" وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ":
من هؤلاء ؟ وكيف ؟ لعل الله عز و جل يجعلكم منهم.
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (282) البقرة
قال الشيخ خالد السبت : فهذه آية الدَّين ، وهي أطول آية في أطول سورة في كتاب الله عز و جل ، وقد قال بعض السلف: بأنها أرجى آية في كتاب الله عز وجل ، بمعنى أنها أكثر آيات القرآن ترجية بسعة رحمة الله تعالى، وهذا قد يبدو لأول وهلة غريبًا، ولكن إذا عُرف مأخذه اتضح وجهه ؛ وذلك أنهم قالوا: إن الله - تبارك وتعالى- احتاط لمال عبده المؤمن بهذه الاحتياطات الكثيرة؛ لئلا يضيع، ولو كان قليلاً، وشيئًا يسيرًا، فالمؤمن أعظم حرمة عند الله -تبارك وتعالى- من ماله ، فهذا وجه القول بأنها أرجى آية في كتاب الله عز وجل.اهـ
وقال الرازي في التفسير الكبير:
قال القفال رحمه الله تعالى: والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديد، ألا ترى أنه قال: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } ثم قال ثانياً: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } ثم قال ثالثاً: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } فكان هذا كالتكرار لقوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } لأن العدل هو ما علّمه الله، ثم قال رابعاً: { فَلْيَكْتُبْ } وهذا إعادة الأمر الأول، ثم قال خامساً: { وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } وفي قوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } كفاية عن قوله { وَلْيُمْلِلْ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً: { وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } وهذا تأكيد، ثم قال سابعاً: { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } فهذا كالمستفاد من قوله { وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } ثم قال ثامناً: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله } وهو أيضاً تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعاً: { ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ للشَّهَـٰدَةَ وَأَدْنَى أَلاّ تَرْتَابُواْ } فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ( أَقْسَطُ ، أَقْوَمُ ، أَدْنَى ).
وكل ذلك يدل على أنه حث على حفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله . فهذا وجه حسن لطيف.
أما قوله { بِٱلْعَدْلِ } ففيه وجوه الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه. الثاني: إذا كان فقيهاً وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه. الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين. الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة ، لذلك قال: { كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } ، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة، وشرّفه بمعرفة الأحكام الشرعية، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة، وهو كقوله تعالى "وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ" ، فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعلُمِها. اهـ
وقال ابن كثير:
وقوله: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة، إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب، كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق" ، وفي الحديث الآخر: "من كتم علماً يعلمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" .
وقال ابن عاشور:
وقوله: { كما علمه الله } ومعنى ما علّمه الله أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب، لأنّ الله ما علّم إلاّ الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم الله تعالى، وهذا يشير إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم "واستفتِ نفسَك وإن أفْتَاكَ الناس" .
"وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ"
أي: لا يجب أن يمتنع من يستطيع الكتابة عن الكتابة متى دعى إليها.
لأن القرآن نزل في أمة أمية، فعدد الذين يستطيعون الكتابة قليل.
أما الآن فعدد الذين يستطيعون الكتابة كثير، ولكن العقود أصبحت معقدة، والثغرات القانونية فيها كثيرة، فعدد الذين يجيدون كتابة العقود أيضًا قليل.
ولذلك نهي الله تعالى من عنده هذا العلم أن يمتنع عن الكتابة، حتى لا تتعطل مصالح الناس، وفي هذا نهي على من عنده اي علم فيه مصلحة الناس، أن يمتنع عن افادة الناس بعلمه.
"كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ" يعنى هذا العلم الذي عندك ليس ذاتيًا، وانما هو من عطاء الله تعالى لك، فأدي شكر هذا العطاء، بأن تنفع به الناس.
كما يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم) فأنت تنفق من عطاء الله لك.
يتبع بإذنه تعالى
من هؤلاء ؟ وكيف ؟ لعل الله عز و جل يجعلكم منهم.
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (282) البقرة
قال الشيخ خالد السبت : فهذه آية الدَّين ، وهي أطول آية في أطول سورة في كتاب الله عز و جل ، وقد قال بعض السلف: بأنها أرجى آية في كتاب الله عز وجل ، بمعنى أنها أكثر آيات القرآن ترجية بسعة رحمة الله تعالى، وهذا قد يبدو لأول وهلة غريبًا، ولكن إذا عُرف مأخذه اتضح وجهه ؛ وذلك أنهم قالوا: إن الله - تبارك وتعالى- احتاط لمال عبده المؤمن بهذه الاحتياطات الكثيرة؛ لئلا يضيع، ولو كان قليلاً، وشيئًا يسيرًا، فالمؤمن أعظم حرمة عند الله -تبارك وتعالى- من ماله ، فهذا وجه القول بأنها أرجى آية في كتاب الله عز وجل.اهـ
وقال الرازي في التفسير الكبير:
قال القفال رحمه الله تعالى: والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديد، ألا ترى أنه قال: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } ثم قال ثانياً: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } ثم قال ثالثاً: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } فكان هذا كالتكرار لقوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } لأن العدل هو ما علّمه الله، ثم قال رابعاً: { فَلْيَكْتُبْ } وهذا إعادة الأمر الأول، ثم قال خامساً: { وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } وفي قوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } كفاية عن قوله { وَلْيُمْلِلْ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً: { وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } وهذا تأكيد، ثم قال سابعاً: { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } فهذا كالمستفاد من قوله { وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } ثم قال ثامناً: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله } وهو أيضاً تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعاً: { ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ للشَّهَـٰدَةَ وَأَدْنَى أَلاّ تَرْتَابُواْ } فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ( أَقْسَطُ ، أَقْوَمُ ، أَدْنَى ).
وكل ذلك يدل على أنه حث على حفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله . فهذا وجه حسن لطيف.
أما قوله { بِٱلْعَدْلِ } ففيه وجوه الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه. الثاني: إذا كان فقيهاً وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه. الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين. الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة ، لذلك قال: { كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } ، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة، وشرّفه بمعرفة الأحكام الشرعية، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة، وهو كقوله تعالى "وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ" ، فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعلُمِها. اهـ
وقال ابن كثير:
وقوله: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة، إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب، كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق" ، وفي الحديث الآخر: "من كتم علماً يعلمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" .
وقال ابن عاشور:
وقوله: { كما علمه الله } ومعنى ما علّمه الله أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب، لأنّ الله ما علّم إلاّ الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم الله تعالى، وهذا يشير إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم "واستفتِ نفسَك وإن أفْتَاكَ الناس" .
"وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ"
أي: لا يجب أن يمتنع من يستطيع الكتابة عن الكتابة متى دعى إليها.
لأن القرآن نزل في أمة أمية، فعدد الذين يستطيعون الكتابة قليل.
أما الآن فعدد الذين يستطيعون الكتابة كثير، ولكن العقود أصبحت معقدة، والثغرات القانونية فيها كثيرة، فعدد الذين يجيدون كتابة العقود أيضًا قليل.
ولذلك نهي الله تعالى من عنده هذا العلم أن يمتنع عن الكتابة، حتى لا تتعطل مصالح الناس، وفي هذا نهي على من عنده اي علم فيه مصلحة الناس، أن يمتنع عن افادة الناس بعلمه.
"كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ" يعنى هذا العلم الذي عندك ليس ذاتيًا، وانما هو من عطاء الله تعالى لك، فأدي شكر هذا العطاء، بأن تنفع به الناس.
كما يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم) فأنت تنفق من عطاء الله لك.
يتبع بإذنه تعالى
Comment