فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • السليماني
    عضو
    • Oct 2008
    • 351

    #16
    (24)

    [عموم رزق الله لخلقه]

    قول المصنف رحمه الله: [رازق بلا مئونة] أي: أن الله سبحانه وتعالى هو الرازق يرزق من يشاء، ومسألة الرزق تكلمت المعتزلة فيها من جهة أن رزقه سبحانه وتعالى هل هو سائر ما يقع لعباده حتى ولو كان العبد كافراً، أم أن الرزق لا يضاف إلا لمن آمن به؟

    فذهب طائفة من المعتزلة إلى أن الرزق خاص بمن آمن به، قال شيخ الإسلام رحمه الله:

    وهذا تخصيص مخالف لإجماع السلف، بل رزقه سبحانه وتعالى لسائر من خلق من بني آدم وغيرهم من آمن منهم ومن كفر.

    قال المصنف عليه رحمة الله: [مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة].

    الجمل التي تقدم ذكرها إلى هذه الجملة كلها مجملة متفق عليها في الجملة بين سائر طوائف المسلمين، ولم يذكر المصنف جملةً مختصةً يقع بها التمييز لمذهب السلف عن غيرهم.

    وبعض الطوائف قد تفسر بعض هذه الجمل تفسيراً يختلف عن تفسير السلف لها، لاختلافهم في مناطاتها،

    مثلاً قاعدة: (أن الله سبحانه وتعالى مستحق للكمال منزه عن النقص)،

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذه قاعدة متفق عليها بين سائر طوائف المسلمين، لا أحد ينازع في كون الباري سبحانه مستحقاً للكمال منزهاً عن النقص، وإنما اختلف المسلمون في تحقيق مناطها.

    أي: في تفسير الكمال: هل هو بإثبات الصفات أم بنفي الصفات كما ذهبت الجهمية والمعتزلة وكثير من الطوائف الكلامية، أم بإثبات بعض الصفات ونفي بعضها، أم بالتفويض؟

    Comment

    • السليماني
      عضو
      • Oct 2008
      • 351

      #17
      (25)

      [حقيقة الموت عند أهل السنة وغيرهم]

      قوله: (مميت بلا مخافة) أي: أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المحيي المميت، والموت عند أهل السنة والجماعة مخلوق،

      كما نقل الإجماع عليه غير واحد منهم الإمام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك عند جمهور الطوائف الكلامية.

      وهذا هو ظاهر القرآن والسنة؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} فجعل الموت أحد مخلوقاته، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال: (يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنا)،

      فالموت مخلوق خلافاً للفلاسفة الذين زعموا أن الموت عدم محض.

      Comment

      • السليماني
        عضو
        • Oct 2008
        • 351

        #18
        (26)

        [تقرير الأسماء والصفات لله جل وعلا]

        قال المصنف رحمه الله: [ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه].

        هذه الجملة من الجمل التي فيها تخصيص وتمييز للمذهب الذي يتقلده الطحاوي رحمه الله، فهي ليست مجملة كالجمل السالفة، ومع كونها مفصلةً من جهة إلا أنها مجملة من جهة أخرى، أما كونها مفصلة مميزة فلأنها أخرجت قول الجهمية والمعتزلة وأبطلته، لأن الجهمية والمعتزلة يقولون: إن الله تعالى حدث له الفعل بعد أن لم يكن، ولا يثبتون صفةً قائمةً بذاته سبحانه وتعالى.

        ولكنها مجملة من وجه آخر، لأنها لم تميز قول السلف عن قول الأشاعرة، ولا سيما المحققين منهم المقاربين لطريقة الأئمة.

        ومن جهة تقرير مسألة الصفات على جهة الإجمال نقول: إن الله سبحانه وتعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن الذي فيه ذكر أسمائه سبحانه وتعالى وصفاته، وعلى هذا اتفق الأنبياء والرسل وأتباعهم؛ ولهذا فإن مذهب أهل السنة والجماعة كما هو مقرر ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى موصوف بما وصف وسمى به نفسه، وبما سماه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، لا في الأحرف ولا المعاني، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل أهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الصفاتية الذين شاركوا في التعطيل، وبين المشبهة والمجسمة، فهم وسط في هذا الباب كما هم وسط في سائر أبواب أصول الدين بين طوائف المسلمين.

        وأول مخالفة ظهرت في باب الأسماء والصفات -وهو من أخص أصول الإيمان والربوبية- لما أظهر الجعد بن درهم مقالة التعطيل، فزعم أن الله لا يوصف بصفة ولا يسمى باسم، وتابعه على ذلك الجهم بن صفوان، وصارت هذه المقالة تسمى عند السلف مقالة الجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان؛ لأنه هو الذي أشاعها وأذاعها ونشرها، ثم تقلدتها المعتزلة كـ أبي الهذيل العلاف ومن بعده، فصاروا يقررون هذا المذهب.

        [من هم الجهمية؟]

        وهنا يشار إلى مسألة وهي: أن (الجهمية) في كلام المتقدمين من أئمة الحديث لا يعنى به ضرورةً أتباع الجهم على سائر أصوله، وإنما يعنى به كل من نفى الصفات، سواء كان جهمياً من حيث الأصول أو لم يكن كذلك؛ ولهذا في فتنة خلق القرآن في زمن المأمون والمعتصم سمى السلف المخالفين لهم: (جهمية)، وسموا الرد عليهم: (الرد على الجهمية)، ومرادهم بالجهمية هنا: نفاة الصفات، سواء كانوا من أتباع الجهم أو من المعتزلة، ذلك أن المعتزلة تشارك الجهم في نفي الصفات، ولكن من المعلوم أن علماء المعتزلة يكفرون الجهم بن صفوان، ليس من جهة نفيه للصفات بل من جهة مسائل أخرى، فإن بين الجهم بن صفوان وأتباعه المختصين به وبين المعتزلة فروقاً في الأصول، وعلى سبيل المثال:

        [الفرق بين المعتزلة والجهمية]

        ١ - المعتزلة وعيدية في مسائل الإيمان والأسماء والأحكام، والجهم بن صفوان على النقيض من ذلك، فهو على مذهب المرجئة الغلاة.

        ٢ - المعتزلة تزعم أن مرتكب الكبيرة يفقد الإيمان، وأنه مخلد في النار، في حين أن الجهم بن صفوان يرى أن الإيمان هو محض المعرفة، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.

        ٣ - مسألة القدر: فإن الجهم من غلاة الجبرية -أي: أن العبد مجبور على فعله- في حين أن المعتزلة قدرية، يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، بل العبد مستقل بفعله.

        ٤ - بينهم في مسألة الأسماء والصفات اشتراك وافتراق، فإن المعتزلة تقر بأصل الأسماء، في حين أن الجهم بن صفوان لا يقر بالأسماء ولا بالصفات؛ ولهذا فإن المعتزلة في الجملة دون الجهم بن صفوان من هذا الوجه، ولا نقول إنهم يثبتون الأسماء، لأنهم لا يلتزمون أن يسمى الرب سبحانه وتعالى بسائر ما سمى به نفسه أو سماه به رسوله، ولكن أصل الأسماء عندهم ثابت، والذي يتفقون عليه هو: أنه حي عليم قدير، وزاد بعض طوائفهم: أنه سميع بصير، فهذه الأسماء الخمسة هي مدار الإثبات عند المعتزلة.

        [ظهور المشبهة]

        لقد ظهر في الزمن المتقدم قوم يشبهون صفات الباري بصفات خلقه، وأول من حفظ عنه مذهب التشبيه هم طائفة من غلاة الرافضة الإمامية كـ هشام بن الحكم الرافضي، وهشام بن سالم الجواليقي وأمثالهما.

        فلم يكن إذ ذاك في الناس إلا إحدى ثلاث مقالات:

        ١ - مقالة السلف: وهي الأصل المجمع عليه بين الصحابة وأئمة التابعين، أن الله له أسماء حسنى وصفات علا تليق بجلاله.

        ٢ - مقالة المعطلة الجهمية نفاة الصفات.

        ٣ - مقالة المشبهة.

        [ظهور الكلابية والأشعرية والماتريدية]

        ثم حدث أن جاء رجلان بعد القرون الثلاثة الفاضلة، هما: أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، وقد ظهرا في آخر زمن الإمام أحمد، وقبل هذين الرجلين رجل اسمه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو من علماء الكلام، وكان من أشد الناس رداً على المعتزلة، وانتحل مذهباً ملفقاً من مذهب الأئمة ومذهب المعتزلة، ويزعم أنه توسط بجمعه بين ذلك، فكان يثبت أصول الصفات ويقول بقدمها ولكنه لا يثبت الصفات الفعلية، فمثلاً يقول: إن الله موصوف بصفة الكلام، وأنه معنى واحد أزلي لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وتبعاً لذلك لا يكون عنده بحرف ولا صوت مسموع.

        ويقول: إن الله موصوف بالغضب، ولكنه واحد أزلي، وموصوف بالرضا، ولكنه واحد أزلي، وهكذا.

        وقد انتحل رأيه أمثال الحارث بن أسد المحاسبي الصوفي، الناسك المعروف، صاحب كتاب (الرعاية)، وكتاب (فهم القرآن)، وقرر الحارث المحاسبي هذا المذهب الذي قاله ابن كلاب في كتابه (فهم القرآن)، وهو كتاب مطبوع.

        ومنذ ذلك الوقت صار ما قرره ابن كلاب يضاف إلى أهل السنة؛ ولهذا نجد أن الحارث المحاسبي في الصفات الفعلية يقول: إن لأهل السنة فيها قولين، فيجعل للأئمة قولاً، ويجعل ما قاله ابن كلاب هو القول الآخر، ثم يختار القول الذي قاله ابن كلاب، حتى ظهر الأشعري والماتريدي بعد الحارث بن أسد وابن كلاب.

        Comment

        • السليماني
          عضو
          • Oct 2008
          • 351

          #19
          (27)

          [عقيدة أبي الحسن الأشعري]

          الأشعري أصله معتزلي، وهذا مجمع عليه بين الأشاعرة وسائر أهل المقالات والسير، وقد مضى في الاعتزال زمناً طويلاً، وصرح في كتبه بأنه كان معتزلياً، وأنه صنف للمعتزلة كتباً لم يصنف لهم مثلها.

          والأشبه أنه كان زمن الاعتزال على طريقة أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي؛ لأنه تتلمذ على يديه ونشأ في كنفه، ثم رجع الأشعري عن الاعتزال، وهذا لا خلاف فيه بين الناس، لا من الأشاعرة، ولا من أصحاب السنة المحضة، ولا من سائر أهل المقالات والسير.

          إنما الذي حصل فيه تردد وكلام هو: إلى أي شيء رجع الأشعري؟

          هنا أحد مسلكين:

          المسلك الأول: أن الأشعري كان معتزلياً ثم رجع كلابياً، ثم رجع سنياً، أي أنه مرَّ بثلاثة أطوار.

          وهذا القول يعتمده كثير من الباحثين، وهو غلط محض لمن نظر كتب الأشعري وتأمل كلامه، ونظر كتب المحققين كـ شيخ الإسلام رحمه الله.

          المسلك التالي وهو الصواب: أن الأشعري ليس له إلا مذهبين: المذهب الأول هو الاعتزال، ثم لما ترك مذهب المعتزلة انتحل مذهب أهل السنة.

          أما من حيث الحقيقة العلمية فإن الأشعري كان معتزلياً، ثم لما ترك الاعتزال وانتحل مذهب أهل السنة كان -كما يقرر شيخ الإسلام في منهاج السنة وغيره- علمه بالكلام وأصوله ومقالات المتكلمين من المعتزلة وغيرهم علماً مفصلاً، وكان علمه بمقالات السلف والأئمة علماً مجملاً،


          لأنه اعتنق مذهب أهل السنة عن بعض حنبلية بغداد، فأخذه أخذاً مجملاً، فصار الأشعري يقصد إلى تحقيق مقالة الأئمة، لكن لكون علمه بها علماً مجملاً لم يحقق ذلك، وإن كان عنده نوع ترق إلى الأفضل،


          فكتبه الأخيرة -كالإبانة- هي أجود ما كتب، وإذا قارنت بين كتاب (الإبانة) وكتاب (اللمع) مثلاً وجدت بين الكتابين فرقاً، وأن كتاب (الإبانة) أجود بكثير من كتاب (اللمع).

          لكن مع هذا فإن الأشعري لم يخلص إلى السنة المحضة، بل بقي عليه مسائل كثيرة اختلطت عليه، وأخص ذلك مسألة الصفات والقدر والإيمان، فهو في الصفات على طريقة ابن كلاب، بل إن ابن كلاب أجود حالاً من الأشعري كما يصرح بذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة؛


          لأن ابن كلاب يثبت الغضب والرضا ونحوها من الصفات، ويقول: إن الله موصوف بالغضب، ولكنه واحد أزلي، ولا يفسر الغضب والرضا بالإرادة، بل يثبتها صفةً أزلية، في حين أن الأشعري يفسر الغضب والرضا بصفة الإرادة.

          وكذلك في القدر: فإن الأشعري أبطل الجبر لفظاً، وأبطل مذهب القدرية المعتزلة، ولكنه قال بالكسب فوافق أهل السنة والجماعة لفظاً -حيث إن لفظ الكسب لفظ مستعمل في القرآن وقد أضيف إلى العباد كقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

          وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَة}

          إلى غير ذلك من الآيات، ولكنه فسر الكسب تفسيراً جبرياً، فقال: إن للعبد قدرةً ومشيئةً مسلوبة التأثير يقع الفعل عندها لا بها، فهو جبري، ولكنه دون الجبرية المحضة.

          ولهذا نجد علماء الأشاعرة كـ الشهرستاني والجويني والرازي يقولون: إن ما قرره أبو الحسن في هذا المقام جبر متوسط، وكذلك يقول الرازي: الكسب معناه: أن العبد مجبور في صورة مختار.

          وهذا المذهب هو أحد مذاهب الجبرية، لأن الأشاعرة مذهبهم معروف في مسألة القدر، ويتوهمون أنه لا يصح في هذا إلا قول القدرية أو الجبرية، ومن هنا اختاروا مذهب الجبر.

          كذلك في مسألة الإيمان: يقول الأشعري: إن الإيمان هو التصديق، وهو بهذا مقارب لقول غلاة المرجئة وإن كان ليس مثلهم.

          وأما في آخر كتبه فقد صار يتباعد عن المسائل المفصلة التي لم يحكمها، وينطق بالعبارات السلفية المجملة ويدعها على إجمالها، أي: أنه يذكر الآيات والأحاديث ولا يتكلم في تفصيلها أو تفسيرها، فمثلاً في كتاب الإبانة وهو من آخر ما كتب يقول: (ونؤمن بأن الله مستوٍ على العرش كما في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:٥]) لكنه لا يفصل مقصوده بالاستواء؟

          وفي كتبه الأخرى يقول: إن الاستواء فعل فعله بالعرش صار به مستوياً.

          أي أنه لا يثبت الاستواء الذي كان يثبته السلف.

          ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما من قال منهم -أي: الأشعرية- بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالةً تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة! هذا نص كلام شيخ الإسلام.

          وقد توهم بعض الباحثين أن الإمام ابن تيمية رحمه الله يرى أن الأشعري مر بثلاثة أطوار، وأن الطور الأخير الذي كتبه في كتاب (الإبانة) هو طور السلفية المحضة، وهو ليس كذلك، إنما مراد الإمام ابن تيمية رحمه الله أن جمل كتاب (الإبانة) جمل سلفية، وإن كان الأشعري في كتاب (الإبانة) إذا أتى لمسألة فيها خلاف بين الأئمة والمعتزلة فإنه يفصلها ويقضي على مذهب المعتزلة ويبطله، كمسألة الرؤية مثلاً، فإنه أثبت الرؤية واستدل بدلائل فاضلة، منها استدلاله بقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}


          قال: إن الإدراك هو الذي نُفي، وهو قدر زائد على الرؤية، ونفي القدر الزائد دليل على أن أصل الرؤية ثابت، وهذا استدلال فاضل اعتمده شيخ الإسلام في كتبه.

          وإذا جاء إلى الخلاف الذي بين ابن كلاب والأئمة فإنه لا يفصله، وإنما يقف على الإجمال.

          Comment

          • السليماني
            عضو
            • Oct 2008
            • 351

            #20
            (28)

            [أسباب التباس مذهب الأشعري]

            لقد صار مذهب أبي الحسن الأشعري مشكلاً من جهتين:

            الأولى: أنه ينتحل مذهب أهل السنة ويقول: إنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهذا صرح به في كتاب (الإبانة) لما قال: فإن قيل: قد أبطلتم قول المعتزلة والخوارج والمرجئة، فما قولكم الذي تقولون به ودينكم الذي تدينون الله به؟ قال: هو ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أثنى على الصحابة خيراً، ثم قال: ونحن بكل ما يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولما يعتقده معتقدون، فإنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل.

            فكان متشبثاً بالانتماء للإمام أحمد بن حنبل، حتى إن بعض الحنابلة كـ أبي بكر عبد العزيز كان يعده من متكلمة الحنابلة.

            الجهة الثانية: أنه في كتبه الأخيرة صار يجمل في المسائل التي فيها خلاف بين ابن كلاب والسلف، ويستعمل العبارات المجملة الصحيحة من حيث حروفها؛ ولهذا السبب انتحل مذهب الأشعري خلق كثير من الفقهاء وتأثروا به.

            Comment

            • السليماني
              عضو
              • Oct 2008
              • 351

              #21
              (29)

              [عقيدة الماتريدي والفرق بينه وبين الأشعري]

              أما الماتريدي فكان مشهوراً ومعروفاً بالرد على طائفة من المعتزلة، ولكنه وإن كان يسمي مذهبه مذهب أهل السنة، ويقول: (قال أهل السنة)، و (الذي عليه أهل السنة)، و (إجماع أهل السنة)؛ فإنه أكثر مباينةً لمذهب السلف من الأشعري، فـ الأشعري خير منه من جهتين:

              الجهة الأولى: من جهة الانتماء؛ فإن الأشعري لا ترى في كلامه استعمال لفظ (الحشوية) أو (النابتة) وأمثالها في وصف مقالة المتقدمين من الأئمة، في حين أن الماتريدي يستعمل هذا، وهو استعمال دخل عليه من كلام المعتزلة، فالمعتزلة كانوا يسمون مقالات السلف بمقالات الحشوية وأمثالها.

              الجهة الثانية: من حيث الحقائق العلمية؛ فإن الماتريدي أقرب ما يكون إلى طريقة أبي المعالي الجويني من الأشاعرة، مع أن الجويني جاء بعده، وأما الأشعري فهو أجود منه في الاستدلال والمسائل.

              ولكن مع هذا فهذان المذهبان -أعني مذهب الأشعري ومذهب أبي منصور الماتريدي - صار لهما تأثير واسع على الكثير من الفقهاء المتأخرين.

              Comment

              • السليماني
                عضو
                • Oct 2008
                • 351

                #22
                (30)

                [تحول الرافضة من التشبيه إلى الاعتزال]

                وأما مقالة المشبهة الأولى فهي قول لغلاة الرافضة، ولم يثبتوا على هذا المذهب فقد حصل في مذهب المعتزلة نوع من الميل إلى التشيع،

                فحينما ظهرت المعتزلة البغدادية صار البغداديون من المعتزلة يطرون علي بن أبي طالب كثيراً،


                وصار طائفة من البغداديين يفضلون علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر

                فلهذا بدأت الشيعة الإمامية تتأثر بأصول المعتزلة، وكما قال الذهبي: إنه بعد المائة الثالثة التقى الرفض والاعتزال.


                أي: حصل بينهما تداخل في الأصول؛ ولهذا فإن أئمة الإمامية من بعد المائة الثالثة يقررون في مسألة الصفات والقدر مذهب المعتزلة.

                وكاد مذهب التشبيه على هذا الاعتبار أن يندثر، حيث لم يكن له أنصار، وكان هذا المذهب ظاهر البطلان.

                [ظهور الكرامية المجسمة]

                جاء محمد بن كرام السجستاني فأظهر مقالة التجسيم، وقال: إن الله جسم -تعالى الله عن ذلك- وهو لفظ لم يطلقه السلف لا إثباتاً ولا نفياً،

                وصار له أتباع من الحنفية خاصة ومن غيرهم، ولكن بقي مذهب التجسيم الذي انتحله ابن كرام ضعيفاً ليس له رواج، بل حتى مذهب المعتزلة الأوائل ضعف وتأخر؛


                لأنه استقر فيما بعد أن مذهب المعتزلة مباين لمذهب الأئمة، إنما الذي ظل ملتبساً ويسمى مذهب أهل السنة عند كثيرين هو مذهب الأشاعرة، خاصةً أن الأشاعرة صاروا يطلقون على المذهب المأثور عن الأئمة: (مذهب الحنابلة)،

                ولهذا فإن الرازي حين ذكر مسألة العلو قال: (ولم يقل بهذا إلا الحنبلية والكرامية)

                ، مع أن هذا القول هو القول المجمع عليه بين السلف وإن كان الرازي يغلط في سياقه وتقريره.

                Comment

                • السليماني
                  عضو
                  • Oct 2008
                  • 351

                  #23
                  (31)

                  وقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).

                  أي أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال ولم يزل سبحانه وتعالى متصفاً بها، وهذا مفارقة لمذهب المعتزلة، من جهة أن المصنف أثبت الصفات، والمعتزلة لا يثبتون الصفات.

                  [قدم الصفات والأفعال]

                  وفي قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إشارة إلى مسألة حدث بموجبها تعطيل الصفات:

                  ومنشؤها أن أول ما ظهر علم الكلام على يد الجهمية والمعتزلة كانت هناك مقالة اطلع عليها علماء الكلام إذ ذاك في كتب طائفة من الفلاسفة الإلهية، وهي أن الله موجب بالذات، بمعنى: أنه لا يتعلق الفعل بإرادته ومشيئته، بل بين الذات والفعل التلازم بين من جهة تلازم الفعل والمفعول.

                  ومحصل النتيجة من هذه الجملة: القول بقدم العالم، وهذا مذهب إلحادي كفري كان يقول به طائفة من الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله.

                  فأراد المتكلمون من الجهمية والمعتزلة الرد على ذلك، فقالوا: إن الله قادر، ولا يسمى موجباً بالذات، بمعنى: حدث الفعل له بعد أن لم يكن، وهذا الرد أبطل مسألة قدم العالم من وجه، لكنه عطل الباري سبحانه وتعالى عن صفة الكمال ..

                  لأنه يلزم على قولهم أن يكون الله سبحانه وتعالى فيما قبل ذلك معطلاً عن صفات الكمال، وهذا التعطيل ليس له تناهٍ لأن الله لا أول له.

                  ولهذا كان السلف يقولون: إن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال من الكلام والفعل والإرادة والعلم والخلق والتدبير

                  إلى غير ذلك من الصفات، فهي صفات أزلية.

                  فقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).

                  هذا مباينة من المصنف لمذهب المعتزلة، لأن المعتزلة لا تثبت الصفات، لكن المصنف لم يباين مذهب أبي الحسن الأشعري صراحة؛ لأن الأشعري يقول بإثبات جملة من صفات الله، ولكنه يجعل هذه الصفات قديمةً، ويجعل الفعل حادثاً بعد أن لم يكن، وهذا من تناقض الأشعري.

                  والمتحقق المجمع عليه بين أئمة السنة والجماعة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالصفات، وأن فعله سبحانه وتعالى لا أول له، بل لم يزل فاعلاً،

                  ولا يصح بإجماع السلف أن يُقال: إن الفعل حدث له بعد أن لم يكن.

                  Comment

                  • السليماني
                    عضو
                    • Oct 2008
                    • 351

                    #24
                    (32)

                    [قدم الصفات والأفعال]

                    وفي قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إشارة إلى مسألة حدث بموجبها تعطيل الصفات:

                    ومنشؤها أن أول ما ظهر علم الكلام على يد الجهمية والمعتزلة كانت هناك مقالة اطلع عليها علماء الكلام إذ ذاك في كتب طائفة من الفلاسفة الإلهية، وهي أن الله موجب بالذات، بمعنى: أنه لا يتعلق الفعل بإرادته ومشيئته، بل بين الذات والفعل التلازم بين من جهة تلازم الفعل والمفعول.

                    ومحصل النتيجة من هذه الجملة: القول بقدم العالم، وهذا مذهب إلحادي كفري كان يقول به طائفة من الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله.

                    فأراد المتكلمون من الجهمية والمعتزلة الرد على ذلك، فقالوا: إن الله قادر، ولا يسمى موجباً بالذات، بمعنى: حدث الفعل له بعد أن لم يكن، وهذا الرد أبطل مسألة قدم العالم من وجه، لكنه عطل الباري سبحانه وتعالى عن صفة الكمال ..

                    لأنه يلزم على قولهم أن يكون الله سبحانه وتعالى فيما قبل ذلك معطلاً عن صفات الكمال، وهذا التعطيل ليس له تناهٍ لأن الله لا أول له.

                    ولهذا كان السلف يقولون: إن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال من الكلام والفعل والإرادة والعلم والخلق والتدبير

                    إلى غير ذلك من الصفات، فهي صفات أزلية.

                    فقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).

                    هذا مباينة من المصنف لمذهب المعتزلة، لأن المعتزلة لا تثبت الصفات، لكن المصنف لم يباين مذهب أبي الحسن الأشعري صراحة؛ لأن الأشعري يقول بإثبات جملة من صفات الله، ولكنه يجعل هذه الصفات قديمةً، ويجعل الفعل حادثاً بعد أن لم يكن، وهذا من تناقض الأشعري.

                    والمتحقق المجمع عليه بين أئمة السنة والجماعة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالصفات، وأن فعله سبحانه وتعالى لا أول له، بل لم يزل فاعلاً، ولا يصح بإجماع السلف أن يُقال: إن الفعل حدث له بعد أن لم يكن.

                    [خلاصة المذاهب في قدم الأفعال والصفات]

                    فالحاصل أن المذاهب في أزلية الصفات ثلاثة:

                    المذهب الأول: مذهب السلف الذين يقولون بأزلية الصفات وأزلية الأفعال، فلم يزل الرب فاعلاً كما أنه لم يزل متصفاً بصفات الكمال، وأفعاله من صفاته، ومسألة الفعل هي المميزة عن مذهب الأشاعرة.

                    المذهب الثاني: مذهب الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات، ويقولون: إن الفعل حدث بعد أن لم يكن، فهذا تعطيل محض.

                    المذهب الثالث: وهو مذهب الأشعرية الذين يقولون بأزلية الصفات، ويتفقون على إثبات سبع صفات هي: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع والإرادة، والعلم، والقدرة.

                    ويزيد بعض متقدميهم ومحققيهم غير هذه السبع، وكلها عندهم قديمة، وأما الفعل عندهم فحدث بعد أن لم يكن.

                    واتفاق السلف مع الأشاعرة على أزلية الصفات اتفاق مجمل، ولا يعني أن مذهب السلف في الصفات موافق لمذهب الأشاعرة، بل بينهم فرق من جهة حقيقة ما يثبت من الصفات، ومن جهة ما تتضمنه الصفة من الفعل كصفة الكلام مثلاً، فإن السلف يقولون: إن الله لم يزل موصوفاً بصفة الكلام.

                    والأشاعرة يقولون: إن الله لم يزل موصوفاً بصفة الكلام، لكن الكلام عند الأشاعرة معنىً واحد قائم في النفس ليس بحرف ولا صوت.

                    وأما السلف فعندهم الكلام بحرف وصوت ويتعلق بالإرادة والمشيئة ..

                    وينتبه لمثل هذا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -ولا سيما في كتبه الكبار- فمثلاً لما أراد أن يرد على الأشاعرة في مسألة الحكمة والتعليل، قال: وهذا القول الذي ذكره الأشعري أصله قول جهم بن صفوان، وجمهور المسلمين من السلف والأئمة وأهل الحديث والمعتزلة وجمهور طوائف الشيعة يثبتون الحكمة.

                    فجعل كل هؤلاء مثبتةً للحكمة والتعليل، ومعنى هذا: أنهم يتفقون على إثبات الحكمة والتعليل إجمالاً، وإلا فالمعتزلة تثبت الحكمة التي تعود إلى العبد فقط، وتتعلق بمصالح العباد، لكن لا يثبتون حكمة تتعلق أو تقوم بذات الله سبحانه وتعالى فعلاً له وإرادة له، وهذا خلاف قول السلف.

                    فينبغي لطالب العلم إذا ذكر له موافقة طائفة من الطوائف الكلامية لأهل السنة أن يتبين، فإن جمهور هذه الموافقات تكون موافقات مجملة ليست مفصلة، وقد يقع شيء من التفصيل في هذا.

                    [الكلام على تسلسل الحوادث]

                    والمصنف رحمه الله لم يتطرق لمسألة حدوث الفعل، ولربما يمكن أن يقال: إن ظاهر عبارة الإمام الطحاوي أنه يميل إلى أن الفعل حدث فيما بعد، وهذا يؤدي إلى الكلام عن مسألة تسلسل الحوادث.

                    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تكلم على هذه المسألة بكلام طويل، وهي لا شك مشكلة، لكن الذي قرره شيخ الإسلام على جهة الإجمال هو: أن الحوادث لا أول لها، وليس معنى هذا الإقرار بمسألة قدم العالم، فإن الشيء الحادث هو المسبوق بالعدم، ويمتنع على هذا قدم العالم، لأنه لا بد من سبق العدم، ومراد شيخ الإسلام رحمه الله إبطال مذهب الجهمية والمعتزلة وجماهير الأشاعرة الذين قالوا: إن الفعل حدث بعد أن لم يكن، فيرى شيخ الإسلام رحمه الله أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفاً بالفعل، وأن كل فعل فإنه من جهة آحاده مسبوق بفعل قبله، وأن الفعل من حيث آحاده لا أول له، ولا يلزم على هذا قدم شيء من المفعولات؛ لأن كل فعل مسبوق بفعل قبله.

                    هذا المذهب هو الذي قرره شيخ الإسلام، وحكى أنه إجماع أئمة السنة المتقدمين.

                    Comment

                    • السليماني
                      عضو
                      • Oct 2008
                      • 351

                      #25
                      (33)

                      [تجدد الصفات والأفعال]

                      قال المصنف رحمه الله: [لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته].

                      هذه جملة مجملة، وبيان هذا: أن ابن كلاب والأشعرية تبعاً له لا يرون مسألة تجدد الصفة، ولهذا لما تكلم الحارث بن أسد على العلم في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة:١٤٣] قال: إن العلم هنا هو علم الظهور، بمعنى أنه لم يتجدد علم له سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما بلغ الإمام أحمد رحمه الله قول الحارث بن أسد هجره، واختلف الناس في تعليل هجر الإمام أحمد له، والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لقوله هذا في مسألة الفعل المتجدد.

                      ويبين شيخ الإسلام المقصود بالعلم فيقول: والعلم بالشيء موجوداً ليس هو العلم به مقدراً باتفاق العقلاء، ولا شك أن الله سبحانه علم ما كان وما سيكون، ولكن قوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة:١٤٣] هذا من إثبات العلم، والله موصوف بالعلم أزلاً، والعلم بالشيء موجوداً ليس هو العلم بالشيء مقدراً، وهذا لا يرجع إلى نقص في علم الله؛ إذ إن العلم هنا تعلق بالموجود، والعلم في الأول تعلق بالمقدر.

                      وابن كلاب والأشعري وأتباعهم لا يثبتون هذا الفرق، وهذا فرع عن قولهم: إن العلم واحد أزلي، والكلام واحد أزلي، وكذا القدرة والإرادة، وهلم جراً.

                      فقوله رحمه الله: (لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته) إن أراد أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير قبل خلقهم وبعد خلقهم، وأنه لم تحدث له صفة مختصة من جهة أصلها، بمعنى أن الصفات قديمة وأزلية فهذا صحيح، وإن أراد أن صفة الفعل لا أثر لها في ذاته سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا هو المذهب الذي كان يقول به الأشعري وابن كلاب، ويرون أنه لا فرق في أفعال الرب سبحانه بين حاله سبحانه قبل الفعل وبعده، فالجملة هنا ليست محكمة، ولهذا تأولها علماء الأشاعرة الذين شرحوا الكتاب على وفق مرادهم.

                      قال المصنف رحمه الله: [وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً].

                      هذه جملة حسنة، فإنه يقرر أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال متصفاً بصفات الكمال، وهذا متفق عليه بين أئمة السنة والجماعة، وهذه جملة لا إشكال فيها.

                      ثم قال رحمه الله: [ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري].

                      إن أراد أن صفات الله سبحانه وتعالى أزلية، وأنه سبحانه وتعالى له الصفات ولم يكن شيء معه، وأنه الأول كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) وصفاته ليست محصلةً من مفعولاته ..

                      فهذا صحيح.

                      وإن أراد أن الفعل حدث بعد أن لم يكن فلا شك أن هذا المذهب هو الذي اتفق السلف على إبطاله، ودخل على أبي الحسن الأشعري من جهة المعتزلة، وإن كان قد ترك مذهبهم.

                      قال المصنف رحمه الله: [له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق].

                      هذا تأكيد لما تقدم في كلامه، وقوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب) أي: قبل وجود المربوب، (ومعنى الخالق) أي: اسم الخالق، (ولا مخلوق) أي: قبل وجود المخلوق، وهذا كلام محتمل وإذا كان الكلام محتملاً فيجب أن يبين كونه محتملاً، ثم يفسر بما هو مناسب لمقاصد السلف، وأما التكلف في تأويل الكلام فليس منهجاً صحيحاً.

                      Comment

                      • السليماني
                        عضو
                        • Oct 2008
                        • 351

                        #26
                        (34)

                        [قدم أسماء الله وصفاته سبحانه]

                        قال المصنف رحمه الله: [وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم].

                        إن أراد المصنف رحمه الله بعباراته هذه أن الله سبحانه وتعالى لم يزل مسمّى بهذه الأسماء التي سمى بها نفسه،

                        وهذه الصفات التي وصف بها نفسه؛ فهذا لا إشكال فيه، ولكن لا يفهم من هذا أنه فيما لم يزل سبحانه وتعالى ليس له من الاسم والصفة إلا اسمها فقط،

                        فإن الاسم يتضمن صفةً وفعلاً،

                        ومن أسمائه الرحمن والرحيم والعليم والقدير والسميع، وهذه تتضمن صفاتٍ وأفعالاً.

                        فإن أراد بقوله: (وكما أنه محيي الموتى إلخ)،


                        أن الأسماء والصفات أزلية فهذا صحيح، وإن أراد أن المقصود من أزليتها اسمها فقط، وأن حقائقها حدثت بعد أن لم تكن فلا شك أن هذا مذهب باطل،

                        وقد كان هذا المذهب ينتحله الأشاعرة، وإن كانوا يجملون في حروفه، ولكن مذهبهم على التحقيق يصل إلى هذا المعنى.

                        Comment

                        • السليماني
                          عضو
                          • Oct 2008
                          • 351

                          #27
                          (35)

                          [عموم قدرة الله تعالى]

                          قال المصنف رحمه الله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير].

                          قدرته سبحانه وتعالى على كل شيء مجمع عليها بين المسلمين، وقوله تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:٢٠]

                          هذا الحرف من القرآن اتفق المسلمون عليه، لكن يورد المعتزلة وطوائف أخرى مسألة تعلق القدرة بما يسمونه المستحيلات.

                          فقالت طائفة من المفسرين: قوله تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:٢٠]، عام مخصوص، خُصَّ منه الممتنع لذاته، فلا يدخل تحت القدرة، فجعلوا السياق عاماً مخصوصاً.

                          وقالت طائفة: هذا سياق عام أريد به الخصوص -أي: الممكن- فلا يدخل فيه الممتنع لذاته.

                          وقالت المعتزلة: إن الممتنع لذاته شيء ولكنه لا يدخل تحت القدرة.

                          وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

                          (والصواب الذي عليه أهل السنة أن الله على كل شيء قدير، وأن هذا العموم محفوظ لم يدخله تخصيص ولا أريد به الخصوص، بل هو على عمومه، وأما الممتنع لذاته فإنه ليس بشيء، فلا يكون داخلاً في الآية أصلاً، إنما هو فرض يفرضه الذهن لا حقيقة له في الخارج، والقدرة تتعلق بما يمكن وجوده في الخارج).

                          فممكن الوجود لم ينازع أحد من الطوائف في كونه داخلاً في قدرة الله، إلا ما كان من المعتزلة في مسألة أفعال العباد فإنهم قالوا: إنها ليست بمقدورة لله، لأن العبد عندهم يخلق فعل نفسه.

                          قال المصنف رحمه الله: [وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]].

                          هذه الجمل محكمة مجمع عليها بين الطوائف، وليس فيها ما هو مشكل أو مشتبه، أما قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]

                          فإنها من أخص الآيات التي يذكرها أئمة السلف رحمهم الله في توحيد الأسماء والصفات،

                          لأن فيها جمعاً بين الرد على المعطلة والمشبهة، فإن قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١] رد على المشبهة والممثلة،

                          وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١] رد على معطلة الأسماء والصفات.

                          وتتضمن الآية أن إثبات صفاته سبحانه وتعالى لا يلزم منه التشبيه والتمثيل، وهذا هو الإشكال الذي دخل على كثير من الطوائف المعطلة الذين زعموا أن إثبات الصفات مستلزم للتشبيه والتعطيل.

                          Comment

                          • السليماني
                            عضو
                            • Oct 2008
                            • 351

                            #28
                            (36)


                            [أصلان مهمان في باب الأسماء والصفات]


                            وهنا أصلان مهمان من كلام شيخ الإسلام في باب الأسماء والصفات، ذكره في درء التعارض ولخصه في التدمرية،




                            يقول رحمه الله:


                            (وجمهور الغلط الذي حار فيه كثير من الأذكياء في مسألة الصفات هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق يلزم منه المماثلة عند الإضافة والتخصيص).


                            بيان هذا الكلام: أن الله سبحانه سمى نفسه فقال: {إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء:٥٨] وقال عن عبده: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان:٢]




                            وقال عن نفسه وعنهم: {رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة:١١٩] {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:٥٤]،


                            وقال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ} [الحشر:٢٣] فسمى نفسه الملك، وقال عن عبده: {وَقَالَ الْمَلِكُ} [يوسف:٤٣]


                            ، وسمى نفسه العزيز وقال عن عبده {قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف:٥١]، وقال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله} [الأنفال:٣٠]، إلى غير ذلك.


                            فالملك والرضا والمحبة ..


                            هذه أسماء مطلقة، أي: لم تضف ولم تخصص ولم تقيد، لكن إذا أضيف اللفظ فقيل: رضا الله، صارت الصفة متعلقةً بموصوفها، وإذا قيل: رضا زيد صارت الصفة متعلقة بموصوفها، فيمتنع أن يكون الرضا اللائق بالله هو الرضا اللائق بزيد؛ لأن بين الموصوفين تبايناً، فيلزم أن تكون الصفة في الموصوف الأول مباينةً للصفة في الموصوف الثاني، وإن كان الاسم مشتركاً.


                            يبين ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله حيث قال: (ويتبين هذا الأصل بأصلين شريفين ومثلين مضروبين: الأصل الأول أن القول في الصفات كالقول في الذات).


                            لفظ الذات لم يستعمل في الكتاب ولا في السنة، وأصل الذات هو مؤنث (ذو) الذي هو من الأسماء الخمسة، التي تستعمل مضافةً، فتقول: ذو علم، وذو سمع، وذو بصر، فلفظ الذات في الأصل لفظ حادث، ولكنه استعمل في كلام طائفة من أهل العلم على مقصد صحيح.


                            فالقول في صفات الله كالقول في ذاته، وإن شئت فقل: فرع عن القول في الذات، وهذا رد على المعتزلة والجهمية.


                            قال: (الأصل الثاني: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)، فمن زعم في صفة الإرادة أو المحبة أو الغضب أنه يلزم منها التشبيه فيلزمه هذا في صفة العلم، وصفة السمع وغيرها مما يثبته.


                            قال: (والمثل الأول: نعيم الجنة، فالله أخبرنا أن في الجنة خمراً وماءً وعسلاً، والدنيا فيها خمر وماء وعسل)، فالاسم واحد وفيه اشتراك، وأما الحقائق فبينها اختلاف، فإذا كان الاشتراك في الاسم الواحد بين المخلوقات لا يلزم منه تماثلها فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.


                            قال: (والمثل الثاني: الروح، وقد وصفت بصفات، اشتركت فيها مع الجسد في الاسم مع تباينها في الحقيقة، فكذلك الخالق والمخلوق من باب أولى).

                            Comment

                            • السليماني
                              عضو
                              • Oct 2008
                              • 351

                              #29
                              (37)

                              [أصول القدر عند أهل السنة والجماعة]

                              قال المؤلف عليه رحمة الله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده].

                              هذه الجمل التي ذكرها الطحاوي رحمه الله ظاهر سياقها أنه يشير بها إلى أصول أهل السنة في مسألة القدر، وهي مسألة عظيمة تعتبر من أخص مسائل الإيمان؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ورسله، والبعث، والقدر خيره وشره).

                              وقد اتفق المسلمون على أن من أصول الإيمان بالله: الإيمان بقضائه وقدره، وهذا الأصل مجمع عليه بين سائر طوائف المسلمين من حيث أنه أصل كلي؛ فإن من كذب بالقدر فهو كافر معاند لله سبحانه وتعالى.

                              والمراد باتفاق المسلمين على هذا الأصل الإيمان المجمل، وإلا فإنه يعلم أن طوائف من هذه الأمة قد غلطت في هذه المسألة الشريفة، وأصول أهل السنة والجماعة في القدر سبعة، وهي متضمَّنَة في كلام المصنف في هذه الجمل.

                              [الأصل الأول: عموم علم الرب تعالى]

                              الأصل الأول هو: الإيمان بعموم علم الرب سبحانه وتعالى، فإنه قد علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

                              وهذا الأصل هو أشرف أصول القدر، وأخصها عند المسلمين، لأن سائر الأصول من بعده مبنية عليه، وكان السلف رحمهم الله يردون إلى هذا الأصل في مقام الرد على المخالفين، وقد دل على هذا الأصل العقل والفطرة والسمع، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:١٤] وفي مثل قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:٥٩] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية، الدالة على أن الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.

                              وأما الفطرة: فإن الله فطر الخلق على الإقرار بأنه الخالق، ومن لازم كونه خالقاً أن يكون عليماً، فإنه سبحانه وتعالى قال: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)، ولهذا قال المصنف: (خلق الخلق بعلمه)، أي: أنه خلقهم عالماً بهم، فما يكون من نجوى، وما يكون من هَمٍّ في نَفْسٍ، وما يكون من حركة إلى غير ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قد علمها قبل كونها.

                              والإيمان بأصل علمه سبحانه وتعالى مستقر عند جمهور بني آدم، ولم ينازع فيه إلا من أنكر الخالق سبحانه وتعالى، ولهذا قيل: (الإيمان بعموم علم الرب) لتتقرر بهذا مسألة وهي: أنه دخل في عموم علمه سبحانه وتعالى علمه بأفعال العباد، وهذا هو المقصود من تقرير هذا الأصل في هذا الباب.

                              Comment

                              • السليماني
                                عضو
                                • Oct 2008
                                • 351

                                #30
                                (38)

                                [الأصل الثاني: الكتابة]

                                الأصل الثاني: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:٣٨]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث عمران، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكتب في الذكر كل شيء).

                                فسائر أفعال العباد مكتوبة قبل خلقهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والكتابة جاءت مجملة ومفصلة.

                                ويدخل في عموم الإيمان بهذا الأصل ما تكتبه الملائكة عن كون الإنسان المعين، من الرزق والأجل، والشقاوة والسعادة، وكونه ذكراً أو أنثى، كما جاء في الصحيحين من غير وجه عن عبد الله بن مسعود، وكما جاء في الصحيح من حديث حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ..
                                إلخ) وهو حديث مشهور معلوم.

                                وهذا الأصل دليله السمع، وهو الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة، بمعنى: أن الله لولا أنه أخبرنا في كتابه، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم حدثنا بهذا الأصل؛ لما كان من شرط العقل أو اقتضاء الفطرة إثبات الكتابة، بخلاف الأصل الأول (العلم) فإن الإيمان به سمعي، وفطري وعقلي.

                                ولا يُفهم من هذا أن العقل أو الفطرة تنازع في هذا الأصل أو تنافيه؛ فإن عندنا قاعدة، وهي: أن كل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى أو أخبر به رسله فإنه لا بد أن يكون موافقاً للعقل والفطرة، ولكن فرق بين كون هذا الخبر عُلم بالسمع، ثم العقل والفطرة لا تنافيه، وبين كونه معلوماً بأصل العقل أو الفطرة، ونزل الخبر به.

                                ولهذا فإننا إذا ذكرنا الصفات مثلاً، فقلنا: إن صفة العلو دليلها العقل والشرع، فمعنى هذا: أن العقل والفطرة تدل على إثبات علو الرب سبحانه، وأما صفة الاستواء على العرش فهي صفة دل عليها الشرع؛ لأن الله أخبرنا أنه استوى على العرش، فالعقل قبل ورود الشرع لا يدركها ولا يقتضيها؛ لأنها غيب محض

                                ولكن كل ما أخبر به الشرع مما جاء في الكتاب أو السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن العقل والفطرة يقتضيه حال كونه خبراً ثابتاً، وفرق بين دلالة العقل على الشيء حال كونه خبراً ثابتاً، وبين دلالة العقل على الشيء قبل ثبوته.

                                وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله قاعدة وهي: (أن الرسل تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول).

                                ومراده بالمحارات: أي ما يتحير العقل في تصوره، لكن لا يمكن أن يحيل العقل شيئاً أخبرت به الرسل، فمن أحال عقله شيئاً من ذلك، فهذا دليل على فساد في عقله، وغلط في فهمه وإدراكه.

                                Comment

                                Working...