5 - الدليل الهندسي
وقال به ديكارت أيضا ومضمونه انه كما أن فكرتنا عن المثلث تستتبع أن تكون زواياه الداخلية مساوية لقائمتين ( 180 درجة ) ، كذلك فإن فكرتنا عن الله باعتباره كائناً كاملاً متناهياً تستلزم وجوده بالضرورة. وعليه فإذا كان من التناقض أن نقول أن الزوايا الداخلية للمثلث لا تساوي قائمتين، فمن التناقض كذلك أن نقول أن الله غير موجود، لأن الوجود متضمن في ماهية الله على نحو ما تكون مساواة الزوايا الداخلية للمثلث لقائمتين متضمنة في تعريف المثلث.
6 - دليل الإمكان والوجوب
وقال به ابن سينا ، ويتكون من مقدمات ثلاث هي:
المقدمة الأولى: إنّ موجودات هذا العالم ممكنة الوجود، وهي ذاتاً لا تقتضي الوجود؛ إذ لو كان واحد منها واجب الوجود لتم إثبات المطلوب
المقدمة الثانية: كل ممكن الوجود فهو محتاج في وجوده إلى علّة تمنحه الوجود.
المقدمة الثالثة: استحالة الدور والتسلسل في العلل .
النتيجة: إنّ كلّ واحد من موجودات هذا العالم الممكنة الوجود يحتاج إلى العلّة الفاعلية، ويستحيل أن تمتد سلسلة العلل إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أيضاً الدور؛ إذن لابدّ أن تنتهي سلسلة العلل من ناحية البدء إلى علّة ليست محتاجة إلى علّة, وهي التي نسميها واجب الوجود، وهو المطلوب
الأحكام العقلية هي جميع الأمور والأشكال المفروضة في الذهن، أي كل ما يتصوره الفكر، وهذه الأحكام لا تخلوا أن تكون واحدة من الأقسام الثلاثة الآتية
القسم الأول : ممكن الوجود
وهو ما يقبل العقل وجوده وعدمه ويسمى أيضا الجائز و الممكن عقلا، وهو نفس تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية حين يقول :«هو الذي يمكن وجوده وعدمه»
• أمثلة توضيحية :
1 – البشر موجودون في هذا الكون، لكن وجودهم جائز عقلا إذ أنه من الممكن أن لا نكون موجودين، دل على ذلك الشرع و العقل و العلم .
2 – عودة الإنسان إلى الحياة بعد موته أمر ممكن لا يمنعه العقل رغم أن الحس و المشاهدة تنفيان هذا الأمر، إلى غير ذلك من الأمثلة.
ونخرج من هذين المثالين بنتيجة مهمة وهي : أن كل حادث فوجوده و صفاته، وكذلك انعدامه و انعدام صفاته، أمر ممكن عقلا، وليس شيء منها في حكم العقل المجرد بواجب ولا مستحيل.
القسم الثاني : مستحيل الوجود
وهو ما يوجب العقل عدمه، ولا يجيز إمكان وجوده في أية حالة من الحالات التي يتصورها الذهن.
• أمثلة توضيحية
1 – يستحيل في حكم العقل أن يكون الشيء موجودا و معدوما في نفس الوقت .
2 – يستحيل أن يكون الجزء من الشيء الواحد أكبر من كل ذلك الشيء .
3 – يستحيل ترجيح أخد المتساويين تساويا تاما على الآخر من غير مرجِّح.
القسم الثالث : واجب الوجود
وهو ما يوجب العقل وجوده، ولا يجيز إمكان انعدامه في أية حالة من الحالات التي يمكن أن يتصورها الذهن.
• أمثلة توضيحية
1 – متى كان الكل موجودا وجب عقلا أن يكون جزء هذا الكل موجودا أيضا.
2 – يجب أن يكون للحادث محدِث قد أحدثه.
3 – متى وُجد المعلول وجب عقلا أن تكون علته قد وُجدت.
4 – متى وُجد المسبب وجب عقلا أن يكون سببه قد وُجد.
5 – متى رجح أحد المتساويين على الآخر، وجب عقلا أن يكون مرجِّحٌ قد رجَّحه.
6 – وأما واجب الوجود على الإطلاق، فهو وصف ليس له إلا موصوف واحد هو الله جل وعلا.
فإن جميع الأمور والأشكال المفروضة في الذهن لا تعدو أن تتصف بأحد أوصاف ثلاثة : الوجوب، الاستحالة، الإمكان.
فما اتصف بالوجوب هو ما يحيل العقل عدمه، وما اتصف بالاستحالة هو ما يحيل العقل وجوده، وما اتصف بالإمكان هو ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه
وقد ذكر الشهرستاني نحو هذا الكلام، حيث يقول :« القسمة العقلية حصرت المعلومات في ثلاثة أقسام واجب ومستحيل وممكن فالواجب هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه لزم منه محال والمستحيل هو ضروري العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال والممكن ما لا ضروري في وجوده ولا عدمه »
وكل البشر على اختلاف مللهم ومذاهبهم، يقرون بهذا التقسيم، بل حتى الملاحدة أنفسهم، ويبقى موضع النزاع في تعيين واجب الوجود، فمنهم من جعله صنما ومنهم من جعله كوكبا ومنهم من جعله الطبيعة الصماء أو الصدفة العمياء، وأهل الحق أقروا أن واجب الوجود هو صانع العالم الخالق البارئ سبحانه.
إثبات واجب الوجود
بعد بيان أقسام الأحكام العقلية، فإن الموجودات إما أن تكون كلها ممكنة أو كلها واجبة أو منها الممكن والواجب، فأما الأول ممتنع، لأن الممكن وجوده بغيره وليس بنفسه والممكن يسبقه العدم، ومعلوم أن العدم لا يعطينا وجودا من نفسه وهذا معلوم بالضرورة والممكنات لا يترجح وجودها على عدمه إلا بمرجح مغاير لها- وسيتم بيان ذلك لاحقا- والثاني ممتنع أيضا لأنه خلاف المشاهد فالواجب هو الأزلي الأبدي الذي لا يقبل التغير،والعالم له بداية وستكون له نهاية ويقبل التغير، فثبت إذا أن الموجودات تنقسم لممكن الوجود بغيره وواجب الوجود لذاته.
ولا يكفينا القول بوجود القسمين معا، بل إن الناظر في الموجودات الممكنة لا يجد لها بدا من مُوجد واحد واجب الوجود، وإلا لما كان هناك وجود أصلا، فتبين لنا أن بالإضافة إلى وجود القسمين فإن واجب الوجود لذاته مستغن في وجوده عن كل ما سواه، ووجوده واجب ضروري، لا يجيز إمكان انعدامه العقل ، وأن كل ما عداه فهو ممكن لذاته، مفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته.
ولبيان ذلك : سأقوم بصياغة قضايا ثم أبني عليها نتيجة، هي ما قررته آنفا
القضية الأولى : العدم "نقيض الوجود" لا يستطيع أن يوجد لنا شيئا.
القضية الثانية : العالم حادث أي أنه كان مسبوقا بعدمه.
القضية الثالثة : المشاهدة والحس والبداهة تؤكد أننا موجودين والعالم كذلك موجود.
من القضية (1) و (2) نستنتج أن الأصل ليس هو العدم، إذ لو كان كذلك لما كان هناك عالم ولما كنا موجودين حتى نفكر ونكتب بحثا.
ومن الاستنتاج الأول والقضية الثالثة، ثبت لنا أن الأصل هو موجود ليس قبله عدم، وإذا قلنا أن قبله عدم، سنكرر نفس المقدمتين الأولى والثانية لنخرج بنفس النتيجة، أن الأصل هو موجود ليس قبله عدم أي :أنه "موجود أزلي"، "واجب الوجود" وواجب الوجود هو الله الأول والآخر والظاهر والباطن.
فتبين لنا إذاً أن الممكنات لابد لها من واجب الوجود لذاته وإلا لكانت الموجودات كلها معدومة، وهو ما أشار إليه ابن تيمية في قوله:« وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء، فتكون الموجودات كلها معدومة » وينقل رحمه الله كلاما للآمدي من كتابه أبكار الأفكار على أن واجب الوجود وجوده لذاته لا لغيره بغلاف الممكن الذي وجوده بغيره، «مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين القول بوجوب وجود موجود وجوده لذاته لا لغيره، وكل ما سواه فمتوقف في وجوده عليه»
دليل بطلان الرجحان بدون مرجح
الرجحان في اللغة هو الميلان، يُقال رجح الميزان رجحانا أي مال
ونقول : أن معنى الرجحان بدون مرجح هو تغيير جريان شيء من نسق معين إلى نسق آخر من دون وجود أي مغير أو محول، وهذا معلوم بطلانه و فساده عند جميع العقلاء، ولا بدل لتحويله عن حاله السابقة من مرجح يفرض عليه الوضع الجديد . وحتى العلوم المادية تقر بهذه الحقيقة فإسحاق نيوتن الذي اشتهر بعبقريته في الغرب، يضع قانونا عاما للحركة يثبت ذلك
وبتطبيق هذه الحقيقة على مسألة وجود الله، واعتمادا على ما أقررته في أقسام الموجودات والأحكام العقلية نقول :
أن هذا الكون الذي نعيش فيه من نوع الممكن، أي أن فرض عدمه ليس بالمستحيل عقلا،
حيث نجد أن جزئياته تقبل العدم والوجود، فالأفلاك و الأجرام لم تكن موجودة ثم وُجدت وكذلك كوبنا الأرض و جميع الكائنات، وما يثبت للجزئيات يثبت أيضا للكلي، يقول ابن تيمية:«من المعلوم أن بعض أجزاء العالم يشاهد عدمه بعد الوجود ووجوده بعد العدم كصور الحيوان والنبات والمعدن وأنواع من الأعراض وهذا معلوم بالحس أنه ليس واجب الوجود بل هو ممكن الوجود لقبوله العدم » وهناك شواهد طبيعية كثيرة تثبت أن الكون لم يكن موجودا منذ الأزل، وان له عمرا محدودا، ومعنى ذلك أن كفة العدم كانت إذ ذاك هي الراجحة، وكان الأمر مستمرا على ذلك. ثم إن الأمر انعكس بعدئذ فترجحت كفة الوجود على كفة العدم. فمن البديهيات العقلية أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم الأصل فيه هو العدم، إذ لو كان أصله الوجود لكان واجب الوجود،فلا يكون مع ذلك ممكن الوجود والعدم، لاستحالة التناقض.
فإذا ثبت أن الكون مسبوق بعدمه، وعلمنا أن العدم لا يعطينا وجودا ولا يؤثر في الوجود، وجب علينا حينئذ التصديق بوجود قوة مؤثرة رجَّحت الوجود على العدم.
فإذا ادعى أحدهم أن في الكون قوة ذاتية أخرجته للوجود، فمعنى ذلك رجحان كفة الوجود على العدم دون الحاجة لأي عامل أو مرجح أو قوة، وهذا أمر بين بطلانه وفساده لذوي العقول، فكما أنه يستحيل رجحان كفتي الميزان المتساويتين إلا بوجود قوة كانت سببا في هذا الرجحان بل ويزيد الأمر استحالة عند فرض أن الكفة الثقيلة الراجحة طاشت وأصبحت مرجوحة وتهبط الخفيفة رغم خفتها وكل هذا من غير مرجح، فكذلك الشأن بالنسبة للوجود و العدم، فيبطل رجحان الموجود على العدم من غير مرجح.
العالم يطرأ عليه التغير والحدوث والعدم، وكل ما يطرأ عليه التغير والحدوث والعدم فهو ممكن الوجود، وكل ممكن الوجود وجوده بإيجاد غيره أي أنه لم يوجد نفسه وهذا واضح بَيِّن، فغيره من أوجده، واثبات إمكان وجود العالم إما من الطريقة الأعلى أو من الطريق الأسفل، أي إما أن نثبت أن "الكل" ممكن الوجود، والكل متركب من آحاد فثبت أن الآحاد ممكنة أيضا، إذ ما يثبت للكل يثبت للجزء، وإذا انطلقنا من الآحاد وأثبتنا أنها ممكنة، فالكل واجب أن يكون ممكن الوجود، وكل ممكن فهو باعتبار ذاته جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد وإذا ترجح جانب الوجود على العدم احتاج إلى مرجح، والذي رجح الوجود على العدم هو الله سبحانه وتعالى بإرادته ومشيئته.
يشير الآمدي إلى هذا المعنى موضحا أن ممكن الوجود وجوده وعدمه جائر: « وعند ذلك فإما أن يكون في وجوده مفتقرا إلى مرجح أو غير مفتقر إليه، فإن لم يكن مفتقرا إلى المرجح فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح، وهو ممتنع. وإن افتقر إلى مرجح فذلك المرجح إما واجب أو ممكن، فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فإما أن يقف على موجود هو مبدأ الموجودات غير مفتقر في وجوده إلى غيره، أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فهو ممتنع »
فالذين لا يؤمنون بوجود خالق الكون وواضع نظمه مثلهم كمثل المنكرين لوجود من بنى تلك البيوت و القصور القائلين أنها مبنية من نفسها ما داموا لم يروا بانيها و هو يبنيها . و نحن المؤمنين بالغيب تحت إشراف العقل و إرشاده نعترف عند رؤية البناء بوجود الباني و لو لم نره . فالفرق بيننا بسيط إلى هذا الحد ، فهل يسع الملاحدة أن يدعوا إمكان وجود قصر أو بيت من تلك القصور أو البيوت التي هي من صنع البشر ، بنفسها من غير وجود بان أو صانع ؟ فإن لم يسعهم ذلك فكيف يسعهم القول بوجود صرح العالم بسمواته و أرضه بنفسه من غير وجود بانيه ؟ أليس للسموات و الأرض أهمية كأهمية واحد من البيوت المبنية بأيدي البشر حتى تستغنيا عما لا يستغني عنه من الباني ، أم كان استغناؤهما عن الباني لكونهما في غاية العظمة و البداعة ؟ أما الاحتمال الأول و هو كونهما في الأهمية دون البيوت المبنية بأيدي البشر فباطل بداهة ، أما الاحتمال الثاني و هو أن يكون البناء الأعظم و الأبدع مستغنيًا عن الباني حين كان أقل البنيان و أحقره غير مستغن عنه ففي غاية البعد من العقل .
و لكن يمكن لهم أن يسوقوا اعتراضًا قائلين أنه كما تقولون أنتم بوجود خالق بنفسه من غير موجد ، فنحن كذلك نقول بعالم موجود بنفسه دون الحاجة لموجد . و هذا عندنا من المحال لأن الموجود بذاته لا يكون إلا واجب الوجود و يكون مستحيلاً تغيره من حال إلى حال و وجوده أو وجود شئ منه بعد العدم و عدمه أو عدم شئ منه بعد الوجود ، بل يستحيل تركبه و تجزؤه المستلزم لاحتياجه لأجزائه و العالم المتغير المتجزئ المحتاج على القل لأجزائه لا يكون واجب الوجود بل ممكنًا يقبل الوجود و العدم متساويين بالنسبة إلى ذاته ، فيحتاج وجوده إلى مرجح يرجح له جانب الوجود و يوجده بعد أن كان معدومًا ، و في عدمه إلى مرجح يرجح له جانب العدم فيعدمه بعد ان كان موجودًا ، و في وجوده كذلك يحتاج أيضًا إلى مرجح يرجح له أن يكون على نوع معين من أنواع الوجود و على شكل معين من أشكاله فلو أنكرنا له هذه الحاجات كان قولاً برجحان أحد المتساويين بنفسه على الآخر من غير مرجح و هو محال متضمن للتناقض . و هذا المرجح عندنا في وجوده أو عدمه و في كونه على نوع معين من أنواع الموجودات و على شكل معين من أشكاله هو إرادة الله تعالى واجب الوجود .
فلو كان العالم أو أي جزء من أجزائه موجودًا بنفسه من غير موجد و وجودًا على نوع معين و شكل معين من غير معين ، لزم الرجحان من غير مرجح أي لزم كون ما فرض وجوده و عدمه ثم وجوده على نوع دون نوع و شكل دون شكل متساويين بالنسبة إلى ذاته ، خلاف ذلك أي غير متساويين . و خلاف الفرض محال متضمن للتناقض .
يتبع إن شاء الله
الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته
Collapse
X
-
4 - الدليل الأنطولوجي
وقال به ديكارت يعرف أيضا بالبرهان السببي، و يعتمد على مبدأ أنه : إذا وجد أي شيء فلابد من وجود شيء آخر هو سببه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وقد وجد ديكارت من بين أفكاره الفطرية فكرة الكائن الكامل اللامتناهي، التي لا يمكن أن يكون هو سببها لأنه شاك فهو ناقص، إذ أن الشك ينطوي على النقص، ولما كان ما هو ناقص لا يمكن أن يكون سبباً لما هو كامل ،فمن المحال أن نحصل على فكرة الكمال اللامتناهي من تراكم أفكار أشياء متناهية، لأن المتناهيات لا يمكن أن تؤدي إلى لا متناهي. وأخيراً لما كان الوجود الموضوعي الصوري للفكرة لا يمكن أن ينشأ من قبل كائن موجود بالقوة فحسب، بل من قبل كائن له وجود صوري وفعلي أيضاً، فإنه ينبغي أن نستنتج أن سبب فكرة الكمال اللامتناهي هو كائن كامل لا متناهي بالفعل وهو الله. فالله باعتباره الكائن الكامل اللامتناهي موجود ضرورة.
يقول ( اندرو كونواى إيفي ) وقد كتب تحت عنوان " وجود الله حقيقة مطلقة " :
" إن أحداً لا يستطيع أن يثبت خطأ قانون السببية ، فبدونه تنعدم الأشياء والعقل البشري لا يستطيع أن يعمل إلا على أساس السببية ، إنني أُسلِّم أن لقانون السببية وجوداً حقيقياً "
قانون السببية هو قانون عقلي ويصدقه الواقع.
وقبل أن نسأل (كيف نستطيع ان نثبت ان قانون السببية قانون عقلي)
لا بد من أن ننتبه أن الإثبات نفسه يعتمد على السببية..
الاستدلال ليس مجرد انتقال عشوائي من جملة إلى أخرى إلى أخرى بدون سبب
بل لا بد من ذكر السبب المنطقي الذي جعلك تنتقل من المقدمة إلى النتيجة.
ومن ينكر قانون السببية .. أطلب منه أن يكتب دليله.. ومتى كتبه .. اسأله: لماذا انتقلتَ من هذا الجملة إلى تلك إلى تلك؟
1- إذا أجاب .. "بدون سبب".. إذاً لا قيمة لدليله.
2- وإذا بحث عن أسباب منطقية ليثبت صحة استدلاله: إذاً استدلاله خاطئ ومتناقض لأنه يعتمد على السببية لنفي السببية
إن برهان السببية أعلى من القانون، بل وعليه تقوم جميع علوم الدنيا ومقاصد الغايات .. ولولا هذا البرهان القبلي – أي الذي يسبق أي تجربة- لما سلَّمنا بصحة تجربة ولا قضية ولا مُبرهنة ولا فكرة، ولصارت جميع علوم الدنيا لغوٌ فارغ، ولصار مهرجي السيرك أكثر مصداقية من العالِم والفلكي والفيزيائي والمُفكر، فلولا اليقين العلمي من نتائج التجربة - ونتائج التجربة هي أحد مسلمات السببية ونتائجها والدليل على صحتها - ما قام علم ولا استقرت فكرة ولا استوعبنا قضية في الدنيا، وبما أنه يوجد عِلم وبما أنه توجد حقائق علمية وأٌسس نظرية يستقر عليها الإنسان ثم ينتقل منها إلى غيرها، إذن يبقى برهان السببية دليل جوهري وأصيل على إثبات الموجِد والخالق
ولم يَكفُر بمبدأ السببية إلا الملحد وعليه قبل أن يَكفر بالسببية أن يَكفر اضطراراً بكل علوم الدنيا، وببديهيات عقله حتى يتسنى له أن يحيا في اتساق مع إلحاده.
فلا يوجد شيء يسير في هذا الكون بلا قانون، فالكل مُسخَّر تماماً، بمنتهى السببية من المِجرة إلى ما دون الذرَّة، وحتى التذبذب الكمومي يخضع لقانون وإطار كلاسيكي صارم، ولا يستطيع أن يتمرد على أُسس الميثودولوجيا السببية .
يقول ديفيد هيوم ومن تابعه أن ما يسمى بالسببية والعلوم الضرورية لا حقيقة لها لأن مصدر ثقتنا بها هو خبرتنا البشرية، فيقال له: تقريرك هذا إما أن تجزم أن "سببه" الخبرة، وهذا يبطل أصلك، وإما أن تقول أن "سببه" مصدرٌ خارج الخبرة، وهذا أيضاً باطل عندك لأنك تنكر أي مصدر للمعرفة من خارج الخبرة/التجربة البشرية، وإما ألا يكون له سبب إطلاقاً، فيكون تقريركم الذي قررتموه - وكل ما ستقررونه في المستقبل - ساقط لا معنى له، وإما ألا يكون للسبيية أية وجود لا داخل ولا خارج الخبرة البشرية، وهذا هو عين تقريركم الأول وهذا التصرّف مغالطة معروفة لا تُقدّم ولا تؤخّر
بطلان التسلسل والدور
كثيرا ما احتج الملاحدة بوجود سلسلة لا نهائية من الحوادث، أو أن هذا الكون مستمر بحكم التفاعل الذاتي الذي لا أول له زعما منهم أن هذا دليل لنفي وجود الله عز وجل.
أ - بطلان التسلسل
التسلسل هو استناد وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه، وتستند هذه العلة إلى علة مؤثرة فيها، وهي إلى علة ثالثة مؤثرة فيها، وهكذا تسلسلاً مع العلل دون نهاية، يقول ابن تيمية :«ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات، وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل، وهذا باطل بصريح العقل و اتفاق العقلاء»
ونستدل على بطلان التسلسل اللانهائي من وجوه :
الوجه الأول
إن الموجودات بأسرها إما أن تكون واجبة الوجود أو ممكنة الوجود أو ممتنعة الوجود، فأما الأول فباطل لأنا نشاهد في العالم ما يحدث بعد أن لم يكن والواجب بنفسه لا يسبقه العدم، والثاني باطل أيضا لان ممكن الوجود هو الذي يمكن وجوده وعدمه أي هو الذي يسبقه العدم، وما سبقه العدم لا يستطيع إيجاد نفسه، فوجب وجود موجود لم يسبقه العدم افتقرت إليه الموجودات جميعها، أما الثالث فهو باطل لأن العالم موجود، فما وجد لا يكون ممتنع الوجود.
فلزم لبطلان هذه الأقسام الثلاثة أن يكون بعضها واجبا وبعضها ممكن.
وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة وليس كلها ممكنا ولا كلها واجبا دل ذلك على انتهاء التسلسل وبطلان لانهائيته.
الوجه الثاني
كل ممكن الوجود لا يوجد إلا بموجب يجب به وجود لأن الممكن كان مسبوقا بعدمه وهو مفتقر في وجوده إلى واجب الوجود الذي لا يسبقه العدم، والممكن لا بد لرجحان وجودها من مرجح واجب الوجود.
الوجه الثالث
الممكنات لا توجب الوجود بنفسها، فلا بد للممكن الذي يقبل الوجود والعدم من موجود ليس بممكن، ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره وليس كل موجود وجد بنفسه لأن منها المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها ، فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وما هو موجود بغيره، والموجود بنفسه هو الواجب و الموجود بغيره هو الممكن، فسقطة بذلك دعوى التسلسل اللانهائي.
الوجه الرابع
لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة. وعند ذلك فلا يخلو : إما أن يقال بأنها أزلية وهو محال لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم، أو يقال بأنها ليس أزلية وهو المطلوب ، ويلزم من قول عدم أزليتها وعدم وجود واجب الوجود الأزلي بالقول بعدم وجودها، فبحكم العقل، العدم لا يعطينا وجودا وفاقد الشيء لا يعطيه، فتبين أن هذا القول خلاف المشاهد، فهذه العلل والمعلولات كل منها يكون مسبوقا بالعدم، فمجموعها مسبوق بالعدم، فوجب أن يكون لوجودها أول تنتهي إليه، فلو قيل لأحد لن أعطيك درهما إلا وقبله درهم لكان الإعطاء محال، كذلك الحال بالنسبة لمجموعة من الأصفار التي لا تكتسب قيمة إلا إذا كان عدد بين الواحد والتسعة على يسار هذه الأصفار، فالصفر يستمد القيمة من الصفر الذي إلى يساره، وهو أيضا إنما يستمد القيمة العددية من الصفر الثالث فالرابع فالخامس ... إلى أن تنتهي الأصفار برقم عددي كالواحد فما فوق. فهذا الرقم هو الذي يملك قيمة ذاتية في داخله، وهو الذي يضفي الحياة والقيمة على الأصفار المتسلسلة التي عن يمينه. فلو فرضنا أن سلسلة الأصفار لم تنته إلى رقد عددي يملك قيمة ذاتية، فهي أصفار خالية عن قيمة بل عن أي معنى الوجود.
وافتراض التسلسل اللانهائي فيها لا يغير من طبيعة الحال ولا يجعل لها أي قيمة
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:«وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء، فتكون الموجودات كلها معدومات». ويقول أيضا : «مهما قُدِّر من الممكنات التي ليست متناهية، فإنه ليس واحد منها موجودا بنفسه، بل هو مفتقر إلى ما يُبدعه ويُفعله... فإذا قدر ممكنات متسلسلة كل منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم، والوجود موجود محسوس، فعلم أن فيه ما هو موجود بنفسه ليس وجوده من غيره»
الوجه الخامس
قد يُقال: لما لا يجوز تطبيق مفهوم اللانهاية على العالم المادي، ذلك أن هذا المفهوم يتم تطبيقه فكريا، فمثلا: الذهن يقبل بفكرة عدم وجود نهاية للأعداد الرياضية حيث كلما تصورنا عددا إلا وكان بالإمكان أن نتصور عددا آخر يُضاف إليه ومادام هذا التصور ممكن عقلا، فلما لا يكون أيضا بالإمكان عقلا أن يكون تكون الكون عملية مستمرة على نحو لا نهائي.
أقول : إن مفهوم اللانهائية لا يجب تنزيله على الظاهرة المادية وهذا هو مايقوله علماء الرياضيات أنفسهم فالعالم الرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول :" إن اللانهاية لا توجد داخل الطبيعة... إن دورها الوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة "
ونلاحظ التناقض الكبير عند محاولة تطبيق هذا المفهوم على العالم المادي ذلك أن العدد اللانهائي هو العدد الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
وحتى الملحد دفيد هيوم يقول بصريح العبارة :" إن عددا لانهائيا من مراحل الزمن التي تتوالى يبدو مجرد فكرة متناقضة، وهي فكرة لا يوجد إنسان يقتنع بها دون أن يكون في اقتناعه يفكر على نحو فاسد مختل "
ب - بطلان الدور
الدور هو توقف الشيء على نفسه، بأن يكون هو نفسه علة لنفسه بواسطة أو بدون واسطة.
أو توقف شيء على شيء قد توقف على الأول بمرتبة أو مراتب بمعنى : توقف الشيء على ما توقف عليه.
وهذا الدور هو الدور السبقي أو الدور القبلي، وهو باطل لأنه يقتضي أن يكون الشيء نقيض نفسه، فيكون متقدماً ومتأخراً في لحظة واحدة وموجوداً ومعدوماً في وقت واحد، وهذا جمع بين النقيضين، والجمع بين المتناقضات باطل.
يقول ابن تيمية:« فأما الدور القبلي فممتنع، فإنه إذا كان هذا لا يوجد إلا بعد ذاك، وذاك لا يوجد إلا بعد هذا، لزم أن يكون ذاك موجودا قبل هذا، وهذا قبل ذاك، فيكون كل من هذا وذاك موجودا قبل أن يكون موجودا، فيلزم اجتماع الوجود والعدم غير مرة، وذلك كله ممتنع ».
ما قاله شيخ الاسلام بين فيه بطلان الدور لأنه يلزم اجتماع الوجود والعدم، وهو ايضا باطل لأنه يجمع التقدم والتأخر فهو يستلزم -أي الدور- يستلزم تقدم الشيء على نفسه وهو ضروري الاستحالة، وجه الاستلزام أن الشيء إذا كان علة لآخر كان متقدما عليه وإذا كان الآخر علة له كان متقدما عليه والمتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء فيكون الشيء متقدما على نفسه ويلزمه كون الشيء متأخرا عن نفسه وهو معنى احتياجه إلى نفسه وتوقفه على نفسه والكل بديهي الاستحالة
أمثلة توضيحية لبطلان الدور
• الكون وجد بنفسه: هذا الكلام فيه دور مرفوض عقلا، إذ يقتضي أن يكون الكون علة لنفسه، ومعلولا لها بآن واحد، فجُعِلَت العلة هي نفس المعلول، وهذا يقتضي أن يكون وجود الكون سابقاً على وجوده نفسه، وفي هذا تناقض ظاهر، فمعلوم أن العلة تسبق المعلول في الوجود، فبوصف الكون علة هو موجود، وبوصفه معلولا هو غير موجود، فهو إذن حسب الدعوى موجود غير موجود أو موجود ومعدوم، وهذا جمع بين النقيضين وهو باطل.
• لو قلنا أن الدجاجة متوقف وجودها على البيضة، والبيضة متوقف وجودها على الدجاجة، فهذا أيضا دور مستحيل، إذ يقتضي أن علة الدجاجة البيضة وعلة البيضة الدجاجة، وهذا دور بواسطة، وكلاهما سيظل معدوما ما دام متوقفا على الآخر.
وبطلان ذلك يظهر إذا أزلنا الواسطة، فستصير الجملة كالتالي: علة الدجاجة هي الدجاجة نفسها أو علة البيضة هي البيضة نفسها.
فلزم منه إثبات أن يكون الشيء الواحد موجودا قبل أن يكون موجودا، ليوجِد شيئا آخر، يكون هذا الشيء الآخر علَّة في وجود ما كان هو سببا في وجوده، وهذا باطل بَيِّنُ البطلان.
• لو فرضنا أن شخصا حاول الانتساب إلى شعبة الدراسات الإسلامية، فقيل له إن ذلك متوقف على أن تكون مسجلا في جامعة الشريعة، ولما حاول التسجيل في جامعة الشريعة، قيل له إن ذلك متوقف على أن تكون عندك شهادة حسن السيرة، ولما حاولت أخذ هذه الشهادة قيل لك إن ذلك متوقف على أن تكون مسجلا في شعبة الدراسات. فمن البديهي أنه لن يستطيع أن يحقق لنفسك أي الغرض ما دام سقط في هذا الدور الممتنع.
فالدور المستخدم في المثال الأول -حدوث الكون بنفسه- والمثال الثاني -الدجاجة والبيضة- يسمى الدور الصريح، لأنه دور يتوقف فيه الشيء على نفسه مباشرة دون واسطة أو بواسطة واحدة.
والدور المستخدم في المثال الثالث يسمى دورا مضمرا لتوقف الشيء على نفسه بواسطة عنصرين فأكثر.
قال ابن رشد : الموجودات الممكنة لا بد لها من علل تتقدم عليها ، فإن كانت العلل ممكنة لزم أن يكون لها علل ، ومر الأمر إلى غير نهاية ، وإن لم يكن لها علة لزم وجود الممكن بلا علة وذالك مستحيل ، فلا بد أن ينتهي الأمر إالى علة ضرورية . فإذا انتهى الأمر إلى علة ضرورية لم تخل هذه العلة الضرورية أن تكون ضرورية بسبب أو بغير سبب ، فإن كانت بسبب سئل أيضا في ذالك السبب ، فأما أن تمر الأسباب إلى غير نهاية ، فليزم بأن يوجد بغير سبب ما وضع أنه موجود بسبب وذالك محال ، فلابد أن ينتهي الأمر إلى سبب ضروري بلا سبب أي بنفسه ، وهذا هو واجب الوجوب ضرورة
يتبع إن شاء الله
Leave a comment:
-
الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تجميع لأدلة وجود الله ووحدانيته
هل هناك أدلة على الإلحاد؟
لا بد لكل فكر من موقف يرتكز عليه
فهل يبنى الملحد إلحاده على يقين ؟
على الملحد أن ينتهج أحد طريقين لا ثالث لهما
• الأول طريق الإثبات : بأن يثبت بالبرهان العقلى القاطع القائم على المقدمات الضرورية استحالة وجود إله للكون سواء كان مبدعا وخالقا أو محركا .
• الثانى طريق النفى : فيبطل أولا كل الأدلة الواردة على وجود الله تعالى ثم يبطل ثانيا قاعدة ((عدم الدليل ليس دليل العدم )) أو يثبت بطلان المدلول ببطلان الدليل ...
وإلا فليس وراء ذلك إلا الشك والوهم وإن بناء الإنسان موقفه من تلك القضية المصيرية على شك ووهم لهو مجازفة كبيرة بل هو المجازفة الكبرى .
يقول بعض الملحدين إنه ليس هناك من خالق لأنه لا دليل على ذلك من عقل ولا حس. ويقول بعض المؤمنين من المسلمين وغير المسلمين: بلى إن للكون خالقاً. ولكنهم يوافقون الملحدين في أنه لا دليل عقلي على وجوده، وأن التصديق بوجوده أمر يعتمد على الإيمان القلبي فحسب، لا دليل عقلي، أو هو أمر يعتمد فحسب على تصديق الرسل فيما أتوا به.
أما كون الإقرار بوجود الخالق أمراً إيمانياً قلبياً؛ فلا شك في ذلك، وأما كونه أمراً تعززه رسالات السماء؛ فلا شك في ذلك أيضاً. ولكن من قال إن الإيمان والعلم لا يجتمعان ؟! ومن قال إن القلب يطمئن إلى ما لا يدل عليه عقل ؟
إن الإيمان الصحيح المعتبر هو الإيمان القائم على العلم، إلا لم يكن هنالك من فرق بين مَن يؤمن بوجود خالق ومَن يؤمن بخالقين، ومن لا يؤمن بخالق؛ لأن كلا منهم يمكن أن يقول إن اعتقاده أمر قلبي لا يخضع للمناقشة العقلية. ولم يعد من حق واحد منهم أن يقول للآخر إنك مخطئ في اعتقادك.
ولو كان الأمر كذلك لكان من حق من شاء أن يؤمن بما شاء من غير تثريب عليه. وإذا كان بعض المتدينين من غير المسلمين يلجؤون إلى مثل هذه الأقوال المتهافتة ليستروا بها عيب اعتقاداتهم الفاسدة؛ فما هكذا ينبغي أن يكون موقف المؤمن المسلم وهو يقرأ في كتاب ربه:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ محمد : 19
﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ الحج : 54
فالعلم أولاً، ثم الإيمان المترتب على هذا العلم ترتيباً تعبر عنه فاء السببية ﴿ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ﴾، ثم الإخبات المترتب على الإيمان ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾.
ويقرأ في عشرات من آياته تشديد النكير على الذين يتبعون الظن وأهواء النفوس ويتكلمون بغير علم ويدعون في مجال أصول الدين دعاوى لا تسندها الأدلة والبراهين، ويعدهم من الجاهلين، بل من غير العاقلين، ويتوعدهم بأشد أنواع الوعيد:
﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ البقرة : 111
﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ الأنبياء : 24
﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ النجم : 23
﴿ هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ﴾ آل عمران: 66
الناس نوعان
نوع سليم الفطرة يعرف الله تعالى ويؤمن به، فمعرفته وإيمانه سابقان لمعرفته بالآيات، لكنه إذا رأى المخلوقات عرف أنها آيات له. فمعرفته بالآيات تؤكد إيمانه ولا تنشئه.
ونوع حدث في فطرته خلل، فلم يعد يؤمن بوجود الخالق، لكنه إذا تأمل الآيات وجدها دالة عليه، فآمن بالله عن طريق الآيات. لكن حتى هذا ما كان ليؤمن لولا أنه كان متصوراً للخالق قبل رؤيته للآيات، فلما رأى الآيات رأى المناسبة بينها وبين ذلك الذي تصوره، رأى دلالتها على وجود الخالق الذي كان قد تصوره ولم يؤمن به.
يقول الشيخ ابن تيمية "إن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة. وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها"
الأدلة العقلية والعلمية على وجود الله ووحدانيته
1 - الدليل الغائي
قال به سقراط وأفلاطون، ومضمونه أن لكل شيء في الطبيعة غرضا، لا يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود موجود غير مادي، يتجاوز الطبيعة وينظم كل الظواهر على نحو منسجم
دليل الحركة ووضعه أرسطو و مضمونه:
أ- الحركة تحتاج إلى محرك.
ب- الحركة والمحرك متزامنان.
ج- كلّ محرك إما أن يكون متحركاً وإما أن يكون ثابتاً.
د- كل موجود جسمي متغير ومتحرك.
هـ- التسلسل والدور في الأمور المترتبة غير المتناهية محال .
النتيجة: تنتهي سلسلة الحركات إلى محرك غير متحرك.
2 - الدليل الكوني(دليل العلية)
وقال به أرسطو أيضا ، ومضمونه أن الله موجود باعتباره العلة الأولى لكل الأشياء والظواهر .
و إن قالوا ما نسميه بالعلية ماهو إلا اقتران ظاهرتين زمانا ومكانا فالجواب أن هذا الإقتران لظاهرتين إقتران واقعي فعلي ضروري و ليس مجرد عادة ذهنية فهناك ترابط و عدم إنفكاك بين السبب و النتيجة و العلة و المعلول و كلما حدث السبب حدثت النتجة و كلما حدثت العلة حدث المعلول و دون حدوث السبب لا تحدث النتيجة .
ووجود هذا الكون بعد أن لم يكن لدليل بديهي على وجود مسببه و موجده ولا ينكر هذا إلا عديم العقل و منتكس الفطرة
3 - الدليل الوجودي
وقد وضعه أنسلم ومضمونه أنه لا شك أن كل إنسان مهما كانت درجته ، يستشعر في عقله ضرورة أن يكون هناك موجود ليس هناك من هو أكمل منه. وفكرة الكمال تظل ناقصة ما لم يوجد لها مقابل في الخارج، ولكي تكون هذه الفكرة كاملة لابد وأن يكون هناك موجود في الخارج غاية في الكمال لا يوجد من هو أكمل منه وهذا الوجود الأكمل على الإطلاق هو الله
وجود الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال هو أمر واجب الوجود ولايستطيع العقل البشري تصور غير ذلك, فليس وجوب الوجود يكون فقط لذات إلهيه خلقت الكون , وإنما يكون الوجود للإله المتصف بصفات الكمال النهائي وهو خالق الكون أيضاً, وأول من قال بهذا البرهان هو الراهب أنسلم , ثم اعتنى به ديكارت وأخرجه في صورته النهائية , وفحوى البرهان كما قال عنه العقاد : أن العقل الإنساني كلما تصور شيئاً عظيماً تصور ماهو أعظم منه , لأن الوقوف بالعظمة عند مرتبة قاصرة يحتاج إلى سبب, وهو - أي العقل الإنساني- لايعرف سبب القصور. فما من شيء كامل إلا والعقل الإنساني يتطلع إلى ماهو أكمل منه , ثم أكمل منه , ثم نهاية النهايات, وهي غاية الكمال المطلق التي لامزيد عليها ولانقص فيها. وهذا الموجود الكامل الذي لامزيد على كماله موجود لامحالة , لأن وجوده في التصور أقل من وجوده في الحقيقة , فهو في الحقيقة موجود, لأن الكمال ينتفي عنه بسبب عدم وجوده , ولايبقى له شيء من الكمال بل نقص مطلق هو عدم الوجود, فمجرد تصور هذا الكمال مثبت لوجوده , ومن هنا يتبين لنا الضرورة الفكرية التي تجعل العقل يتصور إله خالق للكون متصف بصفات الكمال المطلق وهو الله عز وجل.
يتبع إن شاء اللهالكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
Leave a comment: