الرد على مزاعم المستشرقَين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين
د. عبدالله عبدالرحمن الخطيب
عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنة بالاعتماد على نقد السند والمتن معا
تمهيد
آراء المسلمين في توثيق السنة وأهمية الإسناد
ينقسم علم الحديث النبوي الشريف إلى قسمين رئيسين هما( ) علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية، أما علم الحديث رواية فهو: « العلم الذي يقوم على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية نقلا دقيقا محررا »( )، وأما علم الحديث دراية أو علم مصطلح الحديث فهو كما يقول ابن جماعة:« معرفة القواعد التي يعرف بها أحوال السند والمتن »( )، وهو كذلك علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها( ).
وأما السنة اصطلاحا: فهي تعني عند المحدثين: « كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة »( )، ويضاف إلى تعريف السنة والحديث بعض ما أضيف للصحابي وللتابعي( ).
وقد أدى علم المصطلح وظيفة الحفاظ على السنة النبوية من خلال قواعد دقيقة لنقد السند والمتن مما أدى لمعرفة أنواع الحديث والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. والوظيفة الأخرى التي أداها علم المصطلح هو تقسيم الحديث إلى مقبول ومردود؛ ولهذا يعتقد المسلمون أن ما عندهم من أحاديث مقبولة هي فعلا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين؛ لأنها نقلت إلينا بواسطة رواة ثقات يعتمد عليهم.
وتعتمد صحة الحديث على صحة الإسناد والمتن معا. والسند لغة هو: ما ارتفع من الأرض...( )، أما السند اصطلاحا فهو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وحتى تدوين الحديث في كتب الحديث المعتمدة، أو هو الإخبار عن طريق المتن( ) وإنما سمي السند بالسند، كما قال ابن جماعة؛ لأن الحفاظ يعتمدون في صحة الحديث أو ضعفه عليه( ). فالإسناد هو قسم أساسي من الحديث، ولذا يقال: إن علم الإسناد هو نصف علوم الحديث، فالإسناد هو المسبار الذي يحاكم كل ما يقال، والحديث الذي لا سند له كبيت لا سقف له أو لا أساس له.( )
لقد اهتم العلماء المسلمون بالإسناد وبينوا أهميته من خلال عبارات مشهورة فقد قال محمد بن سيرين:« إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم »( )، وقال سفيان الثوري:« الإسناد هو سلاح المؤمن. فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟»( )، وقال عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء( )، ولهذا فعندما كان يسأل أهل البدع عمن أخذوا الحديث كانوا يسكتون لئلا يفتضحوا.
ولما للإسناد من أهمية بين العلماء المسلمين فقد تعدى استخدامه لكل العلوم كعلم الأدب العربي، والتاريخ والطب وغيرها من علوم.( ) وكان من ثمرة اهتمام المسلمين بالإسناد نشأة علم سمي بعلم الجرح والتعديل( )، وكما يقول المستشرق سبرنجر Sprenger: إن المسلمين درسوا تراجم ما يقرب من نصف مليون راوٍ( )، وكل ذلك من أجل الحديث النبوي الشريف.
بدأ المسلمون بالاهتمام الزائد بالسؤال عن الإسناد بعد فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، ففي ذلك الزمان نشطت حركة الوضع. واتخذ المحدثون اجراءات وقائية لمنع الكذابين من ترويج كذبهم، وللحفاظ على السنة فاستخدموا ضدهم سلاح الإسناد، يقول الإمام الثوري: عندما اخترع الكذابون أسانيد كاذبة استخدمنا ضدهم تاريخ الرواة( ).
ويقول محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة -أي الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما-( ) قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم( ).
أما قواعد دراسة المتن والإسناد فإننا نجدها في كتب علم مصطلح الحديث مثل كتاب: تدريب الراوي للسيوطي وفي كتب حديثة مثل كتاب: أصول الحديث أ. د. محمد عجاج الخطيب، وكتاب أ. د. نور الدين عتر منهج النقد وغيرها من كتب المصطلح.
المعيار الثاني لمعرفة صحة الحديث هو نقد المتن. والمتن لغة: ما صلب من الأرض وارتفع، ومتن: صلب( )، والمتن اصطلاحا كما قال الطيبي هو: ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني( ).
إن نقد المتن عند المحدثين بدأ مع نقد السند، وكان نقد العلماء للمتن واسعا كسعة نقدهم للسند، بل نستطيع القول بأن نقدهم للمتن كان أوسع وأكثر من نقدهم للسند.
ويؤيد هذه الفكرة علماء محدثون عديدون منهم: محمد الأعظمي، وفؤاد سزكين، وصبحي الصالح، ومصطفى السباعي( )، وماهر حمادة( )، ونور الدين عتر( )، وهمام سعيد( )، ومحمد عجاج الخطيب( )، ومحمد أبو شهبة( )، هؤلاء كلهم رفضوا آراء المستشرقين ومن تابعهم من المستغربين، تلك الآراء التي تزعم بأن نقد الحديث ومعرفة درجة صحته كانت تعتمد فقط على نقد السند دون المتن، والمشكلة كما يزعم هؤلاء أن نقد السند كان نقدا شكليا، وكان ينقصه منهجية النقد العامة لأي حديث نقد المتن الذي لم يكن له وجود عند العلماء المسلمين( ).
أما آراء علماء السنة من المحدثين حول هذا الموضوع فهي أنه كان هناك تكامل وشمول في المنهج النقدي لدى المحدثين بحيث شمل السند والمتن معا، والأدلة من علم المصطلح كثيرة على هذه القضية بحيث نستطيع القول بأن زعم المستشرقين بأن العلماء اعتنوا بنقد السند دون المتن هو على شهرته أشد مزاعمهم ضعفا وأوضحها سقوطا( )، وإن علماء الحديث والفقه قد نقدوا المتن بما فيه الكفاية، ولكن المستشرقين ومن أيدهم يريدون لهذا النقد أن يتجاوز حدود الشرع مما يؤدي إلى رفض الأحاديث التي لم تجد قبولا لدى عقولهم المتحجرة.
د. عبدالله عبدالرحمن الخطيب
عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنة بالاعتماد على نقد السند والمتن معا
تمهيد
آراء المسلمين في توثيق السنة وأهمية الإسناد
ينقسم علم الحديث النبوي الشريف إلى قسمين رئيسين هما( ) علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية، أما علم الحديث رواية فهو: « العلم الذي يقوم على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية نقلا دقيقا محررا »( )، وأما علم الحديث دراية أو علم مصطلح الحديث فهو كما يقول ابن جماعة:« معرفة القواعد التي يعرف بها أحوال السند والمتن »( )، وهو كذلك علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها( ).
وأما السنة اصطلاحا: فهي تعني عند المحدثين: « كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة »( )، ويضاف إلى تعريف السنة والحديث بعض ما أضيف للصحابي وللتابعي( ).
وقد أدى علم المصطلح وظيفة الحفاظ على السنة النبوية من خلال قواعد دقيقة لنقد السند والمتن مما أدى لمعرفة أنواع الحديث والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. والوظيفة الأخرى التي أداها علم المصطلح هو تقسيم الحديث إلى مقبول ومردود؛ ولهذا يعتقد المسلمون أن ما عندهم من أحاديث مقبولة هي فعلا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين؛ لأنها نقلت إلينا بواسطة رواة ثقات يعتمد عليهم.
وتعتمد صحة الحديث على صحة الإسناد والمتن معا. والسند لغة هو: ما ارتفع من الأرض...( )، أما السند اصطلاحا فهو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وحتى تدوين الحديث في كتب الحديث المعتمدة، أو هو الإخبار عن طريق المتن( ) وإنما سمي السند بالسند، كما قال ابن جماعة؛ لأن الحفاظ يعتمدون في صحة الحديث أو ضعفه عليه( ). فالإسناد هو قسم أساسي من الحديث، ولذا يقال: إن علم الإسناد هو نصف علوم الحديث، فالإسناد هو المسبار الذي يحاكم كل ما يقال، والحديث الذي لا سند له كبيت لا سقف له أو لا أساس له.( )
لقد اهتم العلماء المسلمون بالإسناد وبينوا أهميته من خلال عبارات مشهورة فقد قال محمد بن سيرين:« إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم »( )، وقال سفيان الثوري:« الإسناد هو سلاح المؤمن. فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟»( )، وقال عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء( )، ولهذا فعندما كان يسأل أهل البدع عمن أخذوا الحديث كانوا يسكتون لئلا يفتضحوا.
ولما للإسناد من أهمية بين العلماء المسلمين فقد تعدى استخدامه لكل العلوم كعلم الأدب العربي، والتاريخ والطب وغيرها من علوم.( ) وكان من ثمرة اهتمام المسلمين بالإسناد نشأة علم سمي بعلم الجرح والتعديل( )، وكما يقول المستشرق سبرنجر Sprenger: إن المسلمين درسوا تراجم ما يقرب من نصف مليون راوٍ( )، وكل ذلك من أجل الحديث النبوي الشريف.
بدأ المسلمون بالاهتمام الزائد بالسؤال عن الإسناد بعد فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، ففي ذلك الزمان نشطت حركة الوضع. واتخذ المحدثون اجراءات وقائية لمنع الكذابين من ترويج كذبهم، وللحفاظ على السنة فاستخدموا ضدهم سلاح الإسناد، يقول الإمام الثوري: عندما اخترع الكذابون أسانيد كاذبة استخدمنا ضدهم تاريخ الرواة( ).
ويقول محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة -أي الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما-( ) قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم( ).
أما قواعد دراسة المتن والإسناد فإننا نجدها في كتب علم مصطلح الحديث مثل كتاب: تدريب الراوي للسيوطي وفي كتب حديثة مثل كتاب: أصول الحديث أ. د. محمد عجاج الخطيب، وكتاب أ. د. نور الدين عتر منهج النقد وغيرها من كتب المصطلح.
المعيار الثاني لمعرفة صحة الحديث هو نقد المتن. والمتن لغة: ما صلب من الأرض وارتفع، ومتن: صلب( )، والمتن اصطلاحا كما قال الطيبي هو: ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني( ).
إن نقد المتن عند المحدثين بدأ مع نقد السند، وكان نقد العلماء للمتن واسعا كسعة نقدهم للسند، بل نستطيع القول بأن نقدهم للمتن كان أوسع وأكثر من نقدهم للسند.
ويؤيد هذه الفكرة علماء محدثون عديدون منهم: محمد الأعظمي، وفؤاد سزكين، وصبحي الصالح، ومصطفى السباعي( )، وماهر حمادة( )، ونور الدين عتر( )، وهمام سعيد( )، ومحمد عجاج الخطيب( )، ومحمد أبو شهبة( )، هؤلاء كلهم رفضوا آراء المستشرقين ومن تابعهم من المستغربين، تلك الآراء التي تزعم بأن نقد الحديث ومعرفة درجة صحته كانت تعتمد فقط على نقد السند دون المتن، والمشكلة كما يزعم هؤلاء أن نقد السند كان نقدا شكليا، وكان ينقصه منهجية النقد العامة لأي حديث نقد المتن الذي لم يكن له وجود عند العلماء المسلمين( ).
أما آراء علماء السنة من المحدثين حول هذا الموضوع فهي أنه كان هناك تكامل وشمول في المنهج النقدي لدى المحدثين بحيث شمل السند والمتن معا، والأدلة من علم المصطلح كثيرة على هذه القضية بحيث نستطيع القول بأن زعم المستشرقين بأن العلماء اعتنوا بنقد السند دون المتن هو على شهرته أشد مزاعمهم ضعفا وأوضحها سقوطا( )، وإن علماء الحديث والفقه قد نقدوا المتن بما فيه الكفاية، ولكن المستشرقين ومن أيدهم يريدون لهذا النقد أن يتجاوز حدود الشرع مما يؤدي إلى رفض الأحاديث التي لم تجد قبولا لدى عقولهم المتحجرة.
Comment