلى ادِّعائها، كما حَدَث من ادِّعاء كثيرين لأنفسهم بأنَّهم المهدي المنتظر، فأوقعوا الفُرقة والقتالَ بين المسلمين، وأنَّه ليس ببعيد أن يقومَ في الناس يومًا من يدَّعي أنَّه المسيح المنتظر، فكيف تكون الحال حينئذٍ؟!

            فجوابه أن يقال: إنَّ الأخبار الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا تُردُّ بمثل هذه الاحتمالات والتعليلات الخاطئة، بل تُصدَّق وتُقابل بالقَبول والتسليم، ولو افتتن بمضمونها مَن افتتن من الناس، وقد قال الله تعالى آمرًا رسولَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يقول للناس: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: 92].

            وهكذا يُقال في الأخبار الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّها تُقابَل بالقَبول والتصديق، ولا يُلتفت إلى ما يكون مِن أهل الفِتن الذين يتأوَّلون الأحاديث على غير تأويلها، ويُطبقونها على مـا لا تنطبق عليه.

            ويقال أيضًا: إنَّ المهديَّ المنتظر إنَّما يخرج في آخِر الزمان قُرْبَ خروجِ الدجال، وعند انتشار الفوْضى والفتن، ثم ينزل عيسى - عليه الصلاة والسلام - فيصلِّي خلفَ المهدي أول ما ينزل - كما جاء ذلك في حديث جابر الذي تقدَّم ذكْرُه - ثم يذهب إلى الدجال فيقتله، وحينئذ يكون قيام الساعة قريبًا جدًّا، وعلى هذا فمَن ادَّعى من المفتونين أنه المهدي المنتظر، ولم يخرج الدجَّال في زمانه، فإنَّه دجَّال كاذب[2]، وكذلك من ادَّعى أنه المسيح ابن مريم، ولم يكن الدجَّال قد خرج قبلَه، فإنَّه دجَّال كاذب.

            وللمسيح ابن مريم علامتان لا تكونان لغَيرِه من الناس:

            إحداهما: أنَّه يَقتل الدجَّال، كما تواترتْ بذلك الأحاديث.

            والثانية: أنَّه لا يحلُّ لكافر يجد ريح نَفَسِه إلاَّ مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه؛ كما جـاء ذلك في حديث النواس بن سِمعان، الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب حسن صحيح، وفي هاتين العلامتَين قطع لأطماع كلِّ دجال يدَّعي أنَّه المسيح ابن مريم.

            وقبل الخِتام أُحبُّ أن أنبَّه عبدالكريم الخطيب على خطورة الأمر في ردِّ الأحاديث الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - سواء كانت من أحاديث أشراط الساعة، مثل ظهور المهدي، وخروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم - عليهما الصلاة والسلام - وغير ذلك مِن أشراط الساعة، أم كانتْ من غيرها، فإنَّ الذي يردُّ الأحاديث الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنَّما هو في الحقيقة يردُّ على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا ينسَ الخطيبُ قولَه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقولَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به، فإذا فعلوا ذلك عَصمُوا منِّي دماءَهم وأموالهم، إلاَّ بحقِّها، وحسابهم على الله)).

            ولعلَّ الخطيب يُراجع الحق، فإنَّ الحق ضالَّة المؤمن، والرجوع إلى الحق واجب، كما أنَّ التمادي في الباطل نقصٌ ورذيلة.

            والله يَهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

            حرر في 16 /11/1402 هـ

            حمود بن عبدالله التويجري


            [1] هذا فيه نظر، وقد عارض هذا القول المهدي في ردِّه على سلمان العودة، فليراجع مـا ذكـر (ص: 75) من كتاب "كشف اللثام عن جهل سلمان العودة على أمر مهدي الإسلام".

            [2] هذا اللازم يُعد لغوًا من الكلام لا حاجة له في تقرير صحة اعتقاد المهدي عن نفسه أنه المهدي، أو تصديق الآخرين له أنَّه المهدي المبشَّر به؛ وذلك لكون صِدق تحقق أنه المهدي قد ثبت يقينًا للبراهين السابقة على خروج الدجال،والتي على وَفقِها آمن المؤمنون به، ولزمهم بها نصرتُه والقتال معه؛ لفتح القسطنطينية وروما، وسائر البلدان، وكل ذلك يقينًا ممَّا يسبق خروج الدجال.
            قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
            ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
            { درء التعارض : 1\357 }

            Comment

            • خطاب أسد الدين
              عضو
              • Oct 2014
              • 1105

              #96
              مرتبط هذا المقال بطرح عدنان ابراهيم

              ------------------------------
              مناقشة التوظيف التنويري لقول أبي حنيفة بقتل المسلم بالذمي

              الاثنين, 04 ربيع الأول 1435

              محمد براء ياسين: التعاقد والتحالف أساس كل مجتمع من المجتمعات ، إذ لا يمكن لبني آدم أن يعيشوا بدون اتفاق على ما يشتركون فيه من جلب المنافع والمحبوبات ودفع المضار والمكروهات ، ولازم ذلك وجود الموالي والمعادي لكل طائفة تعاقدت على مشترك من المشتركات ، فالموالي هو من يشاركهم في ما تعاقدوا عليه واتفقوا ، والمعادي هو من يخالفهم في ذلك، والتعاقد الذي يتأسس عليه المجتمع الإسلامي هو التعاقد على جلب المنافع والمحبوبات التي يحبها الله تعالى ويرضاها ، ودفع المضار والمكروهات التي يكرهها الله تعالى.
              فهو تعاقد مُتَّجِه نحو الغاية التي أرادها الله تعالى من خلقه الخلق وهي إفراده بالعبادة التي هي كمال المحبة مع كمال الخضوع ، وإذا كان هذا التعاقد متجهًا نحو هذه الغاية ، فإن الولاية والعداوة لدى المجتمع الإسلامي متجهةٌ نحو هذه الغاية تبعًا ، فأولياء الله تعالى هم أولياء المؤمنين وأعداؤه هم أعداؤهم .
              ولذا وجدنا مبنى شريعةِ محمد صلى الله عليه وسلم - التي تبين ما يحبه الله تعالى وما يكرهه من الأفعال والأقوال أتم البيان – على التفريق بين أولياء الله تعالى وأعدائه في الأحكام ، وعلى هذا تجد كتب الفقه التي دونها علماء المسلمين لحفظ الشريعة وفهمها .
              وإذ ضعفت المعرفة بالله تعالى وسيطرت المفاهيم الغربية الليبرالية الإلحادية التي لا تُقرُّ بخالق آمرٍ ناهٍ حكيم ؛ انحرفت تبعًا لذلك المعرفة بالغاية التي يتجه نحوها المجتمع الإسلامي في تعاقده الذي به يكون مُجتمعًا ، وهي تحقيق عبودية الله تعالى ، واتجهت نحو الغايات واللذائذ المادية التي يُوجِّه الفكر الليبرالي الناس إليها ، وهذا الانحراف ظاهر جلي لدى التيارات العلمانية ، وأقل منه ظهورًا لدى التيار التنويري الإسلامي ، إلا أن الخطورة بالنسبة للتيار الأخير أنه ينسب هذا الانحراف إلى الشريعة بدعوى تجديدها .
              ولما أراد التنويريون أن ينتصروا للدولة المدنية الحديثة التي يكون الأساس في تعامل الناس فيها المواطنة لا الدين ، موَّهوا بأنهم في ذلك يتبعون إمامًا جليلًا من أئمة المسلمين وهو أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى ، فقال قائلهم : إن أبا حنيفة يقتل المسلم بالذمي ، وهذا يدل على أن الأساس لديه في التعامل بين رعايا الدولة المواطنة لا الدين .
              فما هي حقيقة قول أبي حنيفة هذا ؟ وما أصله ؟
              إن الناظر في فقه الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى يجده كسائر فقهاء المسلمين يقسم الديار إلى دار حرب ودار إسلام ، ويقسم الناس في التعامل معهم إلى مسلمين وكفار ، والكفار إلى حربيين وذميين ومستأمنين ومعاهدين ، إلا أنه امتاز عنهم بكثرة تعليقه أحكام الدماء والأموال بالدار ، ومن تطبيقات ذلك لديه :
              في أحكام الأموال :
              1 - رجلٌ حربيٌّ دخل دار الإسلام بأمان ، ثم أسلم في دار الإسلام ، وله في دار الحرب ذرية وزوجة وأموال ، ثم ظهر المسلمون على دار الحرب التي هو من أهلها ، كان ماله وأهله وأولاده الصغار والكبار فيئًا أجمعين .
              [«الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن الشيباني (ص317) ، و«مختصر الطحاوي» (ص290) ]
              ففي هذه المسألة حكم على مال المسلم بحكم الدار التي هو فيها ، فلما كانت الدار دار حرب ، وما فيها من النفوس والأموال مباح ، استباح المال ولو كان في أصله مالاً لمسلم ، إذ إن يدَه زالت عنه باختلاف الدار .
              2- ومنها : رجلٌ حربيٌّ أسلم في دار الحرب ثم دخل دار الإسلام ، وله في دار الحرب ذرية وزوجة وأموال ، ثم ظهر المسلمون على دار الحرب التي هو من أهلها ، كان ماله وأهله فيئاً أجمعين ، إلا أولاده الصغار ، فإنهم يكونون أحراراً مسلمين .
              [ «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن الشيباني (ص317) ، و«مختصر الطحاوي» (ص290) ] .

              وهذه مثل المسألة السابقة ، إلا أنه لم يحكم باسترقاق الأولاد الصغار لأنه يحكم لهم بحكم أبيهم ، قال الجصَّاص : " وهم صاروا مسلمين بإسلام أبيهم هناك ، ثم خروج أبيهم إلى دار الإسلام لا ينقلهم إلى حكم الكفر ، فبقوا على حكم الإسلام إلى أن ظهر المسلمون على الدار ، فلا يجوز استرقاقهم بعد الإسلام " . [«شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (7/175) ] .
              وهذا التعليل شاهد آخر على الأصل الذي تقدَّم ، إذ لم يحكُم بإسلام الأولاد الصغار في الصورة الأولى لاختلاف الدار ، وحكم هنا بإسلامهم لأن أباهم أسلم في نفس الدار التي هم فيها .
              3- ومنها : رجل مسلم دخل دار الحرب بأمان فاشترى دارًا أو أرضًا أو رقيقًا أو ثيابًا ، فظهر المسلمُون على دار الحرب ، فأما الدور والأرضون فهي فيء للمسلمين ، وأما الرقيق والمتاع فهو للرَّجُل الذي اشتراه [«الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص107) ] .
              ففي هذه المسألة حَكَم على العقارات التي كانت للمسلم التي في دار الحرب بحكم عقارات أهل الحرب ، وهو أن تكون فيئًا للمسلمين ، أما ما يحوزه المسلم من متاع ورقيق فلا تعلُّق لحكمه بالدار لأنه ليس مِنها ، قال أبو يوسف رحمه الله في بيان وجه التفريق : " لأن الدُّور والأرضين لا تحول ولا يحرزها المسلم ، والمتاع والثياب تُحرز وتحول " .
              [«الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص110) ] .
              4- ومنها : مسلمٌ ارتدَّ ثم لحق بدار الحرب ، فإن لحاقه بدار الحرب ينزَّل منزلة موته ، ويحكم على أمواله التي تركها في دار الإسلام بما يحكم على أموال الناس في دار الإسلام ، فيُقضى بعتق أمهات أولاده ، ويعتَق مدبروه من الثلث ، ويحل ما عليه من الدين ويقضى عنه ويقسم ماله بين ورثته .
              [«الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن (ص304-305) ] .
              أما في أحكام الدماء :
              1- حربيٌّ أسلم في دار الحرب ، وأقام بها ولم يهاجر إلى دار الإسلام ، فقتله مسلم مستأمن في دار الحرب ، لا يجب عليه القصاص ولا الدية ، وتجب عليه الكفارة في القتل الخطأ .
              [«أحكام القرآن» للجصاص (3/216) ] .
              فلم يجعل هنا دين المقتول مناط الحكم ، وإنما وقوع الجناية في غير دار الإسلام .
              2- ومنها مسألتنا هذه التي يتعلق بها التنويريون :
              مسلمٌ قتل ذمِّيَّاً ، فيُقتَل المسلم بالذمي ، [انظر : «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (5/350) ] لأن الدماء في دار الإسلام معصومة ، والحكم في من انتهك حرمة دم معصوم القصاص ، فلم يجعل دين المقتول مناط الحكم ، وإنما وقوع الجناية في دار الإسلام .
              فتبين بعد هذا أن هذه المسألة تطبيق لنظرية مُطّردة مبنية على تعليق الحقوق بالدار .
              ثم إن قسمة الديار لدى أبي حنيفة قسمة دينية ، إذ العبرة بدار الحرب لديه جريان أحكام الكفر فيها ،[ انظر : «مختصر الطحاوي» (ص294) ، و«شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (7/215-218) ]، وإذا ثبت أن قسمة الديار هي قسمة دينية تابعة للأحكام المعمول بها في تلك الدار :
              1- تبين أنها قسمة متسقة مع الغاية التي أرادها الله تعالى من خلق الخلق وهي تحقيق عبوديته ، مخالفة للغايات الليبرالية المادية التي تقررها نظرياتهم الاجتماعية والسياسية .
              2- تبين الفرق بين قول الإمام أبي حنيفة وبين قول التنويريين ، إذ إنهم ينكرون هذه القسمة للديار أصلًا ، ويُشنِّعون على القائل بها !
              وهذا التناقض يعكس ظاهرة جلية في الطريقة التنويرية في تقرير المقالات : وهي اجتزاء مسألة من نظرية فقهية إسلامية ، لتمرير نظرية غربية ، دون اكتراث بأصل تلك المسألة المجتَزَأة .
              وأختم بذكر قولٍ لباحث نصراني في توصيف حال النصارى في ظل السلطنة العثمانية - التي كانت تأخذ بمذهب أبي حنيفة - كشاهد تطبيقي تاريخي : " لم يكن المسيحيون يتمتعون بالمساواة التامة مع رعايا الدولة المسلمين ، إلا إنهم تمتعوا ببعض الحريات الدينية في ممارسة شعائرهم ، وتكلفت الدولة بمسؤولية حماية أرواحهم وممتلكاتهم ، وذلك في ظل نظام الملل الذي كان يصنف رعايا الدولة على أساس المذهب الديني وليس على أساس القومية أو اللغة ، وكان لكل ملة مسيحية رئيسها الديني وهو البطريرك .
              يتعارض نظام الملل مع فكرة الدولة الحديثة التي تنظر إلى رعاياها على أساس المواطنة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات ، ولكن مفهوم المواطنة هو حديث ، نشأ في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر ، ولم يكن سائدًا في بداية العهد العثماني " .
              [ المسيحيون وهاجس الحرية في العصر العثماني لجوزيف أبو نهرا ، مركز الشرق المسيحي للبحوث والمنشورات ] .
              قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
              ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
              { درء التعارض : 1\357 }

              Comment

              • خطاب أسد الدين
                عضو
                • Oct 2014
                • 1105

                #97
                وهذا كذلك :

                من معالم الانحراف الأصولي
                الأحد, 27 رجب 1433

                مشاري الشثري
                ثمَّة إشارات مبكرة تستشرف وجود انحرافٍ في التعامل مع الملف الأصولي، من ذلك ما جاء في سنن أبي داود من حديث أبي رافعٍ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لاَ أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأتِيهِ الأَمرُ مِن أَمرِي مِمَّا أَمَرتُ بِهِ أَو نَهَيتُ عَنهُ فَيَقُولُ لاَ نَدرِي مَا وَجَدنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعنَاهُ ).
                هذا التوجيه النبوي المبكر يقضي بصيانة مصدرٍ من مصادر الاستدلال من أي محاولة تحجِّر من وظيفته، وعلى ذلك - أعني صيانة مصادر الاستدلال - درج أهل العلم، فأقاموا علم ( أصول الفقه ) وجدُّوا في إحكامِ فصوله ومسائله، وسأسعى هنا - بإيجاز - في تقييد بعض معالم الانحراف الأصولي .
                علم أصول الفقه من أجلِّ علوم الشريعة، إذ به يُتوصَّل إلى معرفة أدلة الشريعة وكيفية استثمارها لكشف الأحكام الشرعية وتوليدها، ولولاه ( لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير، فإن كل حكم شرعي لا بُدَّ له من سبب موضوع ودليلٍ يدل عليه وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا حكمٌ ولا سبب، فإن إثبات الشرع بغيرِ أدلته وقواعدِها بمجرد الهوى خلافُ الإجماع )[1] ، ومن هنا تبرز ضرورة صيانة هذا العلم من كل دخيل، فإنه بمنزلة المقدمات لبيان مراد الله ورسوله، وإذا فسدت المقدمات اعوجَّت النتائج .. وللخلل إلى هذا العلم مداخل، من أخصِّها :
                1- إقامة أدلةٍ محدثةٍ لم يرد في الوحي ما يدل على اعتبارها .
                2- توظيف الأدلة المعتبرة توظيفًا فاسدًا .
                3- تضييق العمل بالأدلة المعتبرة وإبطالها .
                وبين هذه الثلاثة قدرٌ من التداخل، فمن الأول جَعلُ الخلاف دليلاً على الإباحة، وعدُّ الإلهام والمنامات من أدلة الأحكام، ومن الثاني إسراف بعض أهل الرأي في استعمال دليل القياس، ومبالغة بعض الـمُحدَثين في إعمال المقاصد حتى أفضى بهم الحال إلى إبطال جملةٍ من الأحكام المنصوصة، ومن الثالث حسرُ النصِّ بمسلك التأويل، وإبطال القياس والإجماع .. ولدفع غائلة هذه المداخل عُني أهل العلم ببيان ما كان معتبراً من الأدلة، وأقاموا شروط إعمالها؛ ليستقيم بناء الحكم الشرعي عليها، كما أوضحوا مراتب الأدلة وخطوا سبيل النظر حال تعارضها، وفصَّلوا القول فيمن يسوغ له التكلم في دين الله، ورسموا حدود الاجتهاد وبينوا المشروع منه والممنوع .

                ينبوع الانحراف الأصولي :
                الجهلُ بالأدلة المعتبرة ومراتبها - وأسُّها : الكتاب والسنة والإجماع والقياس - ينبوع الانحراف الأصولي، فمهما قصَّر الناظر في دراية واحدٍ منها فقد اقتبس شعبة من الانحراف، واضطرَّه الحال إلى سوء استثمارها، أو اجترار ما ليس معتبراً، وفي المقابل فإن من استحوذ عليها أغناه ذلك عن غيرها، ووُقي زلَّةَ النظر، فـ ( مَن كان متبحراً في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص والأقيسة )[2] ، ولم يحتج معها إلى تكلُّفٍ في الرأي أو استحداثِ أدلةٍ لم يعتبرها الشارع .. وهذا المعنى طاف حوله الإمام الشافعي - رحمه الله - في صدر رسالته حين قال : ( فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها ) ، وليس يعني - رحمه الله - دلالةَ النص القرآني على عين النازلة، ولكنه يشير إلى مركزية القرآن الكريم في تقرير الأحكام، وذلك أن المسألة تكتسب حكمها من كتاب الله بتنصيصه على خصوصها، أو بإلحاقها بما كان منصوصاً، أو باندراجها في مدلول نصٍّ عام، أو من خلال دليل آخر دلَّ الكتاب الحكيم على اعتباره .
                والمراد أن العلم بدلائل الوحي يعصم من الزيغ، والجهل بها جسر موصل إلى سلسلة انحرافات يتفاوت خطرها بقدر بعدها عن رحاه، فكلما ابتعد المرء عن دائرة الوحي سارت به أهواؤه، ليبني أحكامه على أنقاض النصوص، وهكذا ترى العلاقة بين الحق والباطل علاقةَ مدافعة ومغالبة، وليس للحق الخالص قَرارٌ بجوار الباطل الخالص، فكما أن ضمور السنن قاضٍ بظهور البدع، فكذا الأدلة الصحيحة إذا انطمرت صالت الأدلة الفـــاسدة وراجت سوقها .. قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: ( لو جاز تعطيل القياس جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبرٌ بما يحضرهم من الاستحسان )[3]. والاستحسان - في اصطلاح الشافعي - من القول بالباطل، إذ هو تشريع من قائله، ولما قصرت طوائف من أهل السلوك عن درك بعض دلائل الوحي نزع أصحابها إلى الاعتماد على الأذواق والمواجيد والمنامات، ولما بعدت الشقة بين أهل الكلام والسنن المروية كان من سمت مقالاتهم الشطط عن نهج السابقين الأولين .

                من النص إلى المقاصد :
                وثمة إشكالية أخرى تتعلق بسوء التوظيف الدلالي، تتولَّد من إجراء الدليل المعتبر في غير سياقه - وفي ضمن ذلك إبطالٌ لأدلة معتبرة أخرى - ولفقه ذلك يحسن التنبيه على مقدمةٍ ضرورية، وهي أن الدليل الشرعي إنما يؤتي ثمرته بإعماله في موقعه، وإلا كان أرضاً خصبة لأحكام باطلة، فدراية مراتب الأدلة من أجلِّ مقامات الناظر في مسائل الشريعة، وذلك لئلا تضطرب آراؤه ويضرب بعضها بعضاً، فالوحي من كتابٍ وسنةٍ أساس الأدلة، وبه تُعلم أحكام المسائل، والإجماع متكئ على أحدهما فلا استقلال له، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: « فلا يوجد قط مسألة مجمعٌ عليها إلا وفيها بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلَّها منصوصة »[4].
                ثم إن عُدِم النصُّ الدال على حكم عين المسألة نُظر في شمول مدلول النصوص للمسألةِ محلِّ البحث، فإن لم يلح للفقيه هذا الشمول بحث لها عن حكم منصوص يضارعها في مناط الحكم حتى تمدَّ حبالها إليه، وذلك القياس، فالقياس إنما يستقيم تركيبه بعد انتفاء النص المعين، ولذا قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: « ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب »[5] ، ثم هو مفتقر بعد ذلك إلى فهم مخارج كلام الشارع، وقابليته لاستخراج العلل من عدمه، ثم في إمكان تعديتها أو يُصار إلى قصرها على محلها [6] .
                فإن لم يك للمسألة أصلٌ تشاركه العلة الجزئية انتُقِل بها إلى إطار أوسع، وهو ما كان من المسائل مشاركاً لها في جنس المعنى، وذلك ما يدعونه بالمصلحة المرسلة، فالمصالح معتبرةٌ فيما لا يزاحم النص، إذ إنه ينطوي ضرورةً على المصلحة المعتبرة المقصودة، فإعمال النظر لتلمس حكمٍ مبني على مصلحةٍ ما؛ مع وجود النص ضربٌ من العبث، ولتقرير ذلك يقول الطوفي الحنبلي في نصٍّ عزيزٍ مخبوء : « ولا شك أننا وغيرنا من المذاهب وإن قلنا باعتبار المصالح والمناسبات لكنها مناسبات شهد لها الشرع ودلَّ عليها الدليل، فأما مجاوزة الحد في اعتبار المناسبات إلى أن يعتبر منها ما لاشاهد له أو لا دليل عليه بل قد يخالف النصوص، فليس ذلك من اعتبار المصالح »[7].
                فإن تعذَّر قياس الجنس نُظر في المعاني الكلِّية المحصَّلة من مجموع نصوص الشريعة، فيسعى المجتهد في ردِّ تلك المسألة إلى أقرب معنى كلِّيٍّ يطوِّقها، وتلكم المعاني هي مقاصد الشريعة .. فإعمالُ المقاصد مقيَّدٌ بشروط ثقال، من تَخلُّفِ النص - جزئياً كان أو عاماً - وتعذر القياسِ على المنصوص، وقياسِ الجنس ( المصلحة المرسلة ) ، فتُدفع المسألة بعد انعدام هذه الأُطُر لتُطوى في ظرفِ مقاصد الشريعة، وكلما تأخرت مرتبة الدليل كان إعماله أكثر عُرضة للخطأ، ولذا قال ابن عاشور : « حقُّ العاميِّ أن يتلقَّى الشريعة بدون معرفة المقصد؛ لأنه لا يُحسِن ضبطه ولا تنزيلَه، ثم يُتوسَّع للناس في تعريفهم المقاصدَ بمقدار ازدياد حظهم من العلوم الشرعية، لئلا يضعوا ما يُلقَّنون من المقاصد في غير مواضعه فيعود بعكس المراد »[8].
                هذه المقامات لا بدَّ من حذقها؛ لينضبط للفقيه ردُّ المسألة إلى الظرف اللائقِ بها، والمدلولُ يأخذ في الضعف بقدر بُعد المسألة عن دائرة الدليل الخاص، فكلَّما انزاحت المسألة عن دليل الكتاب والسنة تراها تسعى في التشبث بأقرب دلالة تحكمها .. إذا تقرَّر هذا فمن أعظم الخلل تقديم الدليل الإلحاقي ( القياس - المصلحة - المقاصد ) على الدليل النصِّي، وما دامت المسألة قد ظفرت بدليل خاصٍّ فلا مناصَ من لزومه، ولا بدَّ من ضمور العملية الاجتهادية بقدر ظهور دلالة نصوص الوحي على حكم أعيان المسائل، ومن هنا افترع العلماء قاعدةً ضابطة لذلك، وهي : ( لا اجتهاد في مورد النص ).. وهذا مفرَّعٌ عن حقيقة التسليم لحكم الله ورسوله، فما دام النص جاء بالبيان، فلا داعي لإطلاق العقل في ميدان الاجتهاد، إذ الغاية من الاجتهاد : الوصول إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإذ قد لاح الحكم قريبًا فمن العبث إعمال المطي للوصول إليه !
                وتبرز في هذا السياق إشكالية العلاقة بين الكليات والجزئيات وأيهما المقدم، وهي من أبرز الإشكاليات حضوراً في السجال الفكري المعاصر، ومصدر الخلل في التعاطي مع هذه القضية كامنٌ في عدم فهم طبيعة العلاقة بين الكلي والجزئي، فطائفة من المعاصرين ترى أن الكلي مقدم على الجزئي، وجعلت من ذلك مطيةً لإهدار شريحة عريضة من الجزئيات المنصوصة بحجة رعاية الكليات ! وهذا من قلة الفقه في شريعة الله، فإن الكليَّ محصَّلٌ من الجزئيات المنصوصة، فهو يستمد قوته واعتباره منها، وبالتالي فخَرْمُ الجزئي خرمٌ للكلي بداهةً، ( وبيان ذلك : أن تلقِّي العلم بالكلي إنما هو من عَرْض الجزئيات واستقرائها، وإلا فالكلي من حيث هو كليٌّ غيرُ معلومٍ لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجودٍ في الخارج، وإنما هو مضمَّنٌ في الجزئيات حسبما تقرر في المعقولات، فإذًا : الوقوف مع الكلي مع الإعراض عن الجزئي وقوفٌ مع شيء لم يتقرر العلم به بعدُ دون العلم بالجزئي، والجزئيُّ هو مظهر العلم به، وأيضاً فإن الجزئي لم يوضع جزئيًّا إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكلي نفسه في الحقيقة، وذلك تناقض )[9].

                أصول الفقه .. ومآرب أخرى :
                المسلك الأصولي مسلكٌ دقيقٌ يحتاج فقهُه إلى نظرٍ فاحص، وليس لأحدٍ من الناس أن يسعى في بناء الأحكام إلا بعد استيفاء الشروط المؤهلة للاجتهاد، ورأسُها الاطِّلاع على الكتاب والسنة وتراث السلف؛ لتتحقق الملكة المحصَّلة من الدربة والممارسة، وفي هذا من العنت ما حدا بطائفة من المفكرين المعاصرين إلى المناداة باستئناف العملية الأصولية، وعزَّز ذلك أن الوضع الأصولي لا يُسعف بتحقيق مآربهم .. فصار من المطلوب عند هؤلاء ( إعادة بناء منهجية التفكير في الشريعة انطلاقاً من مقدمات جديدة ومقاصد معاصرة، وبعبارة أخرى : إن المطلوب اليوم هو تجديدٌ ينطلق لا من مجرد استئناف الاجتهاد في الفروع، بل من إعادة تأصيل الأصول، من إعادة بنائها )[10] ، بل بلغ ببعضهم أن صار يتعامل مع النص كما لو كان صائلاً يُتدرَّج في دفعه، فإن لم يستقم مراده إلا بإبطاله فليكن، وعليه ( فإذا قررنا مثلاً إلغاء الملكية الفردية لوسائل الإنتاج علينا تأويل الأحكام التي يناقض ظاهرها هذا الاختيار، وإذا استحال التأويل وجب تعطيل هذه الأحكام، وذلك لأن الاختيارات الكبرى هي التي تحدد طبيعة القوانين لا العكس )[11]! ولهذه النكسة الأصولية شواهد كثيرة في كتب العصرانيين، والشأن عندهم ليس في انضباط منهج البناء الأصولي بقدر ما هو تحقيق لمرادات النفوس، وقد تسرب ذلك إلى الداخل الإسلامي، فصرت ترى من يدعو إلى ( اعتماد الفهم المقاصدي للإسلام بدل الفهم النصي، فالنصوص يجب أن تُفهم وتؤوَّل على ضوء المقاصد « العدل - التوحيد - الحرية - الإنسانية » ونصوص الحديث يُحكم على صحتها أو ضعفها لا بحسب منهج المحدثين في تحقيق الروايات، وإنما بحسب موافقتها أو مخالفتها للمقاصد )[12] ، وحسبك من شرٍّ سماعُه، وإن ترد المزيد من أمثال هذه الانحرافات فلن تخطئها عينُك في حديثهم عن قضايا العقل والنقل، والظن واليقين، وفهم السلف، واعتبار المصالح والمقاصد، وتحكيم الواقع .. ومن مائها نبت إبطال حد الردة، وحُرِّفت أحكام أهل الذمة، وغُيِّبت شريعة الولاء والبراء، ووجدت المرأة طريقها إلى الولايات العامة، وجُعلِت الأهواء أمارة على حكم الله من بين الأقوال المنثورة .

                الهوامش:
                [1] نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي (1: 100).
                [2] مجموع الفتاوى لابن تيمية (19: 289)
                [3] الرسالة : 505.
                [4] مجموع الفتاوى (19: 195-196).
                [5] الرسالة : 510.
                [6] انظر : الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (1: 49-53).
                [7] درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح : 123.
                [8] مقاصد الشريعة : 51.
                [9] الموافقات للشاطبي (3: 174-175).
                [10] وجهة نظر للجابري : 59.
                [11] ظاهرة اليسار الإسلامي لحسن حنفي : 36-37.
                [12] من بحثٍ لـ د . راشد الغنوشي بعنوان : ( تحليل للعناصر المكونة للظاهرة الإسلامية بتونس ).
                قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                { درء التعارض : 1\357 }

                Comment

                • خطاب أسد الدين
                  عضو
                  • Oct 2014
                  • 1105

                  #98
                  أنا اهنا سأجمع ايضا كل ما يتعلق بمنهج عدنان من مقالات قد لا تفند شبهة او ردود .
                  قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                  ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                  { درء التعارض : 1\357 }

                  Comment

                  • خطاب أسد الدين
                    عضو
                    • Oct 2014
                    • 1105

                    #99
                    رد رائع جدا للعالم الطريفي على الدرويش عدنان ابراهيم

                    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                    ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                    { درء التعارض : 1\357 }

                    Comment

                    • خطاب أسد الدين
                      عضو
                      • Oct 2014
                      • 1105

                      #100
                      افتراضي مشكلة عدنان إبراهيم مع صحيح البخاري (عرض ونقد)

                      قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                      ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                      { درء التعارض : 1\357 }

                      Comment

                      • خطاب أسد الدين
                        عضو
                        • Oct 2014
                        • 1105

                        #101
                        كشف أكاذيب عدنان إبراهيم وتناقضاته

                        قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                        ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                        { درء التعارض : 1\357 }

                        Comment

                        • خطاب أسد الدين
                          عضو
                          • Oct 2014
                          • 1105

                          #102
                          تفاصيل هروب عدنان إبراهيم من مناظرة اهل السنة

                          قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                          ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                          { درء التعارض : 1\357 }

                          Comment

                          • خطاب أسد الدين
                            عضو
                            • Oct 2014
                            • 1105

                            #103
                            مناظرة الشيخ الالبانى رحمه الله مع المعتزلة .

                            قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                            ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                            { درء التعارض : 1\357 }

                            Comment

                            • خطاب أسد الدين
                              عضو
                              • Oct 2014
                              • 1105

                              #104
                              افتراضي هل شرب معاوية بن أبي سفيان الخمر ؟ ردا على عدنان إبراهيم

                              قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                              ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                              { درء التعارض : 1\357 }

                              Comment

                              • خطاب أسد الدين
                                عضو
                                • Oct 2014
                                • 1105

                                #105
                                علاقة المقال بما اضع من مقالات انه كثيرا ما يكذب عدنان ابراهيم على شيخ الاسلام بن تيمية رحمه وذلك لخلل بحثى عنده فى كتب شيخ الاسلام
                                --------------------------------------
                                مهارات بحثية من التراث التيمي
                                الخميس, 06 شوال 1436

                                د.عبدالعزيز آل عبداللطيف

                                لا شك أن لعلماء الإسلام والسنة من المزايا والخصائص ما ليس لغيرهم في تحرير الدلائل وتحقيق المسائل وإحكام التأليف وبراعة التصنيف.
                                والناظر في جملة من الكتب المصنفة في كيفية إعداد البحوث والرسائل العلمية يلحظ عليها غلبة الاهتمام بالجوانب الشكلية والإغراق في النواحي الفنية.
                                وانعكس الانهماك بتلك الرسوم والمظاهر على الباحثين ورسائلهم، بل تجاوزهم إلى الأساتذة المناقشين والمحكّمين فاستحوذ على طائفة منهم الحديث والنقاش عن علامات الترقيم والأخطاء الطباعية وأشباهها!
                                أما مهارات البحث الحقيقية، ووسائلها العملية، فقد لحقها الضمور والخفاء، مثل: تقوية أسلوب الباحث وسبل إثراء لغته، وطرائق تحسين أسلوبه وصياغته وسبك معلوماته، ومهارات فهم المادة العلمية للبحث وقضاياه، وكيفية تقوية محتوى البحث وتعميقه، والطرائق العملية الناجعة والمجربات الناجحة في جمع مادة البحث واستيعابها وتتبعها في مظانها وغير مظانها.
                                وأحسب أن مطالعة كتب السابقين، والتأمل في مسالكهم في البحث والتحقيق، والجمع والتحليل، تقدم جوانب عملية وطرائق فعلية لما قد غاب ذكره من مهارات البحث، وفات تدريسه في مقرر البحث.

                                وسأورد طرفًا من مهارات بحثية مستفادة من مؤلفات ابن تيمية:
                                - طالما صُرِفت الأوقات والجهود في مناحٍ شكلية صورية في البحث، لكن أبا العباس لا يلتفت إلى التقاسيم الاصطلاحية ولا يعول عليها، فضلًا عن الاحتفاء بمجرد ألفاظ وتشقيقات لا حقيقة لها.
                                ولذا قال: «الاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية»[1].
                                وقال في موطن آخر: «المعاني العقلية لا يعتبر فيها بمجرد الاصطلاحات[2]».
                                وقد رد أبو العباس المعاني الفاسدة المبتدعة، وبين ما فيها من شطح وضلال وشك وانحراف، وقرر أن الرد ليس لمجرد أنها اصطلاحات ألفاظ حادثة[3].
                                - يعاني البحث الحاضر من فقر في العبارات، وهزال في الصياغة والأسلوب، وشح في الكلمات والتعبيرات، فترى الباحث أسير كلمات مكرورة، وحبيس جمل راتبة مملولة.
                                وإذا كانت مطالعة كتب التراث عمومًا، وكتب اللغة والأدب خصوصًا تمنح الباحث ثروة في الكلمات والعبارات، وجزالة في التعبير وسبك المعلومات، إلا أن أبا العباس يلفت إلى معنى بديع، وملمح عميق، وهو أن سعة العقول ورحابة الفهوم تستلزم إثراءً في لغة الباحث، ووفرة العبارات، فقال رحمه الله: «إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها، وإذا ضاقت العقول والتصورات بقي صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان»[4].
                                وقد وُصف ابن تيمية بحدة الذكاء، وقوة النبوغ فقالوا عنه: كأن عينيه لسانان ناطقان، فإذا أخذ يتكلم ازدحمت العبارة في فمه[5].
                                ويحلو لبعض الباحثين أن يستكثر - في أسلوب بحثه - من تراكيب المصطلحات العويصة من وحشي اللغات، وغريب العبارات، فيوهم الغِرَّ بعمق بحثه! ويهوِّل على المبتدي بتلك العبارات الشائكة، وهي في الواقع وكما قال ابن تيمية: «إنما هي من باب القعقعة بالشِّنان لمن يفزعه ذلك من الصبيان، ومن هو شبيه بالصبيان»[6].
                                - ونتجاوز جزالة العبارات بلا تعقيد، ورحابة الكلمات بلا تكلف عند ابن تيمية، إلى ما هو أشرف وأجل، وهو رحابة مصادر المعرفة، وسعة موارد التلقي، فإن أبا العباس استوعب في تحريراته جميع مصادر المعرفة الإنسانية (الوحي، والعقل، والفطرة)، فتارةً يقرر النص الشرعي بكل تسليم وقبول، وتارة يفتق الأذهان والعقول، وتارة يحرك وجدان الفطرة، ويستثير ضرورات الحس.
                                قال رحمه الله: «قد جمع الله للمسلمين جميع طرق المعارف الإنسانية وأنواعها، والعلم يُنال بالحسّ والعقل، وبوحي الله إلى أنبيائه، والمسلمون حصل لهم من العلوم النبوية والعقلية ما كان للأمم قبلهم، وامتازوا عنهم بما لا تعرفه الأمم»[7].
                                - موضوعية ابن تيمية في مؤلفاته العلمية ومواقفه العملية أشهرُ من أن تذكر، فكان في غاية العدل والإنصاف والاعتذار لمخالفيه وخصومه فضلًا عن غيرهم، حتى قال بعض أصحابه الأكابر: «وددتُ أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه»[8].
                                وتأمّل هذا النقل البديع والتقرير الرفيع الذي يجلي تمام العدل، وتحري الإنصاف، مع دراية دقيقة بآفات النفوس وطبائعها.
                                فقال: «نحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدًا وإما خطأ، فإن الإنسان إن لم يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره، لكن المذهب الذي يقصد الإنسان إفساده لا يكون في قلبه من المحبة له ما يدعو إلى صوغ أدلته على الوجه الأحسن...»[9].
                                فوازن بين ذاك العدل الفريد مع الخصوم، والفقه العميق لأدواء النفوس، وبين بعض البحوث العلمية المعاصرة التي تعمد إلى اختزال مخل لقول المخالف وحججه، والتصرف بمقالاته والإحالة بـ«انظر» ونحوها، والتلفع بأن هذا فحوى مقالاته وخلاصتها!
                                - تقسيم البحث العلمي الحاضر إلى أبواب وفصول ومباحث.. قد يحقق تقريبًا للمعلومة، وترتيبًا لمادة البحث، وعرضًا حسنًا لمحتوى الرسالة العلمية، لكن الإيغال في هذه التقاسيم قد يفوّت الوحدة الموضوعية للمسائل والدلائل الواردة في تلك القضية، ويشتت هيئتها الاجتماعية وما يلحق بها من علائق مهمة ولوازم متصلة، فهذا التفتيت والتفريق يفوّت معانٍ عميقة، ونكتًا جليلة، وتلك القضايا العلمية لا يظهر رونقها ولا تبدو قيمتها إلا بعرض مترابط يلمّ أطرافها في سياق واحد، إضافة إلى أن الإغراق في التخصص الدقيق يوجب حذف علائق نفيسة ومسائل فريدة بدعوى أن ذلك خارج التخصص!
                                والناظر في التراث التيمي تلحقه الدهشة والانبهار في هذا الباب، فإن أبا العباس إذا قرر - على سبيل المثال - مسألة في الصفات الإلهية كالكلام الإلهي، فقرر وقعّد، وناقش المخالف ونقد، وحشد الأدلة والبراهين في ذلك، ساق علائق نفيسة ولوازم جليلة تتصل بهذه الصفة الإلهية من مسائل في القدر والنبوات وسائر أصول الدين.
                                - يُلحظ أن بعض الدارسين إذا بحثوا عن أسباب ظاهرة سلوكية وعوامل ظهورها فإنهم لا يستوعبون أهم أسبابها، ولربما غلّبوا الحديث عن أسباب ثانوية، وغفلوا عن أسباب رئيسة، وإذا كانت الظاهرة مترامية الأطراف، متشعبة الجوانب فإنه يتعسر على باحث ناشئ أن يستوفي أسبابها، أو يستوعب أهم عواملها.
                                وفي التراث التيمي ما يسهم في معالجة ذلك، فإن أبا العباس - وكأن العلوم بين عينيه - ينطلق من قواعد علمية أصيلة، ودراية متينة بالواقع وظواهره وأحواله، فتراه يشخّص الداء وأسبابه، ويحدد الدواء وطرائقه، كما في تقريراته بأن الدين: تصديق الخبر وطاعة الأمر، فالانحراف إما شهوات أو شبهات، فهو فساد للقوة العملية أو القوة العلمية، كما في شكوك المتكلمة أو شطحات الصوفية، أو قياس فلسفي أو خيال صوفي.
                                إن سعة النظر، ورحابة الأفق عند التأمل في تلك الظواهر وأسبابها يفتح للباحث قدرات في دقة التوصيف والتسبيب لتلك النوازل. وبالله التوفيق.

                                :: مجلة البيان العدد 338 شـوال 1436هـ، يوليو - أغسطس 2015م.
                                [1] التدمرية لابن تيمية ص130.
                                [2] الدرء 2/222.
                                [3] ينظر: الدرء 1/232 ، والفتاوى3/307.
                                [4] الرد على المنطقيين ص166.
                                [5] الدرء 4/ 183، وينظر: الدرء 1/ 295.
                                [6] ينظر: الجامع لسيرة ابن تيمية ص: ش، ط.
                                [7] الجواب الصحيح 2/ 4.
                                [8] مدارج السالكين 2/ 345.
                                [9] بيان تلبيس الجهمية 4/ 307.
                                قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
                                ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )
                                { درء التعارض : 1\357 }

                                Comment

                                Working...